انضم إلينا
اغلاق
برشلونة وريال مدريد.. من مدفع فالفيردي القديم إلى أسلحة لوبيتيغي الفاسدة

برشلونة وريال مدريد.. من مدفع فالفيردي القديم إلى أسلحة لوبيتيغي الفاسدة

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

لماذا يحق للبعض القول أن تلك النتيجة الضخمة لا تعكس حقيقة المباراة؟ لأن ريال مدريد امتلك 15 محاولة إجمالاً مقابل 13 لبرشلونة. لماذا لنفس البعض قول ذات الأمر؟ لأن 4 فقط من كل تلك المحاولات أتت على مرمى شتيغن مقابل 8 على مرمى كورتوا، ولأنها تضمنت عدداً لا بأس به من التسديدات السيئة في مواقع مستحيلة..

 

فوق كل شيء يجب الإقرار بأن ريال مدريد كاد يقلب تلك المباراة تماماً في 20 دقيقة، كان فيهم الطرف الأخطر بوضوح وكان قاب قوسين أو إدنى من إفساد الليلة الكتالونية تماماً، ولكن ببساطة 20 دقيقة لا تجلب الأحقية خاصةً وإن أسأت استغلالها، برشلونة المتعافي يسحق الجثة المتهالكة لخصمه الأبدي بخمسة أهداف مقابل هدف وحيد في عاشر أسابيع الليغا..

   

تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد (مواقع التواصل)

   

دعه يمر

إن كان هناك شكوى معينة ضد إرنستو فالفيردي مدرب برشلونة فهي ضعف عامل الابتكار لديه، وظهوره أغلب الوقت كمدرب تقليدي متوقع إلى أبعد مدى، فحتى وإن راهن البعض على بعض التعديلات المصممة خصيصاً للكلاسيكو، الرجل سيهدي صحة التوقع لهؤلاء الذين انتظروا رؤية تشكيل مباراة إنتر بحذافيره دون أدنى تعديل. لا ديمبيليه، لا سيميدو لا فيدال لا أي شيء، فقط نفس الـ11 الذين بدأوا أول مباراة رسمية عقب إصابة ليونيل ميسي.

 

على الجانب المعاكس كشف جولين لوبيتيغي مدرب ريال مدريد أوراقاً لم تعكس أبداً ما قدمه الفريق في 45 دقيقة مأساوية، فبوجود إيسكو أمام ثلاثي الوسط الثابت كصانع ألعاب متنقل، اعتقدنا لوهلة أنه سيتحلى بالقليل من الحذر لتأمين الدفاع أمام شر مرتدات الكتلان ولكنه سيحتفظ بالاستحواذ أو على الأقل سيسعى لخوض مباراة متوازنة.

 

النتيجة هي استبدال كلمة الحذر بالخوف في أبشع صوره، الذعر حيال فقدان المنصب وهيبة النادي على يد الغريم الأزلي، مما دفعه لمحاولة تجربة آخر ما يجيده: الدفاع. النتيجة كانت مشهداً كارثياً، يحاول فتح الملعب في الخط الأمامي وتضييقه بشدة في الخطوط الخلفية. خسر لوبيتيغي رأس ماله الشهير بنسبة استحواذ بلغت 38% طوال هذا الشوط، وخسر كل شيء بهذا النظام الدفاعي الهلامي سهل الاختراق إلى أبعد مدى.

 

على النقيض الكامل لم نرى هذا الفالفيردي الذي يمنح للأمان الأولوية القصوى طوال الشوط الأول من المباريات الكبرى، بل رأينا فريقاً مبادراً ومستحوذاً ومتقدماً بخطوطه بشكل تدريجي ومتقارب، أمام دفاعات مزعومة تناديه بها الثغرات من كل حدب وصوب، إزاء انحسار الضغط التقليدي من لوبيتيغي، وتنظيف فالفيردي لمدفعه القديم مع أتلتيك بلباو، ليقدم مباراة مذهلة على صعيد الضغط تحديداً.

 

أمام هذا التحييد المدمر من جانب برشلونة لخط وسط ريال مدريد الذي يعد أحد أهم عوامل قوته، سار الأمر في دورة مكررة بشكل مستمر، برشلونة يستعيد الكرة على الطرف الدفاعي، فيحولها للعمق في الثلث الأوسط ثم ينقلها إلى الطرف الهجومي بأقل عدد ممكن من التمريرات، ومن هنا تتبين قابلية تحويل اللعبة إلى فرصة هدف أم لا، تماماً كما حدث في الدقيقة 11.

   

   

بينما لعب برشلونة بأظهرة متقدمة، لعب ريال مدريد بظهير منكمش إلى أبعد مدى، وبالتالي نجح ألبا في غزو اليسار مراراً وتكراراً، واستهل هذا العمل بالتحرك بضعة خطوات ناحية ناتشو البعيد بما فيه الكفاية ليرسل الرجل عرضيته الأرضية بمنتهى الأريحية إلى كوتينيو ويبدأ العرض الكتالوني أسرع من المتوقع. بدأ ريال مدريد أخيراً يضغط من الأمام بحثاً عن التعوبض، ولكن استمرت خطوطه الخلفية في كونها مستباحة أرضاً وجواً، بالتمريرات القصيرة والطويلة، ليتسبب فاران بركلة جزاء أنتجت هدفاً ثانياً بفضل أهم مكتسبات التكنولوجيا في عالم كرة القدم.

 

نشاز في الأوبرا

أحد أهم الإهانات التي توجه لمدرسة الاستحواذ كفكر كروي متكامل هي اعتباره وسيلة للهجوم وتسجيل الأهداف فقط لا أكثر ولا أقل، حيث تبدأ تلك الفكرة حقيقةً من غرض دفاعي هو امتلاك الكرة لحرمان الخصم من تهديدك بها، ومن ثمَّ الانتفاض لاستعادتها في أقرب نقطة لمرمى الخصم بمجرد فقدانها، صحيح أن الأمر يتضمن مخاطرة بفتح الكثير من المساحات للمرتدة، ولكن الفارق هنا يكمن في نجاحك بقتل فرص الخصم في الارتداد، لا أن ينجح الخصم بتهديدك سواء بالمرتدات أو الاستحواذ المضاد. لكن، وبكل صراحة، لا يمكنك لوم المناهضين لهذا الفكر بوجه عام إن استغلوا تلك المغالطة ذريعة لتشويهها، فقد أتت الإهانة تلك المرة من أحد المنتسبين إليها! لوبيتيغي ساهم في ترسيخ تلك الصورة بقوة على مر فترته مع ريال مدريد، إذ لا يوجد ما هو أصدق من تصريحات كاسيميرو الانفعالية عقب المباراة، حين قال أن تلك الـ5-1 هي نتاج ما كان الفريق يفعله طوال الموسم.(1)

 

يمكنك الاستماع لسيرجيو راموس وهو يقول إنه  سيدافع عن لوبيتيغي حتى الموت بعد الكلاسيكو، ويمكنك سماع مارسيلو يقول الشيء نفسه قبله، بل يمكنك قراءة كلمات إيسكو الحادة قبل المباراة أيضاً، وأنه إذا كانت الإدارة تود التخلص من لوبيتيغي فلنحيا معاً أو نموت معاً.. يستقر في وجدانك أنك سترى 11 مقاتلاً يأكلون الأخضر واليابس لأجل هذا الرجل، ثم تفتح إحدى القنوات الناقلة للمباراة بالصدفة وهنا يمكنك الصراخ بكل أريحية "كاذبون"! (2) (3) (4)

 

صحيح أن توني كروس حاول جاهداً تنظيف تلك الفوضى الدفاعية والتي يتحمل المدرب منها جزءاً كبيراً للغاية، إلا أن المرور من خط وسط ريال مدريد لم يكن يتطلب أي جهد يذكر، لا مهارة استثنائية، فقط بعض التنظيم وتمريرة واحدة في أغلب المواقف، تمريرة واحدة لعينة ويكون هجوم برشلونة في مواجهة دفاع ريال مدريد وقُضي الأمر.

 

المقارنة بين نجاح وسط الكتلان في إدارة الكرة وتأمين صفوفه الخلفية أغلب فترات المباراة، وبين ما أنتجه وسط الملكي لأغلبية الوقت ستكون ظالمة للغاية. المقارنة بين تقارب رافينيا مع لاعبي الوسط وممارسته كافة الأدوار التي طُلبت منه في الربط والضغط على فقر مردوده الهجومي، لا تصلح إذا كان السؤال عن إيسكو الذي مارس شتى أشكال الهراء في خضم صحوة الملكي قصيرة المدى. بل حتى جيرارد بيكيه الذي بدأ هذا الموسم بشكل كارثي، كان أكثر ثباتاً واستقراراً على الأرض والهواء، إن قارناه بتلك الكوارث التي أتى بها القائد راموس.

   

ريال مدريد فقد الاستحواذ 17 مرة، قرابة النصف (8) في منتصف ملعبه - هوسكورد (مواقع التواصل)

   

لوبيتيغي بذل كل جهده لإضفاء المصداقية على مقولة أليغري الخالدة "من أراد المتعة فليذهب إلى السيرك"، لأنه شتان الفارق بين التناغم وتبادل المواقع وبين تلك المشاهد الغرائبية، التي يتواجد فيها مودريتش كرأس حربة وبيل كلاعب وسط وبنزيما على الجناح ومارسيلو في العمق. حين يكون ناتشو الظهير الدفاعي داخل منطقة الجزاء في الوضعية الدفاعية ومتقدماً بأميال على أقصى الطرف في الوضعية الهجومية، فقد ذهب الجميع إلى السيرك بالفعل، الفارق أن جماهير الخصم هي من استمتع.

 

الأنفاس الأخيرة

النتيجة 2-0، ولدينا هنا مدرباً مضطراً لفعل شيء ما حيال المقصلة التي تنتظره، وهنا ضحى لوبيتيغي بفاران ودفع بلوكاس فاسكيز، ليتحول إلى 3-4-3 بهبوط كاسيميرو بين قلبي الدفاع وصعود مارسيلو إلى الجناح صراحةً. هنا بدأ يظهر للميرينغي شكلاً هجومياً للمرة الأولى في تلك المباراة، وإن كانت الدفاعات باتت مكشوفة بشكل أكبر نظراً لضرورة التقدم.

 

بدأ فالفيردي الشوط الثاني وهو ينوي اللعب على المرتدة، اختيار بديهي في حالة التقدم أمام خصم مهلهل دفاعياً ومضطر للتعويض لإنقاذ كل شيء، الموسم والمدرب ناهيك عن كرامته. وإن لم يكن هذا هو الخيار البديهي فهو الخيار المتوقع قلباً وقالباً مع إرنستو فالفيردي. على الرغم من مرور أول 4 دقائق بنفس نسق الشوط الأول تقريباً، إلا أن الحال تبدل تماماً بهدف مارسيلو وسط أول إخفاق حقيقي لدفاعات الكتلان.

 

فجأة اكتشف مدرب البلوغرانا أن الرجل الذي ينظف تلك الفوضى عادةً يجلس في المدرجات تلك الليلة، وأنه منح ريال مدريد الكثير من الوقت للتعويض بالانكماش والاستسلام الكامل لوظيفة رد الفعل بالمجموعة القائمة على أرض الملعب، صحيح أن لويس سواريز كاد ينهيها بكرة ارتطمت بالقائم، ولكنها أتت بعد دقائق من معانقة تسديدة لوكا مودريتش لقائم تير شتيغن أيضاً.

 

من هنا اضطر إرنستو للتحرك ولو بنية التأمين، حيث مهد تدريجياً لخطوته الثانية بالأولى، بنزول نيلسون سيميدو على حساب رافينيا وتقدم سيرجي روبرتو إلى الطرف، قبل 5 دقائق من خطوة تأخرت إلى الدقيقة 74 بنزول عثمان ديمبيليه بدلاً من كوتينيو، وهنا قضي الأمر بلا رجعة، فما هي إلا دقيقة وكانت عرضية روبرتو المتجهة إلى ألبا تغير رأيها ليعترضها سواريز في الطريق ويسجل منها الهدف الثالث.

   

   

مهما كنت جيداً ومهما كنت تحاول، هناك لحظات تخبرك بنهاية كل شيء، فاضطرار الملكي للتقدم من جديد كشف خطوطه الخلفية بشكل أكثر حدة، وتناوب روبرتو وسيميدو على انتهاك المساحات وراء مارسيلو، بينما أضاف ديمبيليه الكثير على عبث ألبا بيمين الأبيض طوال المباراة، وأسينسيو لن ينقذك في تلك الحالة، صفر حل محل صفر آخر هو بيل.

 

طلب مارسيلو التغيير فأتى ماريانو مهاجماً والدقيقة تشير إلى 82، لم يعد هناك جدوى من البكاء على اللبن المسكوب، بل لم يعد هناك لبناً من الأساس، كل شيء أو لا شيء، وهنا خرجت إجابة راموس صريحة: لا شيء على الإطلاق، ليتسبب بهدف رابع قاتل بلا رجعة من تعاون روبرتو وسواريز المستمر، وكما نعلم جميعاً فإن برشلونة لا يرحم في تلك المواقف، إن انهارت فريسته فإنه لن يتردد في محاولة التسجيل بكل ما أوتي من قوة، فأتى أرتورو فيدال في الدقيقة 84 واقتحم الكلاسيكو من أوسع أبوابه عقب 3 دقائق فقط بخامس الأهداف من عرضية ديمبيليه.

 

الحكمة المتأخرة

دعنا نقول أن إصابة ميسي المباغتة بتوقيتها الحرج قد تزامنت مع كم هائل من المكاسب غير المتوقعة للكتلان، إذ رأينا فالفيردي يظهر وجهاً تدريبياً حقيقياً للمرة الأولى، ورأينا برشلونة يضغط بجميع أفراده، على النقيض الكامل من 4-4-2 الموسم الماضي التي لا يضغط بها الثنائي الهجومي ميسي وسواريز. صحيح أن جثة لوبيتيغي مليئة بالثغرات الواضحة، إلا أن وضع صورة هذا الاكتساح التكتيكي ومن قبله التفوق الواضح على سباليتي، في مقارنة مع المأساة التي عاشها الرجل أمام دي فرانشيسكو في ليلة روما، سوف يُظهر شخصين متناقضين إلى أبعد مدى.

    

   

لدينا لويس سواريز جديد تماماً هنا، شخص استيقظت كل دوافعه فعادت إليه الحياة وأظهر ما هو قادر على إظهاره بـ3 أهداف من 6 تسديدات بالإضافة لكرة في القائم وتمريرتين مفتاحيتين. 6 أهداف سابقة في الكلاسيكو أضاف إليها هاتريك في تلك الليلة، ليصبح مجموعه 9 أهداف في موسمه الخامس، بالتساوي مع كريم بنزيما في موسمه العاشر.. تلك الأمور ليست بحاجة لتحليل، رحل رونالدو وأصبحت أنت المهاجم الأساسي، كل ما عليك هو أن تضع تلك الكرة في الشباك حين تأتيك في صورة فرصة سانحة، لا أحد يطالبك بتحويل الفرص الميتة إلى أهداف بل بأساسيات وظيفة المهاجم.

 

بالانتقال إلى لاعب عانى الأمرين بين سوء أدائه الفردي وسوء المنظومة المغايرة لأسلوب لعبه، سيرجيو بوسكيتس هو أكثر من استعاد نفسه في تلك الفترة بمعدلات مذهلة ومتتالية على صعيد استعادة الكرة، كللها بـ4 تدخلات ناجحة من أصل 6 واعتراضين للكرة، وكل هذا بدأ بعودة الفريق إلى منظومته المحببة في إطار 4-3-3 التي توفر مساندة دفاعية من الوسط وخيارات أكثر للتمرير، خصوصاً في ظل ترصيعها بلاعب من نوعية أرتور. أما ما يعيب مباراة رافينيا بوضوح فهو كونه الأكثر فقداً للاستحواذ بـ5 مرات.

 

ختام الحديث عن برشلونة يأتي مع ظهيريه روبرتو وألبا، الأول صنع هدفين من أصل 4 تمريرات مفتاحية كأكثر من قدمها طوال المباراة كما نجح في 5 اعتراضات للكرة، والثاني نجح في 6 اعتراضات كما صنع الهدف الأول، بعد أيام قليلة من تسجيله بالفعل في شباك إنتر. باستثناء بعض الأخطاء الدفاعية خاصةً في ظل صحوة مدريد القصيرة، لا يجب بخس حق أي منهما على مباراة أقرب إلى الكمال.

   

مواقع اعتراضات روبرتو وألبا: سيميترية عمل أظهرة فالفيردي - هوسكورد (مواقع التواصل)

 

والختام الحقيقي في مدريد مع أهم أمارات الحكمة المتأخرة.. هل هي ضريبة رحيل رونالدو وعدم تعويضه بصفقة ملائمة؟ الخطة المدريدية كانت ممكنة وواردة للغاية، إن كنت تدافع بشكل أفضل وتنهي كم الفرص التي تخلقها دون جدوى في الهجوم، ولكن بالنظر لكون هذين الشقين هما أساس كرة القدم فإن المشكلة أكبر من اختزالها في رحيل رونالدو دون وصول إيكاردي أو مبابي أو كين.

 

رغم كل تلك الفوضى كانت تلك الصفقة لتنتشل ريال مدريد ولوبيتيغي من تلك المأساة، فتلك الدقائق العشرين أظهرت أن كل ما ينقص ريال مدريد لتغطية عيوبه الواضحة هو وجود مهاجم حاسم قادر على استغلال الفرص المتاحة، وأنه في خضم تلك المهزلة كان أحد هؤلاء الذين يعرفون طريق الشباك ليتمكن من قلب نتيجة المباراة بل والخروج بالفوز من كامب نو بالانتصار، نعم هذا الريال الذي خسر 5-1 كان لديه فرصة للفوز رغم كل ذلك، ولكنه يملك بنزيما. باختصار، عوضاً عن شراء سجادة جديدة متينة تصلح لإخفاء التراب الدفاعي عن أعين الضيوف، فضَّل بيريز مواصلة كنسه أسفل سجادته القديمة المهترئة، فدهسها برشلونة حتى مزقها تماماً.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار