هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
بويان كيركيتش وليونيل ميسي.. لماذا نكره جمهور كرة القدم أحيانا؟

بويان كيركيتش وليونيل ميسي.. لماذا نكره جمهور كرة القدم أحيانا؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"بوفون يتقاعد، ثم فجأة يظهر بوفون آخر عمره 16 عاما في فرق الناشئين، هذا يضرب واقعية اللعبة في مقتل.. هل هناك طريقة لتوقيف إعادة تنشيط الأساطير المعتزلة؟" - سؤال على موقع "Reddit" بخصوص لعبة "Pro Evolution Soccer". (1)

  

إن كنت أحد محبي اللعبة فأنت تعلم عن هذه الظاهرة طبعا؛ في خلال موسمين أو ثلاثة يمكنك تكوين فريق جديد من الأساطير المعتزلة التي تحولت إلى لاعبين جدد يبدأون مسيرتهم في فرق الناشئين، ثم تستمتع برؤية فرديناند ورونالدو وإنييستا يتطورون موسما تلو الآخر حتى يصلون إلى أقصى إمكاناتهم.. أي متعة!

 

تكرار التكرار

يسمونها في علم النفس "Repetition Compulsion" أو "متلازمة التكرار القهري"، وكل البشر مصابون بها تقريبا. التفسير بسيط؛ البشر يفضلون ما هو مألوف عما ليس كذلك، وهذا يقودهم إلى تكرار أفعالهم وردود أفعالهم في كثير من الأوقات، وعندما يتجمع عدد من الأفعال المعتادة معا فإنهم يشكلون نمطا كاملا مكررا، مثل أن تشاهد سلسلة أفلام معينة كل يوم أربعاء وأنت جالس في وضعية معتادة تأكل نوعية محددة من المقرمشات بنكهة ترفض أن تجرب غيرها. في عالمنا الفعلي نسمي هذا سهرة ممتعة، وفي عالم الطب النفسي هو ليس أكثر من حالة من حالات الـ "Repetition Compulsion". (2)

  

 في كرة القدم، هذا هو ما يجعلك تسمع دائما عن كاكا الجديد الذي ظهر في بالميراس، أو نيدفييد القادم الذي خطفه روما من برشلونة، أو راموس الناشىء الذي طُرد 39 مرة وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره بعد. مشجعو اللعبة يطلقون على كل هذا وصفا واحدا فقط؛ نفخ إعلامي.

   

بالطبع لا يمكنك أن تلومهم، لأن ذاكرتهم مليئة على آخرها بأخبار من هذا الطراز ، حملت الأمل في ظاهرها ولكنها انتهت بالإحباط في 99% من الحالات. لم نسمع أبدا عن ألونسو جديد تحول إلى ألونسو جديد فعلا، بل لا ينجو إلا من تجاهلتهم هذه العناوين وهم في بداية حياتهم الكروية. في الواقع ألونسو الجديد عاد إلى ريال سوسييداد بعد تجربة فاشلة في ريال مدريد كلفت الميرينغي نحو 40 مليون يورو في 2013، وكلفت الرجل الكثير من السباب وردود الأفعال السلبية التي لم يرتكب شيئا ليستحقها، إلا إذا اعتبرت التدرج في مدرسة سوسييداد للناشئين واللعب في نفس مركز ألونسو جريمة. (3)

       

   

إذن لن نلوم المشجعين ولن نلوم إيارامندي، من نلوم إذن؟ هل نلوم البشرية كلها لأنها مملة كسولة تفضل تكرار حياتها كل يوم بدلا من أن تتحمل أعباء حياة جديدة؟ بالطبع لا، في هذه القصة متهم واضح هو الإعلام الذي يلعب على هذا الوتر دائما، ببساطة لأن هذا الوتر يربط لاعبا جيدا مغمورا نسبيا مثل إيارامندي بكل الذكريات التي راكمها مشجعو اللعبة عن ألونسو طيلة مسيرته، فجأة يتخيلون إيارامندي وهو يسدد ركلة الجزاء في نهائي إسطنبول ويطلق تمريرات طويلة لوذعية إلى المهاجمين.

  

فجأة يصبح إيارامندي نجما يصنع الأخبار، ويكتسب الخبر نفسه قيمة أكبر من محتواه بكثير، لأنه في عالم الصحافة، وعلى عكس ما قد نتخيله، فإن الـ "Repetition Compulsion" له مفعول السحر. يبدأ الأمر بمجاملات قد تكون صادقة من زملائه في التدريب، ثم تنتقل العدوى إلى محيط معارفه وأصدقائه، ثم إلى أحد الصحفيين المحليين القريبين من النادي، ثم يفيق والعنوان يتصدر ماركا أو آس، وفي كل يوم يولد الكثيرون من ضحايا الأمل الزائف. انسَ ما سبق، البشرية كلها متهمة فعلا.

   

ألست ميسي؟

هل سمعت من قبل عن نوبات القلق؟ باختصار هي تلك الحالة التي كانت تصيبك عندما تكتشف أن نصف أسئلة امتحان الثانوية العامة قد أتت من الجزء الذي لم تذاكره، أو حينما تحتاج إلى إفراغ أمعائك وتكون أقرب دورة مياه على بُعد كيلومترات، المهم أنه ما يحدث عندما تواجه حقيقة مرعبة أو أمرا أكبر من قدراتك بكثير؛ تُصاب بدوار شديد وينخفض معدل تنفسك ويسيطر على جسمك نوبات متتالية من البرد والحر ويخفق قلبك بسرعة 1000 مرة في الدقيقة وتشعر بالخطر والرغبة في الهروب ولكنك لا تقوى على ذلك. (4) قائمة مخيفة من الأحاسيس فعلا، لذا يجب أن يجدوا لها اسما أقوى من "القلق" لأنه يوحي وكأنها مجرد صعوبات في النوم بعد عشاء ثقيل، بالإضافة إلى أنه يمنحها طابعا نسائيا، وهو ما يجعل الرجال بحاجة إلى شجاعة استثنائية لكي يعترفوا بأنها تداهمهم.

      

    

هذا هو أول ما تُعجب به في بويان كريكيتش؛ شجاعته. منذ عدة أشهر تحدث إلى الغارديان في حوار مطول عن نوبات القلق التي كانت تصيبه في بداية مسيرته. حينها كان قد فرغ لتوه من تسجيل 900 هدف لبرشلونة في مراحل الناشئين، وهذا رقم حقيقي بالمناسبة، وبعدها تم تصعيده للفريق الأول ليكسر رقم ليونيل ميسي كأصغر لاعب يحمل ألوان البلاوغرانا في الليغا، في يوم يعتبره البعض أسوأ أو أفضل أيام مسيرته، لا نعلم بالضبط لأنه حمل أول لقب أُطلق عليه؛ ميسي الجديد. (5)

  

17 عاما فقط، بعدها بأيام كان يلعب في دوري الأبطال لأول مرة أيضا، عدة أيام أخرى وكان يسجل في فياريال، ثم بضعة أشهر وكان فيرناندو هييرو يتصل به ليخبره أنه قد تم اختياره ضمن قائمة أراغونيس ليورو 2008، وقتها كان بويان في الطريق للتدريب وأخبر هييرو بأنه لن يذهب. لماذا؟ لأنه مريض. قبلها بأيام داهمته أولى نوبات القلق لدرجة أنه احتاج إلى التمدد على سرير طبيب الفريق ليستعيد اتزانه، وبعدها بدأ يتناول مضادات القلق وأصبح مريضا بشكل رسمي.

  

"كل شيء حدث بسرعة. من وجهة نظر كروية فقد جرت مسيرتي على ما يرام، عندما تم تصعيدي للفريق الأول لُقبت بميسي الجديد، ثم قضيت الأعوام التالية والناس يخبرونني أن مسيرتي كانت محبطة ولم تحقق ما توقعوه.. حسنا، إن كنت تقارنني بميسي وأنا في السابعة عشرة من عمري فأي مسيرة بالضبط كنت تتوقع؟".

   

جشع الكتلان

هذه حالة متطورة للغاية من الـ "Repetition Compulsion" تختلف عن سابقاتها لسبب بسيط وواضح جدا هو أنه عندما كان بويان في السابعة عشرة من عمره كان ميسي نفسه في العشرين من عمره، نحن لا نتحدث هنا عن أسطورة أوشكت على الاعتزال ويبحث الناس عمن يملأ فراغها، بل عن لاعب ما زال في بدايات مسيرته وحتى لو كان قد حقق الكثير عند ذلك الوقت، نتحدث عن جمهور جشع أراد أن يحظى باثنين ميسي في ذات الفريق وفي ذات الوقت والفارق بينهما ثلاثة أعوام فقط.

 

أمل؟ ربما، ولكن حوار بويان يجبرك أن تعتبر النفخ الإعلامي جريمة، والحديث عن النفخ الإعلامي جريمة أخرى، لأنك تظلم اللاعب مرتين؛ الأولى عندما تحصره في خندق ميسي أو رونالدينيو أو رونالدو أو غيرهم، والثانية عندما تعاقبه لأنه لم يرق إلى تطلعاتك، بينما أنت في الواقع تعاقبه على سوء تقديرك واستعجالك وهوسك بالتكرار والتنميط، فينتهي الأمر بأنه لا يصبح بويان أبدا، ولا يصبح ميسي أبدا. من المدهش كيف يمكن للأمل أن يقتل الطموح أحيانا.

    

   

البعض سيقول بأن هذه نوبة من التدليل المفرط وليست نوبة قلق، لأن ما تعرض له بويان هو نفسه ما تعرض له إيتوربي ومنير الحدادي وسيونغ لي من قبل، وكلهم أكملوا مسيرتهم على ما يرام.. حقا؟ هل رأيت لاعبا واحدا قيل إنه ميسي الجديد ونجح بعدها؟ بل تحول الأمر إلى مزحة مع الوقت، وأصبح الإنترنت مكدسا بتقارير عن الـ10 أو الـ15 اسما الذين قيل عنهم إنهم سيصبحون ميسي الجديد ولم يفعلوا، وسنمنحك فكرة بسيطة عن هذه الأسماء؛ أنجحهم وأشهرهم على الإطلاق وبفارق شاسع عن تاليه هو ماريو غوتزه. (6) (7)

  

دعك من كل هذا، ميسي نفسه كان -وما زال- ضحية لإحدى أشهر حالات الـ "Repetition Compulsion" في التاريخ، ومهما اختلفنا حول مسيرته الدولية مع الألبي سيليستي فإننا سنتفق على أنه لم ولن يرقى لتطلعات من يتوقعون منه أن يكون مارادونا أبدا، ولأسباب تحتاج إلى مجلدات لذكرها، فما بالك بلاعبين من طراز إيتوربي ومنير وسيونغ لي.

  

في هذا السياق، تصبح تصريحات ديبالا وهازار السابقة ذات قيمة قصوى، لأن الثنائي أجاد التعامل مع الهجمة الإعلامية حينما حدثت، مؤكدا على أنه هو وليس ميسي أو رونالدو، وأنه سيصنع اسمه بنفسه، وهاجمهم البعض على هذه التصريحات زاعمين أنه سيكون شرفا لأي منهما أن يتشبه بهذا أو ذاك، وهي مقولة مستفزة للغاية حتى ولو صحّت. (8) (9)

   

واقعية البلاي ستيشن

الأمر بسيط إذن، لماذا لا يتعامل كل اللاعبين مع الهجمة الإعلامية بالطريقة نفسها؟ ببساطة لأن ما يلي هو الأصعب، المشكلة لا تقتصر على عدة تصريحات حادة باترة وكأن مشكلة كل من سبقوا أنهم لم يستطيعوا إطلاقها في الإعلام.

  

بويان يكمل قائلا إن الأمر يظل هنا دائما ويشير إلى رأسه، ضغط لا يتوقف أبدا، إحساس مستقر بالإحباط والفشل من قبل أن تبدأ حتى، لأن المشكلة ليست في تشبيهه هو أو غيره بميسي أو غيره، ولكن المشكلة أن البشر عادة لا يدركون بالضبط حدود هذه التشبيهات، لأن علاقتهم بالماضي معقدة نوعا. هم لا يتذكرون ما حدث فعلا، بل الانطباعات التي تركها ما حدث، والأحاسيس التي شعروا بها وقتها، هذا هو سبب الحصانة المفتعلة التي تحظى بها الأساطير القديمة، لأنك إن دخلت على يوتيوب فلن تجد مقطعا واحدا لأسوأ لقطات مارادونا أو بيليه أو كرويف مثلا، بالطبع لأن هذا سيخدش قداسة هؤلاء وسيلوث الماضي بالتبعية.

 

النتيجة هي ضرب الواقعية في مقتل، بالضبط مثل اللعبة التي تُعيد إنتاج الأساطير المعتزلة وتلعب على وتر التكرار بدورها. النتيجة أننا نحتفظ بتماثيل ضخمة في ذاكرتنا لهؤلاء النجوم مبنية على انطباعاتنا ومشاعرنا فقط ولا تعبر عن الحقيقة بدقة، ثم نطالب كل من تبدو عليه أمارات موهبة مشابهة بأن يحاكيها، وأن يحاكيها دون أن يمر بنفس مراحل التطور والصعود والهبوط، بل ينتقل إلى خانة الأسطورة فورا ويذكرنا بالأحاسيس نفسها التي كان يثيرها مالديني وزيدان و روبرتو كارلوس، وإن لم يفعل فهو منفوخ إعلاميا، وإن اشتكى بعدها وقال إنه كان يُصاب بنوبات قلق تعطل حياته وتسحق طموحه وتوقف تطوره، فسنقول إنه مُدلل ولا يتحلى بالرجولة الكافية. أي ظلم؟

 

في الحقيقة، هذا يجبرك على مزيد من الاحترام للاعب مثل هاري كين حتى ولو لم تكن من محبيه، لأنه نجح في النجاة من أداة الإنجليز الإعلامية التي لم تكرر شيئا في تاريخها بقدر تدمير المواهب الشابة، صحيح أنها دمرتهم بطريقة مغايرة تماما يمكن اعتبارها إفراطا في التدليل فعلا، ولكن هذا لا يعني أنها لم تكن تعطل حياتهم وتسحق طموحهم وتوقف تطورهم كذلك، فقط كانت تستخدم أساليب مختلفة.

 

"البعض يقول لي إنني كنت بحاجة إلى أن أكون حقيرا أكثر من ذلك، وإن هذا سيوصلني لما أريده، ولكنني لم أستطع أن أكون هذا الشخص، ليس لأنني مثالي، بل لأنني حاولت وفشلت". (5)

  

   

نكرهه أحيانا

منذ عامين، رحل بويان عن ستوك في إعارة لماينز الألماني وفشل، ثم في إعارة أخرى لألافيش في الدرجة الثانية في إسبانيا ولم يلعب سوى 600 دقيقة تقريبا في موسم كامل، ورغم ذلك، عندما كان يجتمع مع منير الحدادي في إحدى حلقات التمرير أثناء التدريب كان قائد الفريق مانو غارسيا يشير إليهما قائلا: في هذ المساحة يوجد 4 بطولات لدوري الأبطال وعدد لا يمكن حصره من ألقاب الليغا والكوبا. (5)

  

الآن عاد الرجل إلى ستوك، وفي أولى مبارياته حل بديلا أمام روثردام وقاد الفريق للتعادل بعد أن كان متأخرا بهدفين، لدرجة أن هناك صراعا بين الجمهور الذي يضغط لإشراكه في المباريات القادمة، والمدرب الذي يصرح بأنه لن يخضع لهذا الضغط. عناوين غريبة بالنسبة للاعب كان يُلقّب بميسي الجديد يوما ما. (10)

   

"عليّ أن أقول إن أهم الأشياء في اللعبة ليس الكؤوس، بل الخبرات التي اكتسبتها، ما عشته من لحظات، لا أحد يستطيع أن يسرق هذا مني، وهؤلاء الناس الذين تحدثوا عني بما يسيء إليّ سينسونني يوما ما. إن كان الجميع قد نسي فيكتور فالديز أحد أفضل الحراس في تاريخ برشلونة فمن أنا ليتذكروني؟".

   

"أنا أحب كرة القدم ولن يستطيع أي أحد أن يأخذ مني شغفي بها، أنا فخور بمسيرتي". (5)

    

عبارات صارت مستهلكة ومملة للغاية بفعل التكرار أيضا للمصادفة، ومع ذلك قد تكون إحدى العبارات القليلة التي لم يُفقدها التكرار صدقها، وحتى ولو لم تلفت انتباه الكثيرين وبدت وكأنها محاولة يائسة من بويان لمواساة نفسه، والمهم كذلك أنها تذكّرنا أن جمهور كرة القدم يخطئ أحيانا، وأنه يكون كريها جدا أحيانا، ولكن فقط قليلون يجرؤون على إخباره بذلك.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار