انضم إلينا
اغلاق
من ميلان إلى مونزا.. إعادة إحياء بيرلسكوني وجالياني

من ميلان إلى مونزا.. إعادة إحياء بيرلسكوني وجالياني

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

موضوعنا اليوم عن أحد أندية الدرجة الثالثة الإيطالية، وإن كنت لم تسمع بالأمر بعد وقفز إلى ذهنك التساؤل المنطقي الأول في تلك الحالة ألا وهو: لماذا نتحدث عن الدرجة الثالثة الإيطالية أصلاً؟ فأنت على صواب تام، كل ما حدث هو أن أحد أبرز حيتان السياسة والإعلام وكرة القدم في العالم قد قرر الغوص هناك. تماماً كما اضطر سابقينا قبل 12 عاماً لمتابعة الدرجة الثانية، فقط لأن حوت الكالتشيو الأكبر انزلق في تلك الحفرة بشكل آو بآخر.

    

بمبلغ لا يجتاز 3 مليون يورو، ومع الاحتفاظ بالرئيس الحالي نيكولا كولومبو في الإدارة، تم الاستحواذ على كامل أسهم نادي مونزا، بواسطة سيلفيو بيرلسكوني -واللعنة على كم الألقاب الذي يمكن أن يتبع اسم الرجل- رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ورئيس ميلان السابق ومالك الحصة الأكبر من الروسونيري سابقاً ومالك شبكة ميدياسيت الإعلامية ومتعهد تنظيم الحفلات الماجنة في أوروبا والدول المتقدمة..

   

السؤال هو.. كيف أمكن لرجل بأعباء كتلك أن يجد ما يكفي من الوقت لإقامة علاقاته غير الشرعية مع القاصرات؟ لا ندري، وهذا ليس موضوعنا، وإذا سمحتم لا تخرجوننا عن صلب الموضوع، حتى وإن كان هذا الموضوع الآخر يبدو أكثر إثارة.. لقد جئنا للحديث عن مونزا.

 

من هؤلاء؟

وفقاً لويكيبيديا -خير صديق للإنسان في رحلة البحث عن المعلومات العامة- فإن مونزا مدينة تقع في إقليم لومبارديا، وتبعد 15 كم إلى الشمال الشرقي من ميلانو، وهي عاصمة مقاطعة "مونزا وبريانزا". تقع على نهر لامبرو أحد روافد نهر بو، وتشتهر بسباقات الفورمولا 1، وقد علمنا قبل بضعة أيام أن لديهم فريق لكرة القدم، وهو فريق عريق أيضاً حيث تأسس عام 1912. (1)

     

برلسكوني (غيتي)

   

عريق، لكنه لا يملك إنجازاً مدهشاً لنحكيه هنا، ربما يملك في المستقبل، هذا إن كنت تود الرهان على نجاح اثنين من أشهر ديناصورات المجال الرياضي حجماً وعمراً، فقد اقتحم بيرلسكوني العقد التاسع قبل عامين بالفعل، بينما يبلغ جالياني من العمر 74 عاماً فقط. ولكن للعديد من الأسباب، يبدو مونزا خياراً مثالياً للغاية إن كانا بصدد إعادة تجديد شبابهما الإداري..

 

عن بيرلسكوني حدث ولا حرج.. لقد كان يبدو كرجل في الخمسينات طوال الأعوام الثلاثين الماضية، إنه حالة محيرة أكثر من "بنجامين باتن"، بل أكثر حتى من ثيو والكوت. هذا الرجل المعارض الذي ضربه بنموذج كاتدرائية ميلان في وجهه عام 2009 لم يشعر بتجاوزه للأعراف والاعتبارات الإنسانية ناحية كبار السن، لأنه ببساطة لا يشبههم على الإطلاق.(2)

 

أما جالياني فمعه تبدأ الإجابة عن السؤال الأهم: هل هذا المشروع هو استثمار حقيقي، أم مجرد أمنية أخيرة لرجلين طاعنين في العمر، وكما يقولون أنه حين تقترب النهاية لا تندم على الأشياء التي فعلتها بقدر ندمك على تلك التي لم تفعلها؟ خطوة بخطوة.. لماذا يبدو الاحتمال الثاني هو الأقرب؟ كالعادة، لنرَ..

    

المزرعة السعيدة

"الحقبة الجديدة التي تحدثوا عنها هي مجرد تفاهة. العصر الذي ينتهي فيه حلم القراصنة؟ أحلام الناس لا تنتهي أبداً".

(مارشال دي تيتش - المسلسل الياباني "وان بيس")

   

يخرج الرجل من قريته الصغيرة إلى قلب مدينة الأعمال في سن صغير، يقضي أول 60 عاماً من حياته محاولاً البحث عن كل سبل النجاح والتوسع وكسب المال، ثم يكتشف فجأة أنه جنى ثروات طائلة لكنه لم يحظ بما فيه الكفاية من الوقت لنفسه، فيفقد الشهية والشغف ولا يفكر في شيء سوى توريث إمبراطوريته للجيل القادم وشراء تلك المزرعة الهادئة التي كان يتطلع لها في صغره، أو ربما عمل بها قبل أن تأسره أضواء المدينة.. يقضي أيامه الأخيرة بين جنباتها في سعادة وراحة بال، ثم يموت في هدوء وسكينة بعد لحظات من ظهور أول ابتسامة صافية خالية من الهموم على وجهه.

   

لم يكن جالياني راضياً على الإطلاق حين سمع أن عمله بأحد الأندية الإيطالية ولا سيما على تلك المقربة الجغرافية من إيه سي ميلان يمكن أن يتم اعتباره "خيانة" للروسونيري

غيتي
   

حسناً كنا نود نسب هذا إلى مصدر بعينه، ولكنها فكرة تم ابتذالها لدرجة أننا لم نعد قادرين على تحديد منبعها الأصلي، لسبب ما تبدو هذه الفكرة الصالحة تماماً لإنتاج أحد الأفلام الرخيصة شديدة الشبه بما نحن أمامه الآن. كل مشجع لميلان يعرف جيداً من هو أدريانو جالياني، وما يمثله كجزء كبير من تاريخ هذا النادي، ولذلك حين يخرج الرجل ويقول إنه "كان معاراً لميلان لمدة 31 عاماً"، فتلك كلمات لا يمكن أخذها على محمل الجد إن لم يفسرها.

  

جالياني الذي ولد في مونزا أصلاً، لم يكن راضياً على الإطلاق حين سمع أن عمله بأحد الأندية الإيطالية ولا سيما على تلك المقربة الجغرافية من إيه سي ميلان يمكن أن يتم اعتباره "خيانة" للروسونيري، في حقيقة الأمر، لقد كان على وشك القول بأن عمله في ميلان هو الخيانة لمونزا!

   

"إنه يوم سعيد بالنسبة لي، بفضل سيلفيو بيرلسكوني أنا أعود لفريق مدينتي وقلبي. في سبتمبر 1975 أصبحت من حاملي الأسهم في مونزا، لقد شكل هذا النادي جزءاً هاماً من حياتي. لقد قابلت بيرلسكوني في الأول من نوفمبر 1979، دعاني للعشاء وسألني ما إذا كنت قادراً على بناء 3 قنوات لشركته، وعدته بذلك بشرط أن أصبح قادراً على اتباع مونزا في الديار وخارجها. لقد نظر إلىَّ كما لو كنت مجنوناً ولكنه وافق. بقيت في مونزا لـ10 أعوام، حتى 31 ديسمبر 1985، حينها استقلت وانتقلت إلى ميلان مع بيرلسكوني في فبراير 1986 وحتى ابريل 2017 حين تم بيع النادي. في يوم تأهل مونزا من الدرجة الرابعة إلى الثالثة اتصلت على الفور برئيس النادي نيكولا كولومبو لتهنئته. انتقالي إلى هناك ليس خيانة لميلان، لقد بدأت في مونزا ثم انتقلت إلى ميلان على سبيل الإعارة لـ31 عاماً". (3)

     

يمكنك أن تأخذ الرجل من مونزا، ولكن لا يمكنك أخذ مونزا من الرجل.. إنه يتذكر كل شيء وكأنه دار بالأمس، كل شيء بما فيهم التواريخ اللعينة! جالياني لم يبخل علينا بما يدور في ذهنه وقلبه حقاً، فقد أخبرنا أنها "عملية رومانسية وفعل يعبر عن الحب من جانبه وجانب بيرلسكوني"، وأن المفاوضات بدأت في الحادي والثلاثين من أغسطس وانتهت في الثامن والعشرين من سبتمبر، بتلك البساطة حقاً، لقد كنا نسمع عن هذا العرض الصيني لشراء ميلان منذ توحيد الصين تقريباً!

 

"ديربي ميلان ومونزا؟ أحلم به خلال عامين. الأحلام لا يمكن إيقافها. نظرياً من الدرجة الثالثة، يمكننا الوصول إلى الدرجة الأولى في يوليو 2020".(4)

 

لغة المال؟

حسناً إن سلمنا بأن جالياني مجرد عجوز حالم في الوقت الحالي، فإن هذا الوصف لا يفترض أن ينطبق على سيلفيو الذي قال في إبريل الماضي أنه سيعيد شراء ميلان عاجلاً أو آجلاً، بعد حصول حزبه "فورزا إيطاليا" على 14% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وإلقاء خبراؤه اللائمة على بيع الروسونيري كأحد أسباب تلك النتيجة السياسية المخيبة. رجل السياسة والأعمال يفترض أن يكون عملياً، ولكن رؤية الرجل العملي لناديه الجديد تبدو خيالية للغاية، أقرب لمدرسة عسكرية أو مجموعة من المبشرين منها إلى فريق لكرة القدم..(5)

 

"لدي برنامج معين لمونزا في عقلي، سيكون فريقاً شاباً ومكوناً من اللاعبين الإيطاليين. شعرهم يجب أن يكون مهذباً، هناك حلاق في مونزا بالفعل مستعد للقيام بقص الشعر مجاناً. لا لحية، لا وشوم، أيضاً لا أقراط في الأذن. سيكون الملعب مثالاً للعدل.. سيعتذرون للخصم إن ارتكبوا مخالفة، وسيعاملون الحكم بشكل لائق، وإذا طلب منهم توقيع تذكاري لن يقوموا برسمة كبيرة، فقط سيكتبون أسماءهم، وسيظهرون دائماً بشكل لائق من ناحية الملبس. أريد شيء مختلف عن كرة القدم الحالية".(6)

  

(رومانيولي: أهنئي بيرلسكوني، لقد صنع تاريخ الكرة وأتمنى أن يحقق أشياء عظيمة هناك، ولكنه للأسف لن يتعاقد معي لأني أملك لحية ووشوم)

        

لتكتمل الرواية الخيالية وتستمر في إبعادنا عن الواقع، علينا العودة إلى أحد أهم أيام الرحلة التاريخية التي رواها جالياني.. 24 مارس 1986، يوم إعلان سيلفيو بيرلسكوني رئيساً لميلان، الرئيس الحادي والعشرين على وجه التحديد. وصل الرجل بعد 15 عاماً اعتبرها الموقع الرسمي للنادي واحدة من أكثر الفترات ظلاماً في تاريخ النادي، حيث وضع النادي نجمته الشهيرة على القميص بعد التتويج بلقب الدوري العاشر في تاريخه عام 1979، ثم 3 كؤوس إيطالية وكأس أوروبا لأبطال الكؤوس، كان هذا كل ما احتفل به عشاق الروسونيري في تلك الحقبة، إضافةً إلى ظهور الأسطورة فرانكو باريزي للمرة الأولى مع الفريق في ابريل 1978.

  

إن كان هذا سيئاً، فهو لا يقارن بسوء بداية الثمانينات، حين سقط العريق إلى الدرجة الثانية لموسمين، بلا بارقة ضوء سوى ظهور أسطورة أخرى في يناير 1985: باولو مالديني. حتى وإن كان بيرلسكوني عاشقاً لميلان، فإنه لم يأتِ لكتابة تاريخه بقلبه، بل بأمواله التي جلبت روبرتو دونادوني وداريو بونيتي وجيوسيبي جالديريزي ودانيلي ماسارو وجيوفاني جالي، مجموعة الصفقات التي أعادت النادي إلى المسابقات الأوروبية من جديد قبل وصول أريجو ساكي، والبقية للتاريخ.. (7)

 

يفتخر ميلان بـ7 ألقاب لدوري أبطال أوروبا، ولكنه ما كان أبداً ليعرف هذا الفخر دون إدارة سيلفيو التي شهدت تحقيق 5 منهم، من أصل 8 نهائيات بلغها. 8 من أصل 18 لقباً للدوري قد دونت في عهد الرجل نفسه، ميلان ولد كبيراً، ولكن من العدل أن نقر بأن تلك الإدارة بقيادة بيرلسكوني وجالياني تملك وحدها قرابة نصف هذا التاريخ المجيد، فهل يمكنهما تغيير وجه مونزا كما غيرا وجه ميلان والكرة الإيطالية قبل 32 عاماً؟

 

الفصل الأخير

  

الآن وصل بيرلسكوني وجالياني إلى محطتهما الأخيرة قياساً على متوسط عمر الإنسان، وها هما في خضم العمل رفقة نيكولا كولومبو، وهو ابن فيليس كولومبو الرئيس رقم 17 لميلان بين 1977 و1980. رابطة بلا معنى أو دلالة ولكن يجب أن تُستَغل بشكل أو بآخر، كأن يصبح نيكولا فتى النبوءة مثلاً، أو الرجل الذي يحمل الشعلة حين يسقطها القائد العجوز، أو أن تأتي باربرا بيرلسكوني وتركله هو وجالياني وتحول النادي إلى أحد متاجر بيع قطع غيار السيارات، وهو الاحتمال الأقرب للواقع.

 

الطريق إلى الدرجة الأولى واضح للغاية، فلدينا عائلة حتى لو كانت تمر بمرحلة إجبارية من ترشيد الإنفاق، هي لا تزال صاحبة اليد العليا في غياهب الدرجتين الثانية والثالثة، وبالتالي يمكنها شراء كل ما يلزمه الأمور لتحقيق الحلم حقاً في عامين، فالأحلام لا تحقق نفسها بنفسها، والخيال لا يحكم الواقع إلا في استثناءات نادرة، وهو ما يعني أن فريقاً من الشباب الإيطاليين فقط في العصر الحالي، سيتطلب الأمر معجزة ليفوز بالكالتشيو.

 

"حياتي بدون بيرلسكوني ستكون مختلفة، ولكن بالتأكيد أقل متعة"

(أدريانو جالياني (3))

 

السؤال كان: مشروع استثماري أم حلم خيالي أخير؟ والإجابة خليط بين ما سبق ولا شيء مما سبق.. الاحتمالات مفتوحة على كافة الأطراف، فهو سيحقق الرؤية الحالمة ببعض الاستثمارات، ولو كانت شراء أفضل اللاعبين الطليان في الدرجات الدُنيا، ولكن المستقبل يبقى غامضاً، ليس قياساً على ما سيفعله الورثة فقط بل الأهم هو ما سيفعله الرجلان ما دام القدر يمهلهما. فهذا المونزا قد يصبح عملاقاً إيطالياً جديداً، أو يتحول إلى مزرعة اعتزال جالياني الهادئة، قبل أن يعيد بيرلسكوني شراء مزرعته الأقرب إلى قلبه.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار