اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/13 الساعة 15:12 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/28 هـ

انضم إلينا
أوزيل ومولر وبيدرو.. ما لا تخبرك به إحصائيات اللاعبين

أوزيل ومولر وبيدرو.. ما لا تخبرك به إحصائيات اللاعبين

محمد علاء

محرر رياضة
  • ض
  • ض

قبل حداثة التحليل والإحصاءات ومقاطع الفيديو، كانت هناك وسائل شحيحة للتعرف على خطط خصمك في المواجهة التالية، أهمها بالطبع هو إرسال مستكشف خاص بك لحضور تدريبات الخصم النهائية لإعلامك بأدق التفاصيل التي لاحظها. ذات مرة وعلى هامش مواجهة هامة لريال مدريد ضد ميلان في دوري أبطال أوروبا، أُرسلت إدارة الملكي كشافا لتدريبات "الروسنيري" في ملعب سان سييرو. الجميع كان ينتظر تعليماته وملاحظاته المهمة، لكنه عاد بخبر مُريب: "أريغو ساكي" لا يتدرب بالكرة. (1)

 

"ساكي" يُجبر لاعبيه على لعب كرة الظل: تدريبات كاملة في لعبة كرة القدم بدون كرة قدم. يخبرهم فقط بمكان الكرة الذي يطرأ في عقله وعلى أساسه تتحرك كتلة اللاعبين للتمركز في الموضع الأنسب لمكان الكرة الحالي.  تلك الخدعة كانت كافية لإنهاء مواجهة ريال مدريد بنتيجة كارثية (5 أهداف مقابل لا شيء).(1) الأدهى أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل استمرت كرة الظل خاصة "أريغو" لفترات أطول؛ فاللعبة كانت تتلخص بالنسبة للإيطالي في 4 كلمات فقط: الكرة، الخصم، الزميل والمساحة، وفي الأخيرة يكمن الكثير ليُقال.

 

مسعود أوزيل.. تبا للإحصائيات
اعتقد الجميع لفترات طوال أن الألماني "مسعود أوزيل" لاعب كسول لا يمكنه الالتحام ولا الركض ولا المشاركة في الصراعات سواء كانت أرضية أو هوائية. ذلك الوصف كان محط نقد كبير عند انتقاله من ريال مدريد إلى أرسنال لكونه لن يستطيع التأقلم مع أجواء الكرة الإنجليزية التي تعتمد في الأصل على الإلتحام والكرة الخشنة. لكن بمرور الوقت اتضحت الحقيقة.

  

 

خلال فترة تواجد "مسعود" بجانب "سانشيز" في ملعب الإمارات، كان الجميع يُشير إلى أن الأخير هو الأفضل وهو الأكثر إضافة للفريق، فإن كنت من محبي اختزال اللعبة في الأهداف فتلك نتيجة منطقية جدا، وإن كنت من محبي التعمق أكثر في الشئون الداخلية فستجد أن كافة الإحصائات تنصف التشيلي على زميله الألماني، من حيث التصويب والمحاولات على المرمى والحصول على أخطاء.. إلخ؛ بالتالي فالنظر للموضوع من زواياه المتعددة سينتهي بك إلى نتيجة واحدة. في حين أنه في ظل محاولة البعض للدفاع عن "أوزيل"، اتضح أن هناك بعدًا آخر للرؤية، وهي إحصاءات أكثر تعمق من سابقاتها.

 

الحقيقة الكاملة التي نحياها منذ ظهور ميزة الإحصاءات أنها تدور في أفق الاحتفاظ بالكرة فقط، بمعنى أن كل شقوق التحليل من هذا الجانب تتركز في الوقت الذي تكون الكرة فيه بحوزة اللاعب. وبنظرة سطحية على اللعبة إجمالا؛ فإن هناك 22 لاعبا يتراصون في مساحة 50 مترا -تقريبا- في وجود كرة واحدة فقط لمدة 90 دقيقة، تلك الرؤية ستجعلنا نؤكد أن المدة الزمنية التي ستكون فيها الكرة بين أقدام كل لاعب على حدة لن تتخطى 4 دقائق بالإجمال، بالتالي نستنج أن كرة القدم تقوم في الأساس على اللعب بدون كرة قدم.

 

في موسم 2015، وهو الموسم الثاني لعازف الليل رفقة الـ"الغانرز"، بدأت النتائج تُشير إلى أنه يركض أكثر من زملاءه، (2) بجانب أن أماكن تواجده في الخريطة الحرارية غير مألوفة، لكنه يظل في الإحصائيات العادية (التي تخص تواجده بالكرة) تقتصر فقط على صنع الفرص والأهداف لزملائه وهما نتيجتان متناقضتان أو لنقل أن بينهما حلقة مفقودة، والتعبير الأخير جائز أكثر، حيث إن عمل أوزيل بدون كُرة هو المعنيّ.

 

محاولة الدفاع عن أوزيل كانت إحدى العوامل التي جعلتنا نصل إلى حقيقة أننا نحتاج إلى إحصائيات وأرقام أكثر تركيزا تجعل الأشياء غير الملموسة، ملموسة، وبوضوح أكثر؛ نحتاج لأرقام تُبرز العمل الذي يقوم به اللاعبون في الوقت الطويل جدا الذي لا تكون الكرة فيه بحوزتهم، لتوضح لنا أنه لولا العمل الذي يقوم به أوزيل وأمثاله، فإننا لن نشاهد تلك الأرقام التي نراها لسانشيز ومن يشبهونه من اللاعبين.

 

بيدرو رودريغيز.. لعبة (الزمان - المكان)


 

الجميع يتفق ضمنيا على أن "ميسي" هو صاحب التأثير الأبرز في حياة المدير الفني الأسباني "بيب غوارديولا"، لا ينتظر أحد اعترافا بذلك للتأكيد، لكن في حين أفصح "بيب" عن أن هنالك لاعبا كان له فضل كبير على مسيرته؛ فعلينا أخذ ذلك بكل الاعتبار. الشيء الغريب في الأمر أنه لم يقل "ميسي"، بل أكد أن الإسباني "بيدرو رودريغيز" هو من جعله مدربا أفضل. (3) 

 

ما سبق لا ينفي الحقائق التي تضع "ليونيل" في مكانة بعيدة عن أغلب اللاعبين، لكنه يجلعنا نتجه بالنظر لأحد هؤلاء الذين بزغ نجمهم في الخفاء، مع ضرورة عدم توجيه الأنظار لهم.

 

في 2004، كان كشافو "البلوغرانا" في مدينة "تينريفي" من أجل التعاقد مع الإسباني صغير السن حينها؛ "جيفرين سواريز"، فسألهم مدرب الشباب بالنادي المحلي للمدينة عما إذا كانوا سيأخذون "بيدرو" معهم أيضا، ليتفاجأ بالسؤال المنطقي من أحد الكشافين: "من هو بيدرو؟". كان يتطلب الأمر البقاء ليوم آخر من أجل مشاهدة ذلك الشاب الصغير، وسريعا حصلوا على إجابة ذلك السؤال وتم التعاقد. (4) استمر تجاهل "بيدرو" طوال فترته الذهبية رفقة برشلونة، حيث عاد "كريستيانو رونالدو" ليسأله "من أنت؟" أثناء كلاسيكو جرى في تشرين الثاني/نوفمبر 2010. (4)

 

تلك الحالة من التجاهل ساعدت الإسباني كثيرا. يؤكد هو ذلك حينما يستنكر: "كيف لا أحرز أهدافا؟ الجميع يضع تركيزه على ميسي وبويان وفيا، دائما ينسوني، العديد من الفرص تتاح لي بهذه الطريقة". سرعان ما حصل "رونالدو" على إجابة لسؤال أيضا، حيث افتتح "بيدرو" التسجيل في ذلك اللقاء. (4)

 

كان "بيدرو" بسرعته وفهمه للعبة الأهم في تكتيك برشلونة وكذلك قدرته على إنهاء الهجمات، هو أحد القطع البارزة جدا والتي لا يمكن الاستغناء عنها في الجيل الذهبي للـ"بلاوغرانا"

رويترز
  

نعرف بالطبع أن المستوى الذي ظهر عليه في عام 2004 كان كافيا جدا للتعاقد معه كلاعب شاب صغير في السن، لكن عملية تفضيله من قبل "بيب" هي موضع البحث. وإذا ما تناسينا التعقيد الفيزيائي واستشهادا بمقولة أسطورة وسط الملعب "تشافي هيرنانديز"، فإن "بيدرو" هو أحد القلائل الذين يجيدون لعبة (الزمان - المكان) أو اختصارا فهي "الزمكان". (5)

 

قامت فلسفة بناء اللعب في برشلونة على عدة نقاط أبرزها وأكثرها وضوحا هي التمرير العرضي الكثيف بحثا عن مساحة في دفاع الخصم من أجل ضربه في الوقت المناسب: الوقت المناسب والمساحة المناسبة هما تحديدا اللغة التي كان يتحدث بها كافة لاعبي "غوارديولا" إبان عهده في كتالونيا، وهو التعريف التطبيقي للعبة الزمكان.

 

هنا تظهر قيمة لاعب بإمكانيات "بيدرو". الكرة تُدار بإحكام تام من قبل متوسطي ميدان برشلونة ومن أمامهم "ميسي"، كل ما تطلبه تلك التشكيلة هو لاعب يُمكنه التحرك فيما بين الخطوط بسرعة وفي الوقت المناسب من أجل الحصول على التمريرة المنضبطة من وسط الملعب أو من "ليو"؛ ليتبقى فقط إنهاء الهجمة بالشكل الأمثل في المرمى. يعود "بيب" ليؤكد أن إنهاء الهجمات عند "بيدرو" كان أفضل منه عند "ميسي". (4)

 

بالتالي كان "بيدرو" بسرعته وفهمه للعبة الأهم في تكتيك برشلونة وكذلك قدرته على إنهاء الهجمات، هو أحد القطع البارزة جدا والتي لا يمكن الاستغناء عنها في الجيل الذهبي للـ"بلاوغرانا"، وهو ما يُعتبر بعيدا عن كافة الرؤى التي كانت تستبعد "بيدرو" من الأوصاف البراقة لتلك الفترة الزمنية. يعود ذلك إلى الأدوار التي كان يكلف بها في المنتخب أو في الفترة ما بعد رحيل "بيب"، حيث تطلب منه الأمر القيام بأدوار أكثر بالكرة، الشيء الذي يُفقده جزءا كبيار من قيمته، لكن حين عاد للدور نفسه في تشيلسي وفي تكتيك "كونتي" تمكن من الحصول على لقب الدوري الإنجليزي.

 

توماس مولر.. الضغط بغير غرض الحصول على الكرة

يتفق كل من "ساكي" و"كرويف" حول كيفية الضغط في حالة فقدان الكرة، هناك مصطلح يتم تكراره في تكتيك كل منهما، وهو تضييق المساحات على الخصم في ظل عدم امتلاك الكرة. يضمن لك ذلك سرعة ارتداد الكرة بسبب خلو الملعب من قنوات وزوايا التمرير. المعنى الأشمل للضغط هو قطع الكرة أثناء تواجدها مع الخصم، كل البحث حول الكرة مهما اختلفت المسميات، لكن في استخدام "توماس مولر" عرفنا معنى جديدا للضغط منزها عن أغراض الحصول على الكرة.

  

  يظهر في الدقيقة الأولى ضغط توماس مولر الذي لا يحصل فيه على الكرة

 

أغلب النتائج العظيمة التي نتوصل إليها في العلم تكون في ظل بحثنا عن معنى آخر أو نتيجة أخرى. محاولة البحث عن أسباب تقوي موقف "أوزيل" تجاه الجماهير وصلت بنا إلى ضرورة استنباط نوع جديد من الإحصائيات، وعليه، فإن "توماس مولر" كان أحد أبرز العناصر التي صنعت لغطا من قبل الجماهير حول أسباب مشاركته الأساسية مع بايرن ميونخ والمنتخب الألماني. الكل يؤكد أنه فقط محظوظ لأنه يتواجد في الأماكن التي تتجه إليها الكرة ويملك هو قدرة على تحويل ذلك لأهداف، وانتهى. لكن في ظل محاولة أحدهم للدفاع عنه في الفيديو السابق الذي يبرز كيفية استخدامه المميز للمساحات، ظهر نوع معين من الضغط يُستخدم كثيرا لكنه لا يُرصد.

 

"مولر" يعتبر الشرح الكامل للنقطتين الخاصتين بـ"بيدرو" و"أوزيل"، فهو ركيزة أساسية في قوام فريقه وأحد الفاهمين جدا في لعبة الزمكان، وهو كذلك أحد أولئك الذين يحتاجون لإبراز دورهم بنوع جديد من الإحصائيات وكذلك التعريفات. كل الشكر يعود للاعبي خط الوسط الذين يحصلون على الكرة بعد عمليات ضغط طويلة. تنتهي المباراة لنكتشف الأرقام التي تشير إلى عدد الاعتراضات والالتحامات وغيرهما، لكن عملية الضغط التي تظهر في الدقيقة الأولى من مقطع الفيديو المرفق لا يوجد رقم واحد ليبرزها.

 

يقوم "مولر" وغيره من اللاعبين بعملية تضييق الخناق على حامل الكرة حتى يسهل مهمة المسؤولين عن افتكاكها. بدون الضغط الوهمي -أو التغطية الظلية- الذي يسبق عملية الضغط الحقيقية لن يكون هناك وجود للمحصلة الأبرز في النهاية وهي الحصول عل الكرة. ذلك التعريف الجديد للضغط ظهر في استخدام "غوارديولا" لـ"توماس" أثناء تواجد الأول في "بفاريا"، حيث أبرز الأخير أنه يملك قدرات عالية في فهم قيمة كل مساحة أثناء فترة "يوب هاينكس"، بالتالي ارتأى "بيب" أن ما يُمكن فعله هجوما يتم الاستفادة منه دفاعا، وقد كان.

الخطأ الذي قد نقع فيه جميعا هو محاولة متابعة الكرة فقط أثناء 90 دقيقة كاملة. لأننا لن نتمكن من الحصول على إجابات لكافة الأسئلة التي تطرأ في عقولنا أثناء كل مباراة إلا بتحويل وجهتنا إلى ما يحدث بدون الكرة، حيث في هذه الأخيرة تكمن التفاصيل الأدق.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار