اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/6 الساعة 13:38 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/21 هـ

انضم إلينا
المدرب الاستثنائي.. الشعرة التي تفصل بين العبقرية والجنون

المدرب الاستثنائي.. الشعرة التي تفصل بين العبقرية والجنون

محمد علاء

محرر رياضة
  • ض
  • ض
هناك بعض الأساطير تشير إلى أن الوجود الطبيعي للحكماء في مختلف العصور يتمثل بكهوف معزولة عن البشر فوق أحد الجبال العالية، أو داخل غابات كثيفة الأشجار وملتوية الطرق. الوصول لهؤلاء الحكماء لا بد أن يكون صعبا للغاية، وبالرغم من ذلك تجد التهافت عليهم كبيرا جدا من قبل المريدين، أما إذا لم تكن هذه الطقوس الصعبة محيطة بالحكماء، فإنهم لا يستحقون لقب "الحكيم"، أو عارف أو فيلسوف.


وبالمثل؛ أغلب العباقرة الذين يتحدث عنهم خبراء التكتيك والمدربين العظماء، يجب أن تحيط بهم ظروف استثنائية: كعدم الفوز بأي بطولة، أو الخسارة بنتائج قاسية، ثمانية أهداف مقابل لا شيء على سبيل المثال. كلها أشياء غريبة يجب أن ترتبط بهؤلاء الذي يحصلون على لقب "عبقري" في تكتيك الساحرة المستديرة، وكأنه شرطا أن تكون منسيا لتستحق لقب عبقري. الأمر لا يدعو للجنون، إنه اختلاف في المعايير فقط.

مارسيلو بيلسا: الوعي الخططي أم الفوز بالبطولات؟

إذا سألت "بيب غوارديولا" عن اسم أفضل مدير فني في العالم، لن تحصل على أي إجابة سوى "مارسيلو بيلسا"؛ تلك الإجابة التي لن تتغير أبدا بالرغم من كافة الفوارق التي قد نراها بالعين المجردة بين الأرجنتيني وأي فرد قد يقع معه في مقارنة، فما الدافع وراء ذلك الإصرار من "غوارديولا"؟ لا يمكن أن نصفه بأنه غير عارف بشؤون الكرة، أو أننا أكثر دراية منه بها، فقط معايير مختلفة.

لن تحتاج لعناء البحث حول اللاعب "مارسيلو بيلسا" في 21 تموز/يوليو من عام 1955، ولد الأرجنتيني في منزل من طابقين يقع في أحد الأحياء القريبة من وسط مدينة "روزاريو". أهمل منذ طفولته كافة دروس الموسيقى والبيانو التي واظب عليها إخوته، وقرر الهروب بكرته من أحد نوافذ الطابق السفلي حتى يمارس اللعبة بساحة لا تبعد كثيرا عن المنزل(1).

السياسة التي ينتهجها "مارسيلو"هي السعي لرفع الوعي التكتيكي عند لاعبيه فلا يمكن أن تتدرب تحت ولايته وتصبح مثل نظرائك في بقية الفرق (الأوروبية)


سنوات قليلة حتى انضم إلى فريق "نيولز أولد بويز" المحلي بمسقط رأسه، كان ذلك عام 1977، ثم التحق بـ"إنستيتوتو" و"أرجنتينو"، و أعلن اعتزالهر عن عمر لم يتجاوز الخامسة والعشرين، في مسيرة قصيرة للغاية بالنسبة للاعب كرة قدم بلا أي نجاحات(2). قرر "بيلسا" الاتجاه إلى عالم التدريب فور اعتزاله مباشرة، حيث بدأ مسيرته التدريبية مبكرا مع فريق الشباب لـ"نيويلز أولد بويز". تولى الـ"لوكو"-المجنون- تدريب الفريق الأول لـ"نيولز" عام 1990 لمدة موسمين؛ ليحقق معهم الدوري المحلي مرتين متتاليتين ومركز الوصيف في كأس الليبرتادوريس، وهي الجملة التي لن تتكرر كثيرا في مسيرته.

إذا جمعنا البطولات الثلاث الماضية إلى لقب محلي آخر، وميدالية ذهبية للمنتخب الأرجنيتيني في أولمبياد 2004 بأثينا، سنكون قد أحصينا كافة بطولات "بيلسا" في عمره بكرة القدم. برأيك هل هذا كافيا ليجعله الأعلى في التاريخ؟ "غوارديولا" يتفق مع الفرض القائل بأن المعايير مختلفة عند كل منا، بل يظن أن الأمر أبعد بكثير من الفوز بالألقاب(3). في أحد تصريحات "بيب" عن ملهمه أكد أنه لا يوجد لاعبا واحدا لا يتحدث عن "بيلسا" بشكل جيد، وأن له تأثير كبير بشكل إيجابي على مسيرة كل من عملوا معه(3).

بأخذ ذلك الحديث وتحليله بشكل أعمق؛ نجد أنه مُنصَب تماما على مدى تأثير الأرجنتيني المخضرم على كافة الفرق والأندية التي يتولى تدريبها، بل وكذلك كل المدربين الذين تخرجوا من مدرسته التدريبية سواء بالنصح مثل "بيب" و"زيدان"، أو بالتدرب والتعلم مثل "ماوريسيو بوكيتينو" و"دييجو سيميوني". الجميع يدين بالفضل له ولتأثيره، إذًا، الأمر أبعد من إحصاء البطولات بالفعل، بالرغم من كثرة وصوله إلى النهائيات وخسارته العديد من سباقات البطولات في أمتارها الأخيرة.


في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تمكن "بيلسا" من الظفر باللقب المحلي مع فريق "نيولز أولد بويز" ووصلوا إلى نهائي كأس "كوبا ليبرتادوريس"، وخسروه بركلات الجزاء. كان الفريق وقتها يتضمن "بوكيتينو" لاعبا في صفوفه، والذي تفاجأ هو وزملاؤه في بداية ذلك الموسم بأمر مباشر من المدير الفني بتحليل خصمهم قبل كل مباراة، وتقديم تقرير شامل عنه يعرضه كل منهم أمام كافة الحاضرين. وقتها كان لا وجود للإنترنت، ولم يكن الفيديو سهل المنال، فكان المصدر الوحيد هو قراءة ثلاث صحف تتحدث عن آخر مباراة للخصم(3).

تلك السياسة التي ينتهجها "مارسيلو"؛ يسعى من خلالها دائما رفع الوعي التكتيكي عند لاعبيه، لا يمكن أن تتدرب تحت ولايته وتصبح مثل نظرائك في بقية الفرق، لاعبوه يختلفون عن البقية. أثناء ولايته في فرنسا، تحديدا مع "مارسيليا" تدرب معه لاعب مانشستر سيتي الحالي "بينيامين ميندي"، وإذا ما تم سؤال الأخير عن أكثر شيء تغير فيه بعد تلك التجربة، سيؤكد أنه أصبح آكلا لشرائط الفيديو(3).

"ميندي" مر بنفس التجربة التي يمر بها كل اللاعبين أمثاله، يحاول "مارسيلو" دائما جعلهم يتقدمون شيئا فشيئا في عالم التكتيك. يحكي "ميندي" أنه ظل لليال طويلة يشاهد مقاطع قد نصحه المدرب بمشاهدتها، حتى أنه كان يغلبه النوم في أكثر من مرة، قبل أن يقرر الاستمرار في المشاهدة ومقاومة النوم، ويؤكد أن ذلك قد أضاف إليه الكثير جدا، وأنه قد ناقش "بييلسا" لاحقا في كل التفاصيل التي شاهدها(3). يفيد ذلك جدا على المدى القصير؛ فهذا يسهل التعليمات على "بينامين" وأمثاله، ويجعلهم أكثر إبداعا داخل أرض الملعب. "بييلسا" أكد في عام 2014 أن "ميندي" سيكون من أفضل أظهرة الطرف في العالم، وهو ما تأكد بعد ذلك بأعوام.



المؤكد أيضا أن رفع الوعي عند لاعبي الـ"لوكو" يكون أثره أكثر وضوحا على المدى الأبعد، وربما النظر على التجربة الأرجنتينية يوضح ذلك، ففي نهائيات كأس العالم 2002 ودع الـ"ألبي سيليستي" البطولة من أدوارها الأولى، وكان الـ"لوكو" قد تولى تدريب التانغو قبل ذلك بأربعة أعوام في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1998، وحينما جرت قرعة البطولة لم يكن لديه الوقت الكافي ليتابع نتائجها، وغالبا فهو لم يهتم -أصلا- بمن سيقع معه في نفس المجموعة، ولعل ذلك كان السبب في الإخفاق. عوضا عن ذلك، كان "بيلسا" يتابع أحد شرائط الفيديو من مكتبته العظيمة قبل أن يتجه إلى مقر تدريبات منتخب بلاده؛ ليتبادل معتقداته الفنية مع لاعبيه(4).

لم يكن اختياره لقيادة منتخب الأرجنتين أفضل الخيارات المتاحة، لم يملك اسما رنانا قبل هذه الفترة، لكنه جلب معه أسلوب الكرة الشاملة الذي كان قد بدأ في اجتياح عالم كرة القدم. أرسى قواعد خطته الجديدة: 3-3-1-3 والتي تعتمد في الأساس على عمل الفريق بأكمله ككتلة واحدة. الجميع وضع اللوم على تلك الخطة حين خرج الفريق الأرجنتيني من البطولة، لكن كل الشواهد تفيد أن جيلا عظيما من اللاعبين قد بني على إثرها.

تمكنوا معه، ومن خلال عمله الدؤوب، من تحقيق الميدالية الذهبية في أولمبياد أثينا بعد إخفاق كأس العالم بعامين، ومن ثم تمكنوا -بعد رحيله- من الوصول إلى دور ربع النهائي من كأس العالم 2006. الجميع يشير إلى أن أغلب النجاحات التي حققها المنتخب الأرجنتيني فيما بعد ذلك من أعوام؛ تعود في الأصل إلى العمل الذي قام به الـ"لوكو" مع اللاعبين(4). وبالعودة إلى كل الفرق التي تركها نجد أن الاستنتاج السابق صحيح؛ فإن بلباو قد حققوا كأس سوبر محليا بالفوز على برشلونة بعد تجربته الطويلة معهم، وكذلك فإن منتخب تشيلي قد أكل الأخضر واليابس في قارته بعدما أرسى قواعد الكرة هناك بنهاية العقد الأول من الألفية الجديدة.


كل الحقائق تشير إلى أن وجود "مارسيلو" قد لا يصنع إنجازا في حد ذاته، ولكنه يعتبر مرحلة انتقالية إلى شيء ما؛ أسمى وأكبر، وكل هذا يعود إلى الشيء الذي يشير إليه "بيب" في كل أحاديثه عن ذلك الملهم، أن إحصاء البطولات ليس كل شيء بالنسبة له، بل التأثير على الفرق هو الأهم.

خوانما ليو: هل أنا فاشل لأنني الثاني؟

الاستشهاد الدائم بـ"غوارديولا" لا يعني كونه العارف الوحيد بأمور كرة القدم عبر التاريخ، لكنه يعد الآن أفضل ما أنتجت السنون الماضية من مدربين. هو أفضل مطبق لتكتيكات اللعبة وأحد أكثر الشغوفين بها؛ وبالتالي دراسة ما مر به خلال مراحل تكوين أسطوريته التدريبية يعد منهجا بحثيا يفرض نفسه على أي راغب في الاطلاع على هذا المجال الواسع.

خلال رحلة "بيب" من مجرد لاعب كرة قدم إلى مدرب أسطوري يعدو فوق أسطر التاريخ، كان عليه المرور بتجارب عدة أهمها بالطبع كانت رفقة "يوهان كرويف"، ومن ثم تبعها بفترة داخل إيطاليا تحت ولاية "فابيو كابيلو" و"كارلو مازوني"، لكن كذلك كان هنالك فترة لا يمكن إغفالها -بالرغم من قصرها- في المكسيك، وقت أن قرر أن يشارك مع "دورادوس دي سينالوا" الذي يتولى قيادته "خوان مانويل ليو"، الذي يحب أن يطلق عليه "غوارديولا" اسم المايسترو(5).

الاسم لا يبدو مألوفا كما كان الحال مع "بيلسا"، بالرغم من أنه أصغر مدير فني أسباني (20 عاما) يتولى مسؤولية فريق، حينما تولى القيادة الفنية لنادي "تولوزا" الأسباني؛ بدأ "ليو" مسيرته التدريبية في السادسة عشر من عمره فقط، ويعد من أوائل الداعمين للرسم التكتيكي 4-2-3-1 الذي غزا العالم بعد ذلك، ولا يبدو أن أسطوريته ستكسر بسهولة. بعد أن صنع اسمه بداية من تدريبه لفريق "سالامنكا" الأسباني، انتقل إلى تدريب "ريال أوفييدو"، وأثناء قيادته لذلك الفريق الصغير استقبل خسارة طبيعية من "برشلونة" بـ4 أهداف مقابل هدفين. بعد المباراة تلقى طلبا من أحد لاعبي "البلوجرانا" باجتماع صغير في غرفته، كان هذا هو "بيب غوارديولا" القطعة الأبرز في تكتيك "كرويف". ومن هنا بدأت علاقة لم تنته(5).

"ليو" يعد منسيا الآن، فهو لا يتولى أي فريق في الوقت الحالي كما هو الحال مع "مارسيلو" بيلسا (رويترز)


تبادل كل منهم المعلومات والإحصاءات الخاصة بمعشوقتهم الأم، وظلت علاقتهما التي بدأت من التسعينيات حتى وصلت إلى أول عمل مشترك بينهما في 2005. حين طلب "بيب" أن يتدرب تحت ولاية "ليو" حتى يتسنى له نيل قسط من الفيض التكتيكي لذلك العبقري. لم تقتصر الفائدة على الأمور الخاصة بإستراتيجية اللعب فقط، بل تطورت إلى الأمور النفسية والفردية وكيفية التطوير من فرديات اللاعبين(6).

يقول علماء الفيزياء: إن شعرت أنك فهمت قانون النسبية، فإن عليك أن تعيد النظر في هذا الشأن مرة أخرى؛ لأنك في الغالب لم تفهم شيئا بعد. لكن لن تكون هناك مبالغة إن قلنا أن "خوان" هو أحد القلائل الذين أدركوا العلاقة الذهبية بين الزمان والمكان، وأن لذلك الفهم حسن تأثير على إستراتيجياته التدريبية التي كانت محفزة لعقلية مثل "بيب".

يمكن وصف ما كان يجري في التدريبات تحت شمس المكسيك، بما يجري في أحد المعالم بين اثنين من كبار الفلاسفة. عبقريتان في كرة القدم يتبادلان أطراف الحديث، يبحثان عن خفايا اللعبة ويستكشفان معا كافة الحلول لأي معضلة، النتيجة النهائية لتلك التجارب الكبرى لم تكن بطولات بكل تأكيد، لكن كانت تاريخا عظيما صنعه وما زال يصنعه "بيب غوارديولا" في كل خطوة يخطوها.

الإسراف الضار
قد لا يكون "زيدان" و"بوكيتينو" ومن قبلهم "بيب" على نفس القدر من عبقرية "بيلسا" و"ليو" (الأوروبية)


"ليو" يعد منسيا الآن، فهو لا يتولى أي فريق في الوقت الحالي كما هو الحال مع "مارسيلو" بيلسا؛ فإن كان يمكننا الإشارة إلى العديد من الجوانب العبقرية لكل منهما، وفي غيرهما أيضا، وبتوثيق تلك الإشارة بشهادات لا تقبل الشك من أمثلة "غوارديولا" و"زيدان" و"بوكيتينو" وغيرهم، فما الذي يجعل هؤلاء بلا وجود حقيقي مثل من احتجناهم لتوثيق عبقريتهم؟

الأمر كله يتركز على الكمال والسعي إليه. الحقيقة الواضحة أن هؤلاء قد قفزوا على تلك الشعرة التي تفصل بين كونهم عباقرة، لكن في شؤون محددة ليست شاملة، وبين كونهم مجاذيب ومجانين في كل جوانب كرة القدم الأخرى. إن أخذنا في الاعتبار تجربة السير "أليكس فيرغسون" سنجدها على المستوى التكتيكي وعمق الخطط؛ لم تكن بالشكل الذي يستحق الدراسة، بل كان يقوم بالشيء العادي المطلوب لإنجاح تجربة طويلة مع الشياطين الحمر، لكن على الجانب الآخر كان يملك درجات كبرى من النجاح في عدة نقاط أخرى، كالإدارة المادية وتطوير اللاعبين الصغار والتعامل مع الصحافة والشخصية..إلخ.

كذلك قد لا يكون "زيدان" و"بوكيتينو" ومن قبلهم "بيب" على نفس القدر من عبقرية "بيلسا" و"ليو"، ومن هم على شاكلتهم في نقط محددة، لكن الأسماء الأولى كانت أكثر إدراكا لكل المطلوب وليس جزءا منه. لم يتخطوا بعد تلك الشعرة الفاصلة التي لا تكاد تراها؛ فتسنى لهم تحقيق نجاحات أكبر منهم، وكل منهم حقق نجاحا أكبر من الآخر؛ بنفس قدر اقترابهم من تلك الشعرة. هذا لا يعني أن أحدهم فاشل، بالعكس، فقط الأمر يكمن في اختلاف المعايير وفي إسراف هؤلاء المنسيين في شؤون بعينها على حساب البقية.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار