هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كرة القدم الدفاعية.. عن أكذوبة السيرك ووهم الباص

كرة القدم الدفاعية.. عن أكذوبة السيرك ووهم الباص

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

وُلدت كرة القدم الاحترافية في إنجلترا، (1) خُلق بها الإبداع في أمريكا الجنوبية، تحلت به وعادت بشكلٍ جديد إلى أوروبا التي تفننت هذه المرة في بلورتها بشكلٍ أكثر تنظيمًا، ومن هُنا ولدت الخطط أو ما عُرف لاحقًا بتكتيكات كرة القدم، الـ 10 لاعبون باستثناء حارس المرمى أصبحوا جزءًا من ثلاث أرقام غير مرتبة تعبر عن دفاع، ووسط، وهجوم، وأخذت تلك الأرقام تتطور حتى تشعب منها أرقامٌ أخرى وصلت أحيانًا إلى خمسة أو ربما ستة أرقام، كما أصبحت تفاصيلها أكثر تعقيدًا من ذي قبل كلما مرت عليها السنوات.

 

رحلةٌ استمرت منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن وستستمر للأبد، لكن ما جد عليها هو أن الأمور التي كانت قاصرة على الخبراء فقط لم تصبح حكرًا عليهم، وانتقلت تفاصيلها إلى ألسنة الجماهير ودفاترهم، وخضعت لأهوائهم قبل خضوعها للمنطق، والنتيجة أن ماضيها شوهته الأكاذيب، وحاضرها خالطته السخافة، أما مستقبلها فأصبح في خطر.

 

الثقافة التي أتت بنتائج عكسية

قديمًا كانت الثقافة المتعلقة بكرة القدم تدور فقط حول معرفة مراكز اللاعبين، أفراد قوائم الأندية الأوروبية الكبرى وألوان القمصان، وبعض ما يتعلق بالمنتخبات أثناء منافسات كأس الأمم الأوروبية وكأس العالم.

 

أما الآن؛ فأصبح هناك الآلاف من مواقع الإحصائيات والأرقام، الآلاف من المحللين، الملايين من مصادر المعلومات التاريخية حول كل ما يتعلق بكرة القدم، أصبح بمقدور المشجع أن يطلع على إحصائيات الظهير الأيسر البديل لأحد أندية الدرجة الرابعة في نيكاراجوا، وأن يشاهد ملخص لمساته في حال قام أحد أصدقائه برفعها على الإنترنت.

    

  

الوصول إلى المعلومات أصبح في غاية السهولة، والجميع أضحى مولعًا باللهث وراءها، فكان في ذلك نعمة ونقمة، نعمةٌ تتجسد في الاقتراب أكثر من تفاصيل كرة القدم لدى معظم مشجعيها، ونقمةٌ تظهر في تحول كل عاشق لكرة القدم إلى مُدرب، بل رُبما يُنصب نفسه أعلى من ذلك ويصبح رأيه غير قابل للتعديل، بل غير قابل للمناقشة حتى.

   

خيطٌ ذائب بين الحقائق والأهواء

أصبحت آفة مشجعي كرة القدم حاليًا الربط بين الأهواء والمنطق، فأصبحت الأحكام تنطلق بناء على لون القميص، بغض النظر عن كونها مشابهة للواقع أم لا.

 

وفي مسألة كرة القدم الهجومية والدفاعية على وجه الخصوص تظهر بشاعة هذا المنطق؛ لأن البعض قد حكم بالمتعة على جانبٍ منهما وهو الهجومي، والآخر حكم بالعظمة الفكرية والتعقيد التكتيكي على الجانب الآخر الدفاعي، وأصبح هذا يتفلسف ليبرهن أحقية منطقه كما يفعل ذاك، على الرغم من كون المتعة نسبية في كل شيء، وكون الجانبين في قمة التعقيد لأنه على مدار قرن ونصف لم ينجح أحد في الوصول إلى المثالية في أيهما.

 

تطور كرة القدم أدى إلى تقليل عدد المهاجمين وزيادة عدد المدافعين، ولكنه في ذات الوقت أدى إلى وجود خطط تسمح لمن ليسوا مهاجمين على الورق بتأدية أدوار هجومي

الأمر لم يقف عن ذلك الحد، بل تطور ليأخذ كل فريق الجزء الذي يعجبه من التاريخ، فاقتبس مناصرو الهجوم الجزء الذي يتعلق بأن المدرسة الدفاعية قامت في الأساس على يد من لم يمتلكوا الأدوات، تلك التي تسمح لهم بمجاراة النسق الهجومي حسبما أشار جيم هارت في مقال بعنوان "نيريو روكو ملك الكاتيناتشو المجنون، (2) واقتبس رواد الدفاع الجزء الذي يتحدث بأن كرة القدم البدائية كانت تلعب بخطة 2/1/7 التي تسمح بوجود سبعة مهاجمين، وأنه كلما تطورت كرة القدم كلما زاد عدد المدافعي كما رأي روب هودجز في مقاله "يوهان كرويف.. الدخيل الأعظم. (3)

 

الاقتباسان صحيحان، وكلاهما لا ينفي الآخر، فالدفاع الإيطالي الصريح أو ما يعرف بـ " الكاتيناتشو " بدأ بالفعل بدائيًا، ولكنه حين تطور على يد تراباتوني وكابيللو وليبي ومن تبعهم تحول إلى أسلوبٍ فعال جلب الكثير من النجاحات على مدار أكثر من 70 عامًا، إضافة لأنه صنع لإيطاليا شخصية كروية مميزة أحبها الكثيرون ممن استمتعوا به، استمتاعًا ينفي أكذوبة الملل التي يُروج لها البعض.

 

أيضًا تطور كرة القدم أدى إلى تقليل عدد المهاجمين وزيادة عدد المدافعين، ولكنه في ذات الوقت أدى إلى وجود خطط تسمح لمن ليسوا مهاجمين على الورق بتأدية أدوار هجومية، وتسمح بزيادة عددية تؤدي إلى وجود 8 لاعبين مثلًا في الثلث الأخير من ملعب الخصم، وهنا تُثبت صحة النظريتان، وفي نفس الوقت تبطل ادعاءات المتعة والتطور لدى هؤلاء وأولئك.

 

هدم الثوابت بفأس التناقضات

هناك قاعدة في كرة القدم تقول بأنه لا وجود للثوابت، فمثلًا نسبة الاستحواذ لا تعطي مؤشرًا حتميًا للفاعلية، وعدد الفرص ليس مقياسًا لعدد الأهداف، حتى البطولات لا تنحني للأفضل دائمًا، وتلك القاعدة تنطبق على كل ما يخص الكرة، وبتطبيقها على الدفاع فسنجد أن الدفاع ليس قلة حيلة دائمًا، ولا مصدرًا لقتل المتعة في جميع الأحيان، وفي نفس الوقت أيضًا ليس شرطًا بأن يكون جزءًا من تكتيك الجهابذة، الأمر يحتمل هذا وذاك.

   

   

الهجوم منه ما هو فعال ومنه ما هو غير ذلك، هي قاعدةٌ يؤمن بها الجميع، هؤلاء الذين أشادوا بكارلو أنشيلوتي حين فاز على البايرن برباعية في 2014 على الرغم من أنه خسر الاستحواذ عامدًا، (4) كارلو اعتمد على ترك الكرة للخصم ومن ثم تدويرها بطريقته بعد افتكاكها، رُبما لم يكن البعض ليُشيد به لولا غزارة الأهداف، ورُبما منعت الرباعية البعض الآخر من تسمية ذلك بالدفاع الممل.

   

بشكلٍ أو بآخر ما قام به ريال أنشيلوتي أمام البايرن هو لعبٌ دفاعي حتى لو جرده البعض من ذلك، هو اعتمد ليلتها على المرتدات وبقي في الخلف منعًا لترك المساحات للاعبي البايرن، الضربات الثابتة وسرعة لاعبيه في المرتدات هي ما يشيع البعض اليوم أنها مجرد فرديات لاعبين لا علاقة للمدرب بها، على الرغم أن هؤلاء أنفسهم هم من أشادوا بعظمة جوارديولا مع برشلونة التي امتلكت اللاعب الأفضل فرديًا في جيله، أما هؤلاء الطليان الذين قضوا أعمارهم يدافعون عن مصطلح الفاعلية هم أيضًا من انتقدوا الأداء الدفاعي للاعبي السويد في ملحق التأهل لكأس العالم روسيا 2018، وأعلنوا فجأة أن أحقية إيطاليا في التأهل لكأس العالم تنطلق من سيطرة الأتزوري على المباراة، ورُبما لو أخضعوا تاريخهم للإحصائيات لسُلبت منهم معظم كؤوسهم وإنجازاتهم؛ ففي كرة القدم المشجع دومًا على حق، هو بارع في لوي الحقائق في الاتجاه الذي يخدم قناعاته.

 

الفرق بين دفاع ودفاع

حين يلجأ أحد المدربين إلى وضع كل لاعبيه في الخلف بحجة الدفاع، ثم يُفاجئه الخصم بـ 30 تسديدة فقط على مرماه! فعليه الاعتراف بالفشل بغض النظر كم منها أصاب الشباك، وبكل تأكيد لا يُمكن أن يُقارن بمدربٍ آخر أمر لاعبيه بالعودة إلى الخلف ثم قام بتعطيل جميع أسلحة الخصم، وفعل الذي يريد بالطريقة التي يريد.

 

في الألفية الجديدة ظهر مصطلحان لا علاقة لهما بكرة القدم؛ الباص والسيرك، الأول أُطلق على لسان جوزيه مورينيو نفسه في العام 2004، قبل أن يقع هو ضحية لذلك بعدها بسنوات، يومها كان تشيلسي يستضيف توتنهام الذي كان يلعب كرة دفاعية، انتهت المباراة بالتعادل، لينفجر مورينيو بعد المباراة معتبرًا ما قام به لاعبو توتنهام ظلمًا لكرة القدم، وأعطى تشبيهًا يقول فيه أن توتنهام دخل بالباص إلى أرض الملعب وقام بركنه أمام المرمى. (5)

 

 أما الآخر فانطلق عقب تصريح أليجري الشهير قبل مباراة فريقه يوفنتوس أمام موناكو في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا 2015 "من أراد المتعة فليذهب إلى السيرك، أنا هنا لحجز بطاقة التأهل لنصف النهائي" (6)

  

  

ومنذ ذلك الحين، أصبح كل مدرب يلعب بمنظومة دفاعية هو ضحية لمصطلح الباص، وأصبحت المتعة لدى الكثيرون فقط في السيرك الذي يقام في ملاعب كرة القدم، حيث المباريات المفتوحة على مصراعيها بلا خطط ولا تعقيدات من تلك التي أصبحت محل سخرية هؤلاء المشجعين.

 

الباص... مجرد وهم

إذا قرر أحد الجماهير أثناء مُتابعته لمباراة كرة قدم أن يصطحب معه أحد عشر شخصًا ممن يجلسون بجواره، وأن ينزل بهم إلى أرض الملعب ويخوض بهم مباراة كرة قدم حقيقية أمام فريق من المتنافسين، مع تعليمات صريحة بأن يبقى الـ 10 لاعبين في الخلف، بالطبع سيخسر بنتيجة كارثية، وهنا قد ينطلق مبررٌ بأن هؤلاء لا يعرفون شيئًا عن كرة القدم، حينها سنُجري تعديلًا بسيطًا، سنضع هذا المشجع مدربًا لأحد الفرق المحترفة، أيضًا ستتكرر نفس المأساة.

 

في تلك القصة الخيالية يتضح شيءٌ ما، أن منظومة كرة القدم متكاملة لا يُمكن أن تنزع منها شيء وإلا ستختل، أن ينجح مدرب في تعطيل جميع مفاتيح الخصم ثم يلعب على نقاط ضعفه حتى يحصل على ما يريد فهو ناجح، إذا أغلق منطقته ولم يتسلل إلى مرماه سوى فرصة أو فرصتين فهو ناجح، متعة الأمر من عدمها ستخضع للأهواء، وبالطبع ستتباين الآراء في تلك المسألة، لأن متعة كرة القدم في حد ذاتها محل خلاف بين من يرونها حياة ومن يرونها مجرد قطعة مطاطية منفوخة.

   

   

من هُنا نستنتج أن مصطلح الباص إن كان صحيحًا فإنه بإمكان أي مدرب أن يعطل جميع الخصوم؛ لأنه يمتلك الباص السحري، وإذا كان الاعتماد على الدفاع شيئًا من الجبن، فإننا سنضطر إلى العودة بالزمن لإخبار تايسون بتحريك يده من أمام وجهه في منازلة كلاي لأنه بذلك يقتل المتعة!

 

المدرب الدفاعي والمدرب الهجومي كلاهما إما عبقري أو مبتدئ، الذي يحدد ذلك هو قدرة كل منهما على تطبيق أسلوبه باستخدام المفاتيح المُتاحة، ونسف عمل المدرب بحجة أنه يعتمد على المهارات الفردية هو شيءٌ من السخافة، لأنه ليس مطلوبًا من المدرب أن يعتمد على مجموعة من الهواة من أجل إبراز عقليته، اللاعبون هم الأدوات، الفرديات جزء من كرة القدم، وقدرة المدرب على استغلالها هي براعةٌ منه، هي حقيقة ظلت سنوات تفرض نفسها ولا تحتاج إلى تفسير لأنها مفسرة بالفعل.

 

البديهيات أصبحت في حاجة إلى إعادة تفسير، نسبية المتعة وتنوع الأساليب وعمل المدرب وكون الفرديات جزءًا من كرة القدم، ومن هُنا أيضًا ستكون الاستعانة بكلمات أليجري منطقية مع تعديل بسيط؛ من أراد المتعة فليحصل عليها كما يحب، وليترك غيره يحصل عليها كما يحب أيضًا.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار