اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/13 الساعة 12:23 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/26 هـ

انضم إلينا
عن مورينيو الذي لم يتغير وكلوب الذي لن يتغير

عن مورينيو الذي لم يتغير وكلوب الذي لن يتغير

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

أغلب الظن أن الجميع يمتلك ذلك الصديق الذي لا يحب أحد الأطعمة، ويتعجب من شغف البعض بها. ربما يكتشف في النهاية أن الخطأ في والدته مثلاً؛ التي كانت لا تمتلك مهارة إعدادها. ويدرك أن ذلك التفضيل الذي كان يحسبه موضوعيًا، واستمر لسنوات، لم يكن إلا نتاج تجربة شخصية بحتة. وهو ما يدفع للتساؤل عن سر تفضيل الأشخاص لشيء على الأخر؛ الألوان والأزياء، والأفلام والروايات؛ وربما المعتقدات والتوجهات السياسية.. أو ميل مدرب ما إلى الدفاع وصولا لاستخدام "الأتوبيس" أو الهجوم حتى يبلغ صخب الميتال!

 

ارجع إلى الوراء

يخشى لاعبو كرة القدم عمومًا، والمهاجمون بصورة خاصة، تلك اللحظة التي ستنسحب فيها الأضواء. صخب الملعب يخف، وصوت الحماس مع كل هجمة سوق ينتهي، وصراخ الهدف مع عبور الكرة خط المرمى لن يعود. والحياة بعد الاعتزال لن تصبح كما اعتادوا.

 

كان يورغين كلوب[1] هو رأس حربة فريق ماينز الألماني لخمسة مواسم، لعب فيها 173 مباراة، وأحرز فيها 35 هدفًا. وهو رقم شحيح لمهاجم. فكلوب الذي يمتلك قلبًا يلتهب بالحماس امتلك قدمًا خشبية غير قادرة على تحويل حماسته تلك لأهداف. وكان القرار الغريب في النهاية بتحويل مركزه في الملعب من قلب هجوم إلى مدافع أيمن. واستمر على هذه الحال لخمسة مواسم أخرى. وكأنه عاصر شعور الاعتزال وهو في داخل الملعب!

   

  

لقد أُجبر الألمانيّ المتحمس على العودة إلى الوراء. وحُرم المشاركة في هجمات المقدمة المحمومة. وربما تمنى ذات يومٍ أن يجده ذلك المدرب الذي يستطيع تحويل قدراته العادية إلى قدرات أكبر. لكنه اعتزل في النهاية بعد مسيرة هزيلة لم تعرف التتويج.

 

لكنه تحوّل إلى المدرب الذي تمناه في حياته كلاعب؛ فاستطاع تحويل العديد من العاديين أو الجيدين إلى لاعبين متميزين.. ليفا.. رويس.. جوتزه.. صلاح.. فيرمينو.. مختريان.. ماني. وفي طريقه هذه لم يقبل إلا أن يهاجم. سوف يسعى نحو مناطق الخصم، وسوف يتجاهل الدفاع الذي أجبر عليه كلاعب. أو بالأحرى لم يدرك أهميته رغم مرور كل هذه السنين في عالم التدريب. لقد تماهت شخصيته في فكرة الهجوم حتى النهاية حتى لو كان بعض التنظيم أو التراجع الدفاعي هو طريقته نحو التتويج، فسوف يفضل الخسارة!

   

إقالة في عشية عيد الميلاد

"كنتُ في التاسعة أو العاشرة عندما تمت إقالة والدي في الكريسماس. كان مدربًا، وكانت نتائجه في هذه الفترة غير جيدة. خسر مباراة يوم 22 أو 23 ديسمبر. وفي ليلة الكريسماس، ونحن على مائدة العشاء، دق جرس الهاتف، وجاء خبر إقالته"

(جوزيه مورينيو الابن)

   

  

في البداية قدم بورتو وتشيلسي مورينيو كرة قدم هجومية عرفها المتابعون. وانتهت بالتتويج المحلي والأوروبي للفريق البرتغالي، ثم لقبي دوري متعاقبين للبلوز. ولكن بعد اهتزاز النتائج في بداية موسم 2008، خرج مورينيو من تشيلسي فيما وصفته الصحافة باتفاق تفاهمي بينه وبين إدارة أبراموفيتش تم في سبتمبر 2007.

 

 عند هذه النقطة، يكثر الحديث عن مفاوضاته مع برشلونة. وتزداد الشائعات عن تدخل كرويف والدفع لمصلحة غوارديولا. لكن المسألة المهمة هي موقف الإقالة. وما تلاها من تغير حاد في أسلوب لعب مورينيو نحو الدفاع. وتصريحات السبيشيال وان المهاجمة لمن يريدون كرة قدم أكثر تحررًا، والتي بلغت من الكثرة ما يكفي لطباعة كتابٍ متوسط الحجم.

 

ربما.. ربما ظن مورينيو الابن أنه قد نجا من مصير الأب[2]. والذي كان لاعبًا لفرق متوسطة في الدوري البرتغالي ثم مدربًا عاديًا لفرق في دوريات الدرجة الثانية والثالثة. ظن أنه نجا بعد أن قرر اعتزال اللعب في سن 24 سنة، بعد مواسم باهتة قضاها في أندية لا يعرفها أحد. وظن أنه نجا عندما أصبح مساعدًا في تدريب بورتو في سن الثلاثين، ثم مساعدًا لفان خال برشلونة في سن الخامسة والثلاثين، ثم حاملاً لكأس الأبطال في سن الأربعين. ظن أنه نجا وأصبح الاستثنائي لكن الإقالة كانت مثيرة لمخاوف أبوية قديمة. ومن حينها لا يتوقف المو عن تكرار حديث النتائج.. ثم النتائج.. ثم النتائج. ولو طاله شك ضئيل بأن الهجوم يمكن أن يحرمه الفوز، فسوف يتجه للتكتل في مناطقه الأكثر أمانًا. فالابن لا يريد مصير الأب.

  

أن تتحدث كفنّي

في مباراة[3] الحادي عشر من مارس الجاري تلاقي مدربان بهذا التكوين النفسي والفنيّ. استغل مورينيو نقطة الربط الضعيفة في دفاع ليفربول بين لوفرين والظهير الأيمن أليكسندر أرنولد. واعتمد على لعبة واحدة تكررت أكثر من مرة؛ تُلعب فيها كرة طويلة كلاسيكية من أحد قلبي الدفاع أو حارس المرمى تجاه لوكاكو، العملاق البلجيكي مخيف البنيّة، الذي يفوز في كافة الالتحامات الهوائية. ويحولها لتلك المنطقة الضعيفة، فتجد راشفورد السريع جدًا، وصاحب القدم المباشرة على المرمى.

 

نجحت خطة مورينيو بالطبع. وكانت المهمة أسهل، لأن كلوب لأسباب لا يعلمها أحد عهد برقابة لوكاكو للوفرين بدلاً من فان دايك، الهولندي الطويل والمميز في ألعاب الهواء والأقوى بدنيًا وفنيًا. وفي المقابل لم يفعل كلوب شيئًا يزيد عن الـ 4-3-3 التي لا يغيرها أمام فريق هجومي أو دفاعي، قوي أو ضعيف، غني أو فقير. وفشل في الوصول لمرمى اليونايتد طيلة 90 دقيقة. وظهر خط هجومه الناري بلا أدنى تأثير. وخط وسطه فشل تمامًا في صناعة اللعب. ولم يظهر إلا في الشوط الثاني عندما قرر مورينيو التخلي عن الكرة تمامًا. والانسحاب من معركة وسط الميدان!

 

والمثير للتأمل هنا هو أن سيناريو اللقاء بين ليفربول كلوب ويونايتد مورينيو يتكرر للمرة الرابعة عبر موسمين. كلوب يهاجم ولا يحاول التغيير أو التعديل في طريقته. ومورينيو يدافع بانتظار هدف ربما يأتي. وإن لم يأت، فالأولوية لعدم الخسارة.

 

وهو ما يدفع نحو التساؤل؛ هل هناك سيناريو لمباراة ديربي إنجلترا يمكن أن يربحها كلوب وخصمه مورينيو؟ والإجابة في الأغلب بالنفي. وسوف يبقى الديربي مباراة تعادل أو تقدم بفارق هدف لصالح اليونايتد. لماذا إذن؟

   

الخريطة الحرارية لديربي الدوري الأول موسم 2017

     

الخريطة الحرارية لديربي الدوري الثاني موسم 2017

    

الخريطة الحرارية لديربي الدوري الأول موسم 2018

    

الخريطة الحرارية لديربي الدوري الثاني موسم 2018

       

"كرة القدم الدفاعية تشبه الديكتاتورية؛ إذ تحبس الروح الحرة"

( سايمون كوبر)(4)

    

لن يتغيّر

الخرائط الحرارية الأربعة السابقة تكاد تتطابق، ومورينيو لم يسع إلى الاستحواذ قط، ولم يفز به إلا مرة واحدة في مباراة التعادل 1-1 وبنسبة لا تزيد كثيرًا عن الخمسين.

 

وفي المقابل يقف كلوب متماهيًا تمامًا مع خطته الهجومية، يرفض تعديلها بأقل قدر. يرفض مثلاً اللعب بارتكاز صريح تصبح مهمته التأخر قليلاً لمعاونة الدفاع في حال الهجمات المرتدة والكرات الطويلة. ويرفض التعاقد مع مهاجم صريح يستطيع سرقة الفرص القليلة جدًا المتاحة في المباريات التي يلعبها أمام فرق متكتلة دفاعيًا.. وفي العادة يخسر فيها كلوب!

 

كلوب لن يتغيّر لأنه يرى الهجوم حتى النهاية جزءًا من تكوينه الشخصي، لو تراجع عنه سوف يخسر احترامه لذاته. ويتجاهل، مثل كل الثوريين المراهقين، حقيقة واضحة تنص على أن المراوغة واستخدام الحيّل هي جزء من ربح معارك سوف ينهزمون فيها!

 

كلوب لن يتغيّر، سوف يربح الكثير من المباريات الجميلة، وسوف يقاتل حتى النهاية. ويخسر المعارك الفاصلة ويخسر ليفربول أمله الذي طال انتظاره في التتويج.

 

لم يتغيّر

هو جوزيه مورينيو، يأتي بكامل مميزاته وعيوبه. رغم ضمان فريق اليونايتد للتأهل لتشامبيونزليغ 2019 ضمن الأربعة الكبار، ورغم حسم خسارة الدوري لصالح السيتي، لم يستخدم مورينيو قوته الهجومية الحقيقية التي يمتلكها. وقرر كالمعتاد في كل المواعيد الكبرى أن يستدرج الخصم للاستحواذ السلبي، فقط من أجل خطف هدف الفوز. فلو لم يسدد اليونايتد إلا كرة واحدة طوال المباراة، ومكنته من الفوز، لن يعكر ذلك صفو السبيشيال وان!

    

   

كرة القدم التي يقدمها مورينيو تشبه نموذج «المستبد العادل». ذلك النموذج الذي يعتمد على خوف الجماهير، التي سترضى بالتنازل عن كل طموحاتها في مقابل الأمان. وجماهير اليونايتد خائفه من مصائر ميلان وإنتر وليفربول وأرسنال. لذا سوف يجد مورينيو كل التبريرات الممكنة التي تعلل كرة قدم هي تمامًا عكس ما اعتاد عليه الاولدترافورد طوال فترة فيرغسون!

 

احتفت جماهير اليونايتد عبر صفحات مواقع التواصل بأفضلية أشلي يونغ على محمد صلاح بقدر أكبر من احتفائها بهدفيّ ماركوس راشفورد. فلقد تحول خوف مورينيو إلى كرة قدم دفاعية، وتحول معها جمهور مسرح الأحلام! .. لم يتغيّر مورينيو .. بل غيّر شخصية النادي. وربما يعود اليونايتد إلى منصات التتويج، ولكن الأكيد أنه لن يعود اليونايتد الذي كان في الماضي القريب.

 

المجاز الذي استخدمه سايمون كوبر في العبارة السابقة يشرح الأمر بدقة. فمباراة ديربي إنجلترا مؤخرًا قد تحولت إلى صراع بين نموذجين متضادين من كرة القدم. الأول دفاعيّ يحبس الإبداع. والثاني هجوميّ ثوريّ تعيبه المراهقة. لذا فلن يفوز ليفربول بهذا الديربي في المستقبل القريب، لأن كلوب لن يتغير. ولن يفوز اليونايتد بنتيجة كاسحة، لأن مورينيو لم يتغيّر!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار