اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/14 الساعة 16:35 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/27 هـ

انضم إلينا
جوزيه مورينيو ولعبة الدجاج الأبدية

جوزيه مورينيو ولعبة الدجاج الأبدية

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

"لقد جلست في هذا المقعد مرتين من قبل، الأولى بينما كنت مدربًا لبورتو والثانية مع ريال مدريد، وفي المرتين ودع مانشستر يونايتد البطولة على أرضه..الخروج من البطولة ليس جديدًا على هذا النادي"

(جوزيه مورينيو عقب المباراة) (1)

   

بطريقة دفاعية، أدار البرتغالي مؤتمره الصحفي بالضبط مثلما أدار مباراته؛ المشكلة ليست فيه، ليست في تحضيره للمباراة ولا اختياراته ولا طريقة تعامله مع الخصم. المشكلة تقع في مانشستر يونايتد نفسه لأنه عادة ما يودع البطولة لسبب أو لآخر، وسواء كان الخصم فريقًا صغيرًا كبورتو أو ريال مدريد ملك البطولة بلا منازع فإن خروج الشياطين ليس مفاجأة، خاصة عندما يكون مدرب هذا أو ذاك هو البرتغالي نفسه.

 

عليك أن تعترف أن مورينيو أحد القلائل الذين يجيدون تحويل الهزائم الفعلية إلى انتصارات إعلامية، على الأقل في بعض الأحيان. لكن أن تخرج لجمهور غاضب بعد خسارة مدوية وتستخدم انتصاراتك السابقة عليه في التدليل على مدى ضعفه في هذه المسابقة أو غيرها لهو أمر يحتاج الكثير من الشجاعة، ليس فقط لأنها حجة متهالكة يمكن تطبيقها على كل الأندية بما فيها ريال مدريد الذي ودع البطولة أكثر مما فاز بها، ولكن لأنها حجة تستلزم نوعية خاصة من العقول لتفهمها؛ فإذا كان سبب خروج الشياطين في المرتين هو مورينيو والشياطين أنفسهم، فكيف بقت الأوضاع كما هي حتى بعد أن تعاقدوا معه؟ الأمر أشبه بأن تأتي بخبير عالمي محترف ليقودك للنجاح، وبعد موسمين وربع مليار يورو يخبرك بأنك بحاجة للتعاقد مع خبير عالمي محترف ليقودك للنجاح. (2)

 

المربع صفر

بالطبع لا يمكنك التعرض لمورينيو دون أن تعرّج على المعركة المفتعلة بين أنصار الدفاع ومحبي الهجوم، المصطلحان اللذان يُعدان جزءًا من المشكلة بدورهما، ببساطة لأنه لا يوجد ما يعرف بالكرة الدفاعية أو الهجومية؛ غوارديولا يمتلك أقوى دفاع في البريميرليغ متفوقًا على مورينيو وكونتي، (3) ويوفنتوس ألليغري يسجل أكثر من نابولي سارّي، (4) ولكي تنافس حتى على أي بطولة عليك أن تعتني بالشقين، وكلها بديهيات نتذكرها رغمًا عنا في المواقف المشابهة.

 

السؤال الحقيقي هو عن كيفية الدفاع وكيفية الهجوم، وهذا السؤال يتحكم في إجابته معادلة اعتبارية يمكن تسميتها بمعادلة ميزان القوى. مانشستر يونايتد يلعب على أرضه أمام أسوأ نسخة من إشبيلية في السنوات الأخيرة ويحتاج للفوز للعبور، لذا لا داعي هنا لحساب المعادلة، لأنها تفصح عن نفسها بوضوح.

  

   

بعد أن رحل جوزيه عن تشيلسي في 2007، اتخذ قرارًا واعيًا بالعبث في معطيات تلك المعادلة كلما واتته الفرصة، وحتى 2013 كانت أغلب جماهير البلوز مقتنعة تمام الاقتناع أنهم الطرف الأضعف في أي مواجهة رغم أن تشيلسي كان النادي الأكثر إنفاقًا على التعاقدات في تلك الفترة، أكثر حتى من ريال مدريد، (5) (6) والسبب هو تصريحات جوزيه الدائمة التي تغذي هذه الفكرة. وفي انتر  اختلق حربًا وهمية مع الإعلام والاتحاد والمنافسين والحكام، وتكرر الوضع في إسبانيا وإنجلترا وكل مكان وطئته قدماه من هذا الحين، المهم أن فريق جوزيه أيًا كان يقع دائمًا في قاع السلسة الغذائية.

 

هي حيلة لا تخيب أبدًا، الأعذار المسبقة تمنح انتصارك حجمًا أكبر وتبرر الفشل إن حدث، والعبث في ميزان القوى كان يمنح جوزيه أفضلية إنفاق مبالغ طائلة على لاعبيه ثم التحفظ أمام فرق بُنيت على ربع الميزانية، فقط لأنه يستطيع إقناع الجميع أنه الطرف الأضعف، إما لأنه مضطهد أو لأن حراس مرمى الخصوم يتألقون في مواجهته أو لأي سبب آخر، والهدف من التحفظ هو تجنب الإقالة مجددًا تحت أي ظرف، وهنا انغلقت الدائرة المفرغة على الاستثنائي لأن نتيجة التحفظ كثيرًا ما تكون الإقالة كذلك.

 

براغماتية التعصب

جوزيه يفتخر دومًا بكونه البراغماتي الذي يهدم أحلام الشعراء المثالية على رؤوسهم، هؤلاء الشعراء الحالمين الذين يتحدثون عن اللعبة الجميلة ولكنهم لا يفوزون بالألقاب. (7) ينتشي عندما يواجه مدربًا يتحدث عن التمرير والاستحواذ والمتعة فيهزمه ويخرج بعدها ليعلن انتصار مبادئه على السذج الذين يعيشون في العالم المثالي.

 

بارني روني من الغارديان يرى أن هذا ادعاء أجوف لا علاقة له بالواقع؛ مورينيو ليس براغماتيًا ولن يكون، فالبراغماتية تعني التحلي بقدر من المرونة يسمح لك بتغيير وسائلك تبعًا لما يحقق لك الفوز في كل حالة على حدة، ربما إلى حد الانتهازية في كثير من الأحيان، بينما ما يفعله جوزيه هو العكس تقريبًا، يواجه ريال مدريد بطل أوروبا مثلما يواجه إشبيلية خامس الليغا، يدافع أمام ساوثامبتون في الأولد ترافورد مثلما يدافع أمام السيتي في الاتحاد. مورينيو لا يمتلك إلا سلاحًا واحدًا في كل الحالات، يحاول قتل الذباب بنفس البندقية التي يصيد بها الغزلان، وهذا أقرب إلى التعصب وضيق الأفق منه إلى المرونة والواقعية. (8)

    

   

البراغماتية لا تعني أن تدافع ذهابًا وإيابًا أمام فريق يمتلك فارق أهداف سلبي في الليغا ومدرب هُزم بالخمسة أربع مرات في ثلاثة أشهر، وعندما تضم تشكيلتك لوكاكو وبوغبا ومارسيال وماتيتش وسانشيز وغيرهم، فإن الشيء الواقعي الوحيد سيكون الكرة المبادرة الشجاعة التي تحاول فرض إيقاعها على الخصوم وتحقيق الفوز اعتمادا على إمكانيات لاعبيك، أما انتظار هدايا الخصوم المجانية من كرة طولية هنا أو هناك دون الحاجة لمغادرة مناطقك فهو واقع يمكن لبيرنلي أو ليستر تحقيقه، والأهم أنه لا يستلزم ربع مليار يورو في موسمين.

 

لعبة الدجاج

في نهاية أكتوبر الماضي وعقب الفوز الصعب على توتنهام بكرة طولية شبيهة بتلك التي سجلها راشفورد أمام ليفربول، كتب جوناثان ويلسون - صاحب كتاب الهرم المقلوب - عن لعبة الدجاج التي يلعبها البرتغالي مع خصومه في المباريات الحاسمة والكبيرة، في إشارة للخوف الذي يسيطر على جوزيه في مثل هذه المواجهات، والتي يتبع فيها سبع قواعد مهمة، واحدة منها فقط كافية لتلخيص الوضع برمته؛ "الكرة هي الخوف، من يمتلكها يصاب به، ومن لا يمتلكها هو الأقوى". (9)

 

قيمة حديث ويلسون تأتي من كونه توقع السقوط في أحد أهم لحظات اليونايتد الفارقة في الموسم، فبعد انتقادات واسعة نالها جوزيه بسبب مقاربته الدفاعية البحتة في مباراة الأنفيلد، كرر البرتغالي نفس الخطة ونفس التكتيك واعتمد على إرسال الطوليات إلى لوكاكو بحثًا عن الجناح السريع الذي سيباغت دفاع السبيرز بمجرد نزولها للأرض، وتلك المرة نجح فعلًا في خطف الفوز بعد أن ألجم هجوم بوكيتينو طيلة المباراة تقريبًا، وأشار بإصبعه للنقاد أن يخرسوا في لقطة شهيرة تداولها الجميع.

  

  

لعبة الدجاج ستنجح حتى يتوقف الخصوم عن ارتكاب الأخطاء. هكذا عَنوَن ويلسون مقاله. مورينيو حالم ساذج آخر بالضبط كهؤلاء الذين دأب على السخرية منهم والتقليل من شأنهم، الفارق الوحيد أن أحلامه أكثر تواضعًا، فقط هو يحلم أن تستمر أخطاء الخصوم في الوقوع كل مرة كما يتمنى، وفي الوقت الذي يناسبه وبالكيفية التي تحقق له أقصى استفادة بأقل جهد ممكن، يحلم أن تستمر لعبة الدجاج إلى الأبد، أن يبقى في قاع السلسلة الغذائية للأبد، ومن هنا تأتي المخاطرة التي يظن جوزيه أنه قد حصن نفسه منها، فمثلما تضمن له طريقته ألا يتلقى أهدافًا، فهي لا تضمن له أن يسجلها كذلك. (8) (9)

 

احتمالات نجاح ضعيفة ولكنها تتكرر من حين لآخر لتغري جوزيه بالثبات على موقفه، فلعبة الدجاج لعبة ناجحة جلبت العديد من البطولات لأصحابها ولن تخلو منها كرة القدم أبدًا، ولكنها انتقلت مع مورينيو من طور الضروري في بعض المواجهات إلى طور التعميم على جميع المواجهات، في حالة من الإستسهال والكسل تقتطع المزيد من هامش النجاح الضئيل مع كل مباراة جديدة.

 

لذا كان الجديد هذه المرة أن الخصم توقف عن ارتكاب الأخطاء رغم أنه لم يرتكب أكثر منها منذ تولي مونتيلّا المسئولية، وانهيار الخصوم في آخر الدقائق الذي اعتمد عليه جوزيه كثيرًا لتوجيه ضرباته القاضية قد أصاب فريقه في النهاية، وحتى مع مهاجم متواضع كمورييل كان أمام مونتيلّا فرصة لحسم التأهل في آخر ربع ساعة، بل وربما إخراج اليونايتد بفضيحة تاريخية.

   

لعبة الخوف هي مراهنة في جوهرها، وكأي مراهنة تتطلب أسبابًا مقنعة لتحمل مخاطرتها، كضعف الإمكانيات وقلة المهارت وتواضع مستوى المدرب الفني والتكتيكي، أما التظاهر بكل ذلك في غير محله فهو أشبه بمتوالية لا تتوقف، تبدأ مع ليفربول في الأنفيلد والسيتي في الإتحاد وتنتهي بأياكس وسيلتا فيغو وأندرلخت، لأن عبث جوزيه في ميزان القوى الطبيعي مستمر، وفي لعبة كتلك حتى دجاجة جاهزة للإلتهام كإشبيلية مونتيلّا قد تحصل على موقع متقدم في السلسلة الغذائية على يونايتد مورينيو، فلا يوجد أدنى من الأسود التي تتظاهر بأنها فئران.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار