هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
باريس وريال مدريد.. ملوك في حديقة الأمراء

باريس وريال مدريد.. ملوك في حديقة الأمراء

أحمد أباظة

محرر رياضة
  • ض
  • ض

رغم ميل المعطيات لصالح باريس سان جيرمان هذا العام بعد تعاقداته الخرافية، وميل الرياح في الاتجاه المعاكس لريال مدريد الذي يمر بأحد أكثر مواسمه تخبطاً.. كرر الطرف الثاني فوزه على الأول، وهذه المرة في عقر حديقته، لتضيع أصوات وأهازيج تفاني الجماهير في إصدارها طوال المباراة دون جدوى.. الملكي يمر لدور الثمانية للموسم الثامن على التوالي.

 

فريق مدجج بالنجوم دون ملامح أو شخصية في مواجهة بطل المسابقة آخر مرتين على التوالي والأكثر تتويجاً بها، مدرب لم يكفيه أن يبتلعه زين الدين زيدان في آخر 10 دقائق بالذهاب، فقرر قضاء الإياب كاملاً في معدته مسبقاً. يقولون أن من لا يخطئ لا يتعلم، ولكن لا أحد ينافس هؤلاء الذين لا يتعلمون بأي حال..

   

تشكيل الفريقين وتقييم اللاعبين - هوسكورد

    

لأن إيمري دائماً ما يتفاجأ

4-4-2 التي أنهى ريال مدريد مباراته السابقة أمام باريس بها، هي نفسها التي افتتح بها مباراة الليلة لفرض النسق المهاجم المباشر الذي يفضله، هي واحدة من أكثر خطط الكرة بدائية ولكنها الأكثر توفيراً لكل الاحتياجات الممكنة: ثنائي وسط بأدوار دفاعية واضحة أمام قلبي الدفاع ليزدحم العمق الدفاعي بـ4 لاعبين في حالات التراجع، وتمتلئ الأطراف هجوماً ودفاعاً بلاعبين لكل خط أيضاً في تناغم متميز بين انطلاقات الأظهرة الهجومية والتزام الأجنحة الدفاعي، تحت مهاجم وهمي تألق في تشكيل المثلثات -فقط- مع الجانبين الأوسط والأيسر، ليتقدمهم في النهاية وحش الإنهاء الأوروبي كريستيانو رونالدو.. زيدان عرف جيداً من يقع عليه الاختيار، ومن يفعل ماذا وكيف يفعله على وجه التحديد..

 

على الجانب الآخر احتفظ أوناي إيمري مدرب باريس سان جيرمان برسمه المعتاد 4-3-3 من باريس، استعاد بها خبرة الثنائي تياغو سيلفا وتياغو موتا على حساب كيمبيمبي ومأساة الذهاب جيوفاني لو سيلسو، بينما وجد أنخيل دي ماريا موقعاً اضطرارياً له في التشكيل إثر إصابة نيمار، بعد أن فشل في إقناع مدربه بأحقيته في المشاركة ذهاباً، ليُفضل الدفع بظهيره الأيمن على حساب المهاجم في تغيير الموسم دون منازع.

 

استعد باريس جيداً للاستحواذ والهجوم منذ البداية كونه المضطر لتسجيل هدفين، 10 دقائق أولى متعارف على صعوبتها، ولكن باريس لم ينجح باقتناص شيء منها وخرج منها الميرينغي بسلام ليكشف أول علامات الخلل في حسابات الخصم، فالمشكلة أن زيدان لم يكن ينوي الدفاع وانتظار المرتدة، بكلمات أخرى لم يكن في خطته أن يمنح باريس تلك الأفضلية النفسية على ملعبه، ومن ثمَّ يخاطر بإفساح المجال لهامش الأخطاء الفردية بالخلف، الأمر الذي قد ينقلب وبالاً عليه تحت مثل هذا الضغط الجماهيري.

 

مرت تلك الدقائق بسلام وانطلق ريال مدريد ليبسط يده على المباراة بواحدة من أعلى درجات الانضباط التكتيكي والالتزام الحرفي بواجبات الأدوار المُكلفة، مغلقاً الأطراف تماماً في وجه فريق العاصمة الفرنسية ومستغلاً إياها لصالحه من الناحية الهجومية، بين هدوء أسينسيو ودقة تمريره، وتحركات فاسكيز الذكية بل والرباعي الهجومي إجمالاً وفقاً لتغيرات الوضع، على أن يقوم الظهيرين بفتح الملعب على مصراعيه بتبادل المواقع مع الأجنحة تارة وتحت حراسة ثنائي الوسط تارة أخرى، وعليه ظهر باريس عشوائياً مجبراً على محاولة حفر جدار بالعمق المغلق بدوره.

  

متوسط تمركز اللاعبين: ريال مدريد يميناً باللون الأزرق ويُلاحظ عليه تقدم متوسط الظهيرين عن ثنائي الوسط، وميل بنزيمة جهة اليسار مقارنةً بتمركز رونالدو في العمق. باريس يساراً باللون البرتقالي وهذا القطار المتزاحم بالعمق لا يدعو إلا لإثارة الشفقة - هوسكورد

  

رغم تغير الرسم التكتيكي للملكي وتغير بعض التفاصيل المحورية في طريقة إدارة المباراة، إلا أن بعض الملامح لم تتغير على الإطلاق، فوسط باريس لا يقدم المطلوب، وكافاني يرسف في أغلال العزلة، وتماماً كما كان الكل ينتظر المدد من فرديات نيمار، وقعت الآمال على لاعب لا يساوي نصفه، 4 مراوغات ناجحة من أصل 8 وتمريرة مفتاحية وحيدة، هذا كل ما قدمه أنخيل دي ماريا في معزوفته العشوائية. عاب نيمار في الذهاب قراراته ولكن لم يأمن دفاع مدريد شره أبداً، تلك المرة لا قرارات صحيحة ولا شيء يخيف سوى مارسيلو الذي تصدر قائمة المتعرضين للمراوغة بـ5 مرات من أصل 11 محاولة للتدخل طوال المباراة.

  

(كافاني لمس الكرة 9 مرات فقط طوال الشوط الأول)

  

فوق كل ذلك كان الملكي متفوقاً في استرجاع الكرة قبل ولادة خطورتها، التدخل وأماكنه، ليتضاءل حجم باريس في ملعبه طوال الدقائق الـ35 الأولى، بـ6 تسديدات منهم 2 على المرمى، أبرزها انفراد تام بالمرمى أهدره بنزيمة ليستفيق بعده باريس نسبياً، بمحاولتي دي ماريا ومبابي المتتاليتين للتسجيل من أماكن صعبة للغاية، وهم لا يملكون ما يتطلبه الأمر لإنهاء الكرة من هذا الجانب الأقصى أمام شباك كيلور نافاس. إجمالاً نجح الفريق الأبيض في 18 تدخل من 23 بالشوط الأول مقابل 3 من 5 للخصم، أبرز علاماته ماتيو كوفاسيتش بـ4 تدخلات ناجحة من 6، وداني كارفاخال بالعلامة الكاملة في 4 محاولات تألق خلالها بإغلاق جبهة مبابي ويوري.

  

متأخر للغاية

لم يعد ممكناً ألا تهاجم في مثل تلك الظروف فالمهمة باتت تقتضي تسجيل هدفين، ولكن التحرك الصحيح الفوري -أو أي منهما- لم يكن خياراً مطروحاً على طاولة إيمري كالعادة.. كان عليه أن ينتظر الهدف الأول من ريال مدريد، والذي يرفع المطلوب إلى ثلاثة أهداف لإدراك الوقت الإضافي عوضاً عن التأهل المباشر بهدفين نظيفين. الأدهى أن باريس لم يُظهر شيئاً جديراً بلفت الأنظار في تلك الدقائق، فهو يدَّعي المحاولة والتمسك بالأمل لا أكثر ولا أقل، في فارق واضح وصريح بين شخصيتي الفريقين.

 

صحيح أن ماركو فيراتي لم يكن جيداً أبداً في تلك الليلة، إلا أن سحب البساط من تحت أقدام أدريان رابيو لم يكن بالشيء السهل على الإطلاق. لاعب الوسط المُبشر كان مخيباً للغاية، فبعد شوطه الصفري الأول (صفر من الاعتراضات والتدخلات - الأكثر فقداً للاستحواذ في الشوط بـ4 مرات)، فشل رابيو في مراقبة لوكاس فازكيز الذي انسل منه بغتة ليتلقى تمريرة أسينسيو من بين قدمي ألفيس، لقطة انتهت بعرضية متقنة على رأس من لا يخطئ الشباك في دوري الأبطال.

  

  

وصل المدرب متأخراً وقرر زيادة فرص امتلاك الكرة وتحسين صناعتها الرديئة بإقحام خافيير باستوري بدلاً من موتا في الدقيقة 58، ولكن القدر لم يمهله أكثر من 7 دقائق ليشاهد فيراتي يغادر أرض الملعب بالإنذار الثاني, على حكم اللقاء أن يملك مبرراً مقنعاً لهذا التدخل في مجريات الأمور، فنحن لم نشاهد سوى لاعب يعترض على عدم احتساب مخالفة له. وعموماً لم تكن تلك المجريات تنقصه من الأصل!

 

رفع باريس النسق بعد أن تأكد -أخيراً- من عدم وجود ما يخسره، وكما كانت ركبة رونالدو ذهاباً كانت ساق كافاني، بكرة حولها تياغو سيلفا بالرأس وحاول باستوري تسديدها لتصطدم بكاسيميرو وتصل إلى الأوروغوياني في النهاية. عشرين دقيقة والمهمة هدفين، ليدفع زيدان من جانبه بلاعب الوسط توني كروس على حساب كوفاسيتش إمعاناً في الخروج الأمثل بالكرة، ويقدم الألماني لوحة مثالية في تلك الدقائق المتبقية.

 

في ظل سطوة باريس الهجومية تبرع بنزيمة بإهدار هدف آخر من موقف 2 ضد 1 لأنه -وفي لحظة نادرة- تملكت منه الأنانية. لم يكن غريباً أن يكتفي زيدان منه، وألا يتجاهل أهمية السرعة المطلوبة في تلك الأفدنة الخالية ليحل غاريث بيل بدلاً منه. على الجانب الآخر دفع إيمري بدراكسلر بدلاً من دي ماريا ليحل يساراً وينتقل مبابي إلى اليمين. سرعان ما عادت أهداف الذهاب مجدداً لصدارة المشهد، بكرة أخطأ رابيو في تشتيتها فهيأها كريستيانو إلى كاسيميرو، سددها الأخير فاصطدمت بماركينيوس في طريقها للمرمى مغالطةً الحارس ألفونس أريولا.

 

دقائق أخيرة لم يعد باريس يرغب بأن يلعبها بعد أن بات بحاجة لـ4 أهداف بدلاً من هدفين، فقط ريال مدريد هو من لا يتورع بتلك الأوقات عن إذلال الخصوم وخلق العدد الأكبر من فرص التسجيل ما دام الطريق ممهداً لذلك. أدرك إيمري الوضع وتيقن من استحالة العودة فآثر تفادي الفضيحة، ليدفع بلاعب الوسط الدفاعي لاسانا ديارا بدلاً من مبابي، هذه هي العقلية القتالية لباريس سان جيرمان ومدربه على كل حال..

 

دفاتر مهترئة


  

رجال لا يجب بخس حقهم في مثل تلك الليلة، منهم مارسيلو الذي لم يكن بأفضل أحواله دفاعياً، إلا أن إمدادته الهجومية لم تنقطع بـ4 تمريرات مفتاحية. لوكاس فاسكيز تصدر تلك القائمة بـ5 فرص صنعها تتضمن الهدف الأول، حتى كريستيانو رونالدو المنحصر في إطار إنهاء الفرص على طبق من ذهب، قدم مباراة مميزة للغاية بـ4 تمريرات مفتاحية منها الهدف الثاني، ودقة تمرير بلغت 85% إلى جانب 3 مراوغات صحيحة من أصل 4.

 

يُحكى أن مدرباً خسر تقدمه برباعية نظيفة، وخسر الدوري المحلي بقائمة بينها وبين جميع أقرانها قرون ضوئية، ثم احتفظ بمنصبه في نهاية الموسم.. ولكن بعد ما شاهدناه أمام تلك النسخة تحديداً من ريال مدريد، سيكون مضحكاً لو حاولنا إقناع الأجيال القادمة بأن إدارة باريس قد جددت به الثقة مرة أخرى، أياً كان السر وراء ضخ كل تلك الأموال دون الإتيان بمدرب مؤهل لقيادتها، سيظل أمراً ينافي كل أعراف المنطق الإنساني المتعارف عليه عبر العصور. نُكرر: "المنطق الإنساني"، هذا لمن ذهب تفكيره تجاه آرسنال.

 

شاهدنا جميعاً مباراة، وخرج إيمري بعدها ليتحدث عن مباراة أخرى تماماً، كون موازي سيطر فيه باريس على أول ربع ساعة وآخر 20 دقيقة من شوطها الأول. مشاهد إن ربطتها بحديث أسينسيو عن جودة تحضير زيدان النفسي للمباراة، واعتراف ماركينيوس بافتقار فريقه للخبرة التي تؤهله للفوز بدوري الأبطال إلى جانب فشله في تفاصيل تفوق بها الريال، فإنك ستضع يدك مباشرةً على موضع الخلل.

     

(احتجاج جماهير ميلان أمام بيت بيرلسكوني)

 

دعك عنك جانبا مؤتمرات مناهضة الرأسمالية ومناصرة الحِكَم السطحية مثل "المال لا يشتري الألقاب"، لأنها مقولة لا تصح إلا بإلغاء وجود مانشستر سيتي على كوكب الأرض، كل ما في الأمر أن المال "وحده" لن يشتري الألقاب، الفرق فيمن يديرها. جماهير العريق ميلان تظاهرت أمام منزل سيلفيو بيرلسكوني مالك النادي السابق من أجل أموال الصين، برشلونة وريال مدريد وغيرهم من الكبار -الإنجليز على وجه الأخص- لا يمكنهم الصمود في وجه متغيرات اللعبة دون ضخ المزيد من الأموال، الفارق أنهم لا يتوانون جميعاً عن تصحيح الخلل الذي لديهم حين يظهر.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار