اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/8 الساعة 18:40 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/23 هـ

انضم إلينا
سلتيك ورينجرز.. العداء بين الكاثوليك والبروتستانت بملاعب أسكتلندا

سلتيك ورينجرز.. العداء بين الكاثوليك والبروتستانت بملاعب أسكتلندا

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       

"كانت العادة قديما في غلاسغو الاسكتلندية أن يسألوا الناس في الشارع: هل أنت من البروتستانت أم الكاثوليك؟ أمّا الآن فيسألون: هل أنتَ من مشجعي رينجرز أم سلتيك؟"[1]

  

كل الصراعات في العالم منذ نشأة الأرض يرى كل طرف فيها نفسه ممثلا للخير، ويرى الشر في خصمه، وكرة القدم، كصراع يتجاوز ركل الجلد المدوّر، لا تمثل استثناء، والإنسان عامة دائما ما يبحث عن صراع يشبع رسالته في الحياة. فالاسكتلنديون الذي حاربوا لقرون من أجل الكاثوليكية ضد البروتستانتية، ثم أُجبروا عليها، مارسوا العنصرية ضد المهاجرين الكاثوليك، وكأن المشكلة في الاختلاف من الأساس مهما كانت أسبابه، وكأن لو لم تكن هناك ديانة وطوائف وسلتيك ورينجرز، لوجدوا ما يتقاتلون عليه.

 

لذا فإن عداوة كرة القدم في معظم الأحيان لا تنشأ في منافسة الأهداف والألقاب، لكنها تمتلك جذورا تاريخية أو دينية أو طبقية أو سياسية، وتصبح حينها الدقائق التسعين جزءا في سياق أوسع من الصراع. باختصار أكبر، الكرة ليست سبب الكراهية ولكنها واحدة من تجلياتها. (سوشيال ميديا - 4)

 

وعند النظر إلى فكرة الديربي من هذا المدخل، سيتحول حينها برشلونة إلى ممثل لكفاح كاتالونيا السياسيّ ضد نظام فاشٍ يحكم بالنار من مدريد. وسوف يتحول تشجيع بوكا جونيورز إلى نضال طبقيّ ضد برجوازيي ريفير بلات. أما صراع ديربي إسطنبول فهو تنويع آخر على ثنائية العلمانيين والمحافظين. ومانشستر تكره ليفربول، وليفربول تكره مانشستر، لأنهما ميناءان يتنافسان اقتصاديا على استقبال السفن التجارية القادمة إلى إنجلترا. وهذا هو المقصد من سلسلة تقارير "جذور الكراهية" التي نبدأ عرضها عبر موقع "ميدان"، ونبدأها عبر التقرير التالي الذي يوضح جذور العداء التاريخي بين سيلتيك ورينجرز.

 

دفاعا عن الكاثوليكية

    

"نحن نكره الكاثوليك..

الجميع يكره الرومان كاثوليك!

نحن رينجرز..

نقتل الكاثوليك على سبيل المرح"

من أغاني جماهير رينجرز

   

اسكتلندا، بلد ديربي الـ "أولد فيرم"، عرفها التاريخ[2] حتى سنة 400م كمجموعة من القبائل المتقاتلة، وقبل قدوم المسيحية لم يكن يجمع بينها أي شيء، ولم تعرف هذه القبائل أي محاولة لتوحيد المُلك قبل منتصف القرن التاسع، وبعدها بنحو 4 قرون استقلّت عن إنجلترا، وأصبحت دولة حقيقية بالصورة التي نعرفها، وحتى ذلك الحين كانت البلاد كاثوليكية الطائفة.

 

في منتصف القرن السادس عشر تحولت إنجلترا إلى البروتستانتية، وصدر قانون يحمي سيادة النبلاء الاسكتلنديين البروتستانت على شعب من الكاثوليك، وهو ما أدّى إلى تفاقم الأمر لاحقا، وتحوله إلى صراع محلي بين النبلاء والملكة ماري الكاثوليكية، ودخلت إنجلترا وملكتها إليزابيث البروتستانتية كأطراف في هذا الوضع المعقد، وانتهى الأمر بإعدام الملكة ماري!

 

في منتصف القرن الثامن عشر سقط آخر ملوك اسكتلندا الكاثوليك أمام الجيش الإنجليزي، وعقب ذلك اعتنقت الكنيسة الاسكتلندية المذهب البروتستانتي، وبالتبعية تحول الاسكتلنديون إلى المذهب نفسه.

 

 في عام 1872 تأسس نادي رينجرز، ويقال: "لا يمكن أن تدخل بيتا بروتستانتيا في غلاسكو دون أن ترى شيئا يدل على تشجيع رينجرز؛ وشاحا أو علما أو كوبا على منضدة".

 

هجوما على الكاثوليكيّة

    

"عندما تحلّق الراية الخضراء عاليا
فسوف يقاتل السلتيك حتى الموت
كي لا يحكمنا البرتقاليون اللقطاء..
وصفّق إذا كنت تكره رينجرز الملعون"

من أغاني جماهير سلتيك

  

البرتقاليون اللقطاء (Orange Bas**ds)، لقب طائفيّ سلبي يعرفه المجتمع الاسكتلندي، ويُوَجّه كعلامة ازدراء ضد البروتستانت. وهنا يظهر التساؤل: لماذا تعادي جماهير سلتيك الاسكتلندي المذهب البروتستانتي رغم تحوّل البلاد إليها منذ ما يقارب القرون الثلاثة؟ وما علاقة البروتستانتية بكرة القدم من الأساس؟!

 

للإجابة فإنه تجب العودة إلى منتصف القرن التاسع عشر، عندما بدأت الهجرة[3] الأيرلندية إلى اسكتلندا واستمرت حتى مطلع القرن العشرين، وبلغت نحو 5 ملايين أيرلندي كاثوليكي. ويمكن بسهولة أن نتخيل شكل التفاعل المجتمعي حينها، إذ خلقت الهجرة نوعا من التنافس على فرص العمل بين السكان الأصليين للبلاد وبين المهاجرين، وعلى تملّك المنازل والأراضي، وسوء الأحوال الاقتصادية للمهاجرين جعلهم عمالة أرخص في الكثير من الصناعات، مما أدى إلى سيطرتهم عليها. فعمال النسيج مثلا في هذه الفترة كانوا بنسبة 44% من النساء الأيرلنديات، وزادت نسب توظيف المهاجرين في المصانع وأعمال بناء الطرق والكباري، وبشكل تلقائي ظهر نوع من العداء المجتمعيّ ضدهم، بدرجة جعلت بعض أصحاب العمال يرفضون توظيف الأيرلنديين الكاثوليك.

 

وكما هو المعتاد في أي حالة عداء طائفيّ ديني، بدأ المجتمع الاسكتلندي في نسج أساطير حول خصومهم، فقالوا إن الأيرلنديين ينشرون الأوبئة والأمراض، وظهر توصيف "الحمى الأيرلندية" كداء ينشره المهاجرون. وفي رد فعل تلقائي انغلق المهاجرون على أنفسهم في قطاعات من المدن في شرق اسكتلندا، وأصبحت كاثوليكيتهم علامة تمايز عن المجتمع البروتستانتي المعادي من حولهم، وصاروا لا يتزوجون إلا من بعضهم البعض بنسبة بلغت الـ 80% من الزيجات، وصارت أحياء مدينة غلاسغو الغربية معقلا للأيرلنديين.

 

لاحقا، أصبح هؤلاء مؤسسو سلتيك ومشجعوه في 1887، ويقال إنك يوم ديربي الـ "أولد فيرم" يجب أن تدخل مدرجات سلتيك مرتديا وشاحا عليه صورة بابا روما، وأن تهتف: "تبًّا للملكة!"، وتغني لجيش التحرير الأيرلندي.

 

أولد فيرم

في عام 1889 كان لقاء ديربي[4] "أولد فيرم" الأول بين سلتيك ورينجرز، ومع هذا اللقاء بدأت واحدة من أقدم الخصومات الكروية في أوروبا والعالم، وبلغ مجموع ديربيات مدينة غلاسغو بين الناديين ما يتجاوز الـ 400 مباراة، والأهم هنا من سرد النتائج والألقاب وأفضلية أحدهما على الآخر هو الدور الذي يلعبه الديربي في هوية كل من طيفَيْ المجتمع الاسكتلندي.

 

  

أظهرت إحدى الدراسات أن نسبة الكاثوليك بين مشجعي سلتيك يبلغ نحو 74%، وتقف نسبة البروتستانت عند نحو 10%. وفي أواخر القرن التاسع عشر بلغت نسبة الكاثوليك في المهاجرين الأيرلنديين نحو 75% أيضا! في حين تبلغ نسبة البروتستانت بين مشجعي رينجرز قرابة الـ 65%. وفي مباريات الفريقين على ملعب إيبروكس معقل رينجرز ترتفع أعلام الاتحاد البريطاني، والهتاف للملكة، وفي سلتيك بارك ترتفع أعلام الجمهورية الأيرلندية.

 

في الحروب يتواجه جيشان، لكل منهما راية وقائد وجنود يتبعون التعليمات. كل جيش يرى في نفسه تمثيلا لفكرة أو اعتقاد، ويرى في خصمه مناقضا لهذه الفكرة، والحرب ما هي إلا تعبير واقعي عن تضارب الكلمات النظرية. ومباريات الـ "أولد فيرم" تؤمّن حربا دوريّة بين الطيف الكاثوليكي والبروتستانتي في مجتمع متصارع، والحرب هنا ليست تعبيرا مجازيا بالكامل، فأخبار سقوط جرحى وقتلى أحيانا عقب الديربي ليست بالأمر الغريب. (سوشيال ميديا - 3)

 

الخائن

"يمكن لرينجرز أن يتعاقد مع البابا يوحنا بولس نفسه، ولن يغيّر ذلك من مشاعرنا في شيء!"

  

يقولون إن اليهودي يمكنه ترك يهوديته، لكن يهوديته لن تتركه، فهو في نظر أهله خائن، وفي نظر الآخرين هو يهوديّ رغم كل شيء. وهذه هي حكاية موريس جونستون[5]، فسياسة تعاقدات رينجرز "ليس من المعروف عنها التعاقد مع اللاعبين الكاثوليك". وفي عام 1989 تعاقد الفريق مع "مو جونستون" الكاثوليكي.

    

  

عقب إعلان التوقيع توجهت مجموعة من مشجعي رينجرز إلى فرع النادي في بلفاست، وتجمهرت أمام بوابته وأغلقت المكان. فيما هاجمت مجموعة من مشجعي سلتيك والد اللاعب وتعدّت عليه بالضرب. واضطر جونستون حينها إلى تغيير محل إقامته من غلاسغو إلى إدنبره، واستأجر حارسا شخصيا على مدار 24 ساعة. وفي موسمه الأول استطاع أن يكون أفضل لاعبي الفريق، وهتفت له الجماهير، ثم انقلبت عليه عندما قيل إنه قام بغناء نشيد بروتستانتي أثناء أحد الاحتفالات. أما جماهير سلتيك فكادت أن تحترق غضبا عندما قيل إن اللاعب بصق على شعار الفريق. لكن البعض الكثير من جماهير رينجرز لم تكن تحتفل بأهدافه، فإن فاز الفريق مثلا 1-0 بهدف لجونستون، تقول هذه الجماهير إن المباراة انتهت صفر - صفر، وعندما يشجعون لاعبي فريقهم قبل المباراة، كانوا يهتفون لـ 10 يلعبون من أجل الملكة، وليس لـ 11 يلعبون تحت اسم جلالتها!

 

وفي النهاية غادر النادي، ووصفته الصحافة بـ "سلمان رشدي الكرة الاسكتلندية" وذلك لقدرته على إثارة مشاعر الغضب في طائفتين متضادتين. وحكايته تُغني عن الكثير من سرد حوادث العنف بين الفريقين، فرغم مضي 100 عام من بدء مواجهات الفريقين قبل توقيع اللاعب، لكن وقع انتقاله لم يكن سهلا على الطرفين، خاصة وأنه كان لاعبا سابقا بصفوف سلتيك.

 

وبذلك يصبح النظر إلى الماضي، وسبر أغواره، عدسة نرى من خلالها الحاضر بصورة مختلفة، صورة تتجاوز بديهيات الحاضر، باعتبارها نتاجا لتغيرات اجتماعية وثقافية ودينية وسياسية، وهذا ما كان، في ديربي اسكتلندا!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار