اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/5 الساعة 16:16 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/20 هـ

انضم إلينا
من القرية للعالمية.. دروس ملهمة من مسيرة محمد صلاح

من القرية للعالمية.. دروس ملهمة من مسيرة محمد صلاح

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    

كواحدة من الهجمات المرتدة التي اعتاد الانطـلاق بها بسـرعته الجنـونية، قطع اللاعب المصري الدولي محمد صلاح ملعب الحيـاة من المرمى إلى المرمى مسجلا خلال سنوات معدودة نموذجا استثائيا من النجاح لم يعد مثار إعجاب لأهل بلده فقط، وإنما امتد ليصبح مثار حديث العالم كله بعد أن تم تتويجـه كهدّاف للدوري الإنجليزي مزاحما للكبار ذوي الأقدام الذهبية.

 

وكأي نموذج من النجاح الاستثنائي، دائما يقفز السؤال الأول في الذهن: كيف فعلها؟ وكأي إجابة سطحية سريعة عن هذا السؤال يُسند الأمر كله إلى "الحظ"، خصوصا أنه من الصعب جدا الاقتناع بنجاح شاب أتى من قرية هامشية في الريف المصري تعج بكل ما يتذمّـر منه الشباب من فقـر وفوضوية وتضاؤل الفرص. وربما في إجابات أكثر منطقية، يتم التركيز على مهاراته الاستثنائية التي يملكها والتي يتم إرجاعها بشكل أو بآخر إلى الحظ أيضا.

 

لا أحد يعرف السر النهائي وراء نجاح أي شخص سواء كان لاعب كرة أو عالم فيزياء أو مؤسس شركة عملاقة، ولكن في كل الأحوال، تُعدّ مسيـرة "محمد صلاح" الذي قَدِم من قرية نجريج الريفيـة مرورا بأندية أوروبية كبـرى وصولا إلى هداف الدوري الإنجليزي مسيرة تحتاج حتما إلى تشريح لاستخلاص بعض القوانين التي يمكن تطبيقها على فيزياء الحيـاة عموما، حتى لو كانت بعيدا عن عالم الرياضة.

 

النجــاح لا يمر دائما عبر المدرسة


  

أحيانا يفرض عليك مجتمعـك نسقا معينا ثابتا بخصوص مفهوم النجاح والتفوق في الحياة. وفي الأغلب، خصوصا لدى الطبقات المتوسطة والدنيا من المجتمعات، يتشكل نموذج "التفوق الدراسي" كدلالة حتميـة للتميز الاجتماعي، ومن ثم التميز المادي. هذا السبب هو الذي يجعل الأسر دائمة التركيز على حثّ أبنائها على التفوق الدراسي باعتباره الإشارة الوحيدة للترقيـة المادية والاجتماعية لاحقا بحجز وظائف من الدرجة الأولى مثل الطب والهندسة وغيرها.

 

إذا لعب الحظ دورا في رحلة محمد صلاح ووصوله إلى العالمية، فالمؤكد أنه -الحظ- سيتركز بالكامل على أسرته التي أولت اهتماما بمهاراته الفريدة في لعب كـرة القدم، ولم تدفنها تحت ركـام العادات الاجتماعية التي تشدد أنه لا تفوّق أو نجاح أو تميّز إلا عن طريق المدرسة والجامعة. لم يتمكّن محمد صلاح من دخول الجامعة بعد أن انتهى من دراسة "الثانوية الصنـاعية" والتحق بمعهـد "لا سلكي"، وهو من المعاهد المتوسطة المنتشرة في مصـر والتي تمنح عادة شهـادة فنيـة تؤهل حاملها للعمل كعامل بسيط فنّي. (1، 2)

 

في المقابل، كان محمد صلاح يشقّ خلال فترة طفـولته ومراهقتـه مشوارا ملحميا في عالم كـرة القدم في صندوق آخر مختلف تماما عن الصندوق الضيّق الذي يفرضه المجتمع بخصوص مفهوم "النجاح"، ليتحوّل إلى نجم رياضي عالمي. إذا كان محمد صلاح وجد شغفه في الرياضة، فغيـره قد يجد شغفه في التجارة أو الموسيقى أو الفن أو الدعاية أو تأسيس الشركات. كلٌّ له صندوقه الخاص من الشغف.

 

ستدفع الثمن.. الشيطان في التفاصيل

  

"كانوا 4 ساعات رايح و4 ساعات جاي.. ويجي أربع أو خمس مواصلات، لمدة 5 أيام في الأسبوع.. كل اللي كنت بفكر فيه وقتها إني بحب الكورة وعايز أكون لعيب كورة!"

(محمد صلاح يحكي عن بداياته)

  

كقاعدة، الشغف بشيء معيّن هو الشيء الوحيد الذي يعمي بصـر صاحبه عن كم هائل من التفاصيل المعقدة والمؤلمة والمزعجة التي سيعايشها كل لحظة، وتجعله يتخطّاها عن طيب خاطر كامل. كأنه الشيء الوحيد الذي يجعل صاحبه يدفع الثمن بدون تفكيـر ويتصرف كالمسحور الذي لا يتحرّك إلا وراء ما يأسره. هذا الأمر ينطبق على الوظيفة والشركة الناشئة والمسار الأكاديمي وكل تفاصيل الحياة.

 

هذا ما حدث بالضبط لمحمد صلاح عندما غرق في شغفه بكـرة القدم منذ طفـولته، فكـانت النتيجة أنه استطـاع تجـاوز أكثر التفاصيل إرهاقا يوميا عن طيب خاطر. ربما لم يشعر أصلا بالثمن الذي دفعه لتحقيق هدفه، وإن أصبح واعيا به لاحقا عندما كرر ذلك في لقاءاته بشكل مستمر.

 

من مركز شباب قرية "نجـريج" انتقل محمد صلاح إلى نادي مقـاولين طنطـا -نادٍ محلّي في عاصمة محافظة الغربية- وهو طفل لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره. كان الطريق بين قريته إلى ناديـه الجديد يستغرق ساعة ونصف تقريبا ويمرّ عبر ثلاث وسائل مواصلات ذهابا وعودة، وهو ما اعتُبر جهدا استثنائيا لطفل في هذا العمر. لاحقا، ومع تميزه الملحوظ انتقل صلاح من نادي مقاولين طنطـا إلى نادي المقـاولين العرب في العاصمـة القـاهرة، المسافة بينهما نحو 85 كم. (3)

 

ومع هذا الانتقال كان الفتى لا يزال يقيم في قريته، مما اضطـره إلى قطع مسافة هائلة تقدر بأربع ساعات ذهابا وإيابا متنقلا بين عدد كبير من المواصلات، لمدة خمسة أيام أسبوعيا بلا توقف. وكان الراتب الذي يتقاضاه شهـريا هو 120 جنيها فقط، يصرف منها يوميا 25 جنيها في وسائل المواصلات فقط، والبقيـة يستمدها من والده.

 

هذه المسافة الهائلة تكون مُرهقة لمن يقود سيارة فارهة متنقلا بين محافظتين خلال يومين اثنين في الأسبوع، فما بالك بصبي يتنقّل يوميا عبر مواصلات مُرهقة غير مريحة لمدة ثماني ساعات، يبدأ رحلته من بعد الفجـر حتى نهاية اليوم. ثمن كبيــر دُفع عن طيب خاطر بلا شك.

 

إذا رفضك الزمالك فاستهدف ما وراء الزمالك

  

"كنت المفروض أروح الزمالك بس اترفضت.. قالوا لسه شوية على بال ما يلعب في الزمالك!"

  

في رحلة الحيـاة تكون الأهداف المرحلية محدودة وفقا للظروف التي يعيش فيها صاحبها، فيخطئ كثيرا في تقدير مهاراته الشخصية وينسج لنفسـه أهدافا "عاديـة" استمدّها من رؤيته لمسار المحيطين به. وكم من موهوب مبدع أهدر فرصا عظيمة لنجاحات غير مسبوقة، لا لشيء سوى أنه وضع أهدافه على نمط الآخرين.

 

عند انتقال محمد صلاح إلى نادي المقاولين أبدى أداء استثنائيا، الأمر الذي جعل انضمـامه إلى أندية القمة المصـرية واردا، وكان هو شخصيا يتمنى الوصول إلى هذا الهدف مثله كأي لاعب مصري آخر. ومع ذلك، تم رفضـه بحجـة أنه يحتـاج إلى وقت طويل للانضمـام إلى نادي الزمالك.

 

هنا يظهر السؤال القدري الحتمي المعتاد: ماذا لو؟ ماذا لو انتقل محمد صلاح إلى نادي الزمالك المصـري وأكمل مسيـرته الكـروية في الدوري المحلي؟ هل كان بالإمكـان أن يحقق عُشـر ما حققه من مسار البطولات التي حققها عالميا لاحقا، وأصبح أسطـورة رياضيـة مصـرية يتحدث عنها الجميع حول العالم؟

 

الحيـاة تعج بالموهوبين ذوي الإبداعات الصارخة الذين يتمنّون الانضمام إلى "زمـالك" معيّن في حيـاتهم المهنية، سواء تمثل ذلك في وظيفة مميزة أو مسار أكاديمي ومهني معين. ثم يتضّح أن فشلهم في الوصول إلى هدفهم المحدود كـان هو أفضل ما حدث لهم في حياتهم على الإطلاق، والنقطة التي جعلتهم يقفـزون إلى درجات لم يكونوا يتصوّرونها.

  

في مديح المرحلة الانتقالية

    

في أبريل/نيسان عام 2012 انتقل محمد صلاح إلى نادي بازل السويسـري مقابل صفقة كبيـرة لنادي المقاولين العرب قُدّرت بمليوني يورو، ليبدأ اللاعب المصـري رحلة الصعـود الحقيقيـة من مجرد لاعب محلي موهوب في مصـر إلى لاعب دولي بمعايير عالمية قياسيـة. كانت النتيجة أنه بعد عام واحد، في عام 2013 حصل على جائزة أفضـل لاعب في الدوري السويسـري لذاك العام.

 

خلال تلك الفتـرة، حقق محمد صلاح أداء استثنائيا في كل من بطولتي الدوري السويسـري وبطولة الدوري الأوروبي، واستطـاع أن يحرز أهدافا في أندية شهيـرة مثل توتنهام وتشيلسي الإنجليزي، وهو الأمر الذي جعله محل انتباه العديد من الفرق الأوروبية الكبـرى وعلى رأسهم نادي تشيلسي الإنجليزي.

 

المرحلة الانتقالية بين الأداء العادي والأداء المميز، المرحلة الانتقالية بين بيئة عمل متواضعة إلى بيئة عمل ممتازة، المرحلة الانتقالية بين وظيفة بأجر بسيط إلى وظيفة بأجر ممتاز. دائما هناك مرحلة انتقاليـة بين درجتين في مشوار الحيـاة -بمختلف أشكـالها وصورها-، ودائما تستدعي هذه المرحلة التركيز على إظهـار أفضل القدرات المتاحة. وهو ما كان يفعله محمد صلاح بشكل واضح خلال تلك الفتـرة؛ التركيز على الظهـور في الأضواء الأوروبية كمرحلة انتقالية أولى تساعده في رحلته للصعود للقمة.

   

التعثّر في منتصف الطريق نعمــة أكثر من كونه نقمة


  

تكون قد أظهـرت أداء استثنائيا يؤهلك لافتتاح شركة ناجحة، أو حققت مسارا وظيفيا ممتازا يفترض أن يؤهلك لشغل وظيفة مميزة، ثم بالفعل تصل إلى هذا الهدف لتكتشف أن الأمر ليس بهذه السهولة. أنت لا تحصل على الفرصة التي افترضت أنك ستحصل عليها بناء على تسلسل نجاحك، ولم تجد الدعم والحماس الذي كنت تتوقعه عند ذهابك إلى مرحلة جديدة قادما من مرحلة سابقة أظهرت فيها أداء استثنائيا.

 

في عام 2014 انتقل محمد صلاح إلى نادي تشيلسي الإنجليزي في واحدة من أهم الخطوات في مشواره الاحترافي، ومع ذلك كانت هذه الفتـرة هي الأكثر صعـوبة، حيث جلس معظم الوقت على مقاعد البدلاء ولم يأخذ فرصته في المشاركة الكاملة كأساسي، فخلال ما يزيد عن عام قضـاه في ملعب ستامفـورد بريدج لعب 530 دقيقة فقط، وبدأ أساسيا في ست مباريات وخاض سبع مباريات كبديل وأحرز هدفين اثنين فقط.

  

"صلاح لم يخطئ في تشيلسي، كان مثاليا تماما. ولكنه كان أصغر سنا ولم يكن قويا كما هو الآن وقد نضج. أظن أنه كان قد نضج تماما خلال فتـرة وجوده في تشيلسي رغم أنه لم يحصل على فرصته بالكامل"

(بات نيفين، في حواره لبي إن سبورت) (4)

  

وعلى الرغم أن فتـرة بقائه في تشيلسي لم تكن جيدة، فإنه هو نفسه "محمد صلاح" قال في حديث للفرانس فوتبول إنه رغم أنه لم يكن سعيدا في الوجود على مقاعد البدلاء فإن فترة بقائه في تشيلسي كانت لحظة مفتاحية مهمة في حياته الكـروية حيث وجد نفسه فجأة زميلا لمجموعة من أفضل اللاعبين في العالم، الأمر الذي ساعده بشدة في تكوين شخصيته في الملعب لاحقا.

 

مهارات + خبـرة = صعــود


  

بعد فتـرة من الرتابة في الحياة المهنية والاحترافية التي تكون مختلطة بقدر هائل من الإحباط بلا شك، عندما تتـاح الفرصة من جديد يأخذ اللعب مسارا مختلفا. أنت الآن أكثر خبرة ونضجا ووعيا بإمكـانياتك، وأكثر قدرة على استدعاء هذه الإمكـانيات في تحديات أكبر بكثير من التي خضتها سابقا. والخبرة هنا لا تشمل التعلم من الفرص التي حققتها فقط، وإنما التعلم أيضا من وراء الفرص التي لم تنل وقتا كافيا لخوضها. النتيجة الحتمية هي الصعـود.

 

في فبراير/شباط عام 2015 انتقل محمد صلاح على سبيل الإعارة من نادي تشيلسي إلى نادي فيـرونتينا الإيطـالي لمدة ستة أشهر، حقق اللاعب المصـري فيها ظهورا لافتا حيث شارك في 26 مباراة سجّل فيها تسعة أهداف، بما في ذلك أهداف سجلها في مرمى الإنتر ميلان واليوفنتوس أكبر الأندية الإيطـالية، وأبدى أيضا أداء مميزا في مبارايات الدوري الأوروبي.

 

بقدوم أغسطس/آب من العام نفسه انتقل صلاح إلى نادي رومـا ليشارك في موسم 2015/2016 في 42 مباراة استطـاع أن يسجّل فيها 15 هدفا حاصلا على جائزة لاعب الموسم في روما، وهو الأمر الذي جعل نادي العاصمة يتقدم لشراء صلاح من تشيلسي بقيمة 15 مليون يورو. في الموسم التالي، حقق صلاح أفضـل ظهـور له في الدوري الإيطـالي حيث شارك في 41 مباراة مسجلا 19 هدفا، ليحتل المركز الثاني في قائمة هدافي النادي، والمركز الثاني في الدوري الإيطالي في صناعة الأهداف، واُختير كأفضل لاعب في روما في الدوري الإيطالي للموسم 2016/2017. (1)

   

مهارات + خبرة + صعــود = تألق

  

في فترة من فترات الحيـاة تجد نفسـك في أفضـل مراحل نضجـك على الإطلاق فنيا وعقليا وإنسـانيا، ذروة الامتيازات الوظيفية والإنسانية والاجتماعية التي تتيح أمامك كل الخيارات للتألق. الآن أصبح لديك الخبرة اللازمة وأصبح لديك المهارات التي تجعلك تتفهم طبيعة العمـل وتقلبـاته سريعا دون إجهاد. استطعت الصعـود إلى قمـة جيدة جدا تجعل "الكبـار" يوجّهون أنظـارهم إليك، ويدرسون إنجازاتك ويقــررون أنك الشخص الصحيح الذي تصلح في هذه المرحلة تحديدا.

 

في يونيـو/حزيران 2017 ومع الصعود الهائل لمحمد صلاح في روما الإيطـالي، انتقل النجم المصـري إلى صفوف ليفـربول الإنجليزي بصفقة كبيـرة قُدّرت بـ 42 مليون يورو، لتبدأ مسيــرة مذهلة من التألق في صفـوفه وصلت به ليتبوأ هدّاف الدوري الإنجليـزي بـواحد وثلاثين هدفا، ليصل مجموع الأهداف التي أحرزها في كافة المسابقات إلى 43 هدفا حتى لحظة كتابة هذه السطور.

 

ومع تألقه المدهش أصبح محمد صـلاح أسطورة رياضية عربية في الملاعب العالمية ينافس اللاعبين الكبـار الذين كانوا أيقونات رياضية على مدار سنوات عديدة في كرة القدم، وعلى رأسهم البرتغالي كريستيانو رونالدو والأرجنتيني ليونيل ميسي.

 

في النهاية، رحلة نجاح محمد صلاح في الملاعب مثلها مثل أي رحلة نجـاح في أي مجال يجمعها ثابت مشترك واحد هو التوفيق، وتختلف في تفاصيلها ومساراتها التي تقود إلى نسخ من محمد صلاح في مجالات العلوم والأعمال والوظائف والفن والإبداع، كلٌّ في ملعبه.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار