اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/12 الساعة 15:49 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/29 هـ

انضم إلينا
هل يفسد الهوس بميسي فرصة الأرجنتين في المنافسة؟

هل يفسد الهوس بميسي فرصة الأرجنتين في المنافسة؟

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض
نحن أمام خيار من اثنين هنا، الأول هو أن نضع الديباجة التقليدية المملة الضرورية الحذرة المتوجسة التي تقال في هذه المناسبات، الديباجات التي يجب أن نضعها في بداية أي حديث عن ميسي والأرجنتين لكي لا نغضب من لا يجب أن يغضبوا، وأن نتحسس الكلمات وكأننا نسير على الزجاج فينتهي الأمر إلى اللاشيء كالعادة، وفي مثل هذه المواضيع، اللاشيء هو أفضل شيء غالبًا لأنه يمنحك المعادلة السحرية؛ التطرق إلى موضوع جماهيري دون إثارة حنق الجماهير.

 

الخيار الثاني هو أن نبدأ تلك القصة من نهايتها، والنهاية تؤكد أنه رغم كون ميسي برشلونة مختلف عن ميسي الأرجنتين، إلا أنه لم يوجد لاعب في تاريخ بلاد الفضة كان غيابه عن التشكيل مؤثرًا لهذه الدرجة، لدرجة 7 نقاط من 8 مباريات بدونه و21 نقطة من 10 مباريات معه. في الواقع لا نعتقد أنه يوجد لاعب في أي فريق ممن تأهلوا إلى كأس العالم له هذا التأثير على منتخب بلاده. (1)


أخشاب عالية الجودة
الأرقام هي لاشيء في الحقيقة، مجرد تعبير لغوي عن أمر حاصل بالفعل، ولا يمكن اعتبارها دليلًا على أمر آخر لم يحدث أصلًا، لذا ستكون أولى الخطوات المنطقية هنا أن نتخلص من هوس الجماهير بالاختصار المخل، ونؤكد على أن الأمر ليس متعلقًا بميسي وحده، فعلى الرغم من افتقاد الألبي سيليستي إلى أظهرة وخط وسط حقيقي وتكدس كل نجومه في الثلث الأخير إلا أن كل ذلك لا يبرر نتائجه المخزية بدون البرغوث. هذه تفصيلة مهمة للغاية رغم أن الإيمان بفكرة فريق الرجل الواحد هو هوس آخر يراود مشجعي الكرة طيلة الوقت، ولكن الحقيقة أنك لا  تحتاج لنجوم في كل الخطوط لتتجنب التعادل مع بيرو وفينيزويلا والخسارة من الإكوادور والباراغواي على أرضك، فقط تحتاج إلى مدرب جيد ولاعبين يرغبون في الفوز. (2)

 

إحصائية "مع ميسي - بدون ميسي" مغرية للغاية. أحيانًا يمكن للأرقام أن تمنحك الانطباع بأنك قد اقتربت من الحقيقة المطلقة، ولكن قليل من المنطق يؤكد أن روميرو وأوتامندي وموري وروخو وميركادو وماتشيرانو وبيليا وبانيغا ودي ماريا وديبالا وهيغوايين قادرون على الفوز في كل المباريات التي خسروها وتعادلوها في التصفيات ربما باستثناء مباراة البرازيل، وحتى لو كانت مستويات بعضهم لا ترقى للعب في أي منتخب لاتيني من الكبار.


دعنا نذهب إلى الحقائق المطلقة إذن؛ منتخب الأرجنتين كان مخيبًا للآمال عبر تاريخه ورغم كل ما ضمه من أسماء مرعبة، وهذا هو بالضبط ما يمنح مونديال 1986 هذه القيمة، والحقيقة أيضًا أن نجومية ميسي المبالغ فيها قد ظلمت زملاءه وعرضتهم للتجاهل والتهميش منذ 2009 وبداية خروج مقارنة ميسي - مارادونا إلى النور.

 

الأسطورة تقول أن دييغو فاز للأرجنتين بمونديال المكسيك منفردًا، وسواء كانت حقيقية أو لا فإن هذا ما حاول الإعلام العالمي تصديره للمنتخب الحالي؛ أن ميسي يجب أن يفوز بكأس العالم منفردًا بدوره، وأن الفائدة الوحيدة لزملائه هي استكمال الأحد عشر لاعبًا المطلوبين للعب أي مباراة، مجرد ألواح من الخشب هدفها الطفو بالبرغوث حتى يحقق حلمه - أو حلم جمهوره لا نعلم بالضبط - ويعادل إنجاز مارادونا.

 

البحث عن الأصل
تلك هي المغالطة الأولى التي بُني عليها كل ما لحق، ومرة أخرى كانت الديباجات التقليدية المملة الضرورية الحذرة المتوجسة تسبقها للتبرير؛ كرة القدم لعبة جماعية ولا يوجد لاعب قادر على الفوز ببطولة وحده ولكن مارادونا هو من فاز للأرجنتين بالمونديال، وبذلك تحولت كأس 1986 إلى إنجاز لمارادونا لا الأرجنتين، ومن ثم أصبحت كأس 2010 أو 2014 وقريبًا 2018 إنجازًا لميسي بالتبعية. (3)

 

ليس مهمًا هنا إن كنت تؤمن بأن ميسي في نفس مستوى مارادونا أو أفضل أو العكس، لأن الإعلام وجمهور البرغوث لم ينتظروا نتيجة هذه المقارنات حتى يبدأوا في التعامل مع الأرجنتين على أنه منتخب ميسي، بالضبط مثلما أخبرهم الآباء أنها كانت منتخب مارادونا في يوم من الأيام، والنتيجة هي عملية مستمرة لتفريغ باقي نجوم الألبي سيليستي ولاعبيه من الدوافع على مدار السنوات الثمان الماضية. (4)

 

معضلة نفسية بالأساس، لأنك من الممكن أن تجمع اللاعبين على كيان مطلق مقدس مثل "الوطن" أو "الكأس" ولكن من المستحيل استبدال كل ذلك باسم ميسي أو غيره، ببساطة لأنه بشري تنتهي صلاحيته عند لحظة معينة مثل باقي البشر، ومطالبة باقي اللاعبين باللعب من أجله هو أمر يعزز إحساسهم بالدونية تجاهه ويسلط الضوء على الفوارق بينه وبينهم، أي آخر ما يحتاجه أي فريق في أي لعبة جماعية.

 

تلك هي المفارقة الساخرة هنا، أن الإيمان بأسطورية مارادونا كبطل وحيد أوحد للأرجنتين في 1986 هي ما أطاح بباقي أعضاء منتخبها في 2010 و2014. الجميع يريد أسطورة خارقة جديدة لينسحق الفريق كله أمامها، ولو كان الإعلام العالمي قد مارس نفس الأمر مع جيل 1986 لانتزع حوافز كل رفاق دييغو من قبل البطولة، لما رأينا براون وإنريكي وفالدانو وبوروتشاغا يتقدمون على ألمانيا الغربية الرهيبة 2-0 في النهائي دون مساعدة من مارادونا أو غيره، ولكن لحسن حظهم أن كل ذلك أتى لاحقًا، بعد التتويج. (5)

 

لأنه نجم فريقك
هذا التعامل الإعلامي والجماهيري، وبكثافة تبلغ أضعاف أي ضغط إعلامي كان موجودًا في الثمانينيات والتسعينيات، لم يكتف بقتل الرغبة لدى لاعبي الأرجنتين وحسب، بل لا مبالغة في القول بأنه خلق أجواءًا سلبية تجاه ميسي نفسه. ببساطة ضع نفسك مكان أي لاعب من هؤلاء؛ يأتون بك إلى المنتخب لتلعب بدافع وحيد هو أن يحصل ميسي على كأس العالم ويصبح الأعظم في التاريخ، وكأنك تعيش حياة لاعب آخر لا حياتك الشخصية. كأس العالم من أجل ميسي ومهما فعلت سيُقال إنها كأسه، لا كأس الأرجنتين ولا كأسك.


هناك نظرية نفسية رياضية شهيرة تصف هذه الحالة. "نظرية إيوينغ" التي وثقت حالة النيويورك نيكس المحيرة كلما غاب نجمهم الأبرز وأفضل لاعبيهم باتريك إيوينغ، عندها يفوزون بتألق واضح من باقي أعضاء الفريق ثم يعودون للمعاناة بعودته للعب. السبب هو أن تسليط الأضواء عليه وتهميش أدوار باقي زملائه يستفزهم، فتتحول كل مباراة جديدة له إلى امتحان من رفاقه، يختبرون من خلاله استحقاقه وجدارته بكل هذا المجد الإعلامي، ومن لا يفعلون ذلك ينطلقون في محاولات فردية لإثبات حضورهم. الخلاصة أن الفريق يتحول لساحة حرب غير معلنة تغلفها نفس الديباجات المملة التقليدية الحذرة التي تقال في هذه المناسبات. (6)

 

زملاء إيوينغ يعلمون جيدًا أنه أفضل منهم ولكنهم لا يجدون في أنفسهم الدوافع الكافية ليحاولوا الإجادة في حضوره، وكأنهم يحاولون تأكيد الأكذوبة التي رددها الإعلام حتى صدقها الجميع؛ مادام فريق إيوينغ فليكن فريق إيوينغ إذًا، لا داعي لبذل الجهد ولنمنح الصحافة ما تريد، وما دامت كأس ميسي فليجلبها ميسي إذن.

 

الفارق الوحيد هنا أن هذه النظرية ترددت كثيرًا وعلى مدار سنين طويلة من 2010 حتى صدقها أعضاء المنتخب الأرجنتيني بدورهم، وعندما لاحت لهم الفرصة لإثبات أنهم أكثر من مجرد فريق ميسي فإن أقصى ما فعلوه هو التأكيد للجميع بأنهم مجرد فريق ميسي، وبأسوأ صورة ممكنة على الإطلاق. صورة لن تسعد ميسي نفسه رغم ما فيها من إطراء لحجم تأثيره الحالي، لأن أرجنتين 1986 التي كانت تحتاج دييغو ليعبر بها المباريات الصعبة كإيطاليا والأوروغواي وإنجلترا، أصبحت أرجنتين أخرى في 2014، أرجنتين تحتاج ميسي لتفوز بصعوبة على نيجيريا وإيران والبوسنة.

 

السؤال
هل بإمكان سامباولي تغيير كل ذلك؟ ربما، على الأقل كانت هناك احتمالية لا بأس بها لو لم يبدأ الرجل عمله مع الألبي سيليستي منذ بضعة أشهر فقط، ولكن مرة أخرى كانت معضلة ميسي والخشب حاضرة حتى في اختيار المدرب. ما حاجتنا إلى مدرب جيد ما دمنا نمتلك ميسي؟ نحن نحتاج إلى خشبة أخرى تجلس في مقعد المدير الفني، وباوزا كان خيارًا مناسبًا للغاية حتى لو كان الخشبة الوحيدة التي فشلت في الطفو على الماء.

 

في الواقع، كانت هناك "بوادر فريق" قد بدأت في الظهور على الألبي سيليستي في المباريات الودية الأخيرة؛ بافون لاعب واعد جائع يريد الانتقال إلى أوروبا والمنتخب هو سبيله إلى ذلك، دي ماريا يعمل على الخط بجد كعادته، وثنائية لانزيني ولو سيلسو بدت مفيدة للغاية في تخفيف العبء على البرغوث، ومع عروض مبشرة من تاليافيكو يمينًا وموسم خرافي من أوتامندي مع السيتي بدأت الصورة تتكون، بالطبع قبل أن تضربها الإصابات في مراكز حساسة مثل روميرو وبانيغا ولانزيني نفسه، وكأن القدر يعاقب الأرجنتين على التأخر في التعاقد مع مدرب جيد.

 

الخلاصة أن الأرجنتين بحاجة إلى معجزة لكي تصبح مرشحة للمنافسة على المونديال، ناهيك عن الفوز به أصلًا. سامباولي يدرك ذلك وميسي نفسه يدرك ذلك، بل إن كان هناك سبيلًا لتحقق الأرجنتين شيئًا يذكر في هذه البطولة فسيبدأ بنسف الحلم الإعلامي الذي سحق أمة ومنتخبها ولاعبيها لسنوات تحت العنوان الأكثر قراءة على الإطلاق، عنوان ميسي والخشب وكأس العالم. ميسي الذي لن يستفيد شيئًا إن تحول المنتخب إلى خشب، والخشب الذي لن يقدم شيئًا إن تحول المنتخب إلى ميسي، وكأس العالم الذي لن يفوز به أي منهم منفردًا، حتى لو انضم لهم مارادونا نفسه.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار