انضم إلينا
اغلاق
"بؤس المهزومين".. العرب "وتفاهة" التمثيل المشرف بالمونديال

"بؤس المهزومين".. العرب "وتفاهة" التمثيل المشرف بالمونديال

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

فلنصل إلى كأس العالم أولًا ثم فليذهب كل شيء آخر إلى الجحيم. إن كنت واحدا من المصريين الذين انتظروا تأهلهم للمونديال بعد 28 عامًا فلابد وأنك سمعت هذه العبارة مرارًا على مدار العامين الماضيين، المهم هو الوصول للمونديال، أن يرفع العلم المصري هناك وأن نشاهد منتخبنا يلعب، أن نرى مدافعينا يفوزون بالالتحامات والهوائيات ويلقون رميات التماس، أن نذهب للمونديال ويقع مهاجمونا في التسلل ويسددون على المرمى وفي العارضة مثل باقي مهاجمي العالم، يا له من إحساس.

 

التاريخ لا يتذكر إلا النتائج، التأهل قبل أي اعتبارات، كلها عبارات تكررت حتى أخذت قوة القانون. بالطبع كان ذلك قبل أن يكتشف الجميع أن الذهاب لكأس العالم ليس عملية حسابية بالضبط، وأنه - شئنا أم أبينا - يأتي مصحوبًا بآمال وطموحات. لماذا؟ لأننا بشر طبعًا، وحتى نفهم ماهية التاريخ الذي لا يتذكر إلا النتائج، وحدود تلك اللفظة الفعلية في عالم الإنترنت الذي يتذكر كل شيء تقريبًا، فإننا وبكل تأكيد، وباعتبارنا مشجعي كرة قدم بالأساس، لا ننوي تقمص دور التاريخ.

 

بديهيات
التاريخ لم ينفق 100 دولار ليشاهد المونديال عبر القنوات المدفوعة في زمن وصل فيه الدولار إلى 18 جنيهًا مصريًا، وإن فعل فهو لن يدخر من ماله الخاص ليسافر خلف منتخب بلاده إلى روسيا، التاريخ بخيل للغاية وليس مستعدًا حتى لمشروب باهظ تضاعف ثمنه عدة مرات على أحد المقاهي من أجل مشاهدة المباراة. حقائق اكتشفها المصريون لاحقًا، مع هدف خيمينيز المتأخر في مرمى الشناوي، وبعد أن كان منتخب كوبر قد اقترب من انتزاع النقطة الأولى من وحش الأوروغواي والمرشح الأول للتأهل للدور الثاني، بعدما كانت الجماهير تحسب حسبة التأهل كأول المجموعة وملاقاة البرتغال مجددًا في الدور التالي، طبعًا بعد الفوز المتوقع على روسيا والسعودية. (1)



التاريخ لا يطمح ولا يأمل ولا ينفعل ولا يريد مشاهدة مهاجمينا يسددون على المرمى وفي العارضة ويقعون في التسلل مثل باقي مهاجمين العالم. التاريخ هو التاريخ، ولو كان ما يتذكره بنصف الأهمية التي يتحدثون عنها لانهارت الصناعة برمتها.

 

بالطبع لم يكن المصريون الوحيدون الذين وقعوا في هذا الفخ، فخ الأشياء الأخرى التي ستذهب إلى الجحيم تلقائيًا بمجرد وصولهم إلى روسيا. السعوديون كذلك وقعوا في نفس الفخ ولكن بمجرد تأهلهم رسميًا، بدأت الإعارات عديمة الفائدة إلى أسبانيا بشروط مخزية، وبدأت التحكمات والقرارات العشوائية المُخربة التي أطاحت بفان مارفيك لأنه ارتكب جرم إعداد منتخب قوي، ثم جمعت المجموعة الأولى المصريين والسعوديين مع صاحب الأرض، ليكتشفوا بمجرد انتهاء القرعة أن الشيء الوحيد الذي ذهب إلى الجحيم فعلًا هو التاريخ، لأن التأهل للمونديال لم يعد كافيًا، وحسابات المرور للدور التالي أصبحت حديث الساعة. (2) (3)

 

تحتاج أن تكون إنسانًا آليًا أو مؤرخًا مصريًا أو سعوديًا بلا مشاعر لتطبق تلك المقولة وقتها. طبعًا لا نعلم عدد المؤرخين المصريين أو السعوديين عديمي الإحساس ولكن أيًا كان عددهم فلابد أنهم اجتمعوا لمناقشة النتائج المطلوبة للعبور من واحدة من أسهل المجموعات في تاريخ البطولة، لا هذه النسخة وحسب.

عفونة
لا مجال هنا للحديث عن المنتخب التونسي أو المغربي أو حتى الجزائري الذي فشل في التأهل، ليس فقط لأنهم قوم اعتادوا الوصول للمونديال، وليس فقط لأنهم يملكون كفاءات أفضل وأكثر جدية من اللاعبين، وليس فقط لأنهم يمتلكون قوائم مبهرة من المحترفين عادة، ولكن لأن الثنائي المغاربي وقع في مجموعتين من أصعب المجموعات كذلك، لم تجاملهم الكرة مثلما جاملت المصريين والسعوديين، أحدهم يحتاج لنتيجة إيجابية أمام بلجيكا وإنجلترا ليعبر والآخر يحتاج للفوز على واحدة من البرتغال أو أسبانيا، بل وكاد يفعلها مع الأولى. هؤلاء قوم يمتلكون رفاهية  ترديد الجملة السحرية؛ المرة القادمة ستكون أفضل. (4)

 

لكن في شرق المحيط العربي القصة مختلفة نوعًا ما، مختلفة عن قصة المغاربة طبعًا ولكنها نفس القصة التي تعرفها؛ قصص التأهل للمونديال، وأي نجاح أو فشل رياضي عمومًا، غالبًا ما تكون أشبه بمحاولة شراء ثمرة خس متعفنة بثمن بخس، على أمل أن تجد تحت طبقاتها الفاسدة شيئًا يصلح للاستخدام، ثم تُفاجأ بأن ثمرة الخس المتعفنة هي في الحقيقة ثمرة خس متعفنة.

 

هل هي تدخلات تركي آل الشيخ؟ هل هم الفنانين الذين سافروا على حساب شركة مملوكة للدولة المصرية؟ هل هو ضعف لياقة السعوديين وقصر قامتهم المبالغ فيه؟ طريقة كوبر العقيمة عديمة التنظيم؟ هل هو اختيار كوبر أصلًا؟ هل هو ليس اختيار كوبر ولكن حقيقة أن اللجنة التي اختارته تنضح بالفساد والمحسوبية والجهل الكروي؟ الوقت القصير الذي أتيح لبيتزي ليدرب لاعبيه على طريقة لعب معقدة أصلًا أم وجود مجدي عبد الغني في تدريبات المنتخب بعد فضيحة مدوية واتهامات بالسرقة؟ هل هو عقاب إلهي على تصويت السعودية لصالح الملف الأميركي ضد المغاربة في سباق مونديال 2026 أم هو عقاب إلهي لأن تركي آل الشيخ تمنى إصابة صلاح قبل المونديال أم لأنه تمنى أن تطول إصابة صلاح لما بعد المونديال؟ هل هي العدالة الشعرية لأن شريف منير اضطر للإنفاق من جيبه في روسيا بعد أن تكفلت الدولة بمصاريف السفر والإقامة فقط ولم تحفظ له جميل أنه قدم مسرحية "حزمني يا" مع فيفي عبده؟ الحكام؟ الفيفا؟ إسرائيل؟ الطبقات العفنة لا تنتهي أبدًا لأن ثمرة الخس في حجم الكرة الأرضية. (2) (5) (6) (7) (8) (9) (10) (11)

 


طبعًا في تلك الحالات، ولتشابك الأمور بهذا الشكل، تستحيل محاولات التحليل وإيجاد الحلول، وتصل المناقشات إلى نتائج مغرقة في المثالية أو العدمية أو كليهما، مثل أن يكون الحل أن تنمحي إسرائيل من على وجه الأرض، أو يصحو الفسدة والجهلة ذات يوم ليكتشفوا أنهم فسدة وجهلة ويتنحون عن مناصبهم، ولكن بعد عدة تجارب من هذا النوع في منتصف القرن الماضي، اكتشفنا أن هناك ما يغني عن كل ذلك، فقط علينا أن نصطحب المعركة برمتها إلى ساحة التمثيل المشرف، وأن نتحدث عن المنتخب السعودي الذي عاد بعد الهزيمة بالخمسة من أحد أضعف منتخبات البطولة، أو أن نشكر اللاعبين المصريين ومدربهم على أدائهم الرجولي وحماسهم وغيرتهم على قميص المنتخب، وليتجرأ الحمقى على التفوه بالعكس.

 

الهراء المناسب
بعدها طبعًا يأتي دور المحللين أولاد عمومة التاريخ الذين يخبرهم التاريخ، سرًا ودونًا عن غيرهم، بما يتذكره وما لا يتذكره، والهدف هو إخراس الانتقادات التي تعقب تلك المواقف عادة، والتأكيد على أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأنك لم تكن لتحلم بنصف ما تم إنجازه، وأن الكون عبثي والحياة عدمية والوجود سرمدي، والمهم هو التمثيل المشرف، والتمثيل المشرف أمر نسبي بالطبع وتحديده عسير ومن الأفضل تركه للمختصين، واللجنة المنوطة بالأمر ستجتمع قريبًا وتجري تحقيقاتها ثم تخبرك بما توصلت إليه. لا تذهب بعيدًا.

 


عادة ما يبدأ الأمر بـ "حذاري من أوغندا"، فاروق ميا لاعب خطير جدًا وقد أنهى للتو إعارته في سابع الدوري الأذربيجاني وعاد لسادس الدوري البلجيكي وهو لا ينوي خيرًا، لابد من التراجع تحسبًا لسرعته. الكونغوليون كذلك ليسوا جديرون بالثقة، صحيح أن أفضل لاعبيهم محترف في خيتافي ولم يشترك إلا في أربع مباريات ولكن هذا هو ما يجعلهم خطرين للغاية، عشوائيون ولا يملكون شيئًا ليخسرونه، المهم أن نفرغ منهم سريعًا لنتأهب لمواجهة بوركينا فاسو لأن بانسيه المحترف في المصري البورسعيدي قد أقسم على تلقين المصريين درسًا في فنون الكرة. (12) (13)

 

تخيل أن تستنفذ كل الحجج والأعذار والمبررات لتقنع مجموعة ما من اللاعبين، حتى لو كانت تلعب بكاملها في سابع الدوري الأذربيجاني ولا تمتلك أفضل لاعب مصري على الإطلاق وأحد المنافسين على البالون دور رفقة مجموعة أخرى من المحترفين الذين لم تحظ مصر بنصفهم في تاريخها، أنها بحاجة للخوف أمام الكونغو وأوغندا وبوركينا فاسو، ثم تحاول بعدها أن تلقي خطبة تشعل بها حماسهم قبل مواجهة الأوروغواي أو روسيا أو حتى بنما، وبعد أن تفشل كما هو متوقع وطبيعي وبديهي ومنطقي، تخرج لتتحدث عما تم إنجازه من نتائج، متعمدًا تجاهل كل التفاصيل المحورية في الوصول لهذه النتائج وكأن رعونة البوركينيين أمام المرمى وتسجيل صلاح لخمسة أهداف من سبعة أوصلتك للمونديال ووقوعك في مجموعة تضم أوغندا والكونغو وأسوأ جيل لغانا منذ عقود، هي أمور يعود الفضل فيها لك. تخيل أن تفعل بالمنتخب السعودي ما فعله تركي آل الشيخ ثم تخرج لتقول أن اللاعبين قد سودوا وجهك وأن هذا هو أقصى ما بإمكانهم. (14)

 

النتيجة أنك تشاهد المكسيك تطيح ببطل العالم، وأيسلندا تقف في وجه ميسي ورفاقه، وسويسرا تبطل مفعول نيمار وأستراليا تحرج فرنسا ثم تضطر "للتغابي" لأنهم يخبرونك بذلك. يخبرونك بأن الأيسلنديين يملكون أطوالًا وأحجامًا مذهلة، وأن لياقة الأستراليين لا تضاهى، وأن السويسريين عندهم قائمة هائلة من المحترفين، وأن لياقة المكسيكيين لا تضاهى بالإضافة لامتلاكهم قائمة هائلة من المحترفين، وإياك أن تشير لفارق الخصوم أو الظروف، أو أن تذكر - لا سمح الله - أن تلك المنتخبات لم تخسر من الأوروغواي وروسيا بل تعادلت مع البرازيل والأرجنتين وفازت على ألمانيا، لأن التاريخ - كما تعلم - لا يتذكر الأرجنتين والبرازيل وألمانيا.


صدق أو لا تصدق، هذا هو ما تحصل عليه عندما تتسلح بـ"التمثيل المشرف" و"التاريخ لا يتذكر إلا النتائج" و"فلنصل إلى كأس العالم أولًا ثم يذهب كل شيء آخر إلى الجحيم" وأنت ذاهب إلى كأس العالم، عندما تؤسس للخوف والهزيمة من قبل أن تبدأ المباراة وعندما تتعامى عن كل شيء بجانب النتيجة النهائية. صدق أو لا تصدق، سيتذكرك التاريخ مثلما تذكر عشرات المنتخبات التي وصلت إلى المونديال قبلك ولم تقدم شيئًا تستحق عليه الذكر، ولن تنال شرف التمثيل المشرف أيًا كان معنى هذا المصطلح، وسيذهب كل شيء آخر إلى الجحيم فعلًا، ولكن بعد أن يصطحب آمالك وطموحاتك وشغفك معه.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار