هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فيلسوف الشطرنج وفيلسوف التدريب.. كاسباروف وغوارديولا وإعادة تدوير المجد!

فيلسوف الشطرنج وفيلسوف التدريب.. كاسباروف وغوارديولا وإعادة تدوير المجد!

محمد السعدني

محرر فن
  • ض
  • ض

الكامب نو: في الدور نصف النهائي من بطولة دوري الأبطال عام 2012، كانت المباراة من طرف واحد هو برشلونة، ومدربه بيب غوارديولا الذي استحوذ على الكرة غالبية عمر اللقاء أمام تشيلسي، صاحب الدفاع المتماسك، وصاحب الحظ الأوفر بعد فوزه في مباراة الذهاب بهدف سجله ديديه دروجبا. بدأ برشلونة هجومه منذ اللحظة الأولى عندما توغل ليونيل ميسي وسدد كرة على يسار الحارس في الدقيقة الثالثة من عمر اللقاء، ولم تتوقف خطورة الفريق الكتالوني على مرمى بيتر تشيك عند هذا الحد، بل كانت هناك المزيد من الكرات الضائعة، انفراد، وضربة جزاء، وتسديدة توقفها العارضة، والمزيد. وعندما كانت نتيجة اللقاء كافية لإخراج برشلونة من الدور نصف النهائي فإن تشيلسي وعمّق جراح برشلونة في الدقيقة 90+1 عن طريق توريس الذي حل بديلا لدروجبا من انفراد جاء نتيجة الاندفاع الهجومي لبرشلونة، لتخرج المباراة بنتيجة 2-2 ويعبر تشيلسي إلى نهائي الأبطال. (1) (2) (3)

  

"كنا أفضل من خصومنا، ولكن دخل مرمانا هدف بدون داع في مباراة العودة وخرجنا من البطولة، وكانت هذه الهزيمة قاسية بالنسبة لي في حقيقة الأمر. وشعرت بأنني لم أعد قادرا على تحفيز لاعبي الفريق"

(بيب غوارديولا )(4)

 

خرج بيب غوارديولا من هذه المباراة عاقدا العزم على الرحيل من برشلونة بعد أربع سنوات حقق خلالها 14 بطولة جعلته المدرب الأنجح في تاريخ الفريق الكتالوني، أنهى غوارديولا حقبته الأكثر إشراقا في تاريخ النادي وذهب قبل أن تقع الفأس في الرأس، ترك مجده بلا وجهة جديدة، فقط لاستعادة طاقته التي نفدت، وقضاء الوقت مع العائلة في نيويورك لفترة من الزمن، هاربا من تلك التي وصفها فيما بعد بلحظات الألم القاسية. (5)

   

 

لم تكن نيويورك الاختيار المفضل بالنسبة لبيب، فالأطفال ليسوا على دراية جيدة باللغة الإنجليزية، كما أن الأسرة مرتبطة بأعمال تجارية بكتالونيا، لكن، كان هناك أحد أبرز أصدقاء بيب "زافير سالا"، أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا الأميركية، الذي شجّع بيب وكريستينا والأطفال على اختبار الحياة بنيويورك وطمأنهم لذلك، كان سالا مقيما أيضا بنيويورك، وفي ليلة خريف اتصل بيب بالخبير الاقتصادي لدعوته إلى العشاء بمنزله في نيويورك:

         "آسف بيب ولكن الليلة لدي التزام، أنا على موعد للعشاء مع كاسباروف". (6)

  

 كاسباروف هو الاسم الأول في عالم الشطرنج وبطل العالم السابق، وبيب كان يعتبر كاسباروف مثله الأعلى، بل وكان مفتونا به. اعتذر سالا عن الموعد قبل أن يعرض على بيب فرصة العشاء معهم، تحمس بيب للفكرة، ومع بداية الموعد لم يتردد المدرب الكتالوني في إظهار سحره بالبطل الكبير، فكاسباروف يجسد الصفات التي يقدرها بيب للغاية (التمرد، والموهبة، والمثابرة، والثبات، والحزم،..). كان الموعد رائقا، لم يتحدث فيه أحد عن كرة القدم ولا عن الشطرنج، بل عن الاختراعات والتكنولوجيا، وعن أهمية كسر القوالب، وعن الوقوع تحت تأثير عدم اليقين والعاطفة، تحدثوا كثيرا عن العاطفة، وتحدث كاسباروف عن أفكاره المتشائمة حول التقدم التكنولوجي، فهو يرى أن التطور التكنولوجي يأخذ منحى استهلاكيا عكس السابق، فكما يرى فإن اختراع الإنترنت لا يمكن مقارنته باختراع الكهرباء من حيث الأهمية، وكيف أننا في السابق استخدمنا جهاز كمبيوتر محدود في الصعود إلى القمر والآن نستخدم أجهزة بذاكرة وصول "RAM" أحدث منه مئة مرة في قتل الطيور" -إشارة إلى لعبة "Angry birds"-. كان من الجميل أن يجلس ثلاثة من أهم وأذكى عقول العصر على مائدة واحدة لتبادل الحوار بهذه الطريقة التي اتسمت بالإعجاب المتبادل، انتهى اللقاء الأول والذي لم يسأل فيه غوارديولا كاسباروف الأسئلة المهمة التي كانت تشغل باله. (7)

   

كاسباروف.. المناضل أم لاعب الشطرنج؟

يرى الكثيرون من أساتذة الشطرنج بأن الروسي كاسباروف هو الأفضل في التاريخ على مدار اللعبة، بزغ نجم كاسباروف صغيرا، وحصل على بطولة العالم للشطرنج في عمر 21 عاما، والذي لم يكن خبرا سارا بالنسبة لسلطة بلاده، فكاسباروف تدور الشكوك حول آرائه المعادية للسلطة. استدعى حصول كاسباروف على اللقب بهزيمة مواطنه أناتولي كاربوف الذي تربى في أحضان السلطة وتمتع بدعمها الكامل، وكانت الحرب النفسية ضد كاسباروف من أجل تفوق السلطة عبر كاربوف قد أخذت طريقها من خلال اتخاذ الاتحاد قرارا بعدم احتساب المباراة في حالة التعادل على أن يتم إلغاء المباراة دون فوز أي من الطرفين، وهو القرار الذي يعتبر في صالح كاربوف حيث يحتفظ من خلاله بلقبه بطلا للتتويج! وقف كاسباروف مدافعا عن نفسه أمام تلك الفاشية واعترض على القرار مطالبا بإقامة مباراة جديدة حصد من خلالها لقب بطولة العالم للشطرنج. (8)

   

غاري كاسباروف - بطل العالم الروسي السابق في الشطرنج وسياسي معارض (رويترز)

 

صنع كاسباروف بعد ذلك المجد، كل المجد، بل المجد المطلق في الشطرنج، وحقق كل ما يمكن أن يحلم بتحقيقه إنسان في لعبة ما، احتفظ ببطولة العالم 16 سنة! فاز خلالها في مباريات الإنسان ضد الآلة، وتفوق كاسباروف على 32 حاسوبا كانوا أذكى ما توصل له العالم في الذكاء الاصطناعي، كما فاز على العالَم في مباراة أُقيمت على الإنترنت يلعب فيها كاسباروف ضد العالم أجمع بكل لاعبيه، يقوم كاسباروف فيها بالقيام بحركته ثم يترك المجال 24 ساعة أمام العالم لتحليل الحركة والتصويت على الحركة الأكثر صوابا، بما يشمل ذلك من استخدام الحواسيب وأدمغة اللاعبين والمحللين الكبار والتي انتهت بفوز كاسباروف، وحظي كاسباروف بأعلى تصنيف كلاعب للشطرنج برقم قياسي استمر ثلاث عشرة سنة، وبعد 20 عاما من التربع على القمة توقف كاسباروف عن المنافسة على بطولة العالم للشطرنج، ثم بعد ذلك قرر الاعتزال تماما حين صرّح في مؤتمر صحافي: "اتخذت قرارا واعيا بأن بطولة ليناريس 2005 ستكون آخر مبارياتي المهنية، واليوم لعبت آخر مباراة محترفة". وفاز كاسباروف بالبطولة عام 2005، وترك الشطرنج ليوجه اهتمامه الكامل للسياسة، ويتحول من بطل العالم الروسي في الشطرنج إلى صفوف المعارضة السياسية، ليصبح الكاتب والناشط الروسي الذي يرى أن كل شخص عاقل يجب عليه أن يعارض "الدكتاتور فلاديمير بوتين" كما وصفه. (9)

  

لماذا لا تستطيع هزيمة كارلسن؟.. غوارديولا يسأل!

بعد بضع أسابيع من اللقاء الأول، قام كاسباروف مع زوجته داريا بدعوتهم لعشاء آخر، لم يتمكن "زافير سالا" من الحضور لوجوده في أميركا الجنوبية، ولكن بيب حضر وحضرت كريستينا زوجة بيب، في تلك الليلة بالتحديد كان هناك حديث عن الشطرنج، فوجئ غوارديولا من توقع كاسباروف بخصوص النرويجي ماجنس كارلسن بأنه سيصبح بطل العالم الجديد بلا منازع كما كان الحال بعد عام واحد في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وأشاد كاسباروف بصفات كارلسن البالغ من العمر وقتها 22 عاما، والذي جاء إلى كاسباروف سرا عام 2009 حينما كان ذا 19 سنة للتدريب على يديه وتحسين بعض نقاط الضعف التي يجب تصحيحها إذا أراد أن ينتزع بطولة العالم في الشطرنج، فسأل غوارديولا بأدب إن كان كاسباروف قادرا على اللعب مرة أخرى وهزيمة البطل النرويجي الناشئ، كان الجواب غريبا: "لدي المهارات للتغلب عليه، ولكن من المستحيل". (10)

     

اعتقد غوارديولا أن إجابة غاري كاسباروف بأنه "نعم لدي المهارات للتغلب على كارلسن، ولكن من المستحيل" هي من الناحية السياسية تحتوي على كل الدبلوماسية التي كان رجل متهور مثل كاسباروف يستطيع الظهور بها، وبالتالي فإن غوارديولا لم يقبل بالإجابة، وأصر على السؤال: "ولكن غاري إذا كانت لديك القدرة، لماذا لا يمكنك هزيمته!"، وحصلت محاولة غوارديولا الثانية على الجواب نفسه "من المستحيل"! (11)

  

 

غوارديولا رجل عنيد، عنيد جدا، لم يسمح لكاسباروف باحتواء الأمر وأصرّ في المرة الثالثة، كان كاسباروف يختبئ أكثر فأكثر خلف درعه الواقي، عيناه ثابتة على لوحة ومجبر على الدفاع عن موقف ضعيف قد قطع تذكرته بلا عودة "مستحيل"! بيب تذمّر، ثم حاول أن يغيّر التكتيك، يدّعي الانشغال بالطعام لبرهة ثم ينتظر فرصة أخرى للسؤال عن السبب، ليس فقط من باب الفضول، ولكن لأنه كان يعلم أن الجواب عن هذا السؤال من الممكن أن يفصح عن أحد المفاتيح الرياضية المهمة والملهمة، كان بيب منشغلا بالتفكير في تجربته مع برشلونة، فقبل أربعة أشهر فقط كان بيب قد ترك برشلونة وانزوى بعد أن شعر بفقدان الشغف والحماس وأنه غير قادر على جلب المزيد للفريق الذي فاز معه بكل ما يمكن أن يفوز به مدرب مع فريقه، وكان أول مدرب في تاريخ كرة القدم يفوز بستة ألقاب في موسم واحد! (12)

 

استقال غوارديولا لشحن طاقته الجسدية والعقلية، وكان يشعر بأن إجابة كاسباروف باعتباره أحد أساطير التاريخ الرياضي يمكنها أن تفتح عقله على شيء كبير، كيف يمكنه التغلب عليه وفي الوقت نفسه من المستحيل ذلك؟! وشعر الرجل الذي يشك في كل شيء أن إجابة غاري يمكنها أن تجنبه الكثير من أخطاء المستقبل، هذه الشكوك التي كانت لدى بيب لم تكن مجرد الخوف من المجهول أو انعدام الثقة، ولكن هي البحث عن الكمال الذي كان يعرف أن من المستحيل الوصول إليه، لكنه يبحث على أي حال، وهذا هو السبب في الشعور الدائم لدى غوارديولا بأن عمله لم يكتمل، وكاسباروف هو ملك الشطرنج الذي يحلل كل الاحتمالات الممكنة قبل اتخاذ الخطوة التالية! (13)

 

الهوس بحل الألغاز والشك في كل شيء هو سمة أساسية لدى غوارديولا، عندما يدرس كيفية المواجهة في المباراة لا يذهب بيب للاعبين ليقول لهم: "سوف نقوم بهجوم شامل على فريق الخصم ونلحق به الهزيمة"! هذه مفاهيم شديدة الاتساع، ولكن بالنسبة لبيب هذه الأفكار العريضة جدا تأتي نتيجة ترتيب العديد من الأفكار الصغيرة جنبا إلى جنب والعمل عليها كلها في وقت واحد، لهذا لا يتوقف عقل بيب عن التفكير في كرة القدم، في دور كل لاعب على حدة حسب ما يستطيع تقديمه اللاعب من مستوى، وضبط دور كل لاعب مع زميله في مهمات صغيرة داخل الملعب، ودراسة أسلوب لعب الخصم بلا هوادة أو ملل، لذا فإن ما يدور في عقل غوارديولا مشابه لهذا الذي يحدث في الشطرنج، من محاولة لخلق أدوار صغيرة على الرقعة لكل قطعة تجتمع كل هذه الأدوار على هدف واحد، وعندما ينتهي بيب من التفكير في كل هذا يرتاح قليلا ثم يعود ليفكر مرة أخرى في كل ما فكر فيه سابقا، هذا ما يحكي عنه ذراعه اليمنى "مانيل استيارتي" ويطلق عليه "قاعدة الـ 32 دقيقة"، في إشارة إلى صعوبة بقاء بيب أكثر من 32 دقيقة لا يتحدث عن كرة القدم.

  

مانيل استيارتي (رويترز)

   

يحاول استيارتي بكل الموارد المتاحة له احتواء هوس المدرب من وقت لآخر، بحيث يجبره على أن يصرف تفكيره عن كرة القدم وأن يرتاح قليلا، لكن التجربة أثبتت معه أن بيب لا يمكن إلهاؤه عن كرة القدم أكثر من 32 دقيقة، يأخذه لمطعم جديد، يحاول خلق حوار شيق بعيد عن كرة القدم، ويرى بنفسه كيف يمكنه العودة إلى تحليله الداخلي، قد يبدو أنه يستمع إلى ما يقوله، يومئ برأسه لكنّ عينيه تذهب نحو السقف من وقت لآخر، يفكر من جديد من يغطي الجانب الأيسر للخصم، من يحتوي لاعب خط الوسط، من يرجع للدعم.. لقد مرت 32 دقيقة ومن الضروري لدى بيب مراجعة كل شكوكه مرة أخرى. (14)

  

لجميع هذه الأسباب كان رد غاري كاسباروف مهما جدا، وبالتالي إصراره على حل اللغز: أسطورة مثل كاسباروف بقدراته الرائعة لماذا لا يستطيع الفوز على منافسه؟!، كان لكريستينا وداريا دور في إعادة الحوار إلى الشغف مرة أخرى، ذهبوا إلى أن هناك ضرورة عاطفية قد تغيب بسبب الإرهاق وغياب التركيز العقلي، وعبّرت داريا عن ذلك أنه: إذا استغرقت المباراة ساعتين يمكن لغاري أن يتغلب على كارلسن، ولكن الواقع غير ذلك، فمباريات الشطرنج في الغالب سوف تستمر خمس أو ست ساعات، وغاري لا يريد أن يعاني كل هذا الوقت في تشغيل كل إمكانياته العقلية كل هذه المدة من حساب لكل الاحتمالات بلا توقف، لكن كارلسن شاب صغير ممتلئ بالشغف والحماس يمكنه التركيز بلا ملل في مباراة مثل هذه، "لهذا السبب سيكون من المستحيل الفوز". (15)

  

كاسباروف.. قائد المعارضة الروسية

في لقاء لغاري كاسباروف مع مجلة شبيجل الألمانية، وصف غاري روسيا بأنها "دولة مافيوية وبوتين هو عرابها"، كاسباروف الذي تعتبره الصحافة إحدى أبرز شخصيات المعارضة الروسية الآن ضد فلاديمير بوتين قال في المقابلة نفسها إن النظام لم يعد يستطيع تقديم العون لمواطنيه، وأن هذا هو السبب في الطريقة العدوانية التي تنتهجها روسيا في سياساتها الخارجية، لأنها بحاجة إلى الحروب لحفاظ بوتين على موقفه ومداعبة مشاعر الشعب بأحلام استعادة روسيا جبروتها كقوة عظمى، كما انتقد كاسباروف موقف أميركا وأوروبا من بوتين في وصفه بأنه "استسلام سياسي وأخلاقي". (16)

  

وقع كاسباروف ضحية اعتداء مارسه عليه ضباط الشرطة أثناء مشاركته بتظاهر أُقيم من أجل الاحتجاج على حكم بالسجن عامين بحق فتيات "بوسي ريوت"

رويترز
   

ولم تنتهِ آراء كاسباروف المعارضة بشدة لنظام بلاده عند هذا الحد، ولكنه يرحب في كل مرة يفرض فيها المجتمع الدولي عقوبات على روسيا، ويرى أن بوتين لا يهتم بمحاربة داعش، ولكن هدفه الأول هو "بقاء بشار الأسد في الحكم وتوسيع قاعدته العسكرية، وهذا ما يجعله يقوم بالمجازر الإنسانية في حق سوريا جنبا إلى جنب مع بشار الأسد"، وأن "الغرب سمح له أن يفعل ما يشاء حتى أصبح ديكتاتورا"، كل هذه غيض من فيض من آراء كاسباروف المعلنه والمعارضة بشدة لبلاده، وهذا بوضوح هو الطريق الذي سلكه كاسباروف بعد ما اتخذ -كما وصفه- "قرارا واعيا باعتزال الشطرنج". (17)

  

وقع كاسباروف ضحية اعتداء مارسه عليه ضباط الشرطة أثناء مشاركته بتظاهر أُقيم من أجل الاحتجاج على حكم بالسجن عامين بحق فتيات الفريق الغنائي الروسي "بوسي ريوت" على تهمة القيام بصلاة سياسية داخل كاتدرائية موسكو يطلبن فيها من مريم العذراء أن تخلص روسيا من بوتين! (18) وقُبِض على كاسباروف وقتها بتهمة وُصفت بالتلفيق ادّعى فيها ضابط الشرطة بأن غاري قام بعضّه، وهي جريمة تصل عقوبتها في القانون الروسي إلى السجن خمس سنوات، خضع إثرها كاسباروف لمحاكمة تجمّع حوله فيها المحبون حكم فيها بالبراءة من المحكمة التي شهدت ضغطا مجتمعيا كبيرا، لم يكن هو العقاب الأول ولا الأخير لكاسباروف على آرائه السياسية، فقد قُبِض عليه قبل ذلك بسنوات بتهمة تزوير جواز السفر، وربح هذه القضية التي أدانت فيها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تصرف روسيا، للآن كاسباروف لم يتعلم من الدرس، الرجل الذي اختار السياسة يُوصف الآن باعتباره قائدا للمعارضة الروسية. (19)

  

المفكر الذي ضل طريقه وأصبح مدربا

غوارديولا ينظر إلى كرة القدم بعقل ونفسية فنان، يتحدث غوارديولا عن اللاعبين كناقد فني، بل يصفهم بكل وضوح بذلك: "هم فنانون ومفكرون"، لم تكن تجربة غوارديولا مع بايرن ميونخ هي الأفضل في مسيرته، لكن تلك التي يمر بها الآن مع مانشستر سيتي قد تكشف مستقبلا عن فريق تصعب هزيمته لسنوات. (20)

    

إحدى صور بيب غوارديولا ترحيبا بتعاقده مديرا فنيا لمانشستر سيتي 2016 (مواقع التواصل)


  

"لن تهاجم من قمة جبلية بالطريقة نفسها التي تهاجم بها في وادٍ متسع الأرجاء"

 

الجملة السابقة هي إحدى نصائح غاري كاسباروف التي لم يتوقف غوارديولا عن البحث عنها، المدرب الذي ينظر إلى ملعب كرة القدم باعتباره رقعة للشطرنج ظل يتلقى النصائح التي تلخص أسلوب لعبه المفضل من كاسباروف: "في الشطرنج لا تستطيع الفوز بتحريك القطع الأمامية فقط"، وهو ما يفعله بيب بتحريك لاعبي الخط الخلفي للأمام تحت اسم الهجوم الشامل. (21)

  

حكاية الصداقة التي جمعت بين بيب غوارديولا، مدرب نادي مانشستر سيتي الحالي، وغاري كاسباروف، السياسي ورئيس ائتلاف الجبهة المدنية المتحدة وقائد ائتلاف روسيا الأخرى المعارض حاليا، لم يسدل عنها الستار، مع التجربة المشتركة المتشابهة بين الاثنين من حيث التوقف والانطلاق من جديد في مكان آخر كما "بيب"، وأحيانا في شيء آخر كما "غاري"، في كل مرة يجتمع الاثنان يدور واحد من الحوارات التي تحمل الكثير من الدلائل والإستراتيجيات، حتى بعد سنوات، وبيب غوارديولا لم يعد المدرب الكتالوني الذي جفت منابع إبداعه وأصبح الآن قائد ثورة مانشستر سيتي الإنجليزي، وأيضا غاري لم يعد ذلك اللاعب الذي يجد في الشطرنج ملاذه ومجده الوحيد، تنازل هو الآخر عن هذا المجد واختار خصما آخر -بوتين- والذي من غير المرجح هزيمته، هذا بالتحديد ما يمكن أن نصفه بأنه إعادة تدوير للموهبة ومحاولة فطرية لإعادة إنتاج المجد من جديد!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار