اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/17 الساعة 14:34 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/8 هـ

انضم إلينا
الهوليغانيزم.. هكذا تُدار حروب الشوارع في لندن

الهوليغانيزم.. هكذا تُدار حروب الشوارع في لندن

أحمد مجدي رجب

محرر رياضة
  • ض
  • ض

الهوليغانيزم هو واحد من المصطلحات الحديثة نسبيا في القواميس اللغوية، ويعني[1] حرفيا: السلوك العنيف وصناعة المشاكل. وجماعات الهوليغانز تسمي نفسها بالـ "Firms" وهي كلمة عامية إنجليزية تعني "العصابات الإجرامية". والهدف من تجمعات الهوليغانز في كرة القدم هو إيقاع أكبر ضرر ممكن بالخصم. يمكنك أن تتخيل قبيلة لها قائد وأتباع، ولكل قبيلة أعداء، ووقت المباراة هو المعركة.

     

   

رغم أن هذه السطور تبدو مقتضبة أكثر من اللازم وقاطعة أو ربما مختزلة، فإنها تُمثّل في الواقع صورة الهوليغانيزم بشكل مجرد في إنجلترا وفي أجزاء واسعة من أوروبا؛ حيث مجموعات من الجماهير الغاضبة التي لا تلتف إلا حول قيمة عداء الآخر والرغبة في هزيمته، وهو ما عرضنا بعض تفاصيله في عدد من التقارير[2] [3] في ميدان خلال الأسابيع الماضية. وفي سلسلة جديدة من التقارير نبدأ البحث عن تفاصيل أكثر حول هذه الجماعات، ونبدأ من إنجلترا حيث مهد الهوليغانز، وحيث المكان الذي شهد أول حادثة موثقة[4] عن العنف المرتبط بكرة القدم في القرن الرابع عشر، عندما صدر قرار ملكي بحظر كرة القدم لأنها أصبحت المناسبات التي تتقاتل فيها جماعات من شباب القرى المتخاصمة. نبدأ من هناك في إنجلترا، وبالتحديد من لندن والتي تحولت شوارعها إلى ساحات اقتتال في مئات المناسبات بين عصابات الهوليغانز منذ منتصف القرن العشرين وبلغت ذروتها في السبعينيات والثمانينيات.

 

صائدو الرؤوس (Chelsea Headhunters)

تأسست رابطة هوليغانز تشلسي، المعروفون بـ "صائدي الرؤوس"، في ستينيات القرن الماضي، وكانت واحدة من أقدم روابط العنف الكروي في البلاد، ولسنوات طويلة اقتصرت المعلومات عنها على أنها تضم مجموعة من البريطانيين البيض، وتمتلك صلات مع منظمات أخرى ذات طابع عنصري فاشٍ مثل "Combat 18" والجبهة القومية البريطانية وغيرهما.

  

واشتهرت هذه الرابطة بعنفها الشديد داخل الأراضي الإنجليزية، وخاصة ضد روابط هوليغانز ميلوول وويستهام، أو حول مباريات تشلسي والمنتخب الإنجليزي خارج الديار في أوروبا. وفي عام 1999 أذاعت الـ "BBC" وثائقيا[5] يعرض أعمال عنف وقتالات خاضتها هذه الرابطة، وذلك عن طريق مغامرة خاضها دونال ماكلنتير، وهو صحافي إنجليزي انضم إلى صائدي الرؤوس متخفيا كواحد من مشجعي البلوز.

    

جاسون مارينر في مدرجات تشلسي

   

تسبب هذا العمل الصحافي لاحقا في إدانة جاسون مارينر في التورط بأعمال عنف، وحُكم عليه بالسجن. ومارينر، لمن لا يعرفه، هو واحد من أشهر مشجعي البلوز، وذاع صيته حتى إن توقيعه أصبح مطلوبا من الجماهير حول ستامفورد بريدج، وهو صاحب كتاب[6] "الحياة على طريقة صائدي الرؤوس" (Life as a Chelsea Headhunter)، والذي يروي فيه حكاية الرابطة من وجهة نظره، وله العديد من الكتب الأخرى، ويتهم فيها "BBC" وصحافييها بتلفيق ما جاء في الوثائقي من أعمال عنف ومعارك من أجل الزج به في السجون.

   

هناك أيضا كيفين وايتون الذي حُكم عليه بالسجن مدى الحياة في منتصف الثمانينيات عقب شروعه في قتل عامل في أحد البارات بعد مباراة خسرها تشلسي، وذلك لأن العامل كان أميركيًّا، ووايتون وغيره اعتبروا أن هؤلاء الأميركان الملاعين يسرقون وظائف الإنجليز!. ومن زملاء وايتون نجد تيرينس ماثيوز الذي حُكم عليه بالسجن أيضا مرتين؛ الأولى في منتصف الثمانينيات، ثم في 2002 بعد اعتداء على ضابطي شرطة، ولكن في المرة الثانية كان بصحبته ماثيوز الابن، فعضوية الهوليغانز مثل العقيدة التي تُورّث للأبناء!

  

خفتت حدة عنف هذه الرابطة في السنوات الأخيرة بالطبع بعد جهود كبيرة بذلتها شرطة لندن، ولكنها لم تختفِ قط، وآخر الحوادث التي اتُّهِم فيها صائدو الرؤوس كانت في باريس حول مباراة تشلسي مع PSG في دوري الأبطال 2014. وقيل إن الأعضاء الخطيرين من الرابطة قد بلجيكا بدلا من دخول فرنسا مباشرة كوسيلة لحجب بياناتهم عن شرطة باريس، وذلك قبل تورط 300 منهم في أعمال[7] تكسير وعنف ضد عدد من المحلات التجارية في العاصمة الفرنسية!

 

قطيع أرسنال

رغم امتلاك الجانرز (Gunners) عبر تاريخهم لرابطتين[8] من الهوليغانز، فإنهما كانتا أقل تورطا في وقائع العنف اللندنية. الأولى هي "جونرز" (Gooners) والتي اشتقّت اسمها من لقب النادي، والثانية هي "القطيع" (The Herd). تكوّنت الرابطتان في السبعينيات، وعرفت هذه الأيام مرحلة عنيفة للجونورز، ولكنها تفككت بعد ذلك، وأصبح لقب جونور يشمل كل مشجعي أرسنال المستعدين للموت من أجل ناديهم. أما القطيع فامتد نشاطها حتى التسعينيات، ولكنها أصبحت أقل صخبا وسرية في الآونة الأخيرة، وهي الرابطة التي تحمل شعار "E.I.E". لم يُعرف عنها عداؤها للملونين، حتى إن واحدا من أبرز قاداتها كان أسود البشرة واسمه دانيتول كونيل[9] واشتهر بلقب "الدب"، وقد تُوفي في حادث سيارة عام 2007 بالعاصمة موسكو، وخرج في جنازة مهيبة حضرها ما يقارب 3000 هوليغان وسار بينهم إيان رايت شخصيا.

    

رابطة هوليغان "القطيع"

  

عُرف عن رابطة القطيع عداؤها لهوليغانز تشلسي وميلوول وويستهام كما هو متوقع، واشتهرت بعدد من حوادث العنف[10] [11]؛ أهمها محليًّا كان ضد ميلوول في هايبري عام 1988 وانتهت بإلقاء القبض على 41 من المتقاتلين، وأهمها أوروبيًّا كان في كونهاغن ضد هوليغانز جالاطسراي الأتراك، وهناك تحول ميدان هال إلى ساحة حرب شهدت 4 حوادث طعن و11 إصابة وألقت الشرطة القبض على 54 من الطرفين.

 

ويستهام (ICF)

يُعدّ هوليغانز ويستهام من أشرس روابط العنف في لندن، وكان مجتمعهم الضيق المحكم مادة للعديد من الأعمال الفنية التي حاولت التعبير عنهم. إنهم يحملون اسم[12] "Inter City Firm"، وهو مشتقّ من اسم القطارات بين المدن (inter city) والتي كانت وسيلة مواصلات هؤلاء بين الملاعب الإنجليزية المختلفة، حتى إن مشهدهم في محطات القطار المختلفة حول البلاد أصبح مقترنا باحتمالات مرتفعة لوقوع أحداث عنف واقتتال.

        

أبطال فيلم الشارع الأخضر مع بعض مشجعي ويستهام الحقيقيين

    

رغم أن ويستهام كفريق كرة قدم لم يعرف التتويج إلا لمرات نادرة، فإن "ICF" كانت واحدة من أشهر روابط الهوليغانز في العالم، فهي الخصم الذي لا تود أبدا أن تواجهه في ساحات القتال حول مباريات كرة القدم. وبتلك الصورة نجح أعضاء الرابطة في تقديم ما لم يستطع فريقهم تقديمه؛ لقد فازوا باحترام كل روابط الهوليغانز في البلاد وخارجها، حتى إنهم صاروا يتركون بطاقات على ضحاياهم في مشجعي الخصوم، يقولون فيها: "مبارك لقد قابلت لتوّك الـ "ICF"". وتحولت هذه الجملة، التي تحمل كل ملامح العنف والبلطجة، إلى عنوان كتاب يحكي حكاية "ICF"، وكان مؤلفه هو كاس بينانت، وهو أحد الأعضاء السابقين للرابطة.

      

   

قدمت شاشة السينما عديدا من الحكايات عن هوليغانز ويستهام؛ مثل فيلم "The Firm 1988" وكان من بطولة غاري أولدمان، والذي كان في طفولته واحدا من المشجعين المتحمسين للهامرز. وهناك أيضا فيلم "الشارع الأخضر"[13]، والذي تحدثت عنه بعض التقارير السابقة في ميدان. وهناك كذلك فيلم "Rise of the Footsoldier".

  

وهذه الشهرة الواسعة للـ "ICF" كانت بسبب ما ارتبط بهم من أحداث عنف ربما لا يصدق الكثيرون أن تقع حول ملاعب كرة القدم، ومنها مثلا ذلك العراك[14] على ظهر أحد القطارات في محطة نيوكروس في لندن، والذي قُتل فيه أحد مشجعي ميلوول بعد أن سقط من فوق القطار وتهشمت رأسه. لكن الغريب هو احتفاء "ICF" بهذه الحادثة البشعة، بل إنهم قد حولوها إلى أغنية تقول: "نحن فتيان وستهام.. نحن نلقي بمشجعي ميلوول تحت القطارات!". والحقيقة أن هوليغانز ميلوول أيضا ليسوا أقل عنفا من هوليغانز ويستهام.

 

ميلوول (Millwall Bushwhackers)

نصل أخيرا إلى هوليغانز[15] ميلوول، الذين يراهم الكثيرون أعنف الروابط في لندن. حكايتهم مع العنف الكروي بدأت منذ أكثر من قرن من الزمن، وعدوّهم الأول هو ويستهام كما ذكرنا في تقرير سابق، وشعارهم: "لا أحد يحبنا، ونحن لا نهتم بذلك".

   

   

في نهاية موسم 2002، وفي المباراة التي خسرها ميلوول أمام بريمنغهام للصعود إلى الدوري الممتاز، وقعت أحداث عنف وصفتها "BBC"[16] حينها بأحد أسوأ ما شهدته إنجلترا خلال العقود الأخيرة، إذ اجتاح مئات المشجعين المنتمين إلى ميلوول شوارع ما حول المباراة، واشتبكوا مع الشرطة المحلية، وهو ما تسبب في إصابة 47 من أفراد الشرطة و24 من خيولهم. وفداحة الواقعة دفعت الشرطة المحلية هناك نحو مناقشة قرار عقاب النادي نفسه، والاختصام القضائي ضد إدارته، وهو حدث شديد الندرة في الكرة الإنجليزية!. وهو ما دفع بالنادي لاحقا إلى إصدار بطاقات عضوية لمشجعيه، وقصر الحضور في المباريات على حاملي هذه البطاقات، وكانت تلك هي محاولته للحد من الأضرار التي تسبب فيها عنف هذه المباراة!

  

أما في كأس الاتحاد موسم 1985 فقد حدث أن أوقعت القرعة لوتون تاون في طريق ميلوول، وهي المباراة التي حامت حولها الشكوك، وتوقعت إدارة نادي ميلوول أنها ستكون ساحة حرب للهوليغانز، وحاولت شراء تذاكرها كاملة لتحديد هوية حاضريها. ولكن هذه المحاولة لاقت تجاهل إدارة لوتون تاون، وبعد نهاية المباراة التي حضرها ما يقارب العشرين ألفا، وفاز فيها لوتون، تحولت أرض الملعب والمدرجات إلى ساحة[17] عنف واقتتال، وألقت الشرطة القبض على 31 مشجعا. وفي التحقيقات انكشفت هوية بعض هؤلاء المشجعين؛ إذ كانوا من هوليغانز تشلسي صائدي الرؤوس وهوليغانز ويستهام "ICF" الذين جاءوا لمساندة هوليغانز لوتون ضد ميلوول!

     

    

ولكي يكتمل التاريخ المشين لهوليغانز "Millwall Bushwhackers"، فيجب ذُكر المباراة[18] التي جمعت ميلوول مع ليفربول في كأس الرابطة في موسم 2005، وفيها قام هؤلاء بترديد أنشايد تسخر من ضحايا هيلزبروه[19] الـ 96 الذين لقوا مصرعهم. هيلزبروه من الحوادث المقدسة في إنجلترا وخاصة في ليفربول، إذ إن الضحايا الذين ماتوا بسبب التدافع في نهائي كأس الاتحاد 1989 ظلوا في ذاكرة الجميع، وفُتحت التحقيقات لمرات عديدة على مدار رُبع قرن من أجل تحديد المسؤول عن موت هؤلاء الأبرياء. ولكن هذه الحقائق وهذه القدسية لم تمنع كراهية الهوليغانز العمياء من الظهور في صورة أناشيد الكراهية رغم أن ليفربول وميلوول لم يكونا خصمين قط على مدار التاريخ الكروي الإنجليزي! ولكن الكراهية والعنف هي فقط الشعارات التي تحرّك الهوليغانيزم الإنجليزي!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار