هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
تشلسي وليفربول.. قيمة هازارد المهملة

تشلسي وليفربول.. قيمة هازارد المهملة

لؤي فوزي

محرر رياضة
  • ض
  • ض

الدقيقة 25؛ هازارد يسجل، وفجأة يتذكر الجميع تصريح كلوب قبل المباراة عن أنه لن "يعطل غريزته الهجومية لأجل لاعب واحد"، وحتى لو كان هذا اللاعب هو إيدين هازارد، الأفضل في إنجلترا حاليًا، وربما في العالم. (1)

  

   

أبيض وأسود

المفارقة مغرية فعلًا، وجاذبيتها تفوق الجاذبية الأرضية. مدرب يصرح بأنه لن يراقب نجم الخصم فرديًا ثم يسجل نجم الخصم، تحتاج لقدر هائل من ضبط النفس لكي لا تنصب المحكمة لكلوب بعد المباراة، ولكن ما قاله الرجل لم يخل من وجاهة؛ البلجيكي عبقري ويعيش أفضل أيامه، ولكنه أكثر حركية بكثير من أن يراقبه لاعب واحد، في السابق طبق كلوب نظام رجل لرجل مع بروسيا دورتموند أمام ريال مدريد في دوري الأبطال، وطلب من غوتزة الضغط على ألونسو طيلة الوقت، ولكن ألونسو لم يكن بسرعة هازارد وقدرته على المراوغة، والمناطق التي يتسلم فيها الكرة كانت معروفة ومحددة، وهو آخر شيء يمكنك قوله عن إيدين. (1)

 

المهم أن الرجل وفّى بعهده على الأقل، وبالفعل لم يتراجع ليفربول حتى في اللحظات التي كاد فيها الضغط العالي أن يؤذيه. الكثيرون توقعوا حائط صد متوسط Medium Block لأنها طريقة استخدمها كلوب كثيرًا أمام الكبار خارج أرضه؛ يبدأ فيها الضغط من الثلث الأوسط من الملعب حتى لا يضطر لترك مسافات كبيرة خلف خط دفاعه، وفي نفس الوقت يجد أمام خط هجومه مساحة كافية للانطلاق عند استخلاص الكرة، ولكن هذا لم يحدث، ما حدث فعليًا أن ليفربول أدى المباراة –تكتيكيًا- وكأنه في الأنفيلد، وحتى لو لم يكن لاعبوه في نفس النشوة التي تسيطر عليهم هناك.

    

متوسط التمركز للاعبي الفريقين، يظهر لاعبو ليفربول (يمينًا) أكثر تقدمًا  (هوسكورد)

 

هي مخاطرة بالطبع وكما تبين لاحقًا، ولكنها كانت مخاطرة محسوبة، لأن البلوز، وعلى روعة كرة القدم التي يقدمونها مع سارّي، لم يصلوا بعد لدرجة الإتقان الكافية ليتحملوا انطلاقات فيرمينو وصلاح وماني الجنونية التي يبدو فيها كل واحد من الثلاثي وكأنه ذاهب لتفجير نفسه.

 

السيتي نفسه فشل أكثر من مرة أمام هذا الضغط رغم منظومته الخيالية في الموسم الماضي، لذا كان من الطبيعي أن تنتج الدقائق الأولى عدة فرص واضحة للتسجيل تكفل صلاح بإهدار أغلبها في حلقة جديدة من مسلسل الرعونة الذي يعيشه مؤخرًا أمام المرمى. الرجل يفعل كل شيء مثل الموسم الماضي بالضبط؛ يضغط ويستخلص ويتحرك ويمرر، ولكنه عندما يواجه المرمى فإنه يفعل كل شيء مثل الموسم قبل الماضي بالضبط.

 

جوكر

النتيجة أن رهان كلوب، وعلى الرغم من فشله بسبب لمسة صلاح الأخيرة، إلا أنه نجح كنظرية ونجح كتطبيق، والسبب كان ثلاثية جورجينيو وكانتي وكوفاسيتش التي ما زالت تعاني من خشونة المفاصل كلما واجهت اختبارًا قويًا، لأن كل من الثلاثي هو لاعب وسط رائع بحد ذاته، بل ويمثلون معًا خط متوازن للغاية، ولكن على الورق فقط.

  

ليفربول نجح في استخلاص الكرة في نصف ملعب تشيلسي 4 مرات خلال الشوط الأول فقط  (هوسكورد)

   

نظرية أخرى ناجحة ولكنها فشلت في التطبيق، على الأقل في الدقائق الأولى قبل أن تتماسك بعض الشيء لاحقًا، لأنه أمام اختبار عصيب كتحولات كلوب السريعة، ربما يكون هو الأصعب في البريميرليغ هذا الموسم، يُجبر لاعبو الخصم على الكثير من الارتجال وسرعة التصرف والاعتماد على الحدس، وأغلبها أمور تجيدها تروس وسط البلوز الثلاثة، ولكن فقط عندما تكون الكرة بحوزتهم، أما عندما يفقدونها فإنهم يبدون وكأنهم ما زالوا في مرحلة التليين، يبحثون عن الاتجاه الصحيح للدوران معًا.

 

نظريًا، جورجينيو هو المحور الرئيس ويسانده كانتي وكوفاسيتش، ولكن عمليًا، فإن الإيطالي هو أقل الثلاثي سرعة وشراسة وقدرة على مواكبة عكسيات الريدز. بالطبع لا يطالبه أحد بأن يلحق بصلاح أو ماني في سباق سرعة، ولكن أن يتحلى -على الأقل- بالسرعة الكافية للارتداد في الفراغات ومتابعة الكرة الثانية وتوفير الكثافة العددية، وهو ما لم يفعله بما يكفي لأن مردوده الدفاعي اقتصر على تشتيت وحيد طيلة الشوط الأول.

 

ما ضاعف المشكلة أن كوفاسيتش وكانتي -صدق أو لا تصدق- لم يكونا أفضل حالًا، ولكن لأسباب مختلفة لا تتعلق بالسرعة والبدنيات، بل بالتعود والانسجام والتنسيق، فالمركز الذي يشغله الكرواتي حاليًا أقرب لأدواره مع إنتر، ولكنه مر بفترة انتقالية مع زيدان استُخدم فيها كبديل لكازيميرو كلما حلّ بديلًا، والثاني كان يحتل هذا الموقع رفقة درينكووتر وماتيتش في منظومة لعب متناقضة تمامًا، لذا فمن المنطقي أن يستغرق مزج الثلاثي معًا عدة شهور لا بضع أسابيع.

  

استخلاص وحيد فاشل كان حصيلة ثلاثي وسط البلوز طيلة الشوط الأول  (هوسكورد)

    

كسْر الجناح

كل هذا لم يكن خفيًا على سارّي بالبديهة ولكنه خاطر بدوره، لأن مثل هذه المباريات هي ما سيحسن المنظومة ويزيدها تماسكًا على المدى البعيد، ولو لجأ للخيار الآمن وملأ مناطقه بلاعبي الوسط المدافعين لربما حصل على نتائج أفضل في المباراة، ولكنه كان سيعطل تطور منظومته لفترة من الوقت ويفقد أفرادها ثقتهم في أنفسهم.

     

تلك الفكرة اتضحت تدريجيًا مع انطلاق هجمات الفريقين من العمق في أغلب الوقت، لأن الإيطالي نجح في تعطيل أظهرة الريدز إلى حد كبير، ربما للمرة الأولى منذ زمن بعيد، وما ساعده على ذلك هو قيمة مهملة لم ينجح أي من مدربي لبلوز في استغلالها من قبل تقريبًا؛ مساندة هازارد الدفاعية.

    

أغلب تسديدات الفريقين أتت من العمق  (هوسكورد)

     

الجميع يعلم أن ويليان سيلعب كحارس مرمى إن طلب منه المدرب -أي مدرب- ذلك، لذا لم يكن روبرتسون مقلقًا إلى هذا الحد حتى من قبل المباراة، ولكن مجهودات البلجيكي هي ما سمح لسارّي بالزيادة العددية على أرنولد كذلك كلما صعد، لأن إيدين استطاع استخلاص الكرة بنجاح مرة واحدة، واعتراضها ثلاث مرات، وتشتيتها مرة واحدة، وكلها أتت على الطرف.

   

تلك الفكرة حصرت اللعب بين الفريقين في العمق تقريبًا، حتى ألونسو نفسه لم يظهر كثيرًا في الثلث الهجومي بسبب التزامه الدفاعي -أمر بدا عاجزًا عنه من قبل- وهو ما أعاد البلوز لنقطة ضعفهم في أدوار الوسط الدفاعية، لأنه في كثير من الأحيان كان ثلاثي ليفربول الهجومي يجد المساحات في المسافات بين الأظهرة وقلوب الدفاع، وهو ما أظهر أزمة التنسيق الدفاعي بين ثلاثي الوسط بطبيعة الحال.

   

المزدوج

  

بعد مرور الدقائق الأولى العصيبة بدأ البلوز يستعيدون الكرة وهدوءهم معها. هذه عبارة لم نكن نظن أننا سنقولها عن تشيلسي أبدًا. المهم أن عودة الكرة للبلوز حملت خبرًا سارًا هو أن تمريرات كوفاسيتش وجورجينيو وهازارد في الوسط ستعود للعمل مجددًا. خطوات العمل تبدو بسيطة ولكنها فائقة الصعوبة في التنفيذ، لأن أي منهم عليه أن يكون قد جمع ثلاث معلومات مهمة قبل أن يستلم الكرة؛ أولها هو أي من زملائه سيمررها له، وثانيها هو أي من لاعبي الخصم كان يضغط عليه قبل التمرير، والثاني يترتب عليه الثالث؛ أي مساحة يتحرك فيها بعد ذلك.

   

هذه العملية تتكرر في متوالية لا تتوقف حتى يصل البلوز للمرمى، أو بالأحرى، حتى لا يجد أحدهم نفسه بحاجة لجمع المعلومات الثلاث قبل تسلم الكرة، إما لأنه أصبح مواجهًا للمرمى، أو لأنه أصبح حرًا بلا رقيب، أو لأنه لم يتبق مساحة ليتحرك فيها. فائقة الصعوبة فعلًا، ولكن إتقانها يجعلها سلاحًا من المستحيل إيقافه، وهنا يظهر النصف الآخر من جورجينيو، لأن رغم معاناة الإيطالي دفاعيًا في كثير من الأحيان إلا أنه يمتلك شيئًا من بيرلو، وبيرلو في كتابه كان يتحدث عن الهندسية الفراغية، وهو أمر يجيده جورجينيو بشدة لأنه يسبق الجميع بخطوتين أو ثلاثة، وبمجرد هروبه من الرقابة تدور الماكينة؛ في البداية يهبط أحد المراقَبين إلى موقعه مصطحبًا واحدًا من مدافعي الخصم، فيسلم الكرة للخلف لأحد زملائه الغير مراقبين فيما يعرف بإزاحة الرقيب Shaking Off his marker، ولهذا يُطلق على هذه التمريرة Lay-Off Pass، لأنه وعلى الرغم من كونها تمريرة خلفية إلا أنها تمهد الكرة للاعب الصاعد ليطلقها في المساحة التي خلفها هبوط مدافع الخصم مع زميله.

   

هي عملية شبيهة بهدف ويليان الموسيقي في باوك، وكأن البلوز يعقدون اجتماعًا مغلق في وسط الملعب يتبادلون فيه التمريرات بسرعة وبنسق واحد متكرر؛ تمريرة أمامية ثم أخرى خلفية Pass Lay-Off Pass، ومع كل Lay-Off Pass يتفكك الخط الخلفي للخصم بمقدار لاعب واحد، ثم فجأة تخرج الطولية المباشرة العمودية للاعب الذي تحرك في هذا الفراغ، ويخرج البلوز من قمة الزحام والتعقيد إلى مساحات مفتوحة تسع الجميع، بل وغالبًا ما يخرجون بزيادة عددية مفاجئة فيما يشبه الألعاب السحرية التي يشتت فيها الساحر انتباهك قبل أن يدهشك بالحركة الأخيرة.

   

    

سارّيزمو

هذه هي كرة القدم البسيطة السهلة التي تتطلب أكبر قدر من التدريبات الصعبة، ولأنها كذلك، فقد عجز الريدز عن مواكبة سرعتها، وهو أمر مدهش بدوره لأنه مر زمن طويل منذ عجز الريدز عن مواكبة سرعة أي شيء، هذه عبارة أخرى لم نكن نتخيل أننا سنقولها عن ليفربول كلوب. بالطبع لم يمنع ذلك سارّي من استغلال الطوليات العالية خلف دفاع الريدز كلما أمكن، ربما كان يعلم أن كبرياء كلوب سيجبره على المخاطرة بعد هزيمة الأنفيلد، وربما توقع تخليه عن الـ Medium Block بعد تصريحاته قبل المباراة، ولكن الخلاصة أن الأمر لم يقتصر على التمريرات الأرضية والمتواليات المعقدة وحسب، بل كاد البلوز يسجلون في مرتين من تمريرات مباشرة من أقصى الملعب إلى أقصاه.

 

بعد الهدف مر تشيلسي سارّي بما قد يعد أفضل دقائقهم في الموسم حتى اللحظة. في المباراة الماضية أحرز هازارد الهدف من مجهود فردي وأنهى المباراة للبلوز رغم أنه كان بإمكان الريدز إنهائها في العديد من اللحظات، أما هذه المرة فالهدف أتى من جملة تدرب عليها البلوز أمام باوك، وهذا يعني بما لا يدع مجالًا للشك أن جودة الفريق في تصاعد.

 

منذ منتصف الشوط الأول حتى نهايته بدا وكأن سارّي قد مر على كل نسخ البلوز السابقة واقتبس منها أفضل ما فيها ثم صبغها بكرته الجريئة المثيرة، وعند لحظات معينة ظهر الريدز وكأنهم يواجهون فريقًا أفضل منهم لأول مرة هذا الموسم، فريقًا يؤدي بشراسة سواء كانت الكرة معه أو مع خصمه، فريقًا يجمع صلابته الدفاعية المعهودة مع نزعة هجومية جديدة عليه، مشهد يمكن تلخيصه في تصريح سارّي عقب المباراة عن سعادته بالمردود الدفاعي لأمهر لاعبيه؛ إيدين هازارد. (2)

 

دخول مفاجئ

بالطبع كانت تلك الحالة أروع من أن تستمر لباقي المباراة، لذا قرر سارّي العودة لجذوره الإيطالية في الشوط الثاني والتخلي عن الاستحواذ والكرة والباقي معلوم بالبديهة، وكأن الرجل أراد أن يقدم كل شيء في مباراة واحدة، أو ربما أجبره الاقتراب من الانفراد بالصدارة على المزيد من الحذر.

 

المهم أن معركة صلاح وماني الافتراضية انتهت بخسارة كليهما، وكلوب كان مجبرًا على إخراج المصري لإقرار العدالة وإثبات حسن النوايا، لأن هذا ما كان يفعله مع ماني في الموسم الماضي عندما تعانده الكرة، وفي النهاية دخل ستوريدج منقذ المباريات الأخيرة، ليجلب نقطة التعادل للريدز بعد عدة فرص أخرى مهدرة، وبنفس الطريقة التي كاد يجلب بها التعادل في مباراة الكأس منذ عدة أيام، ولكن هذه المرة لم تصد العارضة تسديدته.

    

      

بعد المباراة، تحدث كلوب عن أن فريقه دافع بشكل مذهل وهذا هو ما حدث فعلًا في أغلب أوقات المباراة، وبقيادة فان دايك أفضل مدافع في إنجلترا حاليًا بلا منازع، ثم قال بأن فريقه لم يسمح للبلوز إلا بفرصة واحدة محققة وهو  نصف ما حدث تقريبًا، وأنهى حديثه بأن فريقه ربما كان يستحق الفوز لا التعادل فقط، ورغم كونه تصريح غير منطقي من وجهة نظر الفريق ككل لأن فرص ليفربول لم تضيع بسبب الرطوبة أو طول العشب بل أهدرها لاعبو ليفربول بأنفسهم، إلا أنه قد يصح على المستوى التكتيكي ومن وجهة نظر المدرب الذي حظي بالنسبة الأكبر من الاستحواذ، وصنع العدد الأكبر من الفرص، وسدد أكثر على المرمى. (3)

   

تصريحات الألماني بدت صادمة للكثيرين بما فيهم المراسل الذي وجهها بعد المباراة، ولكنها ربما كشفت مدى رغبة الجميع في إيجاد الثغرة التي قد ينفذون منها إلى ليفربول كلوب هذا الموسم، وكشفت أيضًا عن مدى القلق الذي كان يعانيه البلوز قبل المباراة، خاصة مع إيمانهم بأن نتيجة مواجهة الأنفيلد لم تعبر عن سير اللعب بقدر ما عبرت عن عبقرية هازارد، وخاصة أنهم لم يشعروا بنفس الدرجة من الأمان مع أسلوب سارّي الجديد الذي يجبرهم على مخاطرات لم يعتادونها في لقاءات الكبار، ولكن في النهاية يبدو أن الجميع قد فاز؛ ليفربول لم يخسر، وتشيلسي أثبت جدارته بالمنافسة على اللقب هذا الموسم، وحتى صلاح حصل على دعم مدربه عقب المباراة، والجميع اكتشف أنه بحاجة للمزيد من العمل حتى المواجهة القادمة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار