اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/5 الساعة 13:20 (مكة المكرمة) الموافق 1439/12/25 هـ

انضم إلينا
محمد صلاح.. بطولة هشة لمجتمع مهزوم

محمد صلاح.. بطولة هشة لمجتمع مهزوم

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

   

"- صلاح، كنت حتعمل إيه لو منجحتش في إنك تكون لاعيب كورة؟

-  كانت حياتي حتتدمر"

(من لقاء مع اللاعب محمد صلاح في أحد الإعلانات التجارية) (1)

      

فور انتشار خبر انضمام اللاعب المصري محمد صلاح إلى أحد أبرز الأندية في أوروبا والعالم، نادي ليفربول الإنجليزي، في صفقة قياسية بلغت أربعين مليون يورو (2)، ارتفعت شعبيّة اللاعب العربي الأغلى في التاريخ بسرعة غير مسبوقة، واصطف المصريون في المقاهي في موعد أسبوعي لمتابعة محمد صلاح وهو يحرز الهدف تلو الهدف في الملاعب الإنجليزية. ومع توالي الإنجازات الرياضية للاعب كان الحديث الأبرز للتقارير الإعلامية عن مدى ارتفاع القِيمة التسويقية له، والتي كانت منذ سنوات قليلة لا تتعدى المليون يورو، لترتفع بنهاية الموسم الكروي الماضي متجاوزة مئة وخمسين مليون يورو كرابع أغلى لاعب في العالم (3).

  

قصة نجاح محمد صلاح والصعود السريع مُلهمة لكثيرين بلا شك، لكن اللافت للانتباه والجدير بالتحليل هنا هو موقع هذا الصعود والنجاح داخل المجتمع المصري، فصلاح صاحب إحدى أهم ضربات الجزاء في التاريخ الكروي المصري، أصبح يُنظر إليه ليس على أنه مجرد رمز ناجح فقط، ولكنه صانع البهجة ومصدر الفخر بالنسبة للمصريين، وهو أمر مفهوم بطبيعة الحال قياسا على الأوضاع السياسية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على كل شيء في مصر تقريبا.

 

حيث أظهر الرأي العام المصري ومواقع التواصل الاجتماعي (4) تعاطفا وانحيازا غير مشروط لمحمد صلاح مع كل منعطف يقف في طريق صعوده الشخصي ونجاحه، أثناء الخلاف بينه وبين اتحاد الكرة المصري، أو مع سوء أداء المنتخب في بطولة كأس العالم، وأخيرا -وهو الأهم- تجنبه للاحتكاك وأحيانا مرونته في التعامل مع النظام السياسي المصري ورموزه وتحفظه بشكل كامل من إبداء أي موقف أو رأي في أي قضية عامة في مجتمع يئنّ تحت وطأة المظالم.

 

مجتمع هش يُدافع عن وجوده

 

أحد الإسهامات التأسيسية للفيلسوف وعالم الاجتماع بيير بودريو في فهم وتحليل الاجتماع السياسي هو صكه لمفهوم محوري هو مفهوم رأس المال الرمزي (5)، حيث يوضح عالم الاجتماع الفرنسي أن لأي مجتمع في حالته السَّوية هناك دائما "خطا من المقولات عامة والرموز غير المُفكر فيها أو غير المُعلنة وأعراف وسرديات وتصورات عن الأخلاق والقيم داخل الفضاء الاجتماعي، تتيح لأي فاعل في هذا الفضاء الاجتماعي -أيًّا كان مجاله- الاستثمار فيها لتُشكّل رأس مال رمزي خاص بالفاعل نفسه وتُتيح له شرعية اجتماعية وربما سياسية" (6).

 

مُضيفا (7) على ذلك أن المجتمعات الهشّة والمُفككة هي المجتمعات الفاقدة لأي مقولات ورموز عامة ومِعيارية ولأي من إمكانات رأس المال الرمزي، التي تسمح بظهور فاعلين اجتماعيين حقيقيين نابعين من شبكة الرموز التي تُساهم في تكوين المجتمع، وتُضفي عليه المعنى والتماسك، وتُساهم في تعزيز شرعية الفاعلين والاجتماعيين بما في ذلك شرعية السُلطة السياسية الرسمية باعتبارها فاعلا اجتماعيا وسياسيا في التحليل الأخير.

 

فغياب إمكانات تكوين رأس مال رمزي هو إحدى علامات تآكل الاجتماع السياسي، باعتبار أن رأس المال الرمزي هو إحدى سُبل بناء الشرعية والاتفاق، فغياب تلك الإمكانيات هو عبارة عن تهديد أسس الاجتماع السياسي فضلا عن الاجتماع المعرفي والأيديولوجي، وتهديدا لوجود المجتمع نفسه كمُجتمع مَدني سياسي وعُمراني في نهاية الأمر.

 

هنا يأتي دور شُهرة محمد صلاح ليس كلاعب كرة، بل كإنسان مصري مشهور على مُستوى عالمي يحتاجه المصريون كرمز أكثر بكثير من احتياجهم إليه كهدّاف أو كلاعب ذي قيمة تسويقية عالية، فالمشاهير في المجتمعات المهزومة والمُفككة تماما كالشهداء والأبطال والقادة التاريخيين، يُمثلون مادة لاصقة تربط بين أشتات من الناس (8) لم يعد يربطهم شيء غير الظروف الصعبة وضيق العيش وانعدام الأمل. ويوضح زيجمونت باومان أن المشاهير في مجتمعات ما بعد الحداثة والمجتمعات الهشة والضعيفة "هم من يصنعون المتخيل والمعنى على تلك التجمعات البشرية" (9)، لذلك يتمسك الناس بهم ويتواطئون بشكل جَمعِي وبغير ترتيب واعٍ على إخفاء زلّاتهم وأخطائهم حفاظا على صورتهم البراقة.

 

تَجنّب المشاكل وكُن سعيدا من أجلنا

 

يعيد باومان تعريف وضعيّة التفكك والهزيمة بشكل اجتماعي، فيصفها بأنها "غياب الجسور التي تربط همومنا العامة بهمومنا الفردية" (10)، فترجمة الهموم والإخفاقات الخاصة إلى هموم وإخفاقات عامة هي التي من شأنها إعادة توجيه وتشكيل قوى اجتماعية وسياسية للعمل على إيجاد حُلول عامة ومُشتركة وتحقيق نجاحات سياسية واجتماعية.

 

وبالاستمرار مع باومان فإن ازدياد النزعة الفردية وتآكل المجال العام واحتلاله من قِبل القضايا والطموحات الفردية يأتي ذلك تعبيرا عن انعدام العلاقات البناءة بين أفراد المجتمع وبعضهم بعضا، وغياب الثقة بينهم وبين المُؤسسات والنُخب والقيادات المعنية بربط أفراد المجتمع بقضاياهم وهمومهم العامة والجمعية التي من المُفترض أن تُشكّل المجال العام، يُردف باومان: (11) "إن الفردانية ألد أعداء المواطنة، ذلك لأن المواطن يسعى لرفاهيته عبر رفاهية مجتمعه ومدينته، بينما الفرد يميل إلى اللامبالاة والشك في القضية المشتركة والمصلحة العامة أو المُجتمع العادل، ويتساءل عن جدوى التضحية والنضال من أجله، فلا معنى في مُجتمع الأفراد للمصلحة العامة إلا أن نترك كل فرد يحقق مصلحته الخاصة، ولا معنى للمجتمع العادل إلا أن يحقق كل فرد خلاصه الفردي ولا يلتفت للوراء".

  

ففي مجتمع مثل هذا، تنعدم الحاجة والرغبة في وجود أبطال وزعماء تاريخيين، بل يبحث عن مشاهير وأيقونات لا تميزهم أفعالهم ولكن أساس شهرتهم هو مَدى تَميّز حياتهم الخاصة ومجدهم الشخصي، فلا مجال للأبطال والزعماء داخل مجتمع مُفكك تَسود فيه النزعة الفردانية واللامبالاة، في مجتمع يتآكل فيه المجال العام ويرفض غالبيته السياسة، تنعدم فيه جدوى التضحية والنضال ويتم النظر إليها كأفعال غير عقلانية وإلى أصحابها بأنهم ما زالوا أسرى لقضايا خاسرة، وبدلا من ذلك يتم التركيز على قصص الخلاص الفردي والحياة الخاصة للمشاهير وأخبارهم وصور حياتهم اليومية ومدى السعادة التي يَحيون فيها.

   

  

بعد فترة قليلة من مذبحة بورسعيد لألتراس الأهلي في بداية عام 2012، امتنع محمد أبو تريكة عن مصافحة المشير طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة بالجيش المصري ورئيس المجلس العسكري في إحدى المناسبات التي جمعتهم (12)، اعتراضا على ما رآه وقتها ضلوع النظام في المذبحة أو في أفضل الأحوال تواطئه مع مرتكبيها بشكل غير مباشر (13)، وما لبث أن التفّت العديد من القوى السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني في مصر حول موقف أبو تريكة باعتباره فعلا أخلاقيا وبطوليا وتضحية مُحتملة بمستقبله الكروي من أجل قضية عامة أوسع وأهم من نجاحه الفردي.

 

وفي وقت آخر تبرع محمد صلاح لصندوق تحيا مصر (14)، وظهر مع الرئيس السيسي أكثر من مرة، وظهر في مُناسبة أخرى مع رمضان قاديروف رئيس الشيشان (15)، أتت غالبية ردود الأفعال من الفئات نفسها التي دعمت أبو تريكة هذة المرة بطريقة مُتفهمة وداعمة، على الرغم من تباين الموقفين وتناقض علاقتهم بالنظام السياسي.

  

ليس الحديث هنا عن مقارنة بين شعبية أبو تريكة ومحمد صلاح، بل إن الأمر اللافت هو تطابق شعبية اللاعبَين بصورة كاسحة وبطريقة أوسع من مجرد شعبية لاعب كرة قدم، على الرغم من تباين مواقفهما خارج الملعب، إنّما المقارنة هُنا بين الفضاء الاجتماعي الذي تشكّلت داخله كلٌّ من شعبية اللاعبَين.

  

فعلى عكس أبو تريكة الذي أتى موقفه في داخل مجتمع في حالة ثورة وحراك سياسي ومطالب بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، تأتي لحظة صعود محمد صلاح داخل فضاء اجتماعي مُفكك ومهزوم ويختنق تحت الاستبداد السياسي والاقتصادي.

لذلك جاءت ردود الأفعال والرأي العام نفسه بدفعه ألا يُغامر بمستقبله من أجل أحد حتى لو كان أحد مُحبيه، فهشاشة بطولة وشهرة محمد صلاح نابعة من هشاشة المجتمع والفضاء الاجتماعي الذي يُمثله، بل طالبته تلك الردود أن يتجنب المواجهات وأن يبتعد عنها وأن يستمر في الحفاظ على ذاته، ويستمر في النجاح والصعود ورفع قيمته التسويقية كأيقونة مصرية، وصانع للبهجة، وبطل الدوري الإنجليزي في كرة القدم، وبطل مصر في الخلاص الفردي. 

المصادر

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار