اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/11 الساعة 15:55 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/21 هـ

انضم إلينا
التعرّف على الوجه.. رفاهية تقنية أم ضرورة؟

التعرّف على الوجه.. رفاهية تقنية أم ضرورة؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

العُمق الحقيقي، "ترو ديبث" (TrueDepth)، ليس اسم لغوّاصة أو لأجهزة تقنية لاستكشاف أعماق البحار، بل هو اسم لكاميرا الجيل العاشر من هواتف آيفون، "آيفون إكس" (iPhone X)، للتعرّف على وجه المُستخدم كنوع من الحماية.

 

وبالحديث عن الحماية، فإن هذه الطريقة ليست من اختراع آبل، فسامسونغ سبقتها لاستخدام هذه التقنية في أجهزتها الذكية الصادرة في 2016 التي وبالمناسبة لم تكن الأولى أيضًا، فتقنيات التعرّف على الوجه موجودة ومنذ زمن، إلا أن استخدامها في الآونة الأخيرة بدأ يتحوّل لضرورة نوعًا ما لعوامل كثيرة.


 
آلية العمل

يحتاج النظام أيًا كان لالتقاط وجه المُستخدم قبل أي شيء للشروع في التعرّف عليه وتحديد هوّيته، ولهذا السبب اعتمدت النماذج الأولى على الكاميرا كوسيلة لالتقاط الوجه، سواءً كاميرا عادية أو عن طريق الفيديو، وتلك طرق كانت شائعة الاستخدام في الشركات والمطارات على سبيل المثال لا الحصر(1).

 

وبعد الالتقاط تبدأ الوظيفة الحقيقية للخوارزميات في تحديد بعض العناصر الرئيسية في الوجه على غرار بُعد العيون عن بعضها، وعرض الأنف، وتضاريس الوجنات وعرضهما أيضًا، وذلك خلال ثواني معدودة ليتم تمرير تلك المعلومات إلى قواعد بيانات لاستخراج الأشخاص الذين يمتلكون نفس ملامح الوجه قبل الانتقال لعملية المُطابقة للتعرّف على الهوية الحقيقية واختيار شخص واحد من بين المُرشّحين.

 

ومثلما هو الحال في الأجيال الأولى من أي تقنية، فإنها تكون غير ناضجة وذات مشاكل كثيرة. وفي حالة تقنيات التعرّف على الوجه، فإن الخداع من أبرز المشاكل، فاستخدام صورة على سبيل المثال قد يسمح بتجاوز تلك التقنيات والحصول على الصلاحيات المطلوبة بسهولة تامّة. كما أنها إن لم تكن قادرة على استشعار حالة الشخص، فمن السهل مثلًا تخدير أي شخصية مهمة ووضع وجهها أمام الكاميرا للحصول على الصلاحيات، وهذه احتمالات صحيح أنها واردة الحدوث في الأفلام، إلا أن حصولها على أرض الواقع مُمكن، فالمُخترق سيلجأ لأي شيء من أجل تجاوز أنظمة الحماية(2).

 

 
ولأن الأجهزة الذكية بدأت بالسيطرة على المشهد التقني منذ 2007، كان لا بُد من الاستعانة بتقنيات تأمين الأجهزة نظرًا لأهمّية البيانات الموجودة بداخلها، وبعد استخدام فكرة رمز القفل جاء مُستشعر البصمة الذي خدم الفكرة في 2012، لكنه بعدها بأعوام قليلة فقد بريقه مع بقاء أهمّيته، فاسحًا المجال أمام الشركات للابتكار عند البحث عن حلول أُخرى كان آخرها التعرّف على الوجه.

 

أشعلت شركة "زيد تي إي" (ZTE) الصينية فتيل تلك التقنيات بعدما طوّرت كاميرا أمامية عالية الدقة في هواتفها الذكية(3)، وهي كاميرا تقوم بالتقاط صورة لوجه المستخدم قبل تمريرها لخوارزميات مهمّتها الوصول لقزحية العين، وتحليل توضّع والتفاف الأوعية الدموية داخل العين التي تُشكل بصمة تختلف من شخص للآخر ولا يُمكن أن تتشابه بحسب الدراسات، تمامًا مثل اختلاف بصمات الأصابع. إلا أن المُشكلة من جديد كانت سهولة خداعها، فوضع صورة عالية الدقة أمام الكاميرا الأمامية يعني فك قفل الجهاز ببساطة.

 

لم تلعب سامسونغ دور المُتفرّج وقرّرت هي الأُخرى تطوير تقنياتها الخاصّة للتعرّف على الوجه مُستفيدة من تجربة الشركة الصينية بذكاء أكبر. التوجّه وقتها كان نحو قراءة قزحية العين كونها تُختلف من شخص لآخر، لذا كان قرار سامسونغ هو تطوير مُستشعرات خاصّة لقرائتها فقط، دون الاعتماد على الكاميرا الأمامية، وهذا للحصول على دقّة عالية. وبالفعل استخدمت سامسونغ تلك التقنيات لأول مرّة في نوت 7، وهذا من خلال وحدة تقوم بتوجيه أشعة تحت الحمراء نحو القزحية(4)، لتقوم وحدة ثانية بقراءة ارتداد تلك الأشعّة ومحاولة رسم بصمة العين لمطابقتها مع البصمة المُخزّنة داخل الجهاز، والتي تبقى داخل الجهاز فقط ولا يتم تخزينها على السحاب لا في سامسونغ، ولا حتى في آبل.

 

في الجيل العاشر من آيفون خصّصت آبل مساحة صغيرة أعلى الشاشة المُمتدة على الوجه الأمامي لتضمين مصفوفة من المُستشعرات إلى جانب الكاميرا الأمامية، وهذا لتطوير نظام التعرّف على الوجه

رويترز
 

من جديد تمكّن المُخترقون من خداع نظام بصمة العين في نوت 7 وهذا باستخدام صورة للشخص فقط دون أية جهود أُخرى(5)، لتقوم الشركة برفع مستوى الأمان في "غالاكسي إس 8" و"نوت 8" حسبما ذكرت، إلا أن الخداع ما زال موجودًا بشكل أو بآخر(6)(7)، وهذا أمر لم تُغفله شركة آبل أبدًا، لتقوم بأخذ اتجاه آخر بعيد عن قزحية العين فقط، فهي عادت إلى النموذج الأول القائم على دراسة تضاريس الوجه لكن باستخدام تقنيات مُتقدّمة.

 

في الجيل العاشر من آيفون خصّصت آبل مساحة صغيرة أعلى الشاشة المُمتدة على الوجه الأمامي لتضمين مصفوفة من المُستشعرات إلى جانب الكاميرا الأمامية، وهذا لتطوير نظام التعرّف على الوجه "فيس آي دي" (FaceID) الذي تبلغ نسبة الخطأ فيه 1 بالمليون فقط حسبما صرّحت الشركة. خصّصت آبل وحدة للإضاءة باستخدام الأشعة تحت الحمراء تُعرف باسم "فلود إيلومينتور" (Flood Illuminator) مهمّتها الرئيسية هي إنشاء ظروف إضاءة مُلائمة لعمل بقيّة المُستشعرات أيًا كانت ظروف الإضاءة الطبيعية المُحيطة بالمُستخدم، وهذا يجعل استخدام تقنيات التعرّف على الوجه في "آيفون" الجديد مُمكن حتى في الليل. بعدها يتم الاستعانة بعارض نُقطي ضوئي (Dot Projector).

وهو أيضًا يعمل بالأشعة تحت الحمراء ويقوم بتوجيه 30 ألف بكسل على هيئة مصفوفة إلى وجه المُستخدم. تلك البكسلات (النُقاط) لن تكون مستوية بطبيعة الحال لأنها في نقطة سترتطم بأنف المُستخدم، وفي أُخرى سترتطم بوجنتيه، الأمر الذي سيؤدي لتفاوت في الارتفاع. وهنا يأتي دور الكاميرا الخاصّة الموجودة إلى جانب الكاميرا الأمامية، وهي كاميرا لقراءة المصفوفة بارتفاعاتها المُختلفة لتحويل تلك البيانات إلى خارطة ثلاثية الأبعاد تُمثّل وجه المُستخدم(8).
 


هناك شيء آخر تقوم به تلك الكاميرا يتمثّل بقراءة البيانات الحيوية للمستخدم أسفل الجلد، أي أنها قادرة على استشعار حركة الدم في الأوعية أسفل الجلد، وهذا يعني أنها قادرة على معرفة فيما إذا كان الوجه عبارة عن مُجسّم في محاولة لخداع المُستشعرات. كما أن الاعتماد على العارض الضوئي من شأنه تمييز الصور عن الوجه الحقيقي، وبالتالي لا يُمكن خداع تقنية "فيس آي دي" في "آيفون" الجديد بسهولة. أخيرًا، تلك المُستشعرات قادرة على رصد نظر المُستخدم، فهي لن تعمل إلا لو وجّه المُستخدم نظره إلى الكاميرا مُباشرةً.

 

عين رقمية في كل جهاز

تُسيطر الهواتف الذكية على المشهد التقني في الوقت الراهن، وهذا يُفسّر وصول التقنيات الجديدة إليها أولًا قبل بقيّة الأجهزة الأُخرى. إلا أن تقنيات التعرّف على الوجه تحديدًا لن تُمضي وقتًا طويلًا في الهواتف الذكية فقط، وسوف تنتقل خلال الأعوام القليلة المُقبلة لأجهزة أُخرى بكل تأكيد، وهذا لأسباب عديدة.

 

ولا يُقصد بالأجهزة الذكية الأُخرى الحواسب اللوحية، فهي بالأساس هواتف ذكية بشاشات أكبر وقدرات مُعالجة أقوى نوعًا ما. بل المقصود بها هو فئات أُخرى فيها تحدّي تقني أكبر على غرار الساعات الذكية التي أصبحت تدعم الأوامر الصوتية بفضل تطوّر المساعدات الرقمية مثل"سيري" من آبل و"أسيستنت" من غوغل (Google Assistant). انتقال التفاعل مع الساعات الذكية من اللمس إلى الصوت أمر منطقي لأن شاشاتها صغيرة، والمستخدم قد يجد في الصوت حرّية أكبر. لكن الصوت في نفس الوقت يُقيّد استخدامه عند الرغبة في إتمام عملية دفع إلكتروني بسبب ضرورة كتابة رمز الأمان أو وضع الإصبع على مُستشعر البصمة في الهاتف الذكي، وهذا أمر لن يرغب أحد بالقيام به في الأعوام القليلة القادمة.

 

الحل المنطقي لتلك المشاكل هو وجود تلك المُستشعرات في الساعات الذكية أيضًا، فالمُستخدم وبمجرد رفع الساعة أمام الوجه يتم التأكّد من هوّيته لإتمام عملية الدفع، أو للرد على رسالة ما بناءً على تعابير وجهه، وهذا أمر يُمكن للمستشعرات الموجودة في "آيفون إكس" فقط القيام به في الوقت الراهن(9).

  

 

وما الساعات الذكية سوى إحماء تقني بسيط لأن ما يأتي بعدها من ناحية الأهمّية هو المساعدات المنزلية، تلك الأجهزة التي يتم التفاعل معها عبر الصوت فقط، والتي زُوّدت بشاشة وكاميرا في الآونة الأخيرة(10). من المنطقي جدًا أن يتم نقل تقنيات التعرّف على الوجه إليها لأكثر من غرض، فكونها أجهزة موجودة في المنزل أو المكتب يعني أن أي شخص بإمكانه طرح الأسئلة عليها، وهذا أمر مُخيف لو كان السائل طفلا صغيرا(11). أمازون حاولت مُعالجة هذا الأمر من خلال التعرّف على الصوت(12)، إلا أن خداع النظام مُمكن وبسهولة، ولهذا السبب تزداد أهمّية تقنيات التعرّف على الوجه.

 

بمجرد أن يقف المُستخدم أمام الجهاز يتم فتح سجّله الشخصي والإجابة على الأسئلة بناء على قاعدة المعرفة التي كوّنها المساعد عنه مع مرور الوقت. كما أن تأمين عمليات الدفع الإلكتروني عند طلب أي شيء عبر الأوامر الصوتية سيُصبح أسهل دون الحاجة للاستعانة بالهاتف الذكي بشكل دائم. ولا يجب إهمال التفاعل مع الرسائل الواردة للرد عليها بواسطة الوجه، وكأن تلك التقنيات أضافت بُعدا جديدا للتواصل مع المساعدات المنزلية بشكل خاص، والأجهزة الذكية بشكل عام، بعد الاعتماد على اللمس بشكل أساسي ثم الصوت في نموذج للتحرّر التقني نوعًا ما.

 


علّمتنا التقنية أن التكهّن لوحده لا يكفي لرسم خارطة الطريق الذي سوف تسلكه، ففكرة مجنونة من أحدهم بإمكانها نقل التقنية من أجهزة لأجهزة أُخرى تمامًا. لكن تقنيات التعرّف على الوجه من شأنها زيادة قيمة المساعدات المنزلية ودفعها لتكون فئة شبه مُنفصلة ومسُتقلّة عن الهواتف الذكية، الأمر الذي سيزيد من شعبيّتها بكل تأكيد لو حصل، تمامًا مثلما هو الحال في الساعات الذكية، حتى السيّارات بإمكانها أيضًا الاستفادة من تلك التقنيات، فبمجرد التعرّف على السائق يُمكن ضبط إعدادات المقود والمقاعد لتتماشى مع عاداته وتفضيلاته في القيادة.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار