اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/19 الساعة 10:18 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/27 هـ

انضم إلينا
هل يُغيّر مارك زوكربيرغ رأيه بالذكاء الاصطناعي؟

هل يُغيّر مارك زوكربيرغ رأيه بالذكاء الاصطناعي؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

يبدو الخوف من أن تُصبح الرجال الآلية والخوارزميات الذكيّة واعية تُدرك ما يجري حولها ليس مُجرّد مُبالغة في يومنا الحالي، فبعد أيام قليلة من خروج مارك زوكربيرغ (Mark Zuckerberg) المؤسّس والرئيس التنفيذي لشبكة فيسبوك الاجتماعية للدفاع عن الذكاء الاصطناعي(1)، قامت تلك البرمجيات الذكيّة بفعل يُشوّه وجهة نظره ودفاعه المُستميت عنها. وللأمانة، لم تكن حادثة البرمجيات الذكيّة في فيسبوك هي الحادثة الأولى من نوعها، بل سبقتها واحدة في مُختبرات "أوبن إيه آي" (OpenAI)، وأُخرى في "غوغل" وتحديدا في خوارزميات الترجمة. وهذا بدوره يُفسّر الخوف المُستمر من التطوّر الحاصل في مجال الذكاء الاصطناعي.

 

الكون
يُمثّل إيلون ماسك (Elon Musk) حالة من التعارض الظاهر للعيان، ليس بسبب ذكائه وطبيعته الانطوائية، بل بسبب جهوده التقنية وتصريحاته المُتضاربة في مجال الذكاء الاصطناعي. يُدير ماسك شركة "تسلا" للسيّارات الكهربائية التي نجحت في تطوير نظام للقيادة الذاتية، وهو نظام بطبيعة الحال يعتمد على الذكاء الاصطناعي، كما ساهم في تأسيس مُختبرات "أوبن إيه آي" التي تُعنى بإجراء الأبحاث في نفس المجال أيضا.

 

تعمل تلك المُختبرات في الوقت الراهن على مفهوم الكون (Universe)(2)، وهو عبارة عن منصّة لاختبار وتدريب البرمجيات الذكيّة على استخدام أي برنامج داخل الحاسب، وهذا عن طريق نظام التجربة والفشل والمُكافآت أيضا. ببساطة، يرغب الباحثون أن تكون البرمجيات الذكيّة قادرة على تعلّم طريقة استخدام برنامج ما لتنتقل بعدها لاستخدام برنامج آخر دون مشكلات، مع إمكانية نقل تلك التجارب والخبرات بين البرامج المُختلفة.

 

المبدأ بسيط جدا، ستقوم تلك الخوارزميات بتجربة تنفيذ شيء مُعيّن، وعند الفشل ستُسجّل الطريقة التي فشلت بها لتجربة أُخرى، وعند النجاح ستقوم باعتماد تلك الطريقة لتكرارها مرّات أُخرى. تحديد النجاح من الفشل يتم عن طريق المُكافآت، فهي عند حصولها على مُكافأة ستُسجّل حالة النجاح التي كانت تبحث عنها.

  

 

البداية كانت مع الألعاب على اعتبارها برمجيات قائمة على نظام المُكافآت والنقاط وما إلى ذلك، وهو شيء سيُسّهل مهمة الباحثين، فباستخدام تقنيات الرؤية الحاسوبية يُمكن لتلك البرمجيات معرفة النقاط التي تُحقّقها في اللعبة لتحاول زيادة الرصيد من خلال تكرار بعض الحركات، أو تجربة غيرها عند الفشل، وهنا الحديث عن ألعاب ضخمة ومُعقّدة على غرار "جي تي إيه" (GTA) الشهيرة.

 

ويُعتبر نموذج الألعاب بسيط بالنسبة للعُلماء على اعتبار قيامه على نفس المبادئ، ولهذا السبب تم التوجّه نحو المُتصفّحات وآلية استخدامها، إذ يجب على الخوارزميات الذكيّة داخل "الكون" أن تكون قادرة على تصفّح الويب تماما مثل الإنسان، ومن أجل ذلك يتم بناء نظام مُكافآت خاص عندما تنجح البرمجية مثلا في البحث عن كلمة ما في "غوغل" ومن ثم الوصول إلى أفضل مصدر يتحدّث عنها أو يتناولها.

 

عند وضع برمجيات ذكية في بيئة مُحدّدة وتقديم معلومات مُحدّدة لها لا يُمكن اعتبارها ذكيّة أبدا، لأن جميع الأمور التي ستقوم بها محدودة نوعا ما، لكن عند وضعها في "كون" كامل مع مجموعة محدودة من المبادئ فستكون النتيجة خارج حدود العقل والتفكير، وهذا تماما ما حصل.

 

في (مارس/آذار) 2017 نشرت "أوبن إيه آي" ورقة بحث كاملة لخروج البرمجيات الذكيّة عن النص، وهذا بعد قيامها بتطوير لغتها الخاصّة أثناء تنفيذ بعض المهام(3). قام الباحثون بإنشاء "عالم" افتراضي داخل "الكون"، وهو عبارة عن عالم ثُنائي الأبعاد يحتوي على مجموعة من البرمجيات الذكية المُلوّنة بألوان مُختلفة، والتي تحتاج للانتقال من نقطة إلى الثانية داخل ذلك العالم مع إمكانية التواصل فيما بينها من أجل التعاون ومُساعدة بعضها البعض للانتقال بين النقاط بأفضل الطرق المُمكنة.

  

  

كل شيء في ذلك العالم كان قائما على التجربة والفشل، والنجاح يحدث عندما تنجح البرمجية في الانتقال من نقطة إلى أُخرى، لكن وبعد فترة من الزمن رصد القائمون على التجربة وجود لغة جديدة تختلف عن اللغة الإنكليزية، لغة لا تفهمها سوى تلك البرمجيات، فهي قامت بإنشاء كلمات مؤلّفة من أرقام ورموز وكل واحدة منها ذات دلالة على أمر ما، مثل "انتقل إلى هنا" أو "اذهب من هنا"، أو للدلالة على عنصر ما أو على نقطة ما داخل تلك الرقعة البيضاء، العالم.

 

وتجنّبا لتطوّر مثل تلك المواقف بدأ الباحثون فورا بتطوير برمجية ذكية تقوم بترجمة تلك الكلمات إلى اللغة الإنكليزية ليفهمها الإنسان، أو بشكل عام ستقوم تلك البرمجية بالعمل جنبا إلى جنب مع البرمجيات الذكية في أي عالم، وذلك لرصد أي لغة أو كلمات جديدة وتوثيقها مع الترجمة ليبقى الإنسان قادرا على فهمها، فاللغة بطبيعة الحال ستزداد درجة تعقيدها كُلّما زادت نسبة تعقيد العالم الذي تنشط فيه تلك البرمجيات الذكية، وهو أمر لا يرغب أي خبير مُتخصّص في هذا المجال في الوصول إليه.

 

غوغل والذكاء العميق
في (مارس/آذار) 2016 -أي قبل عام كامل من خروج برمجيات مُختبرات "ماسك" عن النص- سجّل الذكاء الاصطناعي إنجازا جديدا ضد الإنسان والبشرية بشكل عام عندما نجح في هزيمة أحد أفضل اللاعبين على مستوى العالم في لعبة "غو" (Go) للمرة الثانية على التوالي -وهي لعبة إستراتيجية صينية على غرار الشطرنج-(4). الانتصار على الإنسان ليس بالشيء الجديد أبدا، إذ سبق لخوارزميات الذكاء الاصطناعي التفوّق على أفضل اللاعبين على مستوى العالم في ألعاب مثل الشطرنج، لكن "غو" تُعتبر أصعب، وهي لعبة أثرية تعود جذورها إلى قبل 2500 عام تقريبا.

 

مع نهاية 2015 تمكّنت برمجيات الذكاء الاصطناعي في مُختبرات "غوغل ديب مايند" (Google DeepMind) المعروفة باسم "آلفا غو" (AlphaGo) من التفوّق على بطل أوروبا في خمس مباريات متتالية، وهو أمر لم يُشكّل مُفاجأة على اعتبار تاريخ الذكاء الاصطناعي في هزيمة الإنسان. لكن المباراة الثانية في 2016 مع لي سيدول (Lee Sedol) أحد أفضل لاعبي "غو" على مستوى العالم شكّلت نوعا من الصدمة للجميع، حتى عند سيدول نفسه الذي خرج من الغرفة بعدما قامت البرمجية بحركة أربكت الجميع، بما فيهم المُعلّقين على ذلك النزال(5).

  

 

بينما كان اللعب مُحتدما في جزء مُحدّد من تلك اللعبة جاء دور برمجية "ألفا غو" التي طلبت من اللاعب المُرافق لها تحريك الحجر ووضعه في منطقة على اليمين عوضا عن اليسار، حيث يجري اللعب، وتلك منطقة فارغة، في خطوة بدت للجميع بداية وكأنها خطأ برمجي، لكن بعدها بثوان قليلة أيقن الجميع أنها لم تكن كذلك أبدا. بطل أوروبا الذي خسر خمس مباريات كان حاضرا وشكّ في صحّة تلك الخطوة، لكنه بعد العودة إلى الخطوات السابقة التي قامت بها البرمجية وجد أن كل شيء كان مدروسا منذ البداية ولا شيء عشوائي أبدا، معتمدا على ما شاهده داخل مُختبرات "غوغل" التي طلبت منه الانضمام إلى فريق العمل لاستشارته في بعض الأمور المُتعلّقة بتلك اللعبة.

 

قد يكون تفوّق برمجيات "آلفا غو" على الإنسان مثال بسيط على قدرة الآلة وقيامها بمئات العمليات الحسابية والاحتمالات خلال أجزاء من الثانية فقط، لكنه يُمثّل أيضا قدرة الآلة على التفوّق على الإنسان الذي قام ببرمجتها بالأساس، خصوصا عندما تُترك دون قيود وتعمل بمبدأ التجربة والفشل والمُكافآت أيضا.

 

وبعد تلك التجربة الناجحة للذكاء الاصطناعي على حساب الإنسان خرجت غوغل من جديد، وهذه المرّة من مُختبرات الأبحاث المُتعلّقة باللغة والترجمة، والتي قالت إن الآلة قادرة على إنشاء لغتها الخاصّة التي تفهمها لوحدها وذلك للوصول إلى غايتها، إذ تبدو لغة الإنسان غير كافية أو غير مُجدية إن صحّ التعبير(6).

 

قامت غوغل بالاعتماد على الخلايا العصبونية العميقة في عمليات الترجمة عوضا عن نموذج ترجمة العبارات الذي من خلاله تكون الخوارزميات قادرة على فهم المعنى المطلوب من الجملة دون الحاجة لمعرفة معنى جميع الكلمات من جهة، مع أخذ تركيب اللغة من جهة أُخرى، وهو ما سمح بدوره في نقل ترجمة غوغل إلى مستوى آخر رصده جميع المُستخدمين، لأن الترجمة لم تعد حرفية أو بالكلمة.

 

المُختصّون في مُختبرات غوغل قاموا بتطوير نظام للترجمة بين اللغات بحيث تقوم الآلة بالترجمة من اليابانية إلى الإنكليزية والعكس، ومن الصينية إلى الإنكليزية والعكس، أي أن الطريق المتوقّع للآلة عند الترجمة من الصينية إلى اليابانية يجب أن يمر باللغة الإنكليزية. وبعد مراقبة تلك الخوارزميات وُجد أن هناك طريق آخر تسلكه، وهو الترجمة المُباشرة من الصينية إلى اليابانية أو العكس دون المرور بالإنكليزية، وذلك من خلال إنشاء لغة وسيطة خاصّة بها.

  

قامت الخوارزميات بإنشاء قاعدة معرفة خاصّة بها تحتوي على العبارة باللغة الإنكليزية والصينية واليابانية، أي أنها قامت بتجميع كل عبارة في حزم مؤلفّة من ثلاث عبارات، كما قامت كذلك بإنشاء مجموعة تحتوي على جميع المعاني المُحتملة للكلمة أو العبارة، أي أنها ربطت بين الجمل ومعانيها عن طريق دلالات وليس عن طريق المعنى الحرفي، وهذا يعني فهمها للغة وللكلمات فيها بشكل واسع. وبناء على ذلك، أكّد باحثو غوغل أن الآلة قادرة على إنشاء لغتها الخاصّة، أو أي وسيلة أُخرى تضمن وصولها إلى غايتها بأسرع وأبسط الطرق المُمكنة.

 

فيسبوك
بعد الاطّلاع على تجارب غوغل و"أوبن إيه آي" في مجال ذكاء الآلة يُمكن اعتبار أن ما وصلت إليه برمجيات فيسبوك ليس بالأمر المُفاجئ أو الذي سيُغيّر مجرى التاريخ ونظرة الجميع للذكاء الاصطناعي، فالأمر طبيعي جدا ومنطقي ضمن البيئة والشروط المُحدّدة من قبل مُهندسي الشركة.

 

يرى باحثو فيسبوك أن البرمجيات الذكية يجب أن تكون قادرة على التفاوض بذكاء تماما مثل الإنسان، ولهذا السبب قامت بإنشاء نظام جديد، أو لعبة -إن صحّ التعبير- مؤلّفة من لاعبين اثنين مهمّتها تقاسم بعض الأشياء مثل كرة وكتاب وقُبّعة(7). ومن أجل ذلك قام الباحثون أولا بتقديم مفاوضات سابقة قام الإنسان بها للحصول على الأشياء، وذلك لتتعلّم الآلة أفضل الأساليب لتبدو طبيعية، إضافة إلى استخدام مبدأ التجربة والتعلّم، الخطأ والتكرار، للوصول إلى أفضل النتائج.

 

في البداية كان الأمر طبيعيا، فالبرمجيات كانت تبدأ الحوار وتبدأ النقاشات حول رغبة أحدها في الحصول على الكتاب مثلا، ليقوم الطرف الثاني بالحصول على الطاولة، وتتكرّر العملية حتى يحصل كل طرف على مُبتغاه. لكن مع مرور الوقت رُصد وجود لغة جديدة غير الإنكليزية للتفاوض، وهي لغة في الظاهر إنكليزية، لكنها مؤلّفة من تكرار لبعض الكلمات مثل "أعطني الكرة لي لي لي لي..." أو "أنت أنا أنا أنا أنا أي شيء آخر"، وما هذه سوى نماذج طوّرتها الآلة وقادرة على فهمها لوحدها فقط.

 

إنفوجراف

وبعد تحليل ما جرى وصل الباحثون إلى نتيجتين، الأولى هي أن البرمجيات الذكيّة قادرة على تطوير أسلوبها الخاص للوصول إلى مبتغاها بسرعة، وأن تلك البرمجيات أيضا مُراوغة، ففي كثير من الحوارات عبّر أحد الأطراف عن عدم اهتمامه بالكُرة مثلا، ورغم رغبته في الحصول عليها فإنه بهذا الأسلوب قلّل من أهمّيتها بالنسبة للطرف الثاني الذي انتقل بدوره لاختيار شيء آخر(8).

 

أما بخصوص إيقاف تلك البرمجيات عن العمل فهذا قد حدث بالفعل، ليس خوفا منها، بل لأنها خرجت عن النص، فالهدف الأساسي من تلك اللعبة كان تعليم البرمجيات الذكية آلية التفاوض لتكون جاهزة لإجراء حوارات كاملة مع الإنسان، لكن بسبب ما حصل يقوم الباحثون بتعديل شروط العمل لضبط اللغة ومنعها من استخدام عبارات غير مفهومة لتبقى ذات فائدة عندما يتم استخدامها مع الإنسان.

 

يبدو أن أستوديوهات الإنتاج في هوليود قادرة على استشراف المُستقبل قبل حدوثه بسنوات طويلة، فهي توقّعت ظهور المساعدات المنزلية التي يُمكن التحدّث معها صوتيا فقط، وتوقّعت أيضا الساعات الذكية ونظّارات الواقع المُعزّز، ولا يجب أن ننسى توقّعاتها بانهيار البشرية على يد الرجال الآليين بعد تطوير لغتهم الخاصّة ليستقلّوا عن الإنسان ويبدأوا العبث في الكرة الأرضية، وهذا يُفسّر حالة الهلع التي أصابت الكثير من المواقع العالمية بعد أنباء إيقاف برمجيات فيسبوك(9).

 

من يدري، قد تكون نظرة هوليود أو قراءتها لما بين السطور صحيحة، خصوصا مع مخاوف كبار الأسماء على غرار ستيفن هوكينغ (Stephen Hawking)، أو بيل غيتس (Bill Gates)، أو حتى إيلون ماسك (Elon Musk) الذي دائما ما يُعبّر عن قلقه من الذكاء الاصطناعي وعن ضرورة تطويره ضمن حدود منطقية عقلانية(10).

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك