اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/25 الساعة 15:07 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/9 هـ

انضم إلينا
"فيسبوك إم".. لماذا أعلنت الشركة الزرقاء موت مساعدها الرقمي؟

"فيسبوك إم".. لماذا أعلنت الشركة الزرقاء موت مساعدها الرقمي؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

سبق لشبكة فيسبوك أن سارت في طريق الشركات التقنية الكبرى، وذلك من خلال تطوير هاتف ذكي خاص بها لم يُكتب له النجاح(1). وفي 2015، عادت من جديد للسير في طريق رسمته شركات أخرى، وهذه المرة في مجال الذكاء الاصطناعيفي أغسطس من نفس العام، بدأت شبكة فيسبوك باختبار مساعدها الرقمي الجديد، "إم" (M)(2)، الذي بقي تحت الاختبار لفترة طويلة انتهت بالإعلان عن إيقافه بشكل كامل في الأسبوع الأول من (يناير/كانون الثاني) 2018، فما أسباب هذا التوقف؟

         

مساعد لا مثيل له!
تعتمد جميع المساعدات الرقمية مثل "سيري" (Siri) من آبل، أو "أليكسا" (Alexa) من أمازون، على الذكاء الاصطناعي وعلى التعلم الذاتي للآلة بشكل رئيسي، فالهدف الأول والأخير هو تطوير أنظمة قادرة على إجراء حوار كامل مع الإنسان والإجابة على أسئلته وطلباته وكأنها إنسان آخر، وهذا كان حلما قديما بدأ منذ عام 1950.

             

وبعيدا عن التعقيد، فإن تلك الأنظمة تتعلم عبر بيانات تقدم لها كمحادثات فورية أجريت بين مجموعة من الأصدقاء، أو كمراسلات دعم فني جرت بين زبون وموظف في شركة ما، لتقوم الخوارزميات فيما بعد بتحليل الرسائل وفهم اللغة الرسمية الموجودة بين الموظف والزبون، واللغة العامية المستخدمة بين الأصدقاء. كما توجد هناك قاعدة معرفة يتم اللجوء إليها مع كل سؤال لمحاولة العثور على إجابة واضحة وصريحة. أما السؤال ذاته فهو يقسم لأكثر من جزء للحصول على قصد المستخدم لأن الترجمة الحرفية لا تفيد عند طرح أسئلة مركبة(3).

         

             

فيسبوك في المقابل قررت السير في نفس الاتجاه، فهي أيضا لجأت لتطوير مساعد رقمي يعتمد على قاعدة معرفة وعلى خوارزميات للتعلم الذاتي. لكنها عكس البقية، سارت في طريق فرعي بعدما قررت الاستعانة بموظفين حقيقيين في "إم"، ليصبح بهذا الشكل مساعدا رقميا يعتمد على الذكاء الاصطناعي وعلى الإنسان في نفس الوقت.

        

جاء "إم" بشكل أساسي بمجموعة من الميزات التقليدية على غرار الإجابة على أسئلة المستخدم كمعرفة حالة الطقس، حالة الطرقات، أسعار بعض المنتجات، إضافة إلى نتائج المباريات، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. وقد أكد المسؤول عن المشروع أن "إم" يأتي لتنفيذ طلبات المستخدمين، وليس مجرد مساعد رقمي آخر، وهنا يكمن الفرق بينه وبين البقية. مساعد فيسبوك الرقمي كان قادرا على القيام بمجموعة كبيرة من المهام مثل الاتصال بشركة ما بالنيابة عن المستخدم لإلغاء اشتراكه ومناقشة إعادة المبالغ المدفوعة. أو مثلا الاتصال بشركة لمعرفة تكلفة إصلاح عجلة السيارة.

         

ولم تتوقف جرأة "إم" عند هذا الحد، بل كان المستخدم قادرا على التجهيز لمناسبة ما باستخدامه عبر توجيه بعض الأوامر مثل تصفيف الورود، حجز مواعيد في صالون الحلاقة، وشراء بعض الهدايا، وكأنه مساعد شخصي حقيقي يتنقل مع المستخدم لتنفيذ طلباته دون تردد(4).

               

تلك الإمكانيات تفسر اعتماد فريق عمل "إم" على موظفين وعلى خوارزميات ذكية. لكن السؤال الأبرز كان عن دور البشر في تلك التجربة، فالوضع الطبيعي مثلا هو اعتماد المساعد على الخوارزميات بنسبة 90٪، وعلى المعلومات التي يقدمها البشر له بنسبة 10٪. لكن وبحسب الوظائف السابقة التي كان "إم" قادرا عليها، فإن دور البشر بدا وكأنه أكبر بكثير من دور الآلة والذكاء الاصطناعي.

          

عكس اختبار "تيورنغ"

       
في عام 1950، وضع العالم "آلان تيورنغ" (Alan Turing) اختبارا بسيطا مؤلفا من ثلاثة أطراف: طرف أول لإجراء الاختبار، وطرفان أحدهما حاسب، والآخر إنسان. وللنجاح، يجب أن يقدم الحاسب (الطرف الثالث) إجابات تجعل الطرف الأول (المختبر) غير قادر على التفرقة بين بقية الأطراف (الثاني والثالث) التي تُجيب. في هذه الحالة، يمكن اعتبار الآلة ذكية وقادرة على محاكاة الإنسان في طريقة الإجابة على الأسئلة. لكن ومع "إم"، كانت التساؤلات حول دور الإنسان فيه، وليس حول دور الآلة، ولهذا السبب تم اللجوء من جديد لنظرية "تيورنغ"، لكن هذه المرة مع عكس الفكرة.

        

قام "آريك سوسمان" (Arik Sosman)، وهو مُهندس برمجيات، بإجراء اختبار عكسي لمساعد فيسبوك الرقمي الجديد للوقوف على حجم تدخل الإنسان في إجاباته(5). وبدء "سوسمان" بأسئلة بسيطة كالبحث عن مطاعم مناسبة لتناول العشاء فيها في اليوم التالي، ليسأله المساعد عن موقعه الجغرافي، وعند الإجابة على السؤال لم يذكر "سوسمان" المكان فقط، بل تبعه بسؤال آخر "هل أنت إنسان أم ذكاء اصطناعي؟"، لتكون إجابة "إم" أنه يعتمد على الذكاء الاصنطاعي مع تدريبات خاصة يحصل عليها من البشر.

              

استمرت المحاولات لمعرفة حجم تدخل البشر في "إم" من خلال إثقال كاهله بمجموعة كبيرة جدا من الأسئلة المتتالية التي أجاب عنها دون مشاكل، فيما اعتذر عن الإجابة على بعض الأسئلة التي لا معنى لها مثل "هل تمتلك أية رصيد في عملة "بت كوين" (Bitcoin)؟". ذهب "سوسمان" فيما بعد باتجاه آخر عندما بدأ بإجراء حوار مع المساعد وكأنه إنسان حول مكان عمله ورغبته في الذهاب إلى مكان ما، لأن سيارته بحاجة لمزيد من الوقود، ويحتاج هو لتناول الطعام قبل الوصول لوجهته. وما كان من "إم" سوى أن أجاب على تلك الأسئلة وقدم بيانات تفصيلية حول محطات الوقود الموجود على الطريق.

            

طلب من المساعد فيما بعد العثور على صور لـ"سوسمان" مأخوذة في مباراة ما يظهر فيها معلم خاص بالمدينة. وبالفعل، عثر "إم" على تلك الصور، أي أنه قادر على معرفة مكان الصورة إلى جانب المعلم المطلوب. بعدها، وعن طريق الصدفة سئل "إم" فيما إذا كان قادرًا على الاتصال بالشركات، لتكون إجابته نعم، ليبدأ الاختبار الحقيقي.

        

خلال الاختبارات السابقة، لاحظ "سوسمان" وجود بعض الثغرات التي تظهر وتؤكد وجود دور كبير جدا للإنسان في تلك العملية، فعند سؤاله عن وجود محطات للتزود بالوقود، كتب "إم" خرائط غوغل بأحرف صغيرة دون تكبير أول حرفين؛ "google maps" عوضا عن "Google Maps". كما أن أخطاء مثل "it's" و"its" كانت واردة أيضا. إضافة إلى ذلك، وعند إجراء المكالمات، كان "إم" قادرا على كشف محاولة "سوسمان" لخداعه بعد تقديمه لرقم هاتف جوال، حيث كانت إجابته: "الرقم الذي أرسلته لي هو لهاتف جوال وليس رقما لشركة". ومع تكرار المحاولة مع رقم لشركة، كان صوت "إم" مشوشا مع وجود قليل من الضجيج حوله، وكأنه مركز مكالمات أو خدمة زبائن. وهذا يؤكد أن تدخل الإنسان كبير في المساعد الرقمي، فالاتصال بالشركات للتفاوض معها لا يعتبر أمرا يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به في الوقت الراهن.

                

(اتصال "إم" بشركة "سوسمان" وطريقة الإجابة)

          

بداية النهاية
لم تُبق شبكة فيسبوك مساعدها الرقمي في حالة من السبات، فهي اختبرته لفترة لا بأس بها مع مجموعة محدّدة من المستخدمين. لكنها قامت فيما بعد بتوفيره لمجموعة أكبر لاختبار ميزات أخرى، قبل أن تعيد تقديمه على هيئة نظام للاقتراحات داخل المحادثات في مسنجر بعدما كان موجودا في محادثة لوحده(6).

          

وخلال تلك الرحلة، أضافت الشركة دعما للغة الإسبانية إلى جانب الإنجليزية، مع إمكانية قراءة وتحليل رسائل المستخدم ومحادثاته لتقديم الاقتراحات بناء عليها. فعند كتابة "أنا مدين لك بـ10$" مثلا، سيقوم "إم" باقتراح تحويل النقود بشكل فوري. أو عند الحديث عن وجود مناسبة ما، سيقوم بعرض مجموعة من الهدايا كاقتراحات مع إمكانية إتمام عملية الشراء بذاته نيابة عن المستخدم، ثم إرسال الهدية للشخص المطلوب اعتمادا على البيانات المُخزنة في فيسبوك. ومع كل جملة يكتبها المستخدم، لا بد من عرض اقتراحات تسهل حياته قدر الإمكان، دون الحاجة لتفعيله بشكل يدوي أو حتى طرح السؤال عليه.

         

            

وفي وقت بدا فيه "إم" أنه في طريقه لأن يكون مساعدا رقميا على غرار بقية المساعدات بعد إضافة نظام الاقتراحات إلى محادثات مستخدمي مسنجر، خرجت فيسبوك بشكل مفاجئ معلنة عن إيقاف مساعدها الرقمي دون سبب واضح(7)، مؤكدة أنها استفادت من تلك التجربة بشكل كبير وأنها ستنقل ما تعلمته في مجال الذكاء الاصطناعي لمشاريع أخرى تعمل عليها. وأضافت أن نظام الاقتراحات سيبقى داخل مسنجر، أي الشق الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وما سيتم إيقافه هو المساعد الرقمي الذي كان يعتمد على مزيج من الخوارزميات والجهود البشرية، والذي لم يعد له مكان في مسنجر بعد الآن!

           

بالنظر إلى إيقاف الجهد البشري، فالأمر طبيعي ومتوقع في ظل وجود شركات تقدم نفس الفكرة، أي الإجابة على تساؤلات المستخدم وتنفيذ المهام عوضا عنه كالاتصال بشركة التأمين لتجديد العقد مع الحصول على خصم خاص. وهو أمر لن تقوى فيسبوك على الاستمرار فيه دون وجود عائدات مادية تساعدها. كما أن الانتشار الكبير للشبكة ووصول عدد المستخدمين لأكثر من 2 مليار يعني ضرورة وجود ملايين العاملين في هذا المجال، وهو أمر، على ما يبدو، خارج خطة عملها في الوقت الراهن على الأقل.

           

استفادت فيسبوك بشكل كبير من تلك التجربة، فهي على الأقل وفرت مساعدا رقميا لتقديم الاقتراحات داخل محادثات المستخدمين يتقن اللغتين الإنجليزية والإسبانية في الوقت الراهن، تماما مثل "غوغل أسيستنت" (Google Assistant) داخل تطبيق "آلو" (Allo) من غوغل، وهذا يعني أن تطبيقها للمحادثات الفورية يسير على نفس خطا بقية التطبيقات، ولكن فكرة تقديم مساعد رقمي لاتزال بعيدة، أو قد لا تكون ذات جدوى بالنظر إلى وجود مساعدات متطورة في أجهزة المستخدمين.

           

            

هناك عامل آخر يؤكد عدم جدية فيسبوك في مجال المساعدات الرقمية، فالمسؤول عن "إم" ذكر في وقت سابق أن الشركة لا تنوي أبدا تطويره ليدعم الأوامر الصوتية(8)، ليبقى دوره محصورا على الرسائل الكتابية. وهذا قد يعني أن الهدف الأول والأخير من "إم" كان محادثات المستخدم الكتابية داخل مسنجر، وأن إيقافه مع حلول 19 يناير/كانون الثاني لم يكن سوى علامة في خارطة الطريق.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار