هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
بطل العالم يخسر أمام حاسوب.. كيف أشعلت مباراة شطرنج واحدة ثورة البيانات الضخمة؟

بطل العالم يخسر أمام حاسوب.. كيف أشعلت مباراة شطرنج واحدة ثورة البيانات الضخمة؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض

في الخطوة السابعة من اللعبة الحاسمة، ارتكب الأسود ما يعتبره البعض الآن خطأ فادحا. عندما خلط الأسود التحركات لبدء لعب دفاع كارو كان[1]، استغل الأبيض الموقف وخلق هجوما جديدا من خلال التضحية بفارس. بعد 11 حركة أخرى فقط، كان الأبيض قد بنى مركزا من القوة بحيث لم يتح للأسود خيار سوى الاعتراف بالهزيمة. صاح الخاسر مستهجنا بشدة في واحد من أشد اتهامات الغش على الإطلاق في أي بطولة سبقت، والذي أشعل نظرية مؤامرة دولية لا تزال موضع شك بعد عشرين عاما.

  

لم تكن هذه لعبة شطرنج عادية، فليس غريبا أن يتهم لاعب مهزوم خصمَه بالغش، إلا أن في هذه الحالة كان الخاسر هو بطل العالم في الشطرنج آنذاك، غاري كاسباروف. وكان الفائز أكثر غرابة، فهو الحاسوب الخارق الذي صنعه فريق "IBM"، واسمه "ديب بلو". بهزيمته كاسباروف في 11 مايو/أيار 1997، دخل "ديب بلو" التاريخ بوصفه أول حاسوب يهزم بطلا عالميا في مباراة من ست جولات تحت ضوابط وقت قياسية. كان كاسباروف قد فاز بالجولة الأولى، وخسر الثانية، ثم تعادل في ثلاث الجولات التالية، وعندما انتصر "ديب بلو" في المباراة بالفوز بالجولة النهائية، رفض كاسباروف التصديق.

 

في أصداء الخدعة الشهيرة للاعب الشطرنج الآلي[2] الذي اشتهر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قال كاسباروف إن الحاسوب لا بد وأن يكون قد تم التحكم به بالفعل من لاعب محترف آدمي. فقد اعتقد هو ومؤيدوه أن طريقة لعب "ديب بلو" كانت أشبه بطريقة البشر منها لطرق الآلة. في هذه الأثناء، بدا للعديد ممن اقتنعوا بأداء الحاسوب أن الذكاء الاصطناعي قد بلغ مرحلة يمكن أن تفوق فيها البشرية، على الأقل في لعبة طالما اعتُبرت أكثر تعقيدا من قدرة الآلة.

  

البطل العالمي غاري كاسباروف ينافس الحاسوب "ديب بلو" (رويترز)

    

إلا أن فوز "ديب بلو" رجع في الواقع تحديدا لالتزامه المتزمت وغير الإنساني بالمنطق البارد والصلب في وجه تصرفات كاسباروف العاطفية. لم يكن هذا ذكاء اصطناعيا (أو حقيقيا) أظهر أسلوبنا الإبداعي في التفكير والتعلم، بل محض تطبيق لقواعد بسيطة على نطاق واسع.

 

لكن ما حققته المباراة كان إشارة إلى بداية تحول مجتمعي يكتسب سرعة وتأثيرا متزايدا اليوم. حيث نجد نوع معالجة البيانات الذي اعتمد عليه "ديب بلو" الآن في كل جانب من جوانب حياتنا تقريبا، بداية بالأنظمة المالية التي تُهيمن على الاقتصاد وصولا إلى تطبيقات المواعدة عبر الإنترنت التي تحاول أن تجد لنا الشريك المثالي، ما يعني أن ما بدأ كمشروع طلابي، ساعد على بدء عصر البيانات الضخمة.

 

خطأ بشري

تأسست مزاعم كاسباروف على خطوة قام بها الحاسوب في الجولة الثانية للمباراة، وهي الجولة الأولى التي فاز فيها "ديب بلو". كان كاسباروف قد لعب لتشجيع خصمه على أخذ بيدق "مسموم"، وهو قربان وضعه لإغراء الآلة لاتخاذ خطوة مصيرية، وكان ذلك تكتيكا استخدمه كاسباروف ضد خصومه البشر في الماضي.

 

ما أدهش كاسباروف كانت حركة "ديب بلو" اللاحقة، التي وصفها بأنها "تشبه البشر"، ووصفها جون نان، أفضل لاعب شطرنج إنجليزي، بأنها "مذهلة" و"استثنائية". أشعلت هذه الخطوة غضب كاسباروف وألغت إستراتيجيته بأكملها، وشعر بالقلق والتوتر الشديدين حتى إنه غادر في النهاية، وخسر اللعبة. والأسوأ من ذلك، أنه لم يتعاف أبدا من الصدمة، حيث تعادل في الجولات الثلاث التالية ومن ثم ارتكب الخطأ الذي أدى إلى هزيمته في الجولة النهائية.

  

واستندت هذه الخطوة إلى الميزة الإستراتيجية التي يمكن للاعب أن يكتسبها من إنشاء "عمود مفتوح"، وهو عمود من المربعات على الرقعة (كما في الصورة) لا يحتوي على أي قطع شطرنج. وهذا العمود يمكن أن يخلق طريقا مهاجما -عادة ما يكون للمدفع[3] أو الوزير- خاليا من البيادق التي تعيق في الطريق. وأثناء التدريب مع لاعب الشطرنج المحترف جويل بنيامين، تعلّم الفريق المصمم لـ "ديب بلو" أن هناك خيارا أكثر إستراتيجية في بعض الأحيان من فتح عمود ثم نقل مدفع إليه، وهذا التكتيك هو تكديس القطع على العمود ثم اختيار وقت فتحه.

   

  

عندما تعلم المبرمجون ذلك، أعادوا كتابة شفرة "ديب بلو" لدمج التحركات. وأثناء اللعبة، استغل الحاسوب وجود عمود مفتوح محتمل للضغط على كاسباروف وإجباره على الدفاع في كل خطوة، وقضت تلك الميزة النفسية في النهاية على كاسباروف.

 

منذ اللحظة التي خسر فيها كاسباروف، بدأت التكهنات ونظريات المؤامرة. وادّعت المؤامرات أن فريق "IBM" قد استخدم تدخلا بشريا أثناء المباراة. ونفى الفريق ذلك، قائلا إنه تمشيا مع القواعد، كان التدخل البشري الوحيد بين الألعاب لضبط مواطن الخلل التي رُصدت أثناء اللعب. كما رفض الادعاء القائل إن البرمجة قد كُيّفت مع أسلوب كاسباروف في اللعب، وأكّدوا أنهم اعتمدوا على قدرة الحاسوب على البحث في أعداد هائلة من التحركات المحتملة.

 

رفض فريق "IBM" طلب كاسباروف بإعادة المباراة، ولم يكفِ التفكيك اللاحق لـ "ديب بلو" لتهدئة الشكوك. كما أرجأ الفريق إصدار السجلات التفصيلية للحاسوب، وفقا لطلب كاسباروف، حتى بعد إيقاف التشغيل. غير أن التحليل التفصيلي اللاحق للسجلات أضاف أبعادا جديدة إلى القصة، بما في ذلك فهم أن الحاسوب ارتكب العديد من الأخطاء الفادحة.

  

منذ ذلك الحين ظهرت تكهّنات بأن "ديب بلو" انتصر فقط نتيجة خطأ في الشفرة خلال الجولة الأولى. حيث قال أحد مصممي "ديب بلو" إنه عندما منع خلل ما الحاسوب من اختيار أحد التحركات التي قام بتحليلها، فإنه بدلا منها قام بحركات عشوائية أساء كاسباروف تفسيرها وظن أنها إستراتيجية أعمق.

 

فاز الحاسوب بالجولة وأُصلح الخلل للجولة الثانية، لكن من المفترض أن بطل العالم قد توتر بسبب ما ظن أنه ذكاء متفوق للآلة، فلم يتمكّن من استعادة رباطة جأشه، ولعب بحذر بالغ فيما تلا من خطوات، حتى إنه فوّت فرصة العودة من تكتيك العمود المفتوح عندما ارتكب "ديب بلو" "خطأ فادحا".

    

   

أيًّا كانت الرواية الصحيحة عن رد فعل كاسباروف على المباراة، فإنها تشير إلى حقيقة أن هزيمته عادت جزئيا على الأقل إلى ضعف الطبيعة البشرية. حيث بالغ في التفكير في تحركات الآلة وأصبح قلقا وشكّك في قدراته، فارتكب الأخطاء التي أدّت في النهاية إلى هزيمته. لم يكن "ديب بلو" يملك ما يشبه تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تساعد أجهزة الحاسوب اليوم على الفوز في ألعاب أكثر تعقيدا، مثل "Go"[4].

 

لكن حتى لو كان كاسباروف قد توتر أكثر من اللازم، فإن ذلك لا يُنكر الإنجازات المذهلة للفريق الذي صمّم "ديب بلو". فقد بُنيت قدرته على هزيمة أفضل لاعب شطرنج في العالم على بعض قوة الحوسبة التي لا تُصدّق، التي أطلقت برنامج الحاسوب الخارق لـ "IBM" ما مهّد الطريق لبعض أحدث التقنيات المتاحة في العالم اليوم. وما يجعل أعمالهم أكثر مدعاة للإعجاب هو حقيقة أن المشروع لم يبدأ كمشروع لواحدة من أكبر الشركات المُصنّعة لأجهزة الحاسوب ولكن كرسالة بحثية لطلاب في الثمانينيات.

 

سباق الشطرنج

عندما وصل فنغ-هسيونغ هسو إلى الولايات المتحدة من تايوان في عام 1982، لم يكن يتخيل أنه سيصبح جزءا من منافسة شديدة بين فريقين أنفقا ما يقرب من عقد من الزمن يتنافسان لبناء أفضل حاسوب شطرنج في العالم. وكان هسو قد جاء إلى جامعة كارنيجي ميلون في ولاية بنسلفانيا لدراسة تصميم الدوائر المتكاملة التي تُشكّل الرقائق الدقيقة "المايكروتشيبس"، لكنه أبدى اهتماما كبيرا بشطرنج الحواسيب، وجذب انتباه مطوري "هاي تيك"، وهو الحاسوب الذي سيصبح في عام 1988 أول حاسوب يفوز على لاعب شطرنج محترف، وطلبوا منه المساعدة في تصميم الأجهزة.

 

لكن سرعان ما خرج هسو من فريق "هاي تيك" بعد اكتشاف ما اعتبره عيبا هيكليا في تصميمهم المقترح. وبالتعاون مع العديد من طلاب الدكتوراه الآخرين، بدأ بناء جهاز الحاسوب الخاص به المعروف باسم "تشب تيست" (ChipTest)، مستفيدا من هندسة "بيل" حاسوب الشطرنج لمختبر بيل. استخدمت تقنية "تشب تيست" ما يُعرف بـ "الدمج واسع النطاق" للجمع بين آلاف الترانزستورات على شريحة واحدة، مما يسمح للكمبيوتر بالبحث خلال ٥٠٠ ألف حركة شطرنج في كل ثانية.

   

فنغ-هسيونغ هسو (مواقع التواصل)

   

على الرغم من أن فريق "هاي تيك" كان له بداية قوية، فإن هسو وزملاءه كانوا سيتفوقون عليهم قريبا بخلف "تشب تيست" وهو "ديب ثوت" -سُمّي على اسم الحاسوب الباحث عن معنى الحياة والذي ظهر في "The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy"[5] لدوغلاس آدمز- الذي جمع بين اثنين من المعالجات التي صممها هسو وتمكن من تحليل ٧٢٠ ألف خطوة في الثانية، فمكّنه ذلك من الفوز ببطولة العالم للشطرنج عام 1989 دون أن يخسر مباراة واحدة.

 

لكن "ديب ثوت" تعثّر في وقت لاحق من ذلك العام عندما صعد (وخسر) أمام بطل العالم في الشطرنج، غاري كاسباروف. وللتغلب على أفضل لاعب في تاريخ البشرية، احتاج هسو وفريقه إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير، وحينها كان لديهم دعم الحاسوب الخارق الذي صنعه فريق "IBM".

 

تعمل أجهزة الشطرنج من خلال إرفاق قيمة عددية بموضع كل قطعة على الرقعة باستخدام صيغة تُعرف باسم "وظيفة التقييم". ويمكن بعد ذلك معالجة هذه القيم والبحث فيها لتحديد أفضل طريقة للقيام بها. استخدمت أجهزة الشطرنج المبكرة، مثل "بيل" و"هاي تيك"، شرائح مخصصة متعددة لتشغيل وظائف التقييم ثم جمع النتائج معا.

 

كانت المشكلة أن الاتصال بين الشرائح كان بطيئا واستهلك الكثير من قوة المعالجة. وما فعله هسو مع حاسوب "تشب تيست" هو إعادة تصميم وحزم المعالجات في شريحة واحدة، وهو ما أزال عددا من أعباء المعالجة مثل الاتصال خارج الشريحة، ومكّن زيادات كبيرة محتملة في السرعة الحسابية. ففي حين أن "ديب ثوت" كان يمكنه معالجة ٧٢٠ ألف حركة في الثانية، استخدم "ديب بلو" أعدادا كبيرة من المعالجات التي تدير مجموعة الحسابات نفسها في وقت واحد لتحليل ١٠٠ ألف حركة في الثانية.

   

   

كان من المهم زيادة عدد الحركات التي يمكن للحاسوب معالجتها، لأن أجهزة الشطرنج التقليدية استخدمت ما يُعرف بتقنيات "القوة الغاشمة"، في حين يتعلم اللاعبون البشر من التجارب السابقة استبعاد حركات معينة على الفور، لم يكن لدى آلات الشطرنج حينها هذه القدرة، فاعتمدت على قدرتها على النظر إلى الأمام في كل الإمكانات الناتجة عن كل حركة ممكنة. واستخدمت القوة الغاشمة في تحليل أعداد كبيرة جدا من الحركات بدلا من التركيز على أنواع معينة من الحركات التي كانوا يعلمون أنها كانت ستنجح على الأرجح. ومنحت زيادة عدد التحركات التي يمكن النظر إليها في الثانية الحاسوب الوقت للنظر إلى المستقبل بشكل أكبر حيث تغير الحركات المختلفة مجرى اللعبة.

 

بحلول فبراير/شباط 1996، كان فريق "IBM" جاهزا لمواجهة كاسباروف مرة أخرى، وهذه المرة مع "ديب بلو". على الرغم من أنه أصبح أول آلة تتغلب على بطل العالم في مباراة تحت ضوابط الوقت القياسية، فإن "ديب بلو" خسر المباراة الإجمالية 4-2. إن تحركاته البالغة ١٠٠ مليون حركة في الثانية لم تكن كافية للتغلب على القدرة الإستراتيجية البشرية.

 

لزيادة عدد التحركات، بدأ الفريق في ترقية الماكينة من خلال استكشاف كيفية تحسين عدد كبير من المعالجات التي تعمل بشكل متوازٍ بنجاح كبير. وكانت الآلة النهائية عبارة عن جهاز حاسوب فائق سعته 30 معالجا، والأهم من ذلك أنه يتحكم في 480 دائرة مدمجة مخصصة لتلعب الشطرنج. كان هذا التصميم المخصص هو ما مكَّن الفريق من تحسين قدرة الحوسبة المتوازية إلى حد كبير عبر الرقائق. وكانت النتيجة إصدارا جديدا من "ديب بلو" (يُشار إليه أحيانا بـ Deeper Blue) قادرا على البحث بنحو ٢٠٠ مليون حركة في الثانية. وهذا يعني أنه يمكن أن يستكشف كيف أن كل إستراتيجية محتملة قد تؤدي إلى 40 تحركا أو أكثر في المستقبل.

 

ثورة موازية

في الوقت الذي جرت فيه مباراة العودة في مدينة نيويورك في مايو/أيار 1997، كان الفضول العام ضخما، وتجمع المراسلون وكاميرات التلفزيون حول الرقعة ووحّدوا غنيمتهم في قصة خبرية عندما اشتعل كاسباروف غضبا بعد هزيمته، وندد بالغش في مؤتمر صحفي بعد ذلك. لكن الدعاية حول المباراة ساعدت أيضا على تكوين فهم أكبر لمدى تطور أجهزة الحاسوب. فما لم يكن لدى معظم الناس فكرة عنه حينها هو كيف أن التكنولوجيا وراء "ديب بلو" ستساعد في نشر تأثير أجهزة الحاسوب على كل جانب من جوانب المجتمع تقريبا من خلال تغيير طريقة استخدامنا للبيانات.

   

      

تُستخدم النماذج الحاسوبية المعقدة الآن لدعم النظم المالية للبنوك، وتصميم سيارات وطائرات أفضل، واختبار الأدوية الجديدة. وتشارك الأنظمة التي تقوم بتعدين قواعد بيانات كبيرة (والتي تُعرف في كثير من الأحيان باسم "البيانات الضخمة") للبحث عن أنماط مهمة في تخطيط الخدمات العامة مثل النقل أو الرعاية الصحية، وتمكين الشركات من استهداف الإعلانات لمجموعات محددة من الأشخاص.

 

تتطلب هذه المشاكل المعقدة للغاية معالجة سريعة لمجموعات البيانات الكبيرة والمعقدة. وأعطى "ديب بلو" للعلماء والمهندسين معلومات مهمة عن أنظمة الشرائح المتعددة المتوازية التي جعلت هذا أمرا ممكنا. وعلى وجه الخصوص، أظهروا قدرات نظام حاسوب عام الغرض يسيطر على عدد كبير من الرقائق المخصصة المصممة لتطبيق معين.

 

فمثلا، يتضمن علم الديناميات الجزيئية دراسة الحركات الفيزيائية للجزيئات والذرات، ومكّنت تصاميم الشرائح المخصصة الحواسيب من تصميم ديناميكيات جزيئية تنظر إلى المستقبل لمعرفة كيف يمكن أن تتفاعل الأدوية الجديدة في الجسم. وتماما مثل النظر إلى الأمام في تحركات شطرنج مختلفة، ساعدت عمليات المحاكاة الديناميكية الجزيئية على تسريع تطوير الأدوية الناجحة، مثل بعض الأدوية المستخدمة لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية.

 
وبالنسبة إلى التطبيقات واسعة النطاق، مثل نمذجة الأنظمة المالية وتعدين البيانات، فإن تصميم شرائح مخصصة لمهمة فردية في هذه المجالات سيكون باهظ التكلفة. لكن مشروع "ديب بلو" ساعد في تطوير تقنيات لتكويد وإدارة أنظمة متوازية بدقة تُقسّم المشكلة على عدد كبير من المعالجات.

 

اليوم، تعتمد العديد من الأنظمة على وحدات معالجة الرسومات (GPUs) بدلا من الرقاقات المصممة خصيصا لمعالجة كميات كبيرة من البيانات. وقد صُمّمت هذه في الأصل لإنتاج صور على شاشة وكذلك للتعامل مع المعلومات باستخدام العديد من المعالجات بشكل متوازٍ. لذا، فهي تستخدم الآن في أجهزة الحاسوب عالية الأداء التي تشغل مجموعات كبيرة من البيانات، وتشغيل أدوات ذكاء اصطناعي قوية مثل مساعد فيسبوك الرقمي. ونجد أوجه تشابه واضحة مع تصميم "ديب بلو" هنا؛ وهي رقائق مخصصة (مصممة للرسومات) يتم التحكم فيها بواسطة معالجات عامة الغرض لزيادة الكفاءة في العمليات الحسابية المعقدة.

   

   

في هذه الأثناء، تطور عالم آلات لعب الشطرنج منذ فوز "ديب بلو". وعلى الرغم من تجربته مع "ديب بلو"، وافق كاسباروف في عام 2003 على مواجهة اثنين من أبرز آلات الشطرنج، وهما "ديب فريتز" و"ديب جونيور". وفي كلتا الحالتين تمكّن من تجنب الهزيمة، على الرغم من أنه ارتكب أخطاء أجبرته على التعادل. ومع ذلك، فإن كلا الجهازين فازا على نظرائهما من البشر في عامي 2004 و2005 بطولة العالم للبشر أمام الآلة.

 

شهد كلٌّ من "جونيور" و"فريتز" تغييرا في النهج لتطوير نظم لعبة شطرنج الحاسوب. ففي حين كان "ديب بلو" عبارة عن حاسوب مصمم خصيصا يعتمد على القوة الغاشمة لمعالجاته لتحليل ملايين التحركات، كانت هذه الأجهزة الجديدة للشطرنج تستخدم تقنيات التعلم لتقليل عمليات البحث المطلوبة، ما يعني أنه يمكنه التغلب على تقنيات القوة الغاشمة باستخدام جهاز حاسوب شخصي عادي.

 

لكن على الرغم من هذا التقدم المحرز، فإننا ما زلنا لا نملك آلات شطرنج تشبه الذكاء البشري بالطريقة التي تلعب بها اللعبة، ولا حاجة بها إلى ذلك. وتقوّي انتصارات "جونيور" و"فريتز" من فكرة أن اللاعبين البشر يخسرون أمام أجهزة الحاسوب، على الأقل جزئيا، بسبب إنسانيتهم، حيث يرتكب البشر الأخطاء، ويتوتّرون ويخشون على سمعتهم. من ناحية أخرى، تطبق الآلات حساباتها المنطقية بلا هوادة على اللعبة في محاولاتها للفوز. قد نملك ذات يوم أجهزة حاسوب تماثل التفكير البشري بالفعل، ولكن قصة العشرين سنة الماضية كانت عن صعود الأنظمة المتفوقة على وجه التحديد لأنها آلات وليست بشرا.

------------------------------------------------------------

ترجمة (الزهراء جمعة)

هذا التقرير مترجم عن: The Conversation ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار