اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/12 الساعة 16:34 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/27 هـ

انضم إلينا
تسببت بحوادث قاتلة.. هل يمكن الثقة بأنظمة القيادة الذاتية؟

تسببت بحوادث قاتلة.. هل يمكن الثقة بأنظمة القيادة الذاتية؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

لم تكن الأمتار الأخيرة للربع الأول من 2018 سوداء على شبكة فيسبوك فقط، فبعيدا عن الشبكات الاجتماعية، تعرّضت أنظمة القيادة الذاتية لحوادث مأساوية، توفّي على إثرها شخصان، وتلك أنظمة من تطوير شركات مرموقة هي تيسلا (Tesla) وأوبر الأميركيتين.

 

الضحيّة الأولى

ما زالت مُعظم شركات النقل التشاركي، على غرار أوبر وكريم، تدفع جزءا كبيرا من تكاليف نقل الراكب من جيوبها، أي إن عائداتها من كل رحلة أقل بكثير من تكاليفها (1). وما يُساعد تلك الشركات على هذا الأمر، ويدفعها إليه أيضا، هو الأهداف المُستقبلية بعيدة المدى وفي مُقدّمتها أنظمة القيادة الذاتية، فالمُستقبل الذي تطمح إليه تلك الشركات يكمن في توفير سيّارات تعمل بالطاقة الكهربائية يُمكن للمستخدمين طلبها عبر تطبيق موجود على الهاتف الذكي، سيّارات بدون سائق تنقل أكثر من راكب في ذات الوقت.

  

خطوات كثيرة أُخذت للوصول إلى تلك الغاية، فالشركات أولا حرصت على تطوير نظام لطلب السيّارات وتتبّع موقعها الجغرافي مع منصّة للتواصل بين السائق والراكب كذلك. وفي ذات الوقت، حرصت على توفير أدوات لرسم خرائط ثلاثية الأبعاد للمُدن والطُرقات مع مُستشعرات وأساليب لقياس نسبة الازدحام طوال الوقت. ومؤخّرا، بدأت تلك الشركات في تزويد سيّاراتها بأنظمة القيادة الذاتية لاختبارها وإصلاح مشاكلها لتكون جاهزة مع حلول 2020، وما بعده.

 

وبناء على ما سبق، حرصت أوبر على تطوير أنظمة من هذا النوع مع الحصول على تراخيص لاختبارها في مُدن مُختلفة حول العالم، وبكثافة عالية في الولايات المتحدة الأميركية. ومع انقضاء الأشهر، تُسارع الشركة للحصول على تراخيص لاختبارات أنظمة في تصنيفات أعلى في مجال القيادة الذاتية؛ فالمستوى الثالث على سبيل المثال ينص على ضرورة وجود السائق مع إبقاء تركيزه على الطريق. أما الرابع، فهو ينصّ على ضرورة وجود سائق خلف المقود فقط، دون الحاجة إلى متابعة كل شيء، فالنوم مُمكن في هذا النوع من الأنظمة. بينما لا يتطلّب الخامس وجود مقود من الأساس لينقل بذلك النقل الذاتي إلى أعلى مستوى مُمكن(2).

 

لكن، وعلى الرغم من تلك المستويات، والتدرّج المنطقي فيها خلال الأعوام السابقة، فإن شركة أوبر لم تُفلت في مارس/آذار من حادث قوي جدا اصطدمت على إثره إحدى سيّاراتها بأحد المُارّة، سيّدة مع درّاجة هوائية توفيّت فيما بعد إثر جراحها(3).

   

   

كانت تلك الحادثة كفيلة برفع مستويات القلق في أميركا، فمحافظ ولاية "آريزونا" على سبيل المثال أمر فورا بإيقاف جميع السيّارات التي تعمل بأنظمة القيادة الذاتية، وهذا لمنع حدوث كارثة أُخرى من هذا النوع، الأمر الذي شدّدت عليه أوبر فورا وأعلنته طوعا منها، على الأقل لحين الانتهاء من التحقيقات في الحادثة.

 

بشكل طبيعي، أشارت جميع أصابع الاتهام نحو الآلة وذكائها، فعلى الرغم من وجود سائق خلف المقود، فإن المُذنب من وجهة نظر الجميع هو نظام القيادة الذاتية. لكن الصندوق الأسود للسيّارة كان له رأي آخر وكشف تفاصيل من شأنها الحد من موجة الغضب ضد أوبر ومثيلاتها (4).

 

أشارت التحقيقات الأولية، ومقطع الفيديو الذي صوّرته الكاميرات الموجودة داخل وخارج السيّارة، إلى ظهور السيّدة بشكل مُفاجئ من العدم، فهي قامت بقطع الشارع من مكان غير مُخصّص للمُشاة دون إنارة أو أي إشارات تُساعد السائق العادي، أو الآلي، على رصدها من بعيد. أكّدت شرطة المدينة الأمر نفسه، قائلين إن السيّارة لم تقم بتفعيل المكابح أبدا، لكن مثل هذا الحادث لو تكرّر مع سائق عادي لكان من الصعب جدا تجاوزه، فأمتار قليلة كانت تفصل بين الضحيّة والسيّارة، ولهذا السبب لا يُمكن لوم أوبر أو وضعها في قفص الاتهام، لتنجح الشركة أيضا في تسوية القضيّة مع أهالي الضحيّة كذلك.

 

يفصل بين أوبر وبراءتها النهائية نقطة بسيطة قد تكون عثرة كبيرة تتعلّق بتقليل عدد المُستشعرات الضوئية "ليدار" (LiDAR) المُستخدمة في السيّارة، فالشركة بدأت مؤخّرا بالاعتماد على مُستشعر واحد من هذا النوع عوضا عن اثنين، الأمر الذي يعني وجود بقع سوداء، ميّتة، لا يُمكن لنظام القيادة الذاتية رصدها. لكن تأثير هذا الأمر لا يُمكن معرفته الآن إلا بانتظار الاختبارات والتحقيقات النهائية(5).

   

سيارة ذاتية القيادة تابعة لشركة أوبر (رويترز)

    

تيسلا إيلون موسك

إلى جانب وايمو (WAYMO)، "مشروع سيّارة غوغل" سابقا، تُعتبر شركة تيسلا الأميركية من أوائل الشركات التي عملت على تطوير أنظمة ذاتية القيادة خصوصا أنها تقوم بإنتاج السيّارات، وبالتالي تمتلك مرونة لتضمين المُستشعرات ضمن التصميم الأساسي للسيّارة عوضا عن وضعه بشكل غريب مثلما هو الحال في مُعظم السيّارات الحالية. لكن قِدم العهد لم يمنع تعرّض إحدى سيّارات تيسلا لحادث أدى إلى مقتل سائق السيّارة مُتأثّرا بجراحه، إضافة إلى تحطّم الجزء الأمامي للسيّارة بشكل كامل(6).

   

   

في صبيحة 23 مارس/آذار 2018، بدأت الوكالات الإخبارية المحلّية في ولاية كاليفورنيا بالحديث عن حادث مُميت جرى على أحد الطُرق السريعة تدخّلت فيه ثلاث سيّارات من بينها واحدة تتصاعد منها أعمدة اللهب بقوّة كبيرة جدا. وبعد تحرّيات سريعة، تبيّن أن تلك السيّارة "موديل إكس" (Model X) من إنتاج شركة تيسلا، الأمر الذي دفع الجميع إلى الحديث عن استخدام نظام القيادة الذاتية وتدخّله في الحادث.

 

بحسب شهود عيان، فإن السيّارة اندفعت فجأة نحو المُنتصف بقوة مما أدّى إلى اصطدام سيّارتين بها من الخلف أيضا، لتزداد الأضرار وتبدأ كُرة من الدُخان بالتصاعد، قبل أن تتحول إلى لهب. وعند إنقاذ السائق، كان دون حراك أبدا على الرغم من وجود نبض في القلب، لكنه لم ينجح في التغلّب على تلك الإصابات وتوفّي في المشفى بعد نقله إليها بفترة قليلة(7).

 

تدخّلت الشرطة بشكل فوري وأرسلت تيسلا فريقا إلى موقع الحادث للتحقيق بما حدث. وبعد جمع البيانات من السيّارة، تبيّن أن نظام القيادة الذاتية كان مُفعّلا أثناء الحادث، وقبله أيضا. لم تخف تيسلا من الحديث عن هذا الأمر أبدا، لكنها قالت إن السائق تجاهل أكثر من تحذير أصدرته السيّارة، فالنظام بداية عرض التحذير على الشاشة أكثر من مرّة، قبل أن يُصدر تحذيرا صوتيا لم يستجب له السائق، فقبل ست ثوانٍ من الارتطام، لم تكن أيدي السائق على المقود، الأمر الذي يعني أنه لم يستلم زمام الأمور في حالات الطوارئ، وهذا بند تنصّ عليه تيسلا في نظام القيادة الذاتية، ويوافق السائق عليه عند شراء السيّارة(8).

 

وعلى الرغم من عدم انتهاء التحقيقات، فإن تيسلا قامت بمشاركة النتائج بكل شفافيّة دون الانتظار لحين صدور النتائج النهائية. وفي ذات الوقت، أكّد شقيق الضحيّة أن أخاه تحدّث مع الوكالة أكثر من مرّة حول سلوك غير طبيعي للسيّارة في المكان نفسه تقريبا، الأمر الذي تجاهلته الشركة لأنها لم تكن قادرة على رصده حتى مع استخدام السيّارة نفسها، وغيرها، في المكان نفسه الذي تحدّث الضحيّة عنه قبل فترة من وفاته.

    

    

تيسلا تبدو واثقة، وغير قلقة، من العواقب أيا كانت، فهي مُسلّمة لفكرة وجود حادث أدّى إلى مقتل السائق. لكنها أكّدت في تصريح رسمي أن هناك حادث سير كل 138 مليون كيلومتر تقطعه السيّارات العاديّة، وحادثا واحدا كل 514 مليون كيلومتر تقطعه السيّارات ذاتية القيادة، مُشدّدة على نقطة أن الحديث دائما عن الحوادث التي تتسبّب بها أنظمة القيادة الذاتية، وليس عن الحوادث التي منعتها تلك الأنظمة. وأضافت، أنها بمعادلة حسابية بسيطة يُمكنها القول بثقة إن سيّارات تيسلا تُنقذ 900 ألف حياة كل عام، على أن يكون مستوى الأمان في السيّارات ذاتية القيادة أعلى عشر مرّات بالمقارنة مع السيّارات العاديّة.

 

في كلتا الحالتين، أي في حادثي أوبر وتيسلا، كان هناك استخدام لنظام القيادة الذاتية بمستواه الثالث الذي يتطلّب وجود سائق خلف المقوّد مع استعداده لتولّي زمام الأمور في حالات الطوارئ. في حالة أوبر، فإن ردّة الفعل شبه مُستحيلة بالنظر إلى المشهد الذي صوّرته الكاميرات التي تؤكّد ظهور الشخص بشكل مُفاجئ. أما في تيسلا، فالسائق لم يُحرّك ساكنا، وهذا قد يفتح احتمالية تعرّضه لوعكة صحّية منعته من تولّي زمام الأمور، أو أنه قرّر تجاهل التحذير، أو أن عوامل أُخرى ساهمت في منعه من التركيز.

 

أيا كانت الأسباب، فإن خطأ، أو حادثا، واحدا كفيل بنزع الثقة من تلك الأنظمة. والقيادة الذاتية مثل الطيران، الجميع يحاول تقليل نسبة الخطأ قدر الإمكان، لكن منعها بنسبة 100٪ أمر مُستحيل أيا كان حجم الجهود المبذولة، ففي وقت ليس ببعيد، فُقدت طائرة تابعة للخطوط الجوية الماليزية دون معرفة مصيرها على الرغم من تطوّر أنظمة الاتصالات الفضائية وتحديد الموقع الجغرافي، لكن هذا الأمر لم يؤدِّ إلى إيقاف جميع الطائرات حول العالم، بل دفع الشركات إلى التحقيق في الحادثة للتعلّم من الأخطاء وتلافيها في المُستقبل حتى وإن كان ثمن تلك الأخطاء أرواح مئات الأشخاص.

   

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار