اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/12 الساعة 17:32 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/29 هـ

انضم إلينا
وداعا ياهو مسنجر.. حان وقت رحيل الأب الروحي للمحادثات

وداعا ياهو مسنجر.. حان وقت رحيل الأب الروحي للمحادثات

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض
لم تظهر تطبيقات بجودة "واتس آب" (WhatsApp) أو فيسبوك مسنجر بين ليلة وضحاها من العدم، فخدمات سابقة مهّدت الطريق وقدّمت للعالم مفاهيم جديدة دفعت مُطوّري تلك التطبيقات لإعادة تقديمها بحلّة جديدة تتماشى مع الصيحات التقنية المُتغيّرة. خلال تلك المسيرة، يُمكن اعتبار تطبيق "ياهو مسنجر" من المحطّات الرئيسية والهامّة في تاريخ المحادثات الفورية، التطبيق الذي سيتوقّف بشكل نهائي مع حلول 17 (يوليو/تموز) 2018 دون عودة(1).

  

إمبراطورية ياهو

تُعتبر شركة ياهو من أوائل الشركات التي آمنت بأهمية شبكة الإنترنت في تسعينات القرن الماضي بعدما وضع السير "تيم بيرنرز لي" (Tim Berners-Lee) معاييرها الأولى قبل تلك الحقبة الزمنية بسنوات قليلة جدًا(2). في 1994 تأسّست ياهو لتكون بوابة المُستخدمين على الإنترنت عبر تقديم آخر الأخبار وحالة الطقس، بالإضافة إلى مُحرّك للبحث أيضًا، فهي وصلت قبل غوغل إلى هذا المجال.

        

    

مجموعة كبيرة من الخدمات التي تعتمد على حساب ياهو قُدّمت لمُستخدمي الشركة عبر حساب موحّد من بينها البريد الإلكتروني، والمجموعات، والإعلانات، والأسئلة والأجوبة، وبكل تأكيد خدمة المحادثات الفورية. وبالنظر إلى كل خدمة من الخدمات السابقة على حدة، نجد أنها في الوقت الراهن شركة قائمة بحد ذاتها. صحيح أن ياهو لا علاقة لها بهذه الشركات، لكن هذا يعد تأكيد على استشرافها الصحيح للمُستقبل التقني الذي يتغيّر بسرعة كبيرة جدًا والذي لم تستطع شركات كُبرى الوقوف في وجهه.

  

تجدر الإشارة هنا إلى أن مؤسسي غوغل عرضا شركتهما على ياهو لقاء مليون دولار أمريكي فقط، الأمر الذي رفضته إدارة ياهو في ذلك الوقت. وبعد سنوات قليلة، وتحديدًا في 2002، تقدّمت ياهو بنفسها للاستحواذ على غوغل لقاء 3 مليار دولار أمريكي، إلا أن عرضها قوبل بالرفض بكل تأكيد(3).

  

تنبّهت ياهو لأهمّية المحادثات الفورية على شبكة الإنترنت بعدما قُدّمت للمرّة الأولى عام 1988 عبر تطبيق "آي آر سي" (IRC)، لتقوم ياهو بتبنّي الفكرة عبر تطبيق جديد حمل اسم "ياهو بيجر" (Yahoo Pager)، وصل للمشهد مع حلول عام 1998، قبل منافسه الشهير في ذلك الوقت "إم إس مسنجر" (MSN Messenger)، منافسة قدّمت للعالم أفضل الخدمات كتبادل الرسائل، والصور، ومقاطع الفيديو، دون نسيان إمكانية إجراء المكالمات مجانًا عبر الإنترنت بجودة كانت تُعتبر جيّدة في ذلك الوقت بالنظر لسرعة شبكة الإنترنت.

  

ياهو مسنجر

قدّمت النسخة الأولى من تطبيق "ياهو مسنجر" مجموعة من الميّزات مثل تبادل الرسائل الفورية وقائمة الأصدقاء، مع إمكانية حظر أي صديق والحصول على تنبيه فور دخول أي شخص جديد. كما حرصت الشركة في ذلك الوقت على دمج خدماتها مع "ياهو مسنجر" بحيث يحصل المُستخدم على تنبيه عند وصول رسالة بريدية جديدة.

      

   

استمرّت الشركة في تحديثاتها المُستمرّة لتُقدّم في عام 2005 النسخة السابعة من التطبيق مع إمكانية إجراء المكالمات بين حاسبين، ومن حاسب إلى هاتف، أو العكس، دون نسيان إمكانية تبادل الملفات والصور بشكل آني. في تلك الحقبة، امتلكت ياهو أكثر من 20 مليون مُستخدم لخدمة المحادثات الفورية الخاصّة بها، واضعة نفسها بين النُخبة مع تطبيق "إم إس إن" (MSN) الذي كان مُنافسها الأول(4)، لكن هذا لم يمنع الشركتان من التعاون معًا عبر السماح بالتواصل بين مُستخدمي الخدمتين دون مشاكل، أي إمكانية استخدام "ياهو مسنجر" لإرسال رسائل لمُستخدمي "إم إس إن مسنجر" والعكس، تمامًا كأن نقول في الوقت الراهن إن مُستخدمي "واتس آب" قادرين على إرسال رسائل لمُستخدمي "تيليغرام"، أو العكس.

 

وعلى الرغم من ظهور شبكة فيسبوك في تلك الحقبة، استمرّ التطوير على قدم وساق، فخدمة "ياهو مسنجر" حصلت على تحديثات باستمرار على غرار مُكالمات الفيديو ودعم خدمة "فليكر" (Flickr) لتبادل الصور. دون نسيان ميّزات بسيطة مثل تشغيل الوسائط من التطبيق ذاته، أو تغيير تصميمه. كما لا يجب إهمال الوجوه التعبيرية التفاعلية التي قدّمتها ياهو منذ 2001 و2002 تقريبًا، والتي كانت أحد أهم الميّزات في تطبيقات المحادثات الفورية في ذلك الوقت.

  

في العقد الأول من الألفية الجديدة كانت الهواتف المحمولة في أوجها، وكانت نوكيا الوحش الذي لا يُمكن الوقوف في وجهه، تمامًا مثل ياهو التي كانت وحشًا في مجالاتها المُختلفة والتي لم تُهمل أهمّية تلك الأجهزة، وهو ما دفع الشركتان للتعاون معًا لتحمل هواتف نوكيا في ذلك الوقت تطبيقات ياهو بشكل افتراضي على غرار البحث، والبريد الإلكتروني، إضافة إلى تطبيق "ياهو مسنجر"، لتُسيطر بخدماتها المُختلفة على شبكة الإنترنت والحواسب التقليدية من جهة، وعلى الهواتف المحمولة من جهة أُخرى(5).

  

وبالقفز إلى عام 2010، العام الذي شهد وجود تطبيقات كثيرة للمحادثات الفورية منها سكايب و"غوغل توك" وفيسبوك، دعم تطبيقا ياهو و"إم إس إن" ميّزات مثل تبادل الصور والملفات بشكل آني ومكالمات الفيديو بالجودة العالية، مع إمكانية ربط حسابات الشبكات الاجتماعية معها أو تبادل الرسائل النصّية القصيرة عبر تطبيق المحادثات الفورية ذاته، في وقت لم تكن تطبيقات مثل سكايب أو فيسبوك توفّر هذا الأمر(8).

  

بداية النهاية

في 8 (يونيو/حزيران) 2018، أعلنت شركة "فيرايزون" (Verizon) الأمريكية رسميًا عن إيقاف "ياهو مسنجر" مع حلول (يوليو/تموز) 2018، واضعة بذلك حدًا لمسيرة تطبيق قضى عقدين من الزمن وغيّر كثيرًا من المفاهيم، إلا أنه فشل في التغيّر لمواكبة تبدّل صيحات التقنية التي بدأت مع تقديم هواتف آيفون بشكل خاص، والهواتف الذكية وأنظمة تشغيلها بشكل عام.

      

  

ساهم تقديم الهواتف الذكية في تغيير تجربة الاستخدام بشكل كبير، وبفضل أهمّية الرسائل النصّية القصيرة في ذلك الوقت، كان لا بُد من نقلها إلى الويب، وهذا أدى بدوره لظهور شبكة تويتر الاجتماعية على سبيل المثال، متبوعة فيما بعد بتطبيق "واتس آب"، دون نسيان فيسبوك ونظام الرسائل فيها، وتلك خدمات حاولت التركيز على فكرة التوافق مع الهواتف الذكية والعمل بالشكل الأمثل عليها.

 

ولا يُقصد بدعم الهواتف الذكية عرض المحتوى على شاشاتها بالشكل الأمثل وتجهيز أيقونات التطبيقات لتكون مُناسبة للمس الإصبع، بل هو تبنّي الصيحة بشكل كامل، فالرسائل النصّية القصيرة كانت تعتمد على رقم هاتف المُستخدم، وكان حريّ على ياهو دعم التسجيل باستخدام رقم الهاتف في تكرار للتجربة الناجحة التي قام بها "واتس آب"، ثم "فايبر"، وغيرها من تطبيقات المحادثات الفورية الناجحة على مستوى العالم.

 

ولأن المصائب لا تأتي فرادًا، عانت شركة ياهو على كافّة الأصعدة، فعلى صعيد مُحركات البحث هناك غوغل، وعلى صعيد البريد الإلكتروني هناك مايكروسوفت وغوغل أيضًا. دون نسيان بقيّة الخدمات التي قامت عليها شركات ناشئة كموقع "كورا" (Quora) للأسئلة والأجوبة، والذي كانت فكرته في يوم من الأيام عبارة عن قسم فرعي في ياهو. وهذا يُعطي فكرة عن أن انحدار ياهو عن طريق النجاح لم يكن بسبب مُنتج وحيد، بل بسبب عقلية ورؤية كاملة كانت في اليوم من الأيام ناجحة وضعتها فوق السحاب، وعادت في وقت آخر لدفنها حيّة، لتُباع لقاء 4.4 مليار دولار أميركي في 2016 لشركة "فيرايزون"، بعدما وصلت قيمتها في عام 2000 إلى 125 مليار دولار أمريكي، وبعدما رفضت أيضًا عرضًا للاستحواذ عليها من قبل مايكروسوفت في 2008 لقاء 44 مليار دولار أمريكي(6).

 

في 2004، قالت "ليزا مان" (Lisa Mann)، أحد المسؤولين في ياهو عن مسنجر، "إن المحادثات الفورية لم تعد فقط للمُراهقين فقط، بل أصبحت وسيلة تواصل هامّة عند فئات مُختلفة"(7). نفس هذا التصريح تكرّر على لسان "إيفن سبيغل" (Evan Spiegel) الرئيس التنفيذي لتطبيق سناب شات وأحد مؤسّسيه، وهذا قد يعني أن الحاضر ما هو سوى إعادة تقديم للماضي بحلّة جديدة، ومثلما غيّر "ياهو مسنجر" طريقة التواصل بين البشر، غيّر سناب شات هذا الأمر أيضًا وقدّم مفاهيم جديدة، وستأتي بكل تأكيد صيحات جديدة لتحل مكانه، ونهاية "ياهو مسنجر" ليست خسارة، إنما هي دورة حياة المُنتجات التقنية التي من النادر أن تأتي لتبقى لفترة طويلة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار