انضم إلينا
اغلاق
وعود إصلاح فيسبوك.. هل تلاعب زوكربيرغ بالعالم من جديد؟

وعود إصلاح فيسبوك.. هل تلاعب زوكربيرغ بالعالم من جديد؟

فراس اللو

محرر تقنية
  • ض
  • ض

أقرّ مارك زوكربيرغ بعدما أنهى تحدّيه الشخصي في عام 2017، والذي قام من خلاله بزيارة جميع الولايات في أميركا، أنه تحوّل من مُهندس إلى شخص مُساهم في المُجتمع أيضا(1)، الأمر الذي قد يُفسّر سبب تعثّر خطّته في 2018 لإصلاح فيسبوك وإعادتها إلى مكانها الصحيح، فتجربته خلال العام السابق عرّفته على أفضل الطُرق لكسب ودّ الناس، حتى لو كانت عبر المُراءاة وإكثار الكلام دون وجود تقدّم ملموس على أرض الواقع.

     

الإصلاحات الموعودة

تماما مثلما يجول السياسيون أثناء حملاتهم الانتخابية لبيع أحلام الإصلاحات، بدأ زوكربيرغ عام 2018 بوعد على هيئة تحدٍّ شخصي، وهو الذي عادة ما يُكمل جميع تحدّياته، وأكّد لمُستخدمي شبكة فيسبوك أنها عائدة إلى مكانها الصحيح كوسيلة للتواصل بين الأصدقاء والمقرّبين فقط بعدما تحوّلت إلى أداة تسويقية بحتة تُسيطر عليها الشركات، والصفحات، والإعلانات أيضا(2).

   

علاج أي آفة يبدأ بالإقرار بوجودها، وهو أمر قام به زوكربيرغ بنفسه بعدما أكّد أن فيسبوك بحاجة إلى الحد من رسائل الكراهية والاضطهاد، ومنع التدخّل في الرأي العام عبر بعض المُخرّبين، إضافة إلى تقليل الوقت المقضي داخل الشبكة أيضا، حفاظا على صحّة المُستخدم النفسية وتواصله مع وسطه المُحيط ومع المُقرّبين منه أيضا.

       

   

ومن هنا، بدأت رحلة زوكربيرغ في تحليل الأسباب وعلاجها، فانتشار مقاطع الفيديو على حساب مُشاركات الأصدقاء كان واضحا في الشبكة، الأمر الذي دفعه شخصيا إلى الحديث عن الموضوع مؤكّدا ضرورة وجود توازن وتفضيل المُشاركات التي لها معنى بالنسبة إلى المُستخدم ذاته، أي تلك المنشورة من قِبل أصدقائه وأفراد عائلته، عوضا عن تلك القادمة من الشركات والصفحات على اختلاف أنواعها(3). ولأن الأخبار جزء لا يتجزأ من الحمض النووي للشبكة، قرّر القائمون عليها الحفاظ على هذه المُعادلة مع تفضيل الأخبار الواردة من الوكالات المحلّية على حساب العالمية، على اعتبار أنها أكثر قُربا للحقيقة وأن المُستخدم سيُفضّلها على حساب تلك القادمة من الخارج، خصوصا بعد فضيحة التدخّل الروسي في الانتخابات الأميركية(4).

       

جاءت جميع تلك الخطوات خلال الشهر الأول فقط من عام 2018. وبسبب الفترة الزمنية القليلة بين وعود الإصلاحات وبين تحليل الأسباب، ظنّ الجميع أن العام سيسير على الوتيرة نفسها، وستتحول الشبكة إلى مكان أفضل، إلا أن فيسبوك وبعد انتصاف 2018، لم تصل بالفعل إلى مكانها الموعود، ولا تبدو حتى أنها تخطو نحوه.

    

سقوط حر

في وقت كانت تسعى فيه فيسبوك للقفز عاليا لتحقيق مستويات غير مسبوقة، تفاجأت الشبكة بقوى جاذبة سحبتها نحو الأسفل عوضا عن دفعها إلى الأعلى، قوى صنعتها بنفسها قبل سنوات قليلة أخفتها عن الجميع تمثّلت في التكتّم على تسريب بيانات مُستخدميها عبر أحد تطبيقات المُسابقات والأسئلة خصوصا أنها كانت على علم سابق أن تلك البيانات وصلت إلى جهات خارجية، لكنها تصرّفت وكأن شيئا لم يكن.

      

     

ولم تتكتّم الشبكة على تسريب بيانات مُستخدميها فقط، بل قامت هي بنفسها بجمع سجل المُكالمات والرسائل الخاصّ بمُستخدمي تطبيق فيسبوك على نظام أندرويد دون علم المُستخدمين(5)، صحيح أنها توقّفت عن هذه المُمارسة على حد قولها، إلا أن احتفاظها بتلك البيانات حتى الآن هو ما أثار دهشة الجميع خصوصا أنها حاولت في فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" (Cambridge Analytica) إلقاء اللوم على طرف آخر، لتظهر في موقف المظلوم الذي حاول تدارك الموقف دون جدوى.

   

ولم تنته حكاية الانتهاكات هنا فقط، فالشبكة أيضا، وبسبب ثغرة برمجية على حد قولها، احتفظت بمقاطع الفيديو التي قام المُستخدمون بتسجيلها ثم إلغائها فيما بعد لتسجيل مقطع آخر، حيث وجد مجموعة من المُستخدمين مقاطع لم يقوموا لا بتخزينها ولا بمشاركتها، إلا أن الشبكة كانت على ما يبدو تقوم برفع المقطع أثناء تسجيله لتسريع عملية الرفع قدر الإمكان، وهو ما لم تُحمد عُقباه فيما بعد لأنها لم تقم بإزالته(6).

   

ولم تكن نهاية مارس/آذار 2018 سعيدة أيضا على الشبكة الاجتماعية، حيث انتشرت وثيقة مُسرّبة من داخل فيسبوك وُزِّعت على موظّفي الشبكة في عام 2016 مكتوبة من قِبل أحد مسؤوليها تحتوي على عبارات تؤكّد أن الهدف الأول والأخير للشبكة هو جذب المزيد من المُستخدمين أيا كانت الطريقة أملا في تعزيز التواصل الذي يُعتبر الوقود الأساسي للشبكة، وهو ما فسّره الجميع على أنه تهميش للخصوصية والمبادئ والأخلاق على حساب زيادة قاعدة المُستخدمين أيا كان الثمن(7).

   

بدء المسير

أكّد مسؤولو فيسبوك أكثر من مرّة بعد انتهاء الانتخابات الأميركية عدم وجود تدخّل من جهات خارجية وأن الأخبار الكاذبة لا وجود لها بالحجم الذي يتحدّث عنه البعض. لكنها في 2018، وبعد مجموعة من اللكمات أقرّت رسميا بوجود مُشكلة كبيرة جدا في انتشار الأخبار الكاذبة، لذا عملت على توفير أداة لتأكيد الأخبار وصحّة البيانات الواردة فيها للمُستخدمين حول العالم، على أن تكون البداية في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المُتحدة، دون تجاهل الاتحاد الأوروبي الذي يفرض غرامات صارمة ولا يتهاون مع مثل هذه الأخطاء(8).

    

    

وردا على الانتهاكات التي قام بها بعض مُطوّري التطبيقات بها، حدّت الشبكة من صلاحيات التطبيقات ومن وصولهم إلى بيانات المُستخدمين، كما أوقفت بعض الواجهات البرمجية الخاصّة بالمناسبات (Events) وبتسجيل الدخول باستخدام حساب فيسبوك، حيث لن تستطيع التطبيقات التي تعتمد على تلك الواجهات النشر على حساب المُستخدم أو معرفة بعض بياناته الخاصّة كالمناسبات التي سيذهب إليها على سبيل المثال لا الحصر(9). ولمزيد من الشفافية، طوّرت فيسبوك أداة تُخبر المُستخدمين بالمواقع والتطبيقات التي تستخدم واجهاتها البرمجية لتحليل البيانات، بحيث أصبح المُستخدم الآن على اطلاع بالجهات التي تقوم بجمع بياناته وبتتبّع نشاطه على شبكة الإنترنت، وهذا لمُساعدته في الحد من تلك المُمارسات عند الحاجة(10).

    

خلال الفترة نفسها بدأت فيسبوك حملتها لتضييق الخناق على التطبيقات التي تستخدم واجهاتها البرمجية، حيث أعلنت العثور على أكثر من 200 تطبيق ممن يُسيئون استخدام تلك الواجهات دون مُراعاة شروط الاستخدام، لتقوم مباشرة بحذف صلاحياتها(11). لكن ما هي سوى أيام قليلة حتى تعكّر صفو المياه الراكدة بعد أحداث مُتفرّقة عصفت بالجهود التي تقوم بها فيسبوك لتصحيح المسار، ليبدو كل شيء وكأنه بفعل فاعل يستهدف سُمعة فيسبوك ويسعى للنيل منها بأي وسيلة كانت.

   

بداية تلك الأحداث كانت بعدما كشف باحث أمني عن وجود تطبيق يحمل اسم "ماي بيروسناليتي" (myPersonality) قام بجمع بيانات وإجابات أكثر من 3 ملايين شخص قبل أن يوفّر تلك البيانات أمام جهات أُخرى خارجية دون أي قيود، في تكرار لما حدث سابقا بشكل أو بآخر مع مؤسّسة "كامبريدج أناليتيكا"(12). ولزيادة الطين بِلّة، كشفت وسائل إعلام أن فيسبوك قدّمت صلاحيات واسعة لمُصنّعي الهواتف الذكية، بما في ذلك سامسونغ وغوغل وآبل، بحيث كانت تلك الشركات قادرة على جمع بيانات عن المُستخدمين دون علمهم بغضّ النظر عن السبب وراء تلك المُمارسة(13).

    

ومن جديد عادت الصحافة لكشف المستور بعدما أكّدت أن فيسبوك كرّرت مُمارستها في منح صلاحيات واسعة لبعض التطبيقات دون علم المُستخدمين، وعن قصد، وهذا في عام 2015 بعدما سمحت لبعض مُطوّري التطبيقات بالحصول على كم كبير من البيانات دون علم المُستخدمين، وذلك في صفقات حصلت بناء عليها على مبالغ مالية لم يُكشف عنها(14). عاد الباحثون الأمنيون من جديد، وهذه المرّة بعد اكتشاف تطبيق يحمل اسم "نيم تيست.كوم" (nametest.com) الذي وصل إلى أكثر من 120 مليون حساب عبر استغلال ثغرة برمجية، قبل أن يتم الكشف عن ثغرات أُخرى وجدت لفترة مؤقّتة قامت بفك الحظر عن بعض الحسابات تارة، وبنشر المُشاركات وبإظهارها للعموم تارة أُخرى(15)(16).

           

      

لم تكن خطوات فيسبوك في النصف الأول من العام الجاري جميعها مُتعثّرة، فالشبكة حرصت على توفير أدوات لرفع مستوى الحماية والخصوصية عبر تعطيل التطبيقات غير المُستخدمة منذ فترة طويلة، أو عبر شرح بعض الأدوات المتوفّرة سابقا لحماية الحساب من الاختراق، أو للتقليل من مُشاركة البيانات مع جهات خارجية. لكن تلك الأحداث تكشف أن ما قامت به فيسبوك خلال الأعوام السابقة كان مبنيا على أخطاء كارثيّة، أخطاء لم يقع ضحّيتها إلا المُستخدم ذاته، في وقت اكتفى فيه زوكربيرغ بالاعتذار مرارا وتكرارا. لذا، فإن أي محاولات لتصحيح المسار ستكون مُضّلة، فإعادة مشاركات الأصدقاء للظهور على حساب المُشاركات العامّة ليس الأهم في وقت تُنتهك فيه خصوصية المُستخدم وبعلم الشبكة في مُعظم الأحيان. 

   

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار