اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/26 الساعة 17:32 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/8 هـ

انضم إلينا
أليغري وسيميوني وزيدان.. متى يسدل الستار؟

أليغري وسيميوني وزيدان.. متى يسدل الستار؟

محمد علاء

محرر رياضة
  • ض
  • ض

وصل السير أليكس فيرغسون إلى معقل الشياطين الحمر، قادمًا من اسكتلندا، في نونبر/تشرين الثاني عام 1986. وطوال 4 أعوام كاملة، لم تتزين خزائنه بأي بطولة رفقة مانشستر يونايتد، كانت هناك شكوك كبيرة حول مدى مناسبة أسطورة أولد ترافورد الخالدة للمهمة المطلوبة هناك. حتى جاء نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي لعام 1990 أمام كريستال بالاس، والذي كُتب معه بداية جديدة لفيرغسون داخل المملكة(*).

 

سطور النهاية كانت دائمًا ما تراود قصة فيرغسون داخل قلاع مانشستر منذ لحظاته الأولى، وخلال حقبته التي قاربت الثلاثة عقود، لم ينجُ أبدًا من ثرثرة النهاية التي ترددت عبر أفواه عدة. لم يكن مُقدسًا بالمرة، حتى وإن بدا لنا -ظاهريًا- ذلك. هذا لأنه في عمق كل قصة طويلة، هناك دائمًا نمو غير ملحوظ لجسد النهاية، الذي سيلتهم كل شيء بشكلٍ حتمي. من قصة فيرغسون الأطول، ومرورًا بكل القصص الأخرى -قصيرة كانت أو طويلة- وحتى نصل إلى نهاية ذلك العالم الذي نحياه، فإن لكلٍ نهايته، مهما طال. ولكن متى؟ هذا هو السؤال.

 

إلى النهاية وما بعدها
يورغن كلوب مدرب ليفربول حاليا، أثناء فترة تدريبه لبروسيا دورتموند  (رويترز)

 

بدأت قصة يورغن كلوب مع بوروسيا دورتموند في يوليوز/تموز عام 2008، بعد رحلة استغرقت سبع سنوات في ماينز؛ ليقضِي نفس المدة داخل جدران قلعة فستيفاليا. حقق خلالها خمسة ألقاب هي بطولة الكأس وبطولتان من الدوري والسوبر المحلي إلى جانب إنجاز الوصول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا في 2013(1). الحدث الأخير، كان القشة التي قصمت ظهر البعير. بعد سنتين بالتمام والكمال، وبعد نهائي كأس محلي حزين، أعلن كلوب أن قصته رفقة الأسود قد انتهت وقد حان وقت الرحيل(2).

 

 كان اللقاء الأخير تصويرا حرفيا للسنوات الأخيرة بينهما. أمل كبير يبدأ بهدف في بداية المباراة، ومن ثم انقلاب الأمور رأسا على عقب بثلاثة أهداف لفولفسبورغ، وكان الفصل الأخير تعيسًا في قصة يورغن-بوروسيا. الأمل ثم الإحباط والانكسار، هكذا كانت الصورة الكاملة منذ النهائي الأوروبي الذي أقيم في ويمبلي عام 2013، رغم لقبي السوبر المحلي اللذين حصل عليهما بعد خسارة ذلك النهائي.

 

قبل وصول كلوب إلى دورتموند، كان الفريق يعاني ويلات مادية وفنية على حدٍ سواء. في 2008 أنهى الفريق الدوري في المركز الـ13 كأسوء نهاية خلال 20 عاما سابقة، لكن النسق ارتفع مع المدرب الألماني شيئًا فشيئا حتى وصل إلى أوجه في 2010، وتمكنوا من الحصول على لقب الدوري عامين متتاليين. بات دورتموند محط أنظار العالم، أداء جيد جدًا يناطح الكبار، عواطف جياشة وتفاعل رائع مع الجماهير. انتهت الأزمة المادية تقريبًا، أما الفنية فقد بلغت طور الانفجار. كلوب خلق شيئًا من لا شيء تقريبًا، وتحولت المسيرة من فريق على حافة الإفلاس إلى ناد يصنع قاعدة جماهيرية وشعبية كبيرة في كل البلدان(3). لكن النهاية الفعلية كتبت في 2013.

 

  

بعد خسارة النهائي، ظهرت إجابة واضحة أمام كلوب وغيره من العقلاء: هذا هو أقصى نجاح يمكن تحقيقه بفريق مثل دورتموند. لم تُخلق كل الفرق كبيرة، هنالك استثناءات للفرق الصغيرة، لكنها لا تتكرر بكل تأكيد؛ وعليه فإن قرار كلوب بالرحيل يُعد في منتهى الواقعية.

 

وتماشيًا مع نظرية التعلق عند البشر، قوبلت طلبات يورغن بالرحيل عن دورتموند وعزمه كتابة سطور النهاية بالرفض -العاطفي- من قبل كافة الجماهير حول العالم، ليس فقط في ألمانيا(4). وكأن هذه القصة كتبت لتكون أبدية على عكس قانون الكون الذي ينص في سننه على التغيير. لكن وعكس رؤى الأكثرية، كانت رؤية كلوب منطقية إلى أبعد مدى، لأن طموح كليهما بات لا يلتقي عند نفس النقطة، وهي إحدى إجابات عديدة تكشفت بعد خسارة النهائي أمام بايرن ميونخ، إذ إن نظرية التعلق -السابق ذكرها- تتملك تفكير العديد من المدربين في كرة القدم. بعضهم إما يخشى التغيير أو أنه لا يفهم الإشارات التي تُرسل إليه -كما هو الحال مع يورغن-. أغلبهم يفتقدون لحس هام وضروري في اختيار الوقت الأنسب لإنهاء قصصهم مع أنديتهم، ولنا في ماسيمليانو أليغري ودييغو سيميوني عبرة. سيميوني استلم فريقا بنفس مواصفات دورتموند، يعاني الويلات منذ سنين عدة. قام بنفس التغييرات التي صنعها كلوب بل بصعوبة أبلغ، لأنه ينافس أقوى فريقين في كرة القدم خلال الـ10 سنوات الأخيرة في نفس الدوري. استطاع أن يفوز بالدوري والكأس المحليين، والدوري الأوروبي وكأسي السوبر المحلي والأوروبي، بل وبلغ نهائي دوري الأبطال مرتين في ثلاث سنوات فقط؛ فماذا ينتظر سيموني تحقيقه بعد كل ذلك؟

 

الحال في إيطاليا لم يختلف كثيرًا، أليغري أكمل سيطرة اليوفي الطبيعية على زمام الأمور في الدوري والكأس، وزاد من الهيمنة المحلية، لكنه لم يُصلح الأحوال أوروبيًا بشكل أوضح من الوصول إلى النهائي مرتين متتاليتين في 2015 و2017. واجه خلالهما برشلونة وريال مدريد على الترتيب. بنظرة سطحية على الأمور في كل معسكر، ستعرف أن المباراتين انتهتا بفوارق فنية واضحة لصالح الإسبان.

 

لكن هل يُعد ذلك فشلًا؟ في الواقع يعد نتيجة طبيعية. لكن سواء كان ذلك فشلا أم إنجازا، فإن الخسارة أمام فرق مثل مدريد وبرشلونة في النهاية، هي الواقع بكل وضوح، نظرًا لكم الفوارق بينهما وبين غيرهما. وبينما تتعاظم في هذه الأوقات قيمة الأسئلة التي تدور حول مسيرة كل من أليغري وسيميوني وأمثالهما: ماذا ينتظر أليغري ليحققه؟ هل من المنطقي الطموح بالفوز بدوري الأبطال في ظل هذه المسافة الشاسعة بين الكرة في إيطاليا ونظريتها في إسبانيا؟ وهل يعتقد سيميوني أنه لو واجه مدريد مرة أخرى في النهائي، سوف سيفوز؟ والأدهى، هل سيكون كل منهما سعيدا إذا ما استمرت سنواتهم في تكرار النتائج نفسها في كل موسم؟ المنطق يجيب بلا.

 

الشتاء قادم
جوزيه مورينيو مدرب مانشيستر يونايتد  (رويترز)

 

التطور الذي يواكبه مجال كرة القدم يفرض علينا بعض الظواهر السلبية إلى جانب أخرى إيجابية، علينا أن نتقبل كليهما معًا وبنفس الرضا. أحد أهم صور هذا التطور التي يمكن وضعها ضمن الجانبين السلبي والإيجابي، هو أنه لم يعد هناك مسار تدريبي طويل في الوقت الحالي.

 

إن الهاجس الخاص بتجربة فيرغسون في يونايتد يُسيطر على الكثيرين، كمورينيو على سبيل المثال(5)،  الذي صرح أنه يرغب في تكرار إنجاز السير في نفس المعقل. يمكنك الآن -بعد مرور عامين فقط- أن تدرك بأن عمر جوزيه الباقي لن يكون أكثر من المنتهي، والحقيقة تظل ثابتة، لا فيرغسون جديد، وهذا ليس -فقط- لأنه فعل ما لا يمكن فعله، لكن لأن كرة القدم باتت مختلفة بالكل والجزء.

 

في سلسلة "صراع العروش" (Game Of Thrones)، يتردد التحذير من آن لآخر بأن الشتاء قادم. في إشارة واضحة إلى أن ما ينتظر من سنوات سيحمل من السوء أكثر من المعتاد عليه في الماضي أو الحاضر(6). الحقيقة أن الشتاء الكروي قادم أيضًا. الارتياح والاستقرار الذي وجده فيرغسون وفينغر -بالتأكيد- إنما هو تجارب لا يمكن توقع تكرارها في ما هو قادم. ينقسم السبب في ذلك إلى شقين، يتجلى الأول في تحول كرة القدم من لعبة إلى تجارة.

 

الأموال امتلكت أجزاء ضخمة من اللعبة. إذا ما عدنا بالتاريخ إلى الوراء قليلًا، وبأخذ تجربة فينغر الطويلة داخل أرسنال كحالة للدراسة، نجد أن نسخة أرسين الأولى في نهاية التسعينيات، والتي أخذت في التطور حتى السنوات الأولى في الألفية الجديدة، كانت تُكتب لها السيطرة على إنجلترا لسنوات عديدة، لكن أسباب فشلها تتماشى بشكلٍ غريب مع أسباب فشل المسائر الطويلة للمدربين في الوقت الحالي. فينغر أخرج كلا من فان بيرسي وفابريغاس وأشلي كول وهينري وغيرهم. وبعد الأزمات التي ضربت الفريق ماديًا نتيجة التحول إلى ملعب الإمارات بدلًا من هايبري، كان لزامًا على الفريق الاستغناء عن الكثير من اللاعبين في كل موسم من أجل تخفيض الرواتب ورفع القيم المادية في الخزائن.

  

عمل كهذا كان يودي بكل العناصر الجيدة التي يكتشفها فينغر أول بأول. وكل تشكيلاته كانت تُضرب مرة واثنين وثلاثة ما تسبب في رحيل اللاعبين تباعًا. أضف إلى ذلك أنه لم يتمكن بعد ذلك من إغراء اللاعبين الصغار أو أصحاب المواهب الكبيرة بالإنضمام إلى كتيبة الجانرز لأنه لن يتمكن من توفير الراتب المرضي بالنسبة لهم. عمِم التجربة على كافة الفرق الأخرى، تجد أن تغول الرأسمالية الكروية داخل تفاصيل اللعبة، جعل من عملية الحفاظ على القوى أشبه بالمستحيلة. نيمار يتحرك من برشلونة ليقتص حوالي ربع قوة الفريق نحو "بي إس جي" لتنقلب الكفة نحو العملاق الفرنسي، وهكذا.

 

آرسين فينغر مدرب الأرسنال (رويترز)

 

في حين نجد أن الشق الثاني يظهر جليًا في التطور الشديد الذي ضرب التحليل الخططي لكرة القدم. بعدما غيّر فينغر في نمط الكرة الإنجليزية المعتاد منذ اللحظة الأولى له داخل الدوري الإنجليزي الممتاز، وتمكن أرسنال من منافسة اليونايتد على البطولات في إنجلترا لسنواتٍ ليست بالقصيرة، بل تمكن من الظفر باللقب الوحيد بدون هزيمة طوال تاريخ البريمييرليج.

 

وفي كتاب سيرته الذاتية والذي كُتب بواسطته(*)، اعترف السير أليكس فيرغسون أنه كان يقضي الكثير من الوقت في دراسة الشكل الذي يقدمه أرسنال. الاعتماد في ذلك الوقت كان على الفيديوهات المتكررة. قف ثم أعد فقف فأعد مرة أخرى. عمل رتيب وممل جدًا والأهم أنه يستغرق شهورا -بل سنين عدة-. خلال هذه السنين يتمتع فينغر -أو أي صاحب تكتيك جديد- بفرصة للسيطرة بخطته هذه. وهو ما كان، لكن الوضع الآن لا يسمح بذلك.

 

فور أن تخرج إحدى المستحدثات على التكتيك الكروي، ولو تفصيلة صغيرة، تتحرك كل البرامج المحللة والمواقع التي تساعد في رصد كل تحرك لدى اللاعبين في تفسير تلك الظاهرة الجديدة. ما هو جديد اليوم، بالغد سيصبح بائدا وباليا، هذه هي آفة التطور. إذًا ليس هناك أي فرصة للعمل بسرية أو التفرد بشكل تكتيكي معين لسنين طويلة. الأمر لن يستغرق أكثر من نصف موسم لكي تنكشف كل خططك وتصبح مكشوفًا أمام الكل. يمكن ضرب المثل هنا بزين الدين زيدان.

 

القناعة كنز لا يفنى

المفهوم أن لفظ القناعة ربما لا يتناسب مع شغف لعبة مثل كرة القدم، دائمًا هناك رغبة في المزيد والمزيد، لكن المفهوم أيضًا ألا يرتبط هذا المزيد بنفس الظروف والعوامل والأفراد. ومع اعترافنا بأن الكرة قديمًا كانت أسهل من حيث التحليل والإحصائيات، فإننا نجد أن فيرغسون كان يحتاج بين حينٍ وآخر لتغيير نمط النادي إجمالًا. المدربين في الأكاديمية، وقوام اللاعبين، والمعدين البدنيين.. إلخ.

 

زين الدين زيدان مدرب ريال مدريد (الأوروبية)

 

رحلة زيدان مع الملكي بدأت قبل عامين فقط، منذ منتصف موسم 2016. حقق خلالهما 8 بطولات، ضمنها بطولتان لدوري الأبطال متواليتان في رقم قياسي، لكن الموسم الحالي يشهد على واحدة من أسوء نسخ مدريد في السنوات الأخيرة. الفارق بينه وبين برشلونة اتسع ليصل 14 نقطة بعد خسارة الكلاسيكو، والفريق يقبع في المركز الرابع من ترتيب الدوري حتى الآن ولا يعلم أحد إلى أين ستؤول الأمور في النهاية. لكن هل يمكنك تصور رحيل زيدان بعد حصوله على ثاني لقب لدوري الأبطال، محتفظًا برقمه القياسي؟

 

زيدان كان يعتمد على شكل تكتيكي بسيط جدًا يرتكز على الكرات العرضية والكرات الثانية (Second Ball)، جودة وقوام اللاعبين يخدماه بشده في تنفيذ ذلك، بجانب وجود عمق كبير للتشكيل من دكة البدلاء، لكن عوامل كالسابق ذكرها لا تدوم. لن يرضَى اللاعب البديل أن يظل بديلًا وليس من السهل أن تقنع رونالدو أو مودريتش أو حتى كروس بالراحة للقاءات عدة. وطبعًا المطامع المادية السابق ذكرها تظهر هنا أيضًا.

 

كان من الممكن تفهم سوء أداء ريال مدريد أمام فرق كبيرة في السنوات الأخيرة؛ فعندما نتحدث عن تطور تكتيكي وخططي وإحصائي فإن هذه الصفات كانت حكرًا في الماضي على أندية القمة، لكن الأمر بات مشاعًا للعامة، والكل يمكنه دراسة تكتيك زيدان وغيره من المدربين، ومهما واكبت التطور ووضعت أنماط جديدة داخل خطتك، فإن أداءك التكتيكي واستراتيجيتك الكروية إنما هي كالحمض النووي الثابت والذي لا يمكن تغييره، وهو ما يُعجل بانتهاء مسيرة أي مدرب مع الفريق نفسه في العصر الحالي.

 

في قضايا مثل التي طرحناها سابقا، يجب الامتثال لمفهوم القناعة، إما تحقيق إنجاز غير مسبوق بفريق غير متوقع منه ذلك -رانييري مع ليستر مثلًا- أو تحقيق كل شيء ممكن وغير ممكن مع أحد الفرق الكبيرة -بيب غوارديولا مع برشلونة- لكن الواقع والمنطق والنتائج تشير إلى أن السعي نحو مسيرة طويلة مليئة بالنجاح واحدا تلو الآخر بات مستحيلًا. إسدال الستار سريعًا أصبح إجباريًا.

===========================================

 

*كتاب (أليكس فيرغسون)

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار