اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/7 الساعة 16:17 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/19 هـ

انضم إلينا
أن تقف ضد الدولة الديمقراطية

أن تقف ضد الدولة الديمقراطية

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة

هذا التقرير يستعرض مراجعة لكتابين: الأوّل هو كتاب "القضيّة ضدّ الدولة الديمقراطيّة" لجوردن غراهام، والثاني هو كتاب "الفاشيّة والديمقراطيّة والنظام العالميّ الجديد" للوف موسيلي.

 

نص التقرير

يستهلّ غراهام في كتابه "القضية ضد الدولة الديمقراطية" الرّؤى حول الحكومة في القرن السابع عشر والثامن عشر، لا سيّما آراء توماس هوبز (1588-1679) الذي حاججَ في كتابه "الليفياثان" بأنّ المجتمع، بدون الحكومة، سينهارُ. وادّعى هوبز على نحو مشهور أنّ الحياة بدون حكومة هي حياة "انعزاليّة، وفقيرة، وسيّئة، ووحشيّة، وقصيرة". فبالنسبة إلى هوبز، إنّ المجتمع بدون حكومة هو فوضويّ، والفوضويّة أمر غيرُ حسن.

 

يختلفُ غراهام مع هوبز. أولا، يقول غراهام إنّ الأنثروبولوجيا تخبرنا أنّ الناس البدائيين يعيشون حياة سلميّة نسبيّا، لذلك يبدو، خلافا لهوبز، أنّ الحياة بدون حكومة، على الأقلّ في المجتمعات البدائيّة، سلمية ومزدهرة. (يضخّم غراهام ههنا المسألة: فالكثير يعتمد على الثقافة التي يدرسها المرءُ. لكن ومع ذلك، فإنّ نقطته العامّة لها ما يحملها ويبرّرها).

 

ثانيا، إذا كان هدف الحكومة هو منع الفوضى فإنّ الحكومة في حدّ ذاتها كانت، ولا تزال، بمبعدة عن كونها ناجحة. لقد كانت الحكومةُ هي السبب الرئيس للنّزاع في العصور التاريخيّة، ولا تزال هي السبب الرئيس للنزاع اليوم. كما كانت الحكومة مسؤولة عن تجاوزات كاليغولا، وكانت الحكومة مسؤولة عن معسكرات الاعتقال الستالينيّة، وكانت الحكومة مسؤولة عن معسكرات الموت الهتلريّة، وكانت الحكومة مسؤولة عن 30 مليونا جاعوا حتى الموت في صين ماو تسي تونغ، واليو، فإنّ الحكومة مسؤولة عمّا يحدث في زيمبابوي وكوبا وكوريا الشماليّة. في هذه الحالات (وهناك عدد لا يحصى لحالات أخرى) ليست الحكومة سبب المشكلات فحسب، وإنّما كانت المشكلات أسوأ من أي شيء يمكن تصوره بدون حكومة. فالشّعب الذي لا حكومة لديه قد يتقاتل ويقتل ويعذّب ويغتصب، ولكن عندما يفعلُ ذلك فإنّما يفعله بلا مغالاة. فالحال أنّ الحكومة يتطلّب منها أن تخلق الكراهية الجماعيّة.

            

يمكنُ الاعتراض على أنّ هذه الحالات تعلّقت، أو تتعلق، بالقادة المجانين، وبالأشكال التوتاليتاريّة من الحكومة، أو بكليهما. وقد تحاجج بأنّنا نعيش في ديمقراطيّة، ولا يمكن لحكومتنا أبدا أن ترتكب مثل هذه الفظائع، على الرغم من الفظائع التي ارتُكِبت في فيتنام. يمكنك ذلك، ولكن غراهام يقول هذا غير مهمّ، فالحكومة البريطانيّة لن تمنع الجريمة لأجل واحد.

 

يوضّح غراهام هذا بإحصاء بسيط، فمعدّل الجريمة الواضح في المملكة المتحدة هو 6٪، ومعظمها جريمة خطيرة، كالقتل مثلا. إذا كنتم تريدون أن تكونوا لصوصا، أو سارقي معروضات، أو قطاع طرق، أو غير ذلك من أصناف المجرمين الصغار، فإنّ الاحتمالات عالية أنّكم ستفعلون ذلك دون خوف. ومع ذلك، فإنّ معظم الناس في المملكة المتحدة، مثلهم مثل الناس في المجتمعات البدائيّة، ليسوا لصوصا ولا سارقي معروضات أو قطاع طرق. على العكس من ذلك، إنّهم متحضرون، حيث يصطفّون طابورا في محلات السوبر ماركت مثلا، وهم، بشكل عامّ، مهذبون في تعاملهم مع بعضهم البعض. إذن، لأيّ غرض هي الشّرطة؟ وما غرض الحكومة؟

 

يحاجج غراهام، على نحو صحيح من وجهة نظري، أنّ الحكومة لا تفشل في منع الجريمة فحسب، بل إنّها تخلق الجريمة. ويستشهد بالحظر في الولايات المتحدة الأميركيّة الذي أنشأ المافيا. وبدون الحظر، أو أيّ شيء من هذا القبيل، فإنّه من المتنازع عليه ما إذا كانت الجريمة المنظّمة كان لها أن تستمر وتظلّ. ومع ذلك، وبعيدا عن التعلم من خطأ الولايات المتحدة الأميركيّة، فإن كل حكومة في العالم الغربيّ كررت ذلك بقوانين ضدّ استخدام الحشيش والهيروين والكوكايين وغيرها من المخدّرات. إذ لا تمنع هذه القوانين الأشخاصَ الذين يتعاطون المخدرات، بل تسمح للمجرمين بإدارة ثالث أكبر صناعة في العالم (الصناعتان الأخريان هما الأسلحة والنّفط)، وبالتالي يصبح المجرمون أغنياء جدا. أمّا العواقب على الناس العاديّين فكارثية.

 

ويستندُ غراهام في الجزء الثاني من حجته على نقد أفلاطون للديمقراطيّة في كتابيه "الجمهوريّة" و"جورجياس". يَسْردُ غراهام ثلاث سمات محددة لدولة ديمقراطيّة، اثنان منها، على الأقلّ، كان لأفلاطون أن يعترف بهما. وتلك السّمات هي سيادة الشعب، وحقّ الاقتراع العامّ، وحكم الأغلبيّة. تعني السيادة للشعب أنّ الشعب داخل دولة يملك السلطة المطلقة، أي لديه القدرة على إخبار السياسيين بما يجب القيام به. أمّا حقّ الاقتراع فيعني أنّه ليس لكلّ أحد سلطة، ولكنّ أكبر عدد ممكن من الناس لهم حقّ التصويت (في زمان أفلاطون، لم يكن للنساء والرقيق والأجانب أيّ حق في التصويت. واليوم، ليس لدى السجناء والمجانين والأطفال أي حقّ في التصويت)، بل الأهم من ذلك أنّ هذا يعني أن كلّ صوت له قيمة متساوية بغض النظر عن المواهب الفرديّة. ويعني حكم الأغلبيّة، أخيرا، أنّ القرارات تعكس إرادة الأغلبيّة.

   

أن تختلفَ مع أفلاطون هو إمّا أن تقول إنّ الجميع على حد سواء أذكياء، وذوو علم، ومهمّون على قدم المساواة في كلّ قضية، أو أن الحقيقة تتغير بوصفها وظيفة لرأي عابر

مواقع التواصل
    

لقد شبّه أفلاطون الدّولة بالسفينة. فليس منطقيّا، يقول أفلاطون، رفع البحار الوضيع إلى رتبة البحار السيّد إذا كان البحار السيّد الحالي كفئا والبحار الوضيع غير كفء (على الرغم من أن غراهام لم يذكر ذلك فإنّ أفلاطون في ذلك كان ذا بصيرة، فالبريطانيون سيطروا على البحار خلال الحروب النابليونيّة جزئيّا لأن فرنسا رفعت البحارة الوضيعين إلى القيادة العليا). بعض الناس أكفاء وغيرهم غير أكفاء. وبتطبيق ذلك على الديمقراطيّة، لن يقوم المرء بإجراء استطلاع آراء الجيران لتحديد الطريقة التي يمكن بها علاج مرضه، سيستشيرُ أحدهم طبيبا. إن إرادة الشعب، إذا سُمِحَ بها، يمكن أن تؤدي إلى قرارات غبيّة.

 

ينظر غراهام إلى حجّة أفلاطون باعتبارها حجّة مفحمة. فأن تختلفَ مع أفلاطون هو إمّا أن تقول إنّ الجميع على حد سواء أذكياء، وذوو علم، ومهمّون على قدم المساواة في كلّ قضية، أو أن تقول إنّ الحقيقة تتغير بوصفها وظيفة لرأي عابر. إنّ القول الأول هو قول سخيف، والأخير هو قول أوريوليّ [نسبة إلى جورج أوريول -م]. ولا شكّ أنّ تحليل غراهام لهذا ممتاز، وفهمه لأفلاطون فهم شامل. لقد توقّع أفلاطون مخاطر ما بعد الحداثة.

 

يناقش غراهام أشكال الديمقراطيّة المختلفة، وشكليها الأكثر أهميّة ألا وهما: الديمقراطيّة الليبراليّة، والديمقراطيّة الاجتماعيّة. إنّ الديمقراطية الليبرالية هي ديمقراطيّة تكون فيها حقوق معينة -حرية التعبير، حريّة الدين، والحقوق التحررية بصفة عامّة- غير قابلة للمساس، ولكنّها ديمقراطيّة أيضا يتمّ تحديد قرارات الدّولة فيها بشكل ديمقراطيّ، شريطةَ ألّا تتعدّى هذه القرارات على هذه الحقوق. لاحظوا أنّ الديمقراطيّة الليبرالية ليست، بمعايير غراهام، ديمقراطيّة. والديمقراطية الليبرالية هي الديمقراطية التي لا تستطيع فيها الدولة أن تفعل شيئا ما لم تحترم حقوق الإنسان. أمّا الديمقراطيّة الاجتماعيّة فهي التي يتم فيها تحديد كل شيء بشكل ديمقراطيّ. فالديمقراطيّة الاجتماعية هي ديمقراطيّة "حقيقيّة"، حيث تستطيع الدولةُ في الديمقراطيّة الاجتماعية أن تفعل أي شيء شريطةَ أن تصدّقَ عليه الأغلبيّة. في الديمقراطية الاجتماعيّة إذا قررت الأغلبية قتل مليون شخص فإن الدولة سوف (أو ستحاول) قتل مليون شخص، أضِفْ إلى ذلك، فإنّ الدولة، بشروط الديمقراطيّة الاجتماعية، لديها التزام أخلاقيّ للقيام بذلك. ليس هذا خياليّا، لقد كان هتلر ديمقراطيّا اجتماعيّا، واليوم، فإنّ روبرت موغابي هو ديمقراطيّ اجتماعيّ. هذا هو طغيان الرعاع، وهو مصدر قلق رئيس لأفلاطون سابقا، واليوم أيضا. بالنسبة إلى أفلاطون، وإلى غراهام، فإنّ الاحتمالات هي أنّ الديمقراطية الاجتماعية، عاجلا أم آجلا، ستنتهك الحريّة الإنسانيّة.

         

بمجرد أن يحرمَ أحد الناس من حريّاتهم فإنّه سيحرمهم من مسؤولياتهم، وإذا حرمَ أحدهم الناس من مسؤولياتهم فإنّه سيحرمهم من الأخلاق

الأوروبية
   

تبدو الديمقراطيّة الليبراليّة جيدة، ويقدّم غراهام مناقشة ممتازة حول أصولها، ولا سيّما إسهام جون لوك (1632-1704). وعلى الرّغم من أن الديمقراطيّة الليبراليّة تبدو جيدة فإن غراهام يشير إلى صعوبات مفاهيميّة فيها. والأهم من ذلك، إذا كان للدولة واجب أخلاقيّ بعدم التدخل في الحريات الإنسانيّة فإن القرارات الديمقراطيّة لا ضرورة أخلاقية لها. حيث يقدّم الجزء الديمقراطيّ من الديمقراطيّة الليبرالية، في أحسن الأحوال، شكلا إجرائيّا من أشكال الحكم، وليس شكلا أخلاقيّا. وفي الواقع، فإنّ هذا يختزلُ قيمةَ الديمقراطيّة الليبراليّة إلى مجرّد إشكال إمبريقيّ. لعلّ الديمقراطيّات الليبراليّة قدّمت، تاريخيّا، أفضل شكل من أشكال الحكم. لكن على خلاف ذلك، فإنّ الديمقراطيّات الليبراليّة -كما في المملكة المتحدة- تنزعُ إلى التطوّر إلى الديمقراطيّات الاجتماعيّة. كما إنّه ليس هناك سبب منطقيّ للاستبداد الخيّر -الذي يعترف بحقوق الإنسان- لا لتقديم شكل جيّد أو أفضل من أشكال الحكم، حيث يقدّم التاريخ أمثلة على الاستبداد الخيّر، على الرغم من أنّه يميل إلى أنْ يكون قصيرَ الأمد.

 

ويقدّم غراهام وصفا دقيقا للماركسيّة، ويلاحظ أنّ الماركسيّة تتطلّب أن تكون الدولة، في تولّيها لوسائل الإنتاج، تسيطرُ أيضا على القضايا المتروكة إلى الأفراد حتى الآن، كالرعاية الصحيّة، والتعليم، وما إلى ذلك. وذلك من أجل تحقيق اليوتوبيا الماركسيّة في المستقبل، وهو العصر الذي ستختفي فيه الدّولة بمجرد أن تقوم الدولةُ نفسها بعملها. ولعلّ بسبب نفوذ ماركس التاريخيّ، وربما بسبب ديناميكيّة الديمقراطيّة الليبراليّة تجاه الديمقراطيّة الاجتماعيّة، فإن تأثير ذلك هو أن الديمقراطيّات الاجتماعيّة -التي تحتفظ بها الدول الاشتراكيّة- تقوم على أسس الماركسيّة، ما عدا الشّرط القاضي بأنّ الدولة ستزولُ في نهاية المطاف. في هذا الصدد، تطالب الديمقراطيّة الاجتماعية بأن يتم تجريد الأفراد من حريّاتهم حتى تتمكن الدولة من السيطرة بهوس إلى الأبد.

   

غراهام لم يناقش تبصّرات كارل بوبر بأنّ وظيفة حقّ الإدلاء بالصّوت العامّ ليس لاختيار حكومة جيّدة، إنّما هي لإزالة استبداد حكومة ليست كفئا،  فهذا الإغفال الأخير خطير، وينتقصُ من قوّة قضيّته

يقول البعض إن حرمان الناس من حرياتهم مقبول، شريطة أن يخدم ذلك بعض القضايا العليا -بناء مستشفيات إضافيّة وما إلى ذلك-. لكنّ هذا أمر مُتنازَع عليه، فبمجرد أن يحرمَ أحد الناس من حريّاتهم فإنّه سيحرمهم من مسؤولياتهم -تعليم أطفالهم، على سبيل المثال-، وإذا حرمَ أحدهم الناس من مسؤولياتهم فإنّه سيحرمهم من الأخلاق. والحال أنّ هذه الإشكاليّة كامنة على مدار كتاب غراهام، حيث تصبحُ الدولة وسيطا حول كلّ شيء مهمّ. وهذا يقودنا إلى النّقطة التالية.

    

ربما لاحظتم أنّي عندما تحدثت عن الديمقراطيّة الاجتماعيّة كديمقراطيّة حقيقيّة، فإنّني وضعت الحقيقية داخل مزدوجتين [أي " " -م]. وكان ذلك بسبب، كما يحاجج غراهام، أنّ الديمقراطيّة الاجتماعيّة، وبعيدا عن تمكين الناس العاديين، تخصي الأفراد [من حقوقهم]. فكلما زاد عدد الأشخاص الذين صوّتوا قلّ عدد الأصوات الفرديّة، وقلّت عمليّة تصويت الفرد على الأمور المهمّة. وبهذه الطريقة، تحرم الديمقراطيات الاجتماعية الناس من استحقاقهم. تلك مفارقة من مفارقات الديمقراطيّة (وهناك غيرها، وأكثر عمقا منها، وهي المفارقة الرئيسة التي يناقشها غراهام). وكلما زاد عدد الناخبين زادت سلطة الأهواء. وبهذا، فإنّ معالجة غراهام لحكم الرّعاع دقيق وحادّ جدا.

   

يُعدّ هذا الكتاب فلسفة سياسيّة داخل أفضل تقليد تحليليّ، وهو كتاب بصير بالأمور، وواضح، وراهن، وذو حجّة قويّة، وهو كتاب لا يتطلّب فيلسوفا محترفا لفهمه. ويؤسفني أنّ المساحة المخصّصة لا تسمح لي بتفصيل غنى الكتاب وثرائه. والحال أنّ لديّ انتقاديْن على الكتاب. أولا، إنّ غراهام غامض بشأن البدائل. فبحكم حججه، ستكون الأناركيّة [الفوضويّة] هي الخيار الواضح. لكنّه يرفض ذلك (قائلا إنّه ناقشها في مكان آخر). لقد كنت أتمنّى أن أرى مناقشة للأناركيّة. أمّا الانتقادُ الثاني، فهو أنّ غراهام لم يناقش تبصّرات كارل بوبر بأنّ وظيفة حقّ الإدلاء بالصّوت العامّ ليس لاختيار حكومة جيّدة، إنّما هي لإزالة استبداد حكومة ليست كفئا. فهذا الإغفال الأخير خطير، وينتقصُ من قوّة قضيّته. لكنّي، رغم هذين الانتقادين، آملُ أن تقرأوا هذا الكتاب.

 

كتاب الديمقراطيّة والفاشيّة والنظام العالميّ الجديد

           
إنّ غراهام فيلسوف، لكنّ موسلي ليس كذلك، وسيظهر الاختلاف. فكتاب غراهام حجّة لها عللها. أمّا كتاب موسلي فهو كتاب جداليّ. يستغرقُ كتاب غراهام بعض الوقت للوصول إلى الموضوع، في حين أنّ كتاب موسلي يختطفك من الصفحة الأولى.

 

موسلي هو حفيد للزعيم البريطانيّ الفاشستيّ السير أوزوالد موسلي، الفاشيّ الأول في بريطانيا في الثلاثينيّات، وعلى هذا النحو يتوقّع المرء أن يعرف موسلي الكثير عن اضطهاد الدولة. وهو يقوم بذلك. كما إنّه في حال كان لديك شكوك في هذه المسألة، فهو، على عكس جدّه، ضدّ كل ذلك. فكتابه تحرّريّ، ويوفّر معلومات واقعيّة تعزّز من حجج غراهام، وغالبا ما تكون حججا مجرّدة. فمن حيث الجوهر، يحاول كلّ من غراهام وموسلي أن يقولا الشيء نفسه.

 

لقد وجدتُ كتاب موسلي جنونيّا، فهو يجمع بين تبصّرات ذكيّة، وفطنة، ونماذجَ حميميّة لدعم أطروحته بكليشيهات ومعرفة فقيرة. فلنأتِ أولا إلى الأشياء الجيّدة بالكتاب. يقدّم موسلي مقارنة لطيفة بين الماركسيّة والفاشيّة، ويتغلّب على السوابق التاريخيّة والفلسفيّة لتطور كلّ منها، مؤكدا، بشكل صحيح، أنّه مهما كانت خلافاتهما الفلسفيّة فإنّ لديهما الكثير من القواسم المشتركة، وإنّهما متطابقان تقريبا، فالشموليّة هي الشموليّة، أيًّا كانت الطريقة التي ينظر إليها المرء. ويسعدني أن موسلي يطرح هذه النقطة، حيث يميل الاشتراكيون إلى تسمية هؤلاء الذين يختلفون معهم بالفاشين، وقلّما يدركون أنّ الاشتراكيّة والفاشيّة هي نفسها فعليّا.

 

كما إنّه جيّد أيضا في تقديم أمثلة على الطريقة التي تنتهك بها الدولةُ حريّة الناس باسم الخير الأعظم. فعلى سبيل المثال، في معظم القرن التاسع عشر أرسل الفقراء، عن طريق الكنائس ومجموعات المساعدة الذاتيّة وما شابه ذلك، أطفالهم إلى المدرسة. وكانت هناك آلاف من هذه المدارس في جميع أنحاء المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر، وخرج معظمهم تقريبا منها متعلّمين، إن لم يكن أكثرهم. وقد غيّر قانون التعليم لعام 1870، الذي جعل التعليم الحكوميّ للجميع، هذا الوضع. وقد اعترض أولياء الأمور على هذا القانون، كما يقول موسلي -كان مؤيدو القرار من رابطات المعلمين- لكنهم استسلموا، فأرسلوا أطفالهم إلى المدارس الحكوميّة، ودفعوا ضرائب أعلى على هذا الامتياز. والحال أنّ هذا الضّرب من المعلومات، إذا صحّ، إنّما يضيف حججا إلى أطروحة غراهام (وموسلي يزودنا بالمصادر).

           

         

موسلي أيضا جيد في مسألة الفن، فالفن بمجرّد أن يكون تحت رعاية الدولة -كما في بريطانيا الآن- يتوقف عن أن يكون فنا، أو على الأقل فنا جيّدا. في هذا، يمكن للمرء أن ينظر إلى البشاعات التي تم إدخالها إلى جائزة تيرنر في المملكة المتحدة -أسماك القرش الميتة، والأَسِرّة غير المصنوعة، واللوحات المفتعلة من الروث، وهكذا دواليك- على غرار الفن الذي زُيّنت به قصور ألمانيا الاشتراكيّة الوطنيّة، واتحاد الجمهوريّات الاشتراكيّة السوفياتيّة، والصّين الماويّة. فإذا كنت تشعر بالذنب بسبب عدم قدرتك على فهم فن جائزة تيرنر، فلا تقلق، إنّه النّسخة الأخيرة من النفاية التي عشقها هتلر. وإنّني لستُ متأكدا ما إذا كان موسلي واقفا على أرضيّة صلبة في كل ما يقوله هنا، ولكنّي أعتقد أنه أجرى مماثلة مثيرة للتفكر، حيث الفن الذي ترعاه الدولة، بما في ذلك فنّ جائزة تيرنر، هو فنٌّ مصمّم لجعل الناس أغبياء.

 

ولنأتِ إلى معايب الكتاب الآن، أولا، يخطئ موسلي في المعرفة، فليس الأمر كما يقول، مثلا، إنّ الفاشيّة نشأت كـ"‘خلق مستوحى‘ من موسوليني" (لم يحدث ذلك، فالجذور الفكريّة لها تنبع من مزيج من المثاليّة الهيغليّة والهيمنة البسماركيّة). فمثل هذه "الأخطاء"، إذا كانت أخطاء، هي قابلة للغفران (فموسويلني صكّ مصطلح الفاشيّ، وأتى من روما بوصفه رمزا للسّلطة). والحال أنّه يدمج مجموعة من الإشكاليّات الخلافيّة في فكرته القائلة إنّ الدولة هي تخريب للحريات الإنسانيّة. وهكذا، على سبيل المثال، يرى الأطعمة المعدّلة وراثيّا جزءا من النظام العالمي الجديد (الفاشي؟). بالطبع، يمكنك الموافقة على الأطعمة المعدلة وراثيّا، أو رفضها، ولكن المسألة المتعلقة بالأطعمة المعدلة وراثيّا معقدة جدا بأنْ ترفضها في جملتين. وهو ما يفعله. إنّ موسلي ليتشبّث بالغرائب.

 

كما إنّ تعاطيه مع البيولوجيا الاجتماعيّة ("الجينات الأنانيّة") تعاطٍ تعيس بشكل خاص. حيث يذكر، في بضعة أسطر، أنّه مع تفاهة الفكرة القائلة إن جميع الناس متساوون من الناحية الفكريّة. أيًّا ما كان رأيك في البيولوجيا الاجتماعيّة، لكنّ هذه ليست بفكرة سخيفة. على العكس من ذلك، بل هي نظرية متطورة في علم الأحياء، وهناك الآلاف من الدراسات التي أُجريت بعناية على السّلوك البشري والحيوانيّ والنبات تدعم ذلك. ومن المسلم به، أنّ هناك بعض الأشخاص الأكفاء يختلفون مع ادعاءات البيولوجيا الاجتماعيّة، ولكنّ أفرادا كهؤلاء يعلمون أكثر من كونهم ينبذونها باعتبارها "دوجما سخيفة". فموسلي لا يعرف ما يتكلّم عنه.

 

(كما إنّه لا يعرف من هم أصدقاؤه. فكثير من مؤيدي البيولوجيا الاجتماعيّة -مات ريدلي هو واحد منهم- يجادلون، من المبادئ المُشتقّة، لا من الجينات الأنانيّة، ولكن من نظريّة اللعبة (game theory)، وذلك من أجل النوع التحرريّ من المجتمع بالضبط الذي يدافع عنه موسلي).

     

ماذا تفعل أوروبا إذا لم يكن لديها برامج (أميركيّة)، وأفلام (أميركية)، وموسيقى (أميركية)، وأدب (أميركيّ)؟ حتى أولئك الذين يصرّحون بكرههم لأميركا يحبّون بضائعها، إنّ كتاب موسلي حزبيّ

أن سبلاش
    

أخطر عيب في كتاب موسلي هو معاداة الأميركية، إذ إنّ جزءا معتبرا من الكتاب يتعلّق بالازدواجيّة والنشاطات الذاتية للشركات الأميركيّة الكبرى والمنظمات الحكوميّة. الكثير من ذلك الأمر مألوف وشائع (كيف تساعد المعونة الأميركية الديكتاتوريات)، وبعضه غير مألوف (كيف تساعد تجارة المخدرات على خدمة الديون الأميركية). وأنا لست مؤهلا للتعليق على قيمة جميع حجج موسلي، فهي متنوعة جدا. ويكفي أن أقول إنّني وجدت رؤى رائعة، ولكنّي مشتبه في بعض منها. النقطة هي أن الكتاب، بالنسبة إلى القرّاء الذين يتعاطفون عادة مع موسلي، قد يبدو وكأنه مجرّد تشدق آخر ضد أميركا. وعلى العكس من ذلك، قد يبدو الكتاب، للقراء الذين يتفاعلون عادة مع آراء موسلي، دليلا على آرائهم. في كلتا الحالتين، يقوّض موسلي مسألته: سيُماطل الكتاب أصدقاءَه، ولن يرى أعداؤه وجهة نظره.

 

لا تفهموني خطأ رجاء، إنّني قلق، مثل أي شخص، حول ما يحدث في أميركا. وأنا آخر من يتغاضى عن العديد من التعابير السياسيّة الداخليّة والخارجيّة الأميركيّة، أو المخاطر التي تمثلها قوة الشركات على الحريّة. ولكنّ جميع البلدان مذنبة. لا يتحدث موسلي عن الجانب الإيجابيّ لأميركا. اسألوا أنفسكم، ماذا ستكون أوروبا (والشرق الأقصى) من غير المساعدات الأميركية (في الحياة والمال)؟ ستكون، بالضبط، دولة من الدول الاستبداديّة، الفاشية-الستالينيّة التي يدينها موسلي. وماذا تفعل أوروبا إذا لم يكن لديها برامج (أميركيّة)، وأفلام (أميركية)، وموسيقى (أميركية)، وأدب (أميركيّ)؟ حتى أولئك الذين يصرّحون بكرههم لأميركا يحبّون بضائعها. وما الذي يميّز أميركا؟ وماذا عن الاتحاد الأوروبي؟ يذكر موسلي الاتحاد الأوروبيّ، ولكن ليس كثيرا. ماذا عن الصين؟ وماذا، إذا كانت "الإمبريالية الثقافيّة" التي تقلقكم، عن الفاتيكان؟ إنّ كتاب موسلي حزبيّ.

 

يرتكبُ موسلي، في مناقشته لأميركا، الخطيئة نفسها مثل أعدائه الماركسيين. ويقول إن الأميركيين يراقبون بأنفسهم المعارضة، على سبيل المثال، إن أعمال مارك توين لاحقا التي كانت تنتقد المجتمع الأميركيّ لم تبَع (فهو لا ينظر إلى إمكانيّة عدم بيعها لأنها ليست جيدة مثلها الأعمال السابقة). وبالتالي الأميركيون لا يحتاجون إلى الشرطة السريّة. هذه الحجة مألوفة، وقد عبر عنها، من بين آخرين في الستينيّات والسبعينيّات، هربرت ماركوزه، الفيلسوف الماركسيّ الأميركيّ الرائد. تقول الحجّة، في الواقع، إنّ الناس العاديين أغبياء. والحال أنّ الناس الذين يقولون إن الناس العاديين أغبياء ليسوا، تقنيّا، هم الفاشيين، لكنهم قريبون جدا لهم لدرجة تجعل الفرق ضئيلا. أحزنني ذلك كثيرا. لكن كتاب موسلي ممتاز للغاية من نواحٍ عدّة، فاقرأوه، ولكن بعين نقديّة.

____________________________________________________

 

مترجم عن: فيلوسوفي ناو

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار