اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/21 الساعة 16:34 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/27 هـ

انضم إلينا
سنة العراق.. قصص مأساوية بمقصلة الحشد الشعبي وتنظيم الدولة

سنة العراق.. قصص مأساوية بمقصلة الحشد الشعبي وتنظيم الدولة

  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
تتناول المادة التالية النظر في مأساة أهالي العراق السنّة، بعد الغزو الأميركي للعراق ودعم الأميركان قبائل على حساب أخرى. ثم مجيء تنظيم الدولة، والقصاص من كل مَن استفادوا من الامتيازات الأميركية من أهل السنة، ومن ثم مجيء الحشد الشعبي وقصاصه من كافة القبائل السنية لتعاونها مع تنظيم الدولة. وتتمحور مادة الأتلانتيك، وهي مطوّلة، حول ثلاث عائلات سنيّة ذاقت الأمّرين في خضم هذا كله.

 

نص المادة

حتى مع خسارة الجماعة المسلحة سيطرتها على أراضي العراق، يقول كثيرٌ من السنّة ألا أمل لهم في السلام. وقصة هذه العائلة تبين السبب.

 

سمع فلاح صبار طرقة على الباب. كان الوقت يقترب من منتصف الليل في يومٍ من أيام (أبريل/نيسان) 2015 غربي بغداد، ولأنّه آوى إلى فراشه، أرسل فلاح ابنه وسام ليفتح الباب. واقفًا في المدخل كان شابًا طويلًا يرتدي بنطال الجينز، لم يصافح وسام ولم يلقِ السلام. قال "لا نريدكم هنا. ينبغي أن ترحل عائلتك بحلول ظهر الغد". لأسابيع، كان وسام البالغ من العمر 23 عامًا يتوقع شيئًا كهذا، إذ لاحظ أجواءً قاتمة تغيم على الحي. ذهب وسام ليأتي بوالده، لكن حين رجعا كان الغريب قد رحل.

 

فلاح رجل طويل القامة عريض المنكبين، يتنازع اللونان الأبيض والأسود على شعره. في عامه الثامن والأربعين، يرعى لفيفًا من الأبناء وزوجاتهم والأحفاد. جلس مع وسام يتحدَّث عن مجريات الأمور. لقد مكثت العائلة في بغداد ثلاثة أشهر فقط، لكنها كانت كفيلة بترك بصمتها على نفسية فلاح، واعتناقه المبدأ الراسخ في حياة اللاجئين: تجنّب المشاكل. وعندما تمكن وسام من إيجاد وظيفة في شركة بناء، أوصاه فلاح بالكياسة، وألا يختلط مع الغرباء، وألا يطرح الكثير من الأسئلة. إن كانت العناية الإلهية قد منحتهم حياة جديدة في هذه المدينة الغريبة، فيمكنها انتزاع تلك الحياة من بين أيديهم بالسهولة ذاتها.

 

قبل ستة أشهر، كان تنظيم الدولة قد استولى على قريتهم في محافظة الأنبار، موطن السنة في العراق، وفجر منازلها وأعدم مدنييها بينما يحاولون الفرار. تمكنت بضع مئات من العائلات من الفرار، وتفرقوا في أنحاء العراق. وانتهى المآل بكثيرين في مخيماتٍ قذرة على مقربة من خطوط القتال الأمامية. اعتبرت عائلة صبار نفسها محظوظة لأن الأقدار رست بها في مدينة بغداد الواقعة تحت سيطرة القوات المناهضة لتنظيم الدولة.

 

لكنهم ما لبثوا أن أدركوا أن أرضهم الجديدة لم تحمِهم من النزاعات المستعرة في ساحات القتال البعيدة إلا قليلًا. بينما تنشر الدولة الإسلامية نسختها من التطرف السني، بدا أن جيرانهم الجدد الشيعة يُلقون باللوم على السنة قاطبة، حتى من أخرجهم تنظيم الدولة من ديارهم أو أخذ منهم أحباءهم. بحلول شهر (آذار/مارس)، عندما كان تنظيم الدولة يحارب القوات العراقية في تكريت على بعد 120 ميلًا إلى الشمال، استطاع فلاح أن يشعر بالمدينة تتبدل. في السوق، بدأ الجيران يشيحون بوجوههم عنه. في نقاط التفتيش، يتفحص أفراد الأمن هويات أفراد العائلة بدقة أكبر. وأحيانًا تطوف بالمربع السكني شاحنات نقلٍ بنية اللون تحمل مسلحين شيعة أشداء في مؤخرتها. ورُفعت الرايات السوداء المكتوب عليها "يا حسين!" -حفيد النبي محمد الذي يبجِّله الشيعة- على واجهات المحال المملوكة للسنة. تساءل فلاح، هل علقوا تلك الأعلام على محال السنّة استهزاءً، أم علقها أصحاب المحال أنفسهم طلبًا للحماية.

 

التقط فلاح هاتفه واتصل بأبي عمار،الذي بخلاف بقية العائلة، اختار اللجوء إلى إقليم كردستان المستقل. قال لفلاح "لا قانون في بغداد. أي شيء يمكن حدوثه". ونصيحته: غادر البلدة فورًا. (رويترز)

 

أطلت لوحة إعلانية عملاقة على الشارع الرئيسي خلف منزلهم. على ارتفاع 25 قدمًا، أظهرت اللوحة رجلين ملتحيين يرتدي كلهما عمامة سوداء، أحدهما ينظر إلى جانبه بينما الآخر يحملق أمامه بصرامة ووقار. جاء باسم صبار، 13 عامًا، إلى فلاح يسأله عنهما، لكن فلاح لم يقدر على شرح أن هذين هما آية الله الخميني وآية الله خامنئي، المُرشد الأعلى السابق والمُرشد الأعلى الحالي لإيران. كان باسم أصغر من أن يجابه الحقائق في حيٍّ لا ينتمي إليه. أم سلام، زوجة فلاح، تشعر بأنهم "غرباء في أرضٍ أجنبية".

 

حينما ظهر الرجل ذو البنطال الجينز في مدخل البيت، فكَّر فلاح في طلب الشرطة. لكنه لم يدرِ إن كان بوسعه الوثوق بهم. في أنحاء البلدة كانت المليشيات الشيعية أو الجيش العراقي -كان من الصعب التمييز بينهما- تختطف السنّة إلى حيثُ لا يعودون أبدًا، وأحيانًا كانوا يرون رجال الشرطة يتجولون مع أفراد المليشيات. التقط فلاح هاتفه واتصل بأبي عمار، قريبه وصديقه الصدوق. يُدعى أبو عمار أحيانًا بـ"الكابتن"، ليس فقط بفضل الأيام التي قضاها في الجيش العراقي القديم، ولكن بفضل براعته في الاحتفاظ بتماسك تفكيره والتصرف بسرعة في الأوقات العاصفة. بخلاف بقية العائلة، اختار الكابتن اللجوء إلى إقليم كردستان المستقل شمالي العراق، على بعد حوالي سبع ساعات. قال لفلاح "لا قانون في بغداد. أي شيء يمكن حدوثه". ونصيحته: غادر البلدة فورًا.

 

عندما سمعت عائلة صبار بتنظيم الدولة للمرة الأولى، كانت الحرب بالنسبة لهم واضحة جلية، كان من المستحيل تخيُّل أن يضاهي أي شيءٍ الرعب الذي تقذفه الدولة الإسلامية في القلوب. وصف أبو عمار الجماعة بكلمة واحدة: الظلام

أصاب الغمُّ فلاح. لقد اقتلعت عائلته من الجذور هربًا من تنظيم الدولة، ودفع آلاف الدولارات ليصل إلى بغداد. كان له أصدقاءٌ عالقون في مخيمات اللاجئين، يحاولون باستماتة الوصول إلى العاصمة. لكن لا مفر مما ذهب إليه أبو عمار: حين لا يمكنك الوثوق بالسلطات، أي شيءٍ يمكن حدوثه. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عندما طلب فلاح من زوجته أن تبدأ في حزم الأغراض. سيتجهون شمالًا إلى بيت أبي عمار مع مطلع الفجر، ولن يخبروا أحدًا عن الزائر الذي ظهر على عتبة دارهم. قرارٌ سيندم عليه لما تبقَّى من حياته.

 

أبو عمار رجلٌ هزيل، بعينين ودودتين متقدتين وشارب مشذَّب. هو هادئ لكنه ليس خجولًا، وفي حضوره تشعر بأن إخفاء قلقك أمرٌ سهل، يتحدّث عن الحرب كما يتحدث الآخرون عن الطقس، كشيءٍ يخططون حياتهم وفقه. التقيت به الخريف الماضي في كردستان، حيث مكث في منزلٍ إسمنتي من ثلاث غرف على منحدر جبل. في التلال المحيطة بقريته، تقطر مياه الشلالات الصغيرة على المنازل المبنية من طوب رماد الفحم، والأكشاك ذات الأسقف المتعرجة المعدنية. كان إيجاد عملٍ أمرًا صعبًا، لكن أبو عمار وعائلته اعتبروا أنفسهم محظوظين لمجرد كونهم هنا. قال "نحب المكان هنا لأننا في أمان. لا يمكن لتنظيم الدولة أن يمسّنا هنا، ولا الحكومة".

 

كنت ألتقي بسنيين من غربي العراق سعيًا وراء فهم كيف يرى أبناء المذهب السني الحرب ضد تنظيم الدولة، إذ أن السنّة هم الجماعة الأكبر الباقية على أرض الخلافة المزعومة. ترى وجهة النظر الغربية السائدة عهد إرهاب الدولة الإسلامية فريدًا في بشاعته مميّزا عن الأفعال الهمجية اليومية من حروبٍ ودكتاتوريات تعصف بالشرق الأوسط. الاختلاف بين وحشية تنظيم الدولة وقمع الحكومات في سوريا أو السعودية مثلًا، وفق هذه النظرية، هو اختلافٌ في النوع وليس في الدرجة. وهذا حقيقي بالنسبة لمجتمعاتٍ معينة، منها اليزيديون في شمال العراق، ممن تعرضوا لمذابح جماعية على أيدي أفراد التنظيم. لكن الكثير من العائلات السنية تحكي قصة مغايرة. لقد وجدوا أنفسهم بين مطرقة الدولة الإسلامية وسندان قوات الحلف الأميركي والحكومة العراقية بجيشها والمليشيات الشيعية. في هذه السردية، يستوي عنف القوات المناهضة لتنظيم الدولة وطغيانها، وعنف الكيان الذي تحاربه وطغيانه.

 

لكن عائلة صبار عندما سمعت بتنظيم الدولة للمرة الأولى، كانت الحرب بالنسبة لهم واضحة جلية، كان من المستحيل تخيُّل أن يضاهي أي شيءٍ الرعب الذي تقذفه الدولة الإسلامية في القلوب. وصف أبو عمار الجماعة بكلمة واحدة: الظلام. في منفاه، كان يحن لقريته، والحياة التي سُلبت منه. قال "لا شيء أحلى من منزلك أنت وأشجارك أنت. إنَّه وطنك المصغّر الخاص بك".

 

هذا الوطن، في قرية تُدعى الزويَّة، يطل على منعطف في نهر الفرات شرقي محافظة الأنبار، ليس ببعيدٍ من مدينة هيت القديمة. اشتهرت المدينة ذات الحوائط الطينية في العصور القديمة بينابيع البتيومين. بالنسبة للبابليين، كان صوت قرقرة المادة القطرانية في ارتفاعها خلال التربة هو همهمات آلهة العالم السفلي. ما زالت التربة تنضج بالبيتومين، في طفولتهما، كان فلاح صبار وأبو عمار يعرفان من رائحة الكبريت أنهما اقتربا من البلدة.

 

أغدق الأميركان على الزويَّة بعقود إعادة الإعمار، وازدادت ثروات شيوخ البونمر على حساب أبناء المجتمعات القريبة. بالنسبة لفلاح وأبو عمار، كان الدعم الأميركي بابًا من أبواب الخير

رويترز

 

وُلِد القريبان في أواخر ستينات القرن العشرين، بفارق سنة. كان ائتلافهما غريبًا: فلاح، الذي يحب البقاء في المنزل ويختار أصدقاءه وكلامه بعناية؛ وأبو عمار، الفاعل المنغمس في تفاصيل حياة القرية. لكن حيواتهما تقاطعتا خلال الاضطرابات التي حلت بالعراق في تاريخه القريب. عندما استُدعي فلاح إلى الجيش في أثناء الحرب مع إيران في ثمانينات القرن الماضي، تطوَّع أبو عمار بعد مدة ليست بالطويلة. تزوج فلاح، وتزوج أبو عمار أيضًا -من أخت فلاح-. عاش الاثنان في منزلين من الطوب اللبن على بعد شارعٍ من بعضهما البعض، حيث ربى فلاح ستة أطفال إلى جانب أطفال أبو عمار التسعة. كان الأطفال يركضون عبر بستان من أشجار النخيل يجاور بيت أبو عمار، ويلعبون كرة القدم في حديقة منزله.

 

ومع أن أهل الزويَّة كانوا من السنة، الأقلية الأثيرة عند صدام حسين، كان لقبيلتهم، البونمر، تاريخًا من المشاحنات مع الدكتاتور. في سبعينات القرن الماضي، أعدم النظام اثنين من اللواءات المنتمين للقبيلة بعد محاولة انقلاب فاشلة. وفي 1994، اعتقلت السلطات لواءً بارزًا من قبيلة أخرى في الأنبار مشكوكٌ في تحرِّكه تنظيميًا ضد صدام. توافد شيوخ القبائل على القصر يلتمسون من صدام إطلاق سراحه، حتى وافق أخيرًا على إعادته. تقول الرواية إن اللواء عاد إلى الشيوخ بالفعل في ربيع 1995 -ممزقًا إلى أشلاء-. انتفضت قبيلته مُعلنة التمرد، ودعمها بعض أبناء البونمر. سحق النظام هذا التمرد أيضًا، وبعد عقودٍ من الأعمال العدائية أصبح الترقي في مراتب حزب البعث الحاكم -وما يعنيه هذا من توفر الوظائف والحماية- شبه مستحيلٍ بالنسبة لأبناء القبيلة. حتى صغار الجنود مثل فلاح وأبو عمار توقفت مسيرتهم داخل الجيش عند هذا الحد.

 

استياء السنة لا يرجع فقط إلى أن التدخل الأميركي قد فضَّل بعض القبائل على بعضٍ في المنافع، لكنه أنتج أيضًا حكومة شيعية. بعد انسحاب الأميركيين في 2011، سعت الدولة الإسلامية في العراق وجماعات مسلحة أخرى إلى تعميق الانقسام من خلال حملة عنيفة تستهدف المدنيين الشيعة وشيوخ القبائل الموالين للحكومة

ترك الاثنان الجيش. كانا قد ورثا أراض قريبة من ضفاف الفرات، زرعوا فيها القمح والشعير. لكن عقوبات الأمم المتحدة خلَّفت أثرًا بالغًا على قريبتهم. اضطر فلاح قيادة سيارة أجرة في هيت ليكسب قوت عائلته، وأصبح أبو عمار صيادًا. وعندما جاء غزو التحالف الأميركي في 2003، شعر فلاح وأبو عمار بانفراجة أمل للمرة الأولى منذ أعوام. قال أبو عمار "ظننا أن أميركا ستجعل أرضنا طوكيو أخرى".

 

لكن هذا الاعتقاد سُرعان ما انهار عند أغلب أهل الأنبار، تحت وطأة السخط على الإجراءات الأميركية - سياسات اجتثاث حزب البعث، والغارات الليلية، والتعذيب، والإهانات. لكن قبيلة البونمر كانت على استعداد للتغاضي أكثر عن التجاوزات الأميركية بسبب إقصائها سابقًا من السلطة البعثية. وأصبحت قرىً مثل الزويَّة معاقل مؤيدة للأميركيين في بحرٍ يموج بالتمرد.

 

أغدق الأميركان على الزويَّة بعقود إعادة الإعمار، وازدادت ثروات شيوخ البونمر على حساب أبناء المجتمعات القريبة. ساعدت القوات الخاصة الأميركية في تأسيس قوة شرطية أغلب أفرادها من أبناء البونمر، ثم تحايلوا من أجل تعيين شيوخ القبيلة في مناصب مهمة، منها رئاسة بلدية هيت. بالنسبة لفلاح وأبو عمار، كان الدعم الأميركي بابًا من أبواب الخير. التحق كلاهما بقوة الشرطة الجديدة، ولحق بهما أبناؤهما المراهقون. وبحلول 2007، كانت عائلة فلاح تكسب 1200 دولار في الشهر، أضعاف دخلها في عهد صدام. بنى فلاح بيتًا جديدًا بجوار بيته منذ الطفولة، بمساحة كافية لأبنائه الذين بدأوا في الزواج وإنجاب الأطفال. وانتشرت في أنحاء المدينة المساجد وأحواض الري المجددة.. تُحفٌ صنعتها جهود مكافحة التمرُّد الأميركية على أمل أن تساعدها في كسب قلوب العراقيين وعقولهم.

 

لكن تمكين قبيلة على حساب القبائل الأخرى خلق صدعًا عميقًا بين القبائل. بدأ سكان هيت يرون أبناء قبيلة البونمر طبقة حاكمة قمعية يعيش أغلب أبنائها في قرى قصِيَّة. تحرَّشت قوات الشرطة بالسكان واعتقلتهم بمزاعم واهية. وإن لم يكن لديك أقرباء في الشرطة -أي إن لم تكن من قبيلة البونمر- يمكن أن تتعرض للتعذيب وتُجبَر على دفع رشوة. هذا الاختلال في موازين القوة وفَّر الدعم لتنظيم القاعدة في العراق -والذي صار فيما بعد تنظيم الدولة، وجماعات متمردة أخرى. يقول أحد أصحاب المحال في هيت "كان أفراد القاعدة يأتون إلى المساجد ويقولون لنا "انظروا، قبيلة واحدة تستأثر بالسلطة كلها. لم تعد هذه مدينتكم". ووافقهم كثيرٌ من الناس.

 

وبدأت حربٌ قبلية هادئة تستعر، مع اغتيال تنظيم القاعدة في العراق -الذي بدأ يسمي نفسه الدولة الإسلامية في العراق- وحلفائه من القبائل عشراتٍ من أبناء البونمر. انقلب الأصدقاء والجيران على بعضهم البعض، وشاعت الفوضى إلى حدٍ دفع ببعض أبناء البونمر إلى التحسر على أيام صدام حسين. قال أبو عمار "كان هناك أمن، وقانون، ونظامٌ قائم. بعد مجيء الأميركان، كانت الفوضى".

 

استياء السنة لا يرجع فقط إلى أن التدخل الأميركي قد فضَّل بعض القبائل على بعضٍ في المنافع، لكنه أنتج أيضًا حكومة شيعية. بعد انسحاب الأميركيين في (ديسمبر/كانون الأول) 2011، سعت الدولة الإسلامية في العراق وجماعات مسلحة أخرى إلى تعميق الانقسام من خلال حملة عنيفة تستهدف المدنيين الشيعة وشيوخ القبائل الموالين للحكومة. انفجرت قرابة 400 سيارة مفخخة في أنحاء البلاد في 2012.

 

 قال أبو محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم في كلمة له "يا سنَّة العراق، قبل عامٍ بدأتم تظاهراتكم السلمية، وحذرناكم حينها من أن أساليبكم السلمية لن تنجح مع الروافض.."  (الجزيرة)

  

ردت الدولة العراقية بغارات واعتقالاتٍ اجتاحت السنة الأبرياء، تحت غطاءٍ من قانون مكافحة الإرهاب سيء السمعة الذي مررته الحكومة الانتقالية المدعومة من الاحتلال في 2005. سُجن الآلاف أو اختفوا لأسباب غامضة. وكتب وفد من منظمة هيومان رايتس ووتش "أغارت الشرطة الاتحادية على 11 منزلًا في مدينة التاجي شمال بغداد، واحتجزوا 41 شخصًا من بينهم 29 طفلًا طوال الليل في منازلهم. قالت المصادر إن الشرطة تعرضت للنساء بالضرب والتعذيب بالصدمات الكهربائية ووضع أكياس البلاستيك على رؤوسهن حتى بدأن في الاختناق".

 

في (ديسمبر/كانون الأول) 2012، انفجرت الأقاليم السنية في حركة احتجاجية واسعة شهدت إنشاء مخيمات الاعتصام وقطع الطرق. طالب بعض المتظاهرين بتعديل قوانين مكافحة الإرهاب، وناصر البعض تأسيس إقليمٍ سني اتحادي، وأراد آخرون الإطاحة بالحكومة مباشرة. كانت التظاهرات سلمية في بدايتها. لكن أعمال القمع الحكومية القاسية حوّلتها تدريجيًا إلى صراعٍ مسلح. وكان نقطة التحول في (أبريل/نيسان) 2013، عندما فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين السنة في بلدة الحويجة، مخلِّفة 50 قتيلًا على الأقل وأكثر من مائة مصاب.

 

وبحلول شهر (ديسمبر/كانون الأول)، عندما فضَّت قوات الأمن مخيمات اعتصام الرمادي، اكتمل تحول الحراك إلى تمرد مسلح. دخلت القبائل السنية في اشتباكات مفتوحة مع الدولة العراقية في العديد من القرى. وسُرعان ما انتهز تنظيم الدولة الفرصة. قال أبو محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم في كلمة له "يا سنَّة العراق، قبل عامٍ بدأتم تظاهراتكم السلمية، وحذرناكم حينها من أن أساليبكم السلمية لن تنجح مع الروافض (الشيعة). قلنا لكم إنهم سيجبرونكم على القتال، وهو ما قد حدث الآن. ورغم كل الشيوخ والعلماء داخل العراق وخارجها ممن طلبوا منكم تجنب العنف، حملتم السلاح الآن رغمًا عنكم".

 

لفترة حافظ تحالفٌ هش بين القبائل السنة وتنظيم الدولة وجماعات ثورية أخرى على تماسكه. لكن تنظيم الدولة بدأ في قتل حلفائه من أجل الهيمنة على الحراك، في الوقت الذي صعَّدت فيه الدولة العراقية من أعمال القمع. في الفلوجة مثلًا، قتل القصف المدفعي العشوائي مئات المدنيين. وانهار التحالف السنِّي، ما أجبر بعض الشيوخ على الفرار وأجبر بعضهم الآخر على الانضمام إلى تنظيم الدولة طلبًا للحماية. في هذه البيئة المتصدِّعة -القبائل السنية تحارب الحكومة الشيعية وتُعاني من الانقسام الداخلي- بدأ تنظيم الدولة في ابتلاع أجزاء كبيرة غربي العراق. استولت الجماعة على الفلوجة بدايات عام 2014. وبعد بضعة أشهر سيطرت على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق. وبحلول شهر (أكتوبر/تشرين الأول) كانت تضيِّق على مداخل هيت.

 

أما فلاح صبار وأبو عمار، اللذان استمرَّا في الذهاب إلى عملهما بالشرطة كل صباح، فقد راقبا في ذعرٍ سقوط الحقول والبساتين التي عرفوها منذ الطفولة في أيدي تنظيم الدولة. ورغم أن الحكومة كانت ما تزال مسيطرة على هيت، استعر الغضب الشعبي داخل حدود المدينة تجاه قوات الأمن العراقية وقبيلة البونمر. قال أبو عمار "عندما كنا نخرج في دوريات، كنت أرى الغضب في أعينهم. كان الناس ينظرون إلينا كقوات الاحتلال".

 

في الصباح الباكر، يوم الثاني من (أكتوبر/تشرين الأول) 2014، رنَّ هاتف فلاح. كان ينفِّذ مهام المكتب في وردية مسائية، في قسم الشرطة خارج الزويَّة. أشارت التقارير الواردة من هيت، على بعد بضعة أميال، إلى انفجارٍ هائلٍ عند المدخل الجنوبي للمدينة. كان تنظيم الدولة قد احتل القرى الواقعة جنوب هيت، ومقاتلوه يقصفون قسم الشرطة في وسط هيت بقذائف الهاون. لكن فيضان الاتصالات الواردة جعل فلاح يدرك أن هذا ليس مجرد قصفٍ آخر. بعد وقتٍ قصير وردت أنباءٌ عن انفجارٍ ثانٍ يصم الآذان، تبعته طلقات نارية. وفي السادسة والنصف صباحًا، وصلته أخبارٌ عن سبع شاحنات نقلٍ تابعة لتنظيم الدولة اخترقت نقطة التفتيش الرئيسية في المدينة.

 

 

اتصل فلاح بأبو عمَّار الذي كان في منزله حينها. ارتدى أبو عمار ملابسه والتقط مسدسه، وانضم إلى رجال الشرطة المتدفقين تجاه هيت من أجل توفير الدعم. وحين وصل كان تنظيم الدولة قد فجَّر قنبلة انتحارية في خزانٍ نفطي، قضت على دفاعات المدينة الجنوبية. فقاد سيارته خلال أحياء خلفية متعرجة حتى وصل مقر قوات الشرطة الذي كانت الطلقات قد تكفلت بتحويله إلى مصفاة. جاءت النيران من أسطح المنازل، والمحال القريبة، ومحطة الكهرباء. قاد رجالٌ دراجاتهم البخارية بمحاذاة قسم الشرطة وقذفوه بالقنابل اليدوية. بدأت قوات الشرطة تغادر مواقعها في أنحاء البلدة وتهرب إلى المقر. ووردت الأنباء عن إطلاق النيران في كل حيٍّ تقريبًا. حينها هبطت ملاحظة شديدة القتامة على أبو عمار: أبناء البلدة يساعدون تنظيم الدولة. قال "كان الأمر كما لو أن تنظيم الدولة قد ألقى بعود كبريتٍ على البنزين. كانت انتفاضة".

 

خابر أبو عمار فلاح لاسلكيًا قائلًا "حانت ساعة الصفر. لقد خططوا للأمر بعناية". واتصل فلاح، الذي كان ينسق اللوجستيات حينها، بالجيش طلبًا للمساعدة.

 

وعند حوالي الساعة الحادية عشرة صباحًا، وصلت أولى جثث رجال الشرطة إلى مشفى هيت. تواصل شيوخ البونمر مع أصدقائهم في الحكومة العراقية طلبًا للدعم، لكنَّهم تلقوا وعودًا مُبهمة. كان تنظيم الدولة قد سيطر على الطريق السريع القادم من الرمادي، وقطعت خطوط الإمدادات. وبدأت ذخيرة رجال الشرطة تنفد. استمع فلاح من مكتبة في الزويَّة إلى الاتصالات اللاسلكية: استغاثاتٍ يائسة طلبًا للذخيرة، وابتهالاتٍ إلى الله بأن تصل الإمدادات. فقد اتصاله بأبو عمَّار وبدأ الذعر يصيبه. ولفترة خرجت من الراديو صيحات وصرخات مكتومة. ثم صمت جهاز اللاسلكي في أواخر النهار.

 

بحرص، وسط النيران المتبادلة، تسلل أبو عمار والآخرون من الباب الخلفي لمقر الشرطة. كان الظلام يخيم على المدينة حين تجمعوا مرة أخرى على ضفاف نهر الفرات، على الحدود الشمالية للمدينة. عبر رفاقهم على الضفة الأخرى، في بلدة تدعى حي البكر، نهر الفرات باستخدام زوارق بخارية ونقلوهم إلى الناحية الأخرى، اثنين أو ثلاثة في كل مرة. وبحلول منتصف الليل، كانت قوة الشرطة المتواجدة في هيت قد غادرت المدينة وتجمَّعت في قاعدة حي البكر العسكرية. ميَّز أبو عمار العديد من الوجوه المألوفة من قبيلة البونمر في قاعة للضيوف، وسط المئات من رجال الشرطة وعشرات العائلات. كان يرى هيت من الناحية الأخرى من النهر، أضواؤها تُشعل ليل الصحراء، وتنبعث منها أصوات إطلاق النار احتفالًا بسقوط المدينة.

 

تلت ذلك اليوم ثلاثة أسابيع جحيمية. انهمرت قذائف الهاون خمس أو ست مراتٍ في اليوم في محيط قاعدة حي البكر، وانتشر قناصة تنظيم الدولة على الأسطح في الناحية الأخرى من النهر. نضبت الإمدادات، ووفّر الجيش العراقي قليلًا من الدعم، تاركًا الشرطة بلا خيار سوى الانسحاب إلى قراهم. اجتمع أبو عمار مع 150 من رجال قبيلة البونمر في خندق صحراوي خارج الزوية، في محاولة يائسة لإيقاف تقدم تنظيم الدولة. لكنهم علموا أنَّ الإمدادات لن تأتي. يستعيد أبو عمار ما حدث قائلًا "قرر قائدنا أن الوقت قد حان لإنقاذ أرواحنا".

 

ما حدث بعدها يظلُّ محل جدال كثير. تقول الشائعات المتداولة إن أحد شيوخ البونمر عقد صفقة مع تنظيم الدولة وسلَّم الزوية إلى مسلحيه، وربَّما تقاضى مالًا. يتهم عدد من شيوخ البونمر بعضهم البعض بالتربح من سيطرة تنظيم الدولة. وربَّما قدَّم بعض الشيوخ فروض الولاء للتنظيم. إن صحَّ هذا فسيعني أن جناحًا من القبيلة التي كانت أكبر حليفٍ لأميركا في الأنبار قد ارتمى في أحضان الدولة الإسلامية.

 

قال قائد المجموعة التابعة للتنظيم "نحن نبحث فقط عن المرتدين ممن عملوا مع الأميركيين. لا تقلقوا -حتى إن ألقيتم أحذيتكم فوق رؤوسنا، لن نمسكُّم". ثمَّ صافحوه ورحلوا

رويترز

 

منح التنظيم رجال الشرطة المحاصرين مهلة 24 ساعة للخروج الآمن إلى بلدة حديثة الواقعة على بعد 50 ميلًا شمال غرب الزوية. لكن بشرط أن يتركوا النساء والأطفال والشيوخ خلفهم. أراد فلاح البقاء مع عائلته والخروج بخطة لإيصالهم إلى بر الأمان. قال "أفضل الموت على تركهم". لكن لا أحد يعرف ما سيفعله التنظيم بهم إن اكتشفت أمره، وخشي أبو عمار أن يضع تواجد فلاح عائلتيهما في خطرٍ أكبر. انطلق مقاتلو تنظيم الدولة تجاه الزوية في شاحنات النقل، مسبِّحين بحمد الله من خلال مكبرات الصوت. إن انتظر فلاح أكثر من اللازم، ربما لا يستطيع الخروج أبدًا. في النهاية، بقلبٍ مثقل، اتصل بأم سلام من قسم الشرطة وقال لها إنَّه يحبها.

 

خلال ساعاتٍ من انسحاب الشرطة، أواخر ليل الثاني والعشرين من (أكتوبر/تشرين الأول)، جابت شاحنات تنظيم الدولة شوارع الزوية الرئيسية، بلا رصاصة مقاومة واحدة.

 

في الصباح التالي، فتح أبو لطيف، عم فلاح، الباب للطارقين. كان في الستينات من عمره وبقي في القرية مع نساء وأطفال عائلته الكبيرة ممن لجأوا إلى منزله. على الباب كانوا أربعة رجالٍ في أقنعة سوداء يحملون رشاشات الكلاشنكوف، يصطحبهم مرشدٌ يعرفه أبو لطيف من القرية. أخبرني أبو لطيف بأنَّهم "قالوا إن لديهم معلوماتٍ تفيد بأن منزلنا يسكنه (المرتدون)"، بسبب صلات العائلة بالشرطة. يُكمل "لكنني قلت: هل هناك بلدٌ في العالم بلا شرطة؟ حتى عندما تذهب إلى مكة في السعودية هناك شرطة تحميك بينما تصلِّي". احتار الرجال في كيفية الرد، وتشاوروا فيما بينهم. وفي النهاية، قال قائد المجموعة "نحن نبحث فقط عن المرتدين ممن عملوا مع الأميركيين. لا تقلقوا -حتى إن ألقيتم أحذيتكم فوق رؤوسنا، لن نمسكُّم". ثمَّ صافحوه ورحلوا.

 

استمرَّت لباقة التنظيم يومين -صدمَ أم سلام، زوجة فلاح، اكتشاف أن مقاتلي تنظيم الدولة "زي العسل"- واتَّصل أفراد العائلة الباقين في الزوية بفلاح وأبو عمَّار حاملين الأخبار التي لا تصدَّق. لكن في اليوم الثالث كشف التنظيم عن وجهه الحقيقي بانفجارٍ تردد صداه في أرجاء القرية: المقاتلون يفجرون بيوت شيوخ القبائل. بدأوا يسرقون السيارات ويُصادرون الأراضي الزراعية المملوكة لمن تعاونوا مع الأميركيين أو الحكومة العراقية.

 

وفي مساء اليوم نفسه، سارت عربة دفع رباعي في طرق الزوية الطينية الوعرة، وأعلن رجلٍ بمكبر صوتٍ أن أي شخصٍ تعاون أقرباؤه مع الأميركيين أو الحكومة العراقية -أي نصف القرية تقريبًا- عليه إخلاء منزله خلال 24 ساعة. كانت الأوامر أن يتركوا سياراتهم خلفهم ويأخذوا ما يقدرون على حمله فقط. أسرعت أم عمار، زوجة أبو عمار، إلى غرفة النوم وكدَّست الأغراض في حقيبة: شهادات الميلاد، واستمارات الالتحاق بالشرطة، وصور الأطفال، وقلادة من زوجها. وعند شروق الشمس، كانت قد جمعت هي وأبو لطيف الأطفال وزوجة فلاح وأطفاله، وبعض الأقارب وأبناء الإخوة والأخوات -مجموعة من 20 فردًا- وبدأوا المسير. كان الطريق السريع المار بالبلدة تحت سيطرة تنظيم الدولة، لذا كان عليهم سلوك الطريق الوحيد إلى حديثة: عبر الصحراء.

 

كافحت المجموعة مع الرمال مسيرة ثلاثة أميال، وكان جلد أم عمار يحترق في حرِّ الظهيرة، حتى عجزوا عن السير أكثر. نصبوا خيمة في منخفض بين كثبان الرمال. وفي العصر ثار التراب في واحدة من العواصف الرملية التي تضرب صحراء الجزيرة الواقعة بين دجلة والفرات. وبحلول الليل، كانت الرياح قد هدأت، وأفسحت المجال للبرد القارس. بكى الأطفال طوال الليل، سعلوا وعطسوا وبكوا أكثر وأكثر. وبينما رقدت أم عمار عاجزة عن النوم، تفكِّرت في الأيام القاتمة المقبلة. أخرجوها من أرضها الوحيدة التي عرفتها يومًا. وربما سيسقط العراق كله، وتُجبَر عائلتها على الاختباء والعيش على الفتات والصدقات. حينها تذكرت حيواناتها: ثلاث بقراتٍ وعجلًا. ربَّتها بنفسها، وكانت معها في كل الملمَّات، من فرض العقوبات إلى اندلاع الحرب. استحوذت عليها فكرة أن البقرات هي آخر أمل لدى العائلة، والضمانة الوحيدة في المحنة المقبلة.

 

 

نهضت أم عمار في الفجر عازمة على العودة إلى الزوية وإنقاذ حيواناتها. ظنَّت زوجة أخيها أنًّها قد فقدت عقلها. نعتتها بأنَّها مجنونة مرارًا وتكرارًا. تقول أم عمار لاحقًا "لكنني فكَّرت، ربما إن أنقذت أرواح تلك البقرات سيُخرِج الله عائلتي من هذا الكابوس". قرَّرت أن تأخذ معها هُمام، ابنها البالغ من العمر أربعة أعوام، لأنَّها اعتقدت أنَّ مقاتلي التنظيم لن يؤذوا أمًّا معها طفلها الصغير. وقبل أن يلحظ أبو لطيف الأمر، انسلَّت عائدة. سار الاثنان خلال الجزيرة، والشمس تصعد في السماء، ووشاح أم عمار يلتصق في جسدها مبتلًا بالعرق. وعندما وصلا إلى الزوية، لم ترَ أحدًا في الأفق. قالت "عندما لا ترى أحدا، تشعر بوجود أشباحٍ في كل مكان. كانت رجلاي ترتجفان". اهتزت الأشجار على إثر انفجارٍ مدوٍ، وبدأ همام في البكاء. ركعت أمَّه لتهدئ من روعه، ودوَّى انفجارٌ آخر غير بعيد. التنظيم يفجِّر المزيد من المنازل.

 

أسرعت أم عمار وهمام عبر ممرٍ تُرابي خلال حقول الشعير. وعندما رأت منزلها، سارا على أطراف الأصابع إلى جداره الخارجي يصغيان السمع. صوت الريح كان الصوت الوحيد. دارا حول المنزل إلى الخلف. كانت الحيوانات تقف هناك منكمشة على بعضها البعض. أسمتها بألوانِها: سوداء، بنية، صفراء، برتقالي. جاءت إليها، وقبّلتها أم عمار واقتادتها بعيدًا خلال حقول الشعير، وخلفهم دوَّى انفجار آخر.

 

وافقهم فلاح في أن هناك من أسباب الغضب الكثير: غضبٌ على الحكومة العراقية لتخليها عن الزوية، وغضبٌ على الجيش لفشله في توفير الذخيرة لرجال الشرطة اليائسين، وغضبٌ على الأميركيين لدعمهم القرية ثم التخلي عنها لاحقًا. لكنه لم يبتلع أن يُقارن أصدقاؤه الحكومة العراقية، مهما كانت فاسدة، بتنظيم الدولة الإسلامية

كانت شمس الظهيرة تتوسط كبد السماء حين عادت أم عمَّار وقافلتها إلى الخيمة. لم يصدِّق أبو لطيف ما فعلته، وقال إن زوجها سيشتاط غضبًا حين يعرف أنَّها خاطرت بحياتها. لكنها لم تكترث إلا لشيءٍ واحدٍ: قالت "أريد أن نرحل من هنا".

 

سارت العائلة على الأقدام واستقلَّت عددًا من المركبات في الطرق الواعرة والممتدَّة. سافروا يومين، وانضمَّت إليهم في أماكن متفرقة عائلات أخرى من قبيلة البونمر فرَّت من القرى المطلَّة على الفرات. كانت الصحراء تعجّ بمقاتلي تنظيم الدولة ومؤيديه؛ تاه 150 شاب من البونمر في الصحراء، وقتلتهم أفراد القوات الموالية لتنظيم الدولة من قبيلة أخرى قريبة. وساعد القرويون على إخراج رجال الشرطة التابعين للبونمر ممَّن بقوا في هيت، فأوقف مسلَّحو تنظيم الدولة 47 رجلًا منهم صفًا في الشارع الرئيسي وأعدموهم، بينما التقط بعض سكان هيت صورهم باستخدام الهواتف المحمولة.

 

أصاب المرض الأطفال في برد الصحراء القارس. لم تأكل أم عمار وكذلك الآباء الآخرون ليتبَّقى ما يكفي من الطعام للأطفال، لكن هذا لم يفلح على الدوام. في الليلة الثانية، بدأ لون ابنة عائلة مزبان، جيران أم عمَّار، يتحوَّل إلى الأزرق. وفي الصباح دفنوها في التراب.

 

وفي عصر يوم الثامن والعشرين من (أكتوبر/تشرين الأول) 2014، وصلت العائلة أخيرًا إلى حديثة. وحينما رآهم فلاح صابر متسخين منهكين مصابين بالبراغيث لكن أحياء، انهار -وهو المعروف بقوة تحمله الأسطورية بين أفراد العائلة. انتحب أبو عمار أيضًا عندما عانق زوجته. قال لي "لقد عادوا من الموت".

 

ثمَّ رأوا الحيوانات، وبدأ فلاح يضحك وهو يجفف دموعه. "كيف جلبتموها هنا بحق العالم؟". أصبحت عائلة صبار الآن من اللاجئين. وعلى مدار الأشهر التالية، حين كان الطعام يشِحِّ، تكفل اللبن والزبد من سوداء وبنية وصفراء بإبقائهم أحياء.

 

انتهى المطاف بعائلاتٍ كثيرة من الزوية في مخيمات اللاجئين، وعاشوا في خيامٍ مصنوعة من القصب وملاءات الأمم المتحدة الزرقاء والسجاد. كانت بعض المخيَّمات على أطراف المنطقة الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة، في مساحات شاسعة من الصحراء المفتوحة التي تلمع بالزجاج المكسور وبقايا عبوات مشروبات الطاقة. وسط هذه الفوضى، اعتبر فلاح صابر عائلته محظوظة للغاية. سُمح له ولأبو عمَّار بالانتقال إلى حديثة والعيش في منازل أبناء القبيلة لانتمائهما إلى جهاز الشرطة. وكلَّما اتصل بأصدقائه في المخيَّمات كان يتلقى شكاواهم المريرة من عدم مجيء شيوخ البونمر أو مسؤولي الحكومة لزيارتهم، فضلًا عن إرسال الأدوية والبطاطين التي هم في حاجة ماسَّة إليها. لعن الكثيرون الحكومة وتنظيم الدولة الإسلامية في الوقت ذاته.

 

وافقهم فلاح في أن هناك من أسباب الغضب الكثير: غضبٌ على الحكومة العراقية لتخليها عن الزوية، وغضبٌ على الجيش لفشله في توفير الذخيرة لرجال الشرطة اليائسين، وغضبٌ على الأميركيين لدعمهم القرية ثم التخلي عنها لاحقًا. لكنه لم يبتلع أن يُقارن أصدقاؤه الحكومة العراقية، مهما كانت فاسدة، بتنظيم الدولة الإسلامية. المطلوب قليلٌ من الصبر؛ مع الوقت، ستُعيد السلطات توطين الجميع.

 

سمحت وزارة الداخلية لسلام، أكبر أبناء فلاح، باستئناف مهامه الشُرَطية: كان سلام يعود إلى حديثة أسبوعين من كل شهر ليساعد في تدريب رجال القبائل على القتال

رويترز
 

في (كانون الثاني/يناير) 2015، كان فلاح وعائلته قد مكثوا في حديثة لشهرين. أدَّى تدفق اللاجئين إليها والمعارك المستعرة بالقرب منها إلى ارتفاعٍ جنوني في أسعار الغذاء - يُمكن أن يصل سعر كيس الدقيق إلى 100 دولار. بدأت العائلة في تفويت بعض الوجبات. فكَّر فلاح في السفر مع عائلته إلى الخارج وطلب اللجوء، لكنَّه قرر أنها محاولة بالغة الخطورة: تداول الناس قصصًا بشعة عن عائلاتٍ علقت في مخيمات الاحتجاز، أو الأسوأ، غرقت في البحر. ثم وصلت أبو لطيف أخبارٌ من صديقٍ قديم في وزارة الداخلية، يعرف سمسار عقارات في بغداد. مع اشتعال الحرب في الأنبار وتفجيرات السيارات المفخخة في بغداد، احتاج السنَّة إلى ضامن يشهد بأنَّهم ليسوا إرهابيين من أجل السماح بانتقالهم إلى العاصمة. وافق السمسار على أن يشهد للعائلة مقابل مبلغٍ من المال. رأى فلاح الأمر نفحة من الحظ الحسن. لكن أبو عمَّار رأى شيئًا مغايرًا. لم يكن أبو عمار قد ذهب إلى بغداد منذ أكثر عامين، غير أنَّه تابع عن قرب أخبار العنف المتزايد في العاصمة، بما يكفي ليؤمن بشيءٍ واحد: "لا قانون في بغداد".

 

في النهاية اتفق القريبان على ألَّا يتفقا. عثر أبو عمار على المنزل الصغير الذي زرته فيه في الجبال الكردية. بينما عثر السمسار على منزلين في بغداد لعائلتي فلاح صبار وأبو لطيف. للمرة الأولى في حياتهما، ينفصل أبو عمار وفلاح.

 

كانت الرمادي عاصمة محافظة الأنبار معرَّضة لخطر السقوط في أيدي تنظيم الدولة. وفي بغداد، كانت المليشيات الشيعية المعروفة رسميًا باسم "الحشد الشعبي" تتكاثر مع كل نصرٍ جديد يحرزه التنظيم

وصل فلاح وعائلته إلى حي الجهاد المزدحم غربي بغداد. أطلَّ منزلهم الجديد على مكب نفايات كبير مكشوف، توجد في وسطه ساحة لعب، لسبب غير مفهوم. ومن أجل توفير مبلغ الإيجار، انتقل جمال أخو فلاح وضابط الشرطة للعيش معهم، ومعه زوجته وأولاده. وهو ما عنى أن المبنى ذا الطابقين سيؤوي 18 بالغًا و13 طفلًا. وعلى بعد بضعة مربَّعات سكنية كان بيت أبو لطيف الجديد.

 

سمحت وزارة الداخلية لسلام، أكبر أبناء فلاح، باستئناف مهامه الشُرَطية: كان سلام يعود إلى حديثة أسبوعين من كل شهر ليساعد في تدريب رجال القبائل على القتال. وأحيانًا كان يذهب إلى الخطوط الأمامية ليقاتل تنظيم الدولة. بينما عمل الصبية الآخرون أجراء باليومية. في مناوباتٍ تدوم ثماني ساعات، كدَّسوا الملاط في الحوائط المرصوفة بالحصى، في مواقع البناء حول المدينة. وبعد انتهاء يوم العمل الشاق، لا يسع باسم البالغ من العمر 13 عامًا إلا الاستلقاء ومشاهدة الرسوم المتحركة على التلفاز، لكنَّه كان يفضل العمل على الذهاب إلى المدرسة. العمل دخله 27 ألف دينار عراقي في اليوم -حوالي 25 دولار أميركي- ويمنحهم فرصة الخروج من المنزل والاختلاط بالعمال النازحين الآخرين. تحدَّثوا مع بعضهم عن الجيران الذين تركوهم وراءهم، وتبادلوا الشائعات حول مواقع البناء الجديدة التي تدفع أجورًا أفضل. لكنهم لم يتطرقوا أبدًا إلى الرجال المسلِّحين في دورياتهم، أو المنشورات التي تمجِّد الشهداء الشيعيين ممن قضوا نحبهم في العراق وسوريا. "لم يجرؤ أحد"، هكذا أخبرني باسم.

 

كثيرًا ما فكَّر فلاح في حقول الشعير، وأشجار النخيل التي ظلَّلت بيت أبو عمار، وسباقات السباحة بين وسام وسلام في مياه الفرات الخضراء. خسارة لا يمكن لمدينته الجديدة تعويضها أبدًا. كثيرًا ما كان يتجاذب أطراف الحديث مع جمال في أواخر الليل، يتخيَّلان تسكُّع الغرباء في البيت الذي عاشا فيه طفولتهما.

 

بالنسبة لأم سلام، كان صغر المساحة هو التغيير الأكبر. قالت "كان مثل السجن. لم نعرف أحدًا، كنَّا فقط نحدِّق في الجدران الأربعة. لكنها كانت لتسعد بالبقاء في ذلك السجن "إن كان هذا سيبقي أولادي آمنين"، وفق ما قالت.

 

بحلول شهر (أبريل/نيسان)، كانت الرمادي عاصمة محافظة الأنبار معرَّضة لخطر السقوط في أيدي تنظيم الدولة. وفي بغداد، كانت المليشيات الشيعية المعروفة رسميًا باسم "الحشد الشعبي" تتكاثر مع كل نصرٍ جديد يحرزه التنظيم. ورغم أن الكثير من المليشيات كانت على صلة بإيران، فإن تمويلها جاء من الحكومة العراقية وتلقَّت بين حينٍ وآخر دعمًا جويًا وتعاونًا في ساحات القتال من الولايات المتِّحدة، التي رأت الحشد الشعبي أخف الضررين في حربها مع تنظيم تنظيم الدولة.

 

عندما زارهم أبو عمار في بدايات شهر (نيسان/أبريل)، صدمته رؤية الحيِّ مزدانًا بأعلام المليشيات من كل الأشكال والألوان. يتذكَّر "سألت فلاح، هل هذا هو العراق، أم الأمم المتَّحدة للمليشيات؟" (رويترز)

 

وعندما زارهم أبو عمار في بدايات شهر (نيسان/أبريل)، صدمته رؤية الحيِّ مزدانًا بأعلام المليشيات من كل الأشكال والألوان. يتذكَّر "سألت فلاح، هل هذا هو العراق، أم الأمم المتَّحدة للمليشيات؟". بعدها بوقتٍ قصير، في ليلة الثامن والعشرين من (نيسان/أبريل) 2015، جاء رجلٌ يرتدي بنطالًا من الجينز يطرق باب عائلة صبار، ويأمرهم بالرحيل.

 

كانت خطتهم هي الذهاب إلى المطار أول شيءٍ في الصباح، حاملين ما يقدرون عليه، متوجِّهين إلى كردستان. كانت هناك قليل من الأغراض ليحزموها: ملابس، وملاءات، وبضعة من وسادات الأرضية الرفيعة، ومبرِّد، غلَّاية، ومرشح مياه محمول. أيضًا جمعت أم سلام صورها التي استنقذتها من الزوية. ها هو وسام في العاشرة أو الثانية عشرة من عمره يلعب الكرة الطائرة في إحدى الملاعب. وأظهرت أخرى العائلة تجلس القرفصاء على ملاءة بيضاء، تستمتع بنزهة خلوية تحت ظل أشجار النخيل.

 

وبعد أن جمعوا كل شيءٍ وتركوه في ساحة الدار، تسلَّق حسن، ابن فلاح الثالث، إلى السطح لينام في الهواء الطلق مع ابن عمِّه سمير، الذي يعيش مع أبو لطيف وكان يقضي الليلة في بيت فلاح. كان سمير قد عاد لتوه من زيارة لأبو عمَّار في الجبال الكردية، في أول إجازة له في حياته، وخلَّفت الرحلة عنده اشتهاءً للسفر. ركب سمير "الشقلبانة"، أفعوانية متموِّجة مبنية بمحاذاة جرف جبل، وأكل في مطعم سمكٍ مثبتٌ على جانب منحدر، يطل على شلال. بالنسبة لسمير، لم يكن اللحاق بأبو عمار نزوحًا بل مغامرة.. فرصة للهروب من أغلال ساحات البناء، والمدينة، والحرب كلها.

 

داخل البيت، لم تستقر أم سلام بجوار فلاح حتى الساعة الثالثة صباحًا. وعندما استيقظت بعدها رأت رجلًا يقف أمامها. صرخت وأيقظت فلاح. وقبل أن ينطق بحرف، وجَّه الرجل مسدسه نحوه وأمره بالوقوف. كان وجه الرجل مغطىً بقناع، ويرتدي سروالًا مموهًا وحذاءً جلديًا. صرخت أم سلام "من أنت؟".

 

امتدَّت يدها إلى مفتاح النور، لكن المصابيح كانت محطَّمة. ظهر رجلان آخران قيَّدا يدي فلاح خلف ظهره. تستعيد أم سلام ما حدث قائلة "لم يجرؤ أحدنا على قول أي شيء. لم نفهم ما يحدث. وضعوا عصابة على عيني فلاح وقطعة من القماش في فمه".

 

اقتاد رجلٌ رابع جمال ووسام إلى غرفة المعيشة. بحثت أم سلام في أوراق فلاح وعثرت بطاقة هويته التي حملت كلمات الشرطة الاتحادية العراقية. ناولتها إلى واحدٍ من الرجال، نظر فيها ثم ألقاها على الأرض. "أنتم رجال شرطة لكن تجلسون هنا بينما أبناؤنا في الحشد يقاتلون في الأنبار؟". حاولت أم سلام إخباره بأن ابنها الأكبر سلام كان في الأنبار في هذه اللحظة يقاتل تنظيم الدولة. لكن الرجل أسكتها وصوَّب سلاحه إلى رأسها قائلًا "أنتم من الأنبار. أنتم تنظيم الدولة. أنتم إرهابيون".

 

اقتاد الدخلاء كل البالغين إلى غرفة المعيشة، ودفعوا بالنساء والأطفال إلى الردهة في الطابق السفلي. ثم انتشروا في المنزل، يسرقون الأموال والحلي. ومن الأسفل رأت أم سلام الرجال يُجبرون على الوقوف صفًا أمام الحائط. وكان وجه زوجها يُضيء بين الحين والآخر بوميض الكاميرا.

 

 

ثم اقتادهم الرجال إلى الخارج. اختلست أم سلام النظر من بين الستائر إلى الباحة. رأت رجالها يختفون عبر البوابة الأمامية مع تسرُّب الخيوط الأولى من نور الفجر. وقبل أن تنغلق البوابة، لمحت أم سلام ابنها وسام يُجبر على ركوب سيارة. ما إن رحلوا مدت يدها داخل قميصها حيث خبأت هاتفها الخلوي. تقول "كانت يداي ترتجفان. اتصلت بمنزل أبو لطيف طلبًا للمساعدة".

 

بالخارج، كانت العصابة على عيني فلاح مرتخية، وأمكنه رؤية محيطه عبر فرجة ضيقة. كانت هناك سيارتان، وربما ثلاث، تحمله والرجال السبعة الآخرين من عائلته -أخوه وأبناؤه وأبناء أخيه. شعر بالسيارة تنعطف عند زاوية، وتأخذ انعطافه ثانية حادة، وتتوقف فجأة. لم يبتعدوا كثيرًا عن المنزل. وقبل أن يقول أي شيء، فُتح الباب ودفعوه من ظهره. صرخ أحد المسلحين "اخرج! اخرج! اخرج!". سمع فلاح أصوات إطلاق النار. وسقطت العصابة عن عينيه بينما يتعثر في مشيه. كانوا في فناء مدرسة، وكان رجال المليشيا يطلقون النار عليهم. رأى وسام يسقط، وبعده جمال وبعده سمير. ثم أظلمت الدنيا.

 

عندما استيقظ فلاح، رأى الخراطيم والأسلاك المتصلة بجسده، وسمِع طنين الأجهزة. أمسك أبو عمار بيده، وأخبره أن كل شيءٍ على ما يرام، وأن عائلته في أمانٍ الآن. قال إن الأطباء يعالجونهم الآن، وأنه سيراهم قريبًا. لكن فلاح، عاجزًا عن الحديث، هزَّ رأسه أن لا، ورفع سبعة أصابع.

 

بدأ يتكلم. "تعرفون أن هذا هو العراق. وكل عائلة لها نصيبٌ من المعاناة بطريقة أو بأخرى. والله يبتلينا جميعًا في حيواتنا". ثمَّ أخبرهم بأن أزواجهم وأبناءهم قُتلوا، وأن فلاح هو الناجي الوحيد

كانت ثلاثة أيامٍ قد مرت منذ الواقعة، وشعر أبو عمار بأنَّه لم ينم لحظة واحدة. في صباح التاسع والعشرين من (أبريل/نيسان)، تلقى مكالمة مضطربة من أبو لطيف: عثر طلاب المدرسة على ثمانية رجال - فلاح وجمال وأبناؤهما وسمير - راقدين في بِركٍ من الدماء في فناء المدرسة، وجلبت الشرطة فلاح إلى المشفى. قاد أبو عمار سيارته سبع ساعاتٍ إلى بغداد عصر ذلك اليوم، وذهب مباشرة إلى منزل فلاح. وما إن رأته أم سلام حتى سألته إن كانت أنباءً قد وردته من فلاح أو الأبناء. يقول "كنت أغالب نفسي. لم أدرِ كيف أخبرهم". قرر أن يُخبرها بأن السلطات اعتقلت زوجها وأبناءها، وستطلق سراحهم قريبًا.

 

على مدار اليومين التاليين، اصطحب أبو عمار أم سلام والآخرين إلى كردستان. في حين كانت حالة فلاح الطبية في بغداد مستقرة لا تتحسن. أراد الأطباء إبقاءه تحت المراقبة، لكن أبو عمار استمات من أجل نقله إلى كردستان -بعيدًا عن أيدي المليشيات الشيعية. ولأنَّ من المستحيل أن تعرف فيمن تثق، اختلق أبو عمار قصة عن إصابة فلاح في أثناء قتاله تنظيم الدولة على الجبهة. قال لي أبو عمار "كنا قلقين من أن تأتي المليشيا باحثة عنه لتنهي مهمتها". تطلَّب إقناع الأطباء بالسماح لفلاح بالخروج ثلاثة أيام. وحين وصل أخيرًا إلى كردستان، اكتشف الأطباء أن رصاصة قد مرَّت خلال عنقه، وأحدثت ضررًا بالأعصاب القِحفِية، الخامس والسابع والثامن. ظنَّ الأطباء أن فقدانه القدرة على الكلام قد يكون دائمًا، إلى جانب فقدان الرؤية في عينه اليسرى، والسمع في أذنه اليسرى.

 

ما أثقل أبو عمار كان هذا السؤال: كيف يخبر عائلة فلاح بالحقيقة. يقول "شعرت بأنني أنهار داخليًا". كان يعرف أنه لن يتمكن من تأجيل الأمر إلى أجل غير مسمى، لكنه جاهد بحثًا عن الكلمات المناسبة. كتب أسطرًا، وشطبها، وكتب أخرى، وتدرَّب عليها وحده وأمام زوجته. وفي النهاية، بعد أن مكثت عائلتا فلاح وجمال في منزله المزدحم حوالي أسبوعين، جمع أبو عمَّار النساء. لم يشعر في حياته بكل هذا التوتر.

 

بدأ يتكلم. "تعرفون أن هذا هو العراق. وكل عائلة لها نصيبٌ من المعاناة بطريقة أو بأخرى. والله يبتلينا جميعًا في حيواتنا". ثمَّ أخبرهم بأن أزواجهم وأبناءهم قُتلوا، وأن فلاح هو الناجي الوحيد. نظر أبو عمَّار إلى يديه بينما تعالى بكاء النساء وصرخاتهن.

 

روى لي أبو عمار كل هذا في باحة منزله، تحت ظل التعريضة الخشبية العملاقة. احتفظ في صندوقٍ ببعض الصور وبطاقات الهوية.. الشاهد المادي الوحيد على ما أُخِذ منه: جمال سقار (43 عامًا)، وابنيه قصي (18 عاما) ولؤي (20 عامًا)؛ حسام فلاح صبار (30 عامًا)؛ حسن فلاح صبار (27 عامًا)؛ ووسام فلاح صبار (23 عامًا)؛ وسمير مشرف (18 عامًا).

 

لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد السنَّة الذين قتلوا على أيدي القوات المناهضة لتنظيم الدولة في العامين الماضيين لكن شبكة من المنظمات غير الحكومية والعاملين بحقوق الإنسان تعمل في الخفاء على توثيق الحالات، ويزعمون أن القوات المناهضة لتنظيم الدولة ربَّما قتلت من السنَّة أعدادًا تضاهي من قتلهم تنظيم الدولة. (رويترز)

 

لاحظت أن أم سلام والنسوة الأخريات حين يتذكرن محنتهن، يفعلن ذلك بنبرة المؤرخ المنفصل الموضوعي -ربَّما لأنهنَّ يفصلن أنفسهن عن الأمر، ويرين أنفسهنَّ من منظور الشخص الثالث، وهي طريقتهن الوحيدة للمرور من المحنة بسلام. لكن أبو عمار، والذي تجلَّد في وجه كل هذا، لم يسعه إلا أن يعيش الأحداث مجددًا في كل مرة يحكي فيها. تحمرُّ عيناه كلما ذكر المجزرة. أخبرني أنه كثيرًا ما يفكر في زيارة سمير إلى كردستان. يقول "كنت أخرج بعد مقتلهم، وأقلب النظر في الجبال، وأرى سمير في كل مكان. راكبًا الأفعوانية. واقفًا إلى جانبي".

 

بالنسبة لفلاح، انطبعت ذكريات تلك الليلة وذكرى أبناؤه على جسده. كان يأتي إلى الغرفة يعرج مستندًا إلى قريبه وأبناء أخيه من أجل مقابلتي. استعاد ببطء شيئا من قدرته على الكلام، لكن بصعوبة، لذا كان يستخدم الإشارات أو يخط إجابات أسئلتي على الورق في أغلب مقابلاتنا. كان يبقي رأسه محنية، ويضغط براحتي يديه على جانبي رأسه، قائلًا "دماغي، دماغي تتسرَّب".

 

أظهر أحد المقاطع للمليشيات الشيعية  قائدًا عسكريًا علَّق رجلًا محروقًا -يفترض أنه من مقاتلي تنظيم الدولة- بحبل، وقطَّع جثته مثل الشاورما. وفي مقطعٍ آخر، جزَّ المقاتلون رأسي أسيرين وانتزعوا أحشاءهما. ولم تتلق تلك المقاطع من الاهتمام العالمي إلا القليل، لأن الضحايا ليسوا غربيين، لكنَّها حملت رسائل مفزعة للسنَّة

لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد السنَّة الذين قتلوا على أيدي القوات المناهضة لتنظيم الدولة في العامين الماضيين. التواجد الطاغي لقوات الأمن العراقية والمليشيات الشيعية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة يجعل التحقيق في هذا السؤال منطويًا على مخاطرة بالغة. ومع ذلك، تعمل شبكة من المنظمات غير الحكومية والعاملين بحقوق الإنسان في الخفاء على توثيق الحالات، ويزعمون أن القوات المناهضة لتنظيم الدولة -في مناطق بعينها على الأقل- ربَّما قتلت من السنَّة أعدادًا تضاهي من قتلهم تنظيم الدولة.

 

لينا إسماعيل، التي تعمل لحساب منظمة غير حكومية في بغداد تساعد العائلات النازحة، وصفت لي نمطًا من أحداث العنف يربط مصير اللاجئين بانتصارات تنظيم الدولة في ميادين القتال. بعد سيطرة تنظيم الدولة على الموصل في 2014، عرفت أن مئات السنَّة اعتقلتهم القوات العراقية واختفوا قسريًا خارج بغداد. وعقب سقوط الرمادي بعد مضي عام، انتقمت المليشيات الشيعية انتقامًا مماثلًا من اللاجئين السنَّة في العاصمة. تتذكر قائلة "كانوا يقولون لماذا لا تذهبون إلى الرمادي وتقاتلون؟". وفقًا لتقرير حقوقي صادر عن الأمم المتحدة في 2015، بدا أن القوات المناهضة لتنظيم الدولة تتصرف "تحت حصانة كاملة، تاركة وراءها آثار الموت والدمار في صحوتها".

 

في بغداد، التقيت بمشرِّع سنِّي سابق من محافظة بابل جنوب العاصمة، آثرعدم ذكر اسمه خوفًا على حياته. وعندما ذكرتُ له أعمال القتل الانتقامية، ألقى بحزمة من الأوراق على مكتبه: مئات الخطابات، والعرائض، وتقارير الشرطة، ومذكرات وزارة الداخلية -كلها تخص سنَّة من قاعدته الانتخابية اختفوا قسريًا على يد الجيش العراقي في الأسابيع التي تلت سقوط الموصل. تقول عريضة موجَّهة إلى البرلمان العراقي: "في التاسع من (نوفمبر/تشرين الثاني)، عُثِر على جثث أحد أغضاء مجلس محافظة بابل، والقاضي إبراهيم الجنابي، وكلاهما اعتُقلا مع آخرين على مدار أربعة أشهر مضت. نلتمس تدخلكم الشخصي لإيقاف مأساة استهداف أبنائنا قتلهم بدمٍ بارد، وإلقاء جثثهم على قارعة الطريق". وثَّق تقرير شُرَطي اختفاء 23 مدنيًا سنِّيا اعتقُلوا من محالٍ على الطريق المؤدي إلى بلدة جرف الصخر، ولم يُعثر عليهم بعدها. وفي بلدة المحمودية القريبة، اعتقلت قوات الأمن 18 رجلًا في حيٍ واحد، أغلبهم أئمة. وكتب شيوخ القبائل عريضة تقول "لم نعثر عليهم، وقد اعتُقلوا منذ ستة أشهر مضت". ظهرت بعض الجثث في النهاية، والبعض الآخر ما زال مفقودًا.

 

اكتشفت الأمم المتحدة نمطًا مماثلًا. في سنسل، عاصمة محافظة ديالى، أضرمت القوات العراقية زعمًا النار في قاعدة عسكرية تحتجز 53 سنيًا. "اكتشف الشهود جثثهم: بعضها تشوَّهت حتى صار من غير الممكن التعرف على أصحابها، وبعضها احترقت جزئيًا، كاشفة عن جروح طلقات نارية، وعددٍ من الكدمات والأطراف المكسورة. بل إن مليشيات شيعية بعينها قلَّدت تنظيم الدولة في مقاطعه الدعائية البشعة. أظهر أحد المقاطع قائدًا عسكريًا علَّق رجلًا محروقًا -يفترض أنه من مقاتلي تنظيم الدولة- بحبل، وقطَّع جثته مثل الشاورما. وفي مقطعٍ آخر، جزَّ المقاتلون رأسي أسيرين وانتزعوا أحشاءهما. ولم تتلق تلك المقاطع من الاهتمام العالمي إلا القليل، لأن الضحايا ليسوا غربيين، لكنَّها حملت رسائل مفزعة للسنَّة.

 

 مليشيات تحتفل بانتصارها على أعضاء من تنظيم الدولة (رويترز)

 

في السابق، كان فلاح وأبو عمَّار على يقين من أن السنة في الأنبار سيتحدون من أجل إسقاط تنظيم الدولة وإنهاء حكمه المستبد. لكن انتفاضة سنية موحَّدة تبدو الآن ضربًا من ضروب الخيال. حتى فكرة الكيان السنِّي المتماسك صارت خرافة في عالم ما بعد 2003. منذ نهاية 2013، انقسمت النخب السنية إلى ثلاثة اتجاهات: بعضها انضم إلى تنظيم الدولة؛ بعضها انتقل إلى بغداد رابطًا مصيره بمصير الحكومة، وعمِل على مساعدة المليشيات السنية في العمل مع قوات الأمن العراقية؛ والبعض الآخر سافر إلى كردستان العراقية، أو إلى عمَّان الأردنية، حيث تحالفوا مع الدول السنية المجاورة.

 

يتوق كثيرٌ من المنتمين إلى المجموعة الأخيرة إلى تخطِّي الحكومة والحصول مباشرة على التسليح والتمويل الأميركي من أجل قتال تنظيم الدولة. لكن بغداد في أعين تلك النُخب السنِّية تبقى عدوًا لدودًا، تمامًا مثل الدولة الإسلامية. كثيرٌ منهم يحنّ إلى الحكم البعثي، ويرفض تقبل واقع الأغلبية الشيعية. وربَّما تقود محاولات تسليحهم الخارجية إلى تقسيم العراق، إذ أن الجيوش القبلية سترفع أسلحتها حتمًا في وجه الحكومة الشيعية. وربَّما ترحب الأردن والسعودية وتركيا بهذه النتيجة، بدرجاتٍ متفاوتة. وفي الوقت نفسه، ندِم كثيرٌ من الشيوخ على تحالفهم مع تنظيم الدولة، بعد تجريدهم من سلطتهم وأملاكهم. ومن اعترضوا احتجزهم تنظيم الدولة وعذبهم، وفي بعض الحالات أعدمهم.

 

بعد 13 عامًا من الحرب، تفرَّق السنَّة ليس فقط بين القبائل وإنما انقسموا داخلها أيضًا. العديد من القبائل الآن لديها شيخان كبيران، واحدٌ في أربيل عاصمة كردستان العراقية، والآخر في بغداد. والانقسام يسير من أعلى إلى أسفل كذلك: بعيدًا عن فيلات الشيوخ الفخمة، من الصعب أن تجد سنيًا يقول خيرًا عن قادته. قال لي لاجئ من هيت "كلهم مجرمون".

 

وبينما يعاني مجتمع السنَّة من الفوضى، لا يبلي تنظيم الدولة بلاءً حسنًا هو الآخر. خفت الحماس الشعبي لحكم التنظيم منذ وقتٍ طويل في أماكن مثل هيت، ما يعني أنَّه غير قادر على الحفاظ على مناطق سيطرته أو التقدم نحو بغداد. وتحت وطأة الضغط العسكري من الجيش العراقي والمليشيات الشيعية والضربات الجوية الأميركية، تتراجع الدولة الإسلامية ببطء: في (كانون الأول/ديسمبر)، فقدت الرمادي، وفي (آذار/مارس) بدأت القوات العراقية تتقدم نحو هيت.

 

لكن كثيرٌ من السنَّة يقولون إن هذه الحملة حتى وإن نجحت في إسقاط تنظيم الدولة، لن تفعل شيئًا تجاه الانقسامات الجوهرية التي أسهمت في إنتاج الجماعة في المقام الأول. هذه الانقسامات هي نتيجة عقودٍ من السياسات الأميركية وفساد الحكم في عهد صدام، وستبقى طويلًا بعد رحيل تنظيم الدولة.

 

لا يأمل الكثير من اللاجئين السنَّة الذين قابلتهم في عراقٍ مسالمة: انهارت كل أفكارهم عن استعادة مكانتهم في المجتمع العراقي أو إسقاط الحكم الشيعي، واستحوذت عليهم غريزة البقاء الأولية. قال لي محمد، عامل بناء تمكَّن من الهرب من مدينة الفلوجة بعد سيطرة تنظيم الدولة عليها "لا أريد العودة أبدًا. حتى وإن سفط تنظيم الدولة، الجميع يحاولون الخروج والابتعاد عن العراق بأقصى ما يمكن".

 

 

في أحد أيام (نوفمبر/تشرين الثاني) الماضي، في مطعمٍ على جانب الطريق بحيّ مصباح المركزي في بغداد، التقيت بطاهٍ يُدعى عبد الحميد. أخبرني بأن عائلة شيعية اجتمعت بالقرب من منزله في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، حدادًا على طفلٍ يبلغ من العمر 11 عامًا مات بالدوسنتاريا. نصب العائلة خيمة عزاءٍ وقدمت الطعام والحلوى للمارة. وفي وقت الغداء، سلك رجلٌ طريقه عبر الحشد، ووصل إلى طاولة الأطعمة والمشروبات، وفجَّر نفسه. قال عبد الحميد "كان انفجارًا مروعًا. تناثرت الجثث في كل مكان". احترق والد الصبي وعمه حيين - "اضطروا إلى استخدام مطافئ الحريق لإخماد النار. لقد تفحَّما". كان قريب عبد الحميد حاضرًا في ذلك اليوم، وكان عازمًا على التطوع للقتال في الخطوط الأمامية ضد تنظيم الدولة. يقول عبد الحميد "كان يتهيأ لدخول منزله حين جرحت الشظايا رقبته وثقبت جسده، واستُشهِد". لقي 18 شخصًا حتفهم، كلهم من الشيعة، من بينهم شيخٌ وطفلة عمرها سبعة أعوام.

 

كان الهجوم جزءً من الخسائر البشرية الرهيبة المجهولة، التي أنزلها تنظيم الدولة بالمدنيين الشيعة باستخدام السيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية - كجزءٍ من إستراتيجية الدولة الإسلامية لترويع المجتمعات الشيعية وتعميق الصدع الطائفي في البلاد، الذي هو شريان حياة الجماعة. إن تمكن تنظيم الدولة بطريقة ما من السيطرة على بغداد، سيواجه الشيعة خطرًا وجوديًا. يُشير هذا إلى أن ما يقف وراء صعود الشوفينية الشيعية، وتكاثر المليشيات والانتهاكات ضد السنَّة هو ببساطة منطق البقاء. على سبيل المثال: انتزعت المليشيات جرف الصخر، جنوب بغداد، من يد تنظيم الدولة وردت كل المدنيين السنَّة - ما يعني أن الآلاف فقدوا منازلهم وممتلكاتهم. لكن معدل تفجيرات السيارات المفخخة في المنطقة تراجع في العام التالي.

 

كل بيتٍ وكل محلٍ كان يحمل شعارًا شيعيًا ويرفع الأعلام على واجهته. مررنا ببضعة رجالٍ يقفون بمدافعهم الرشاشة عند زاوية الطريق يدخنون. أشار أبو عمار إلى المنزل، ثمَّ خرجنا من الحي كي يغادر السيارة، طلبًا للأمان

في هذا السياق، يمكن أن نرى الأيقونات التي أزعجت آل صبار في حيهم ببغداد -لافتات الشهداء الشيعة ولوحة الخُميني وخامنئي الإعلانية- باعتبارها شكلًا من أشكال المقاومة أكثر منها عدائية طائفية. لطالما تساءلت: كيف يرى عامة الشيعة مأساة آل صبار؟ إن كانت المليشيات الشيعية قد طردت آل صبار من منزلهم، هل تعيش عائلة شيعية الآن في المنزل؟ من هذه العائلة إن كان هذا صحيحًا؟ هل سحقهم التاريخ - من صدام مرورًا بالأميركيين والآن تنظيم الدولة- بطريقة مختلفة لكن موازية للطريقة التي سحق بها آل صبار؟ هي عرفوا بالظروف البشعة التي وفَّرت لهم منزلهم الجديد؟

 

قررت زيارة المنزل واكتشاف الأمر بنفسي. في أواخر العام الماضي، وافق أبو عمار، الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة بين بغداد وكردستان بحثًا عن قوت يومه، وافق على أن يريني مكان البيت. كان علينا توخي الحذر، فالعائلة كانت تعيش في منطقة واقعة تحت سيطرة عصائب أهل الحق، المليشيا الشيعية الأكثر فتكًا بين كل المليشيات العراقية على ما يُزعم. يُعتقد أن الجماعة تتلقى تدريبها وتمويلها من فيلق القدس الثوري في إيران. وتقول الشائعات إن قائد الجماعة المحلية كان مجرمًا برز نجمه أثناء الاحتلال الأميركي على إثر تنفيذه مجموعة من عمليات الاختطاف وجز الرؤوس. وفقًا لبعض السكان ممَّن تحدثت معهم، لا تُنفَّذ أي نشاطات مسلحة في الحي إلا بإذنه.

 

تحرَّكنا في أواخر النهار، يصحبني صديقي ومترجمي الذي سأسمِّيه هاشم. كان حي الجهاد ينفجر بالألوان: لوحاتٍ إعلانية أرجوانية، ولافتات خضراء لامعة، وأعلام حدادٍ سوداء، وأعلام حمراء متعطشة للانتقام. مررنا بنقاط تفتيش متفرقة يديرها مسلحون يرتدون القمصان ذات الأكمام القصيرة والسراويل المموهة. كل بيتٍ وكل محلٍ كان يحمل شعارًا شيعيًا ويرفع الأعلام على واجهته. مررنا ببضعة رجالٍ يقفون بمدافعهم الرشاشة عند زاوية الطريق يدخنون. أشار أبو عمار إلى المنزل، ثمَّ خرجنا من الحي كي يغادر السيارة، طلبًا للأمان.

 

عُدت أنا وهشام، وقد بلغ منا التوتر مبلغًا. كل أسبوعٍ كانت عشرات الجثث المشوهة تظهر في المشرحة، من أحياءٍ تشبه ذلك الحي. مررنا بنقاط التفتيش مرة أخرى. وكان الظلام قد بدأ يحلّ. ظهرت سيارة بيضاء خلفنا، تحافظ على مسافتها منَّا وتتبع انعطافاتنا. مررنا بمدرسة، وسمعنا من خلف الجدار أصوات الأطفال يلعبون. لافتة قريبة من البوابة مكتوبٌ عليها "المدرسة العباسية"، حيثُ قُتل رجال آل صبار.

 

ارتدى سلام ثياب الجندية الزرقاء وطاقية بيريه. كان متجهًا مرة أخرى إلى خنادق الأنبار، يحمل مدفعه على كتفه وهويّته الحكومة في يده، من أجل قتال الدولة الإسلامية. (رويترز)

 

حين توقفنا عند المنزل، شاهدت في ارتياح السيارة البيضاء تمر بنا وتكمل في طريقها. أربكتني الروائح الصادرة عن مكب النفايات في الناحية الأخرى من الشارع إذ ترجلنا من السيارة. كان لون البوابة الأمامية أزرق مخضر باهت، تكسوه بقعة هائلة من الصدأ. ناحية البيت كان علمٌ يخلد ذكرى شهداء الشيعة يميل من البيت المجاور ويرفرف فوق السطح. كان الظلام حينها قد حل، وأضاءت أعمدة الإنارة الشارع، وطرقت البوابة. لم يجب أحد. طرقت مجددًا وانتظرت. لا أضواء بالداخل. بدأت رائحة العفن من المكب المفتوح تصيبني بالدوار، ولاحظت فجأة أن بقعة الصدأ تتموج. مددت يدي لألمسها لكن هاشم أوقفني. "انظر، إنه ذباب". مئات الذبابات. كتلة زاحفة. بدأ المطر يهطل وطرقت الباب مرة أخرى. وبدأ بضعة من أطفال الحي يتوافدون. فقررنا الرحيل.

 

لاحظت قطعة من القماش الأخضر مربوطة بالبوابة، من أجل استقدام البركات وإبعاد الأرواح الشريرة، وهي ممارسة شائعة عند الشيعة. هل كانت علامة على الهيمنة، أم التطهّر من الإثم؟ ربّما أمارة على ندم الحيّ، أو حتى أحد المنتمين للمليشيات؟ بغض النظر، كان من الواضح أن البيت مهجور. طُردت عائلة سنية، لكن لم ترتح أي عائلة شيعية إلى الانتقال مكانهم. ورغم دائرة الانتقام، وأعمال الثأر المتوالية، ربَّما كانت هذه لعبة يخسر فيها الجميع: أعمال العنف ضد السنَّة لا تنفع المجتمع الشيعي، على الأقل في هذه الحالة.

 

لاحقًا اتصلت بأبو عمار لأصف ما وجدت. قال "منذ الحادثة، آمنَّا دومًا بأن من أبناء الحي الشيعة من حاول مساعدتنا. لا أدري، ربَّما لهذا السبب جاء الرجل إلى منزلنا في الليلة التي سبقت الحادث، لكي يحذرنا". كان غريبًا أن تستخدم العائلة دومًا هذه الكلمة، الحادثة، في وصف المجزرة. ربَّما حين يرسم الخطاب الرسمي الصورة بتمايزٍ صارخ معتبرًا تنظيم الدولة الشر الخام المقطَّر، لا يعد في اللغة مستعٌ لوصف الجانب الآخر، أو حتى فهمه.

 

بالنسبة لآل صبار وكثيرين غيرهم، فإن تصنيف الجانب الآخر بكلمة مثل الإرهاب هو ترفٌ يتناقض الخيارات البشعة التي فرضها تنظيم الدولة على الآخر. في آخر مرة تحدثت فيها مع أبو عمار، في (كانون الأول/ديسمبر)، كان في عجلة من أمره. كان سلام، آخر ناجٍ من أبناء فلاح البالغين، يقضي إجازته في البلدة، ويستعد للرحيل. هو الآن العائل الوحيد للأسرة، وصار قدومه ورحيله مناسبات تجتمع فيها العائلة. كان الوقت مبكِّرًا وكان أبو عمار يستعد لإيصال سلام إلى المطار. ارتدى سلام ثياب الجندية الزرقاء وطاقية بيريه. كان متجهًا مرة أخرى إلى خنادق الأنبار، يحمل مدفعه على كتفه وهويّته الحكومة في يده، من أجل قتال الدولة الإسلامية.

========================================

 

المقال مترجم من صحيفة ذا أتلانتيك: من هذا الرابط

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك