اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/10 الساعة 14:35 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/16 هـ

انضم إلينا
من هم المسيحيون الذين يحميهم ترمب؟

من هم المسيحيون الذين يحميهم ترمب؟

  • ض
  • ض

في الحادي عشر من يونيو الماضي، قام مكتب الهجرة والجمارك الأميركي باعتقال مجموعة من العراقيين أثناء توجههم إلى الكنيسة. لم يكتفِ المكتب بذلك فقط، بل اعتقل آخرين أثناء خروجهم منها. تم إرسالهم إلى مراكز احتجاز، وغدا معظمهم في مركز يونغستون، أوهايو بعيداً عن أبنائهم وأهاليهم كي يتم ترحيلهم إلى العراق.

 

حصلت هذه الحادثة بعد أن أعلن كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائبه مايك بنس توليهما مسؤولية الدفاع عن المسيحيين في الشرق الأوسط وحمايتهم من أي اضطهاد. وأكد بنس في أحد خطاباته في شهر مايو "إن حماية حرية الأديان أياً كانت هي أولوية خاصة في سياسة إدارة ترمب"، فيما اعتبر الدفاع عن المسيحيين المضطهدين هو "أهمية قصوى". وادعى أن إدارتهم "دائماً ستعزز دور أميركا في إحياء الأمل والحرية والحياة"، وأن "أميركا كانت وما زالت وستبقى دوماً مشعلاً مضيئاً في أعلى القمم".

 

كان حديث بنس أشبه بخطبة دينية مُجمَّلة باقتباساتٍ مقدسة. مع أن خطابه تضمن العديد من الوعود بمساعدة "أتباع المسيح" إلا أن إدارة ترمب تسعى حالياً إلى إعادة من صممت على حمايتهم -مسيحيّو الشرق الأوسط- إلى أيادي مضطهديهم.

 

العديد من ذوي الموقوفين يرون أن الإدارة الأميركية تودي بحياة أقربائهم للموت، خاصة أن المسيحيين يشكلون أقلية مُضطهدة في العراق. في الاثنين من نفس أسبوع الاعتقال، قام أحد محامي المحكمة الفدرالية بإصدار قرار عُمِّم على جميع ولايات أميركا بإبقاء المحتجزين -١٩٩ شخصاً- لفترة أسبوعين كفرصة لمنع التصديق على قرار ترحيلهم.

 

نائب الرئيس الأميركي مايك بنس   (رويترز)

 

 في نفس اليوم أوقفت المحكمة العليا جزئياً قرار ترمب بحظر دخول رعايا سبع دول إسلامية إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث اسثنيت العراق من هذا القرار بناءً على مفاوضات دارت بينها وبين الحكومة الأميركية. وجاء الاستثناء على حساب مسيحيي العراق، حيث أبدت حكومتهم الموافقة على استقبال المحتجزين بطلب من الحكومة الأميركية وذلك حسب مصادر لمكتب الهجرة والجمارك. 

 

ولتبرير فعلتهم أمام الرأي العام الأميركي، قالت ريبيكا إدوسي، المدير الميداني لعمليات الترحيل في مكتب للهجرة والجمارك في ديترويت (آي سي إي) "أردنا من عملية احتجاز هؤلاء الأجانب حماية المدنيين الأميركيين من خطرهم"، متهمة أغلبية المحتَجَزين "بالإجرام في عدة قضايا سابقة".

 

لم يسكت الشارع الأميركي على هذه الاعتقالات، حيث تظاهر العديد من الناس أمام المبنى الفدرالي وداخل الكنائس الكلدانية في ديترويت. حاولت مؤسسة المجتمع الكلداني إيقاف عملية الترحيل ولو مؤقتاً إلى أن تتحسن الأوضاع في العراق، وبرر رئيسها مارتن مانا هذا التحرك العاجل خشية أن يواجه المسيحيون المرحَّلون خطر "الإبادة الجماعية"، مؤكداً أن "أمر ترحيلهم أصبح مصدر قلق بالنسبة لنا فنحن لم نتعود على هذا السيناريو من قبل".

 

مسيحيو العراق المنتمون للكنيسة الكاثوليكية الكلدانية هم الأقدم وجوداً على الإطلاق من بين المجتمعات المسيحية الأخرى الموجودة في العالم. أقليتهم في العراق كانت سبباً في تعرضهم للانتهاكات والتعذيب. في عام ١٩٨٧ كان هناك ما يقارب المليون ونصف مسيحي في العراق، أي ما يعادل ستة بالمئة من التعداد السكاني هناك. بعد ٢٧ سنة وصل عددهم إلى نصف مليون فرد، ٣٠٠٠٠٠ منهم وقعوا تحت احتلال تنظيم الدولة الإسلامية. وقد حذر البعض من اختفاء المسيحية في العراق نهائياً، ومنهم قسيس بغداد "كانون أندرو وايت" الذي قال حينها "نحن مقبلون على حقبة لن نرى فيها أي مسيحي في العراق".

 

ميثاق محاربة الإرهاب يحتم على أميركا إعادة النظر في إقصاء المقيمين العراقيين إلى بلادهم، حيث الاضطهاد والتعذيب

رويترز

 

بعض المعتقلين هاجروا من العراق وعاشوا في الولايات المتحدة منذ أعوام طويلة، وبعضهم الآخر هربوا في السنوات الأخيرة من بطش تنظيم الدولة. ورغم أن إدارتي ترمب وأوباما أكدتا سابقاً أن مسيحيي العراق كانوا ضحايا للإرهاب والإبادة الجماعية إلا أنه قد تم احتجاز مئات منهم. وكانت ولاية ميترو ديترويت الأكثر استهدافاً لهم نظراً لأنها تضم أكبر تعداد للجالية العراقية المسيحية خارج بلادها. 

 

جستن هانا، محامي من ولاية ماشيغن والممثل الرسمي للعراقيين المتهمين، ذكر أن ترحيل المحتجزين إلى العراق ما هو إلا خرق لمبادئ أميركا في مواجهة الإرهاب. وأضاف أن مذكرات عدة قُدمت باسمهم ليستطيعوا بذلك مراجعة التحقيق المسؤول عن طردهم من أميركا. حيث رُفعت عدة مطالب إلى المحكمة لتأجيل دعواهم القضائية لضمان بقاء إقامتهم في الولايات المتحدة الأميركية ولو مؤقتاً. وهاجم هانا حكومة بلاده قائلاً "ميثاق محاربة الإرهاب يحتم على أميركا إعادة النظر في إقصاء المقيمين العراقيين إلى بلادهم، حيث الاضطهاد والتعذيب".

 

رداً على ذلك بررت الحكومة الأميركية بأن الأوضاع تحسنت في العراق ولم يعد التعذيب موجوداً فيها. ورغم خسارة تنظيم الدولة لبعض الثكنات العسكرية في العراق إلا أن هانا أكد أن هذه البلاد ما زالت تشكل خطراً على مواطنيها، وفسر ذلك قائلاً "في الغالب سيُنظر إلى المسيحيين المعتقلين عند عودتهم إلى العراق على أنهم أقلية موالية للأنظمة الغربية، وهناك احتمالية كبرى لتعرضهم للخطر بسبب ذلك".

 

العديد من المحتجزين قَدِموا إلى الولايات المتحدة الأميركية منذ صغرهم، وعاشوا فيها إلى أن وصلوا إلى الخمسينيات أو الستينيات من عمرهم، لدرجة أن "الكثير منهم لم يعد يتحدث العربية، بل بعضهم لم ينطق بها من قبل" حسب ما قال هانا. ومع أن اللغة العربية هي اللغة الدارجة في معظم أرجاء العراق إلا أن بعض الأقليات يتكلمون بلغات أخرى غيرها.

  

لدى ليث علامة صليب على يده، ما سيزيد الطين بلة أنه لا يتحدث اللغة العربية. إن غادر إلى العراق سيُعذب ويُقتل دون أدنى شك، أميركا هي المكان الوحيد الملائم له

رويترز

 

وكمثال على ذلك فإن ليث فرانسيس -٥٧ عاماً- الذي هاجر من العراق إلى أميركا وعمره لا يتجاوز أربع سنين تم تكبيله على يد عاملين من مكتب الهجرة والجمارك وإجباره على الذهاب إلى مركز يانغزتاون للحجز بحجة أنها مساءلة روتينية. اتُهم ليث بحيازته للممنوعات عام ١٩٩١، وأمضى بعض الوقت في السجن بعد إدانته بالجريمة. بعض المحامين والأقارب يعتقدون أن قرار ترحيله هو وزملاؤه المحتجزون لم يكن وليد اللحظة إنما تم عرضه على الحكومة الأميركية قبل سنين عدة. حينها لم تصدق الحكومة على هذا القرار، خيفة تعرض المحتجزين للخطر في العراق آنذاك. إلا أن إدارة ترمب وافقت على ترحيلهم، بادعاء منها أن الأوضاع استتبت فيها.  

 

"ما حصل لأخي كان مؤلماً جداً، جميعنا يأمل بخروجه من هذا المأزق غير المُتوقع"، هكذا علقت جوان فرانسيس على وضع أخيها ليث الذي لم تستطع التحدث معه منذ أيام. لم يتعافَ ليث بعد من عملية أجراها قبل شهرين من قرار ترحيله. كانت جوان تعتني به إلى أن تم احتجازه. هو الفرد الوحيد في عائلته الذي لم يحصل على جواز أميركي، الأمر الذي جعل أخته قلقة حيال مستقبله. "لدى ليث علامة صليب على يده، ما سيزيد الطين بلة أنه لا يتحدث اللغة العربية. إن غادر إلى العراق سيُعذب ويُقتل دون أدنى شك، أميركا هي المكان الوحيد الملائم له"، علقت جوان.

 

أعرب المحامي هانا عن خشيته من أن تقوم الحكومة بتجريم العراقيين المسيحيين مرة أخرى بعد أن أخذت العدالة مجراها وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأميركي

الكثير من المحتجزين العراقيين حالهم كحال ليث. قدِموا إلى أميركا أيام صغرهم وبدأوا حياة جديدة بالكامل الأمر الذي كان سبباً في انقطاع علاقتهم مع العراق تماماً. دون وجود من يكفلهم في بلادهم لن يستطيعوا اللجوء إلى شمال العراق وستكون بغداد هي وجهتهم الوحيدة حيث الظلم والتعذيب كما أكد هانا. وأضاف أن "تل كيف" المدينة التي انحدر منها معظم المسيحيين العراقيين المقيمين في ديترويت، أصبحت خاوية على عروشها بسبب وجود تنظيم الدولة فيها.

 

وكمثال آخر؛ فإن لدى أحد المحتجزين ابنة أخ مصابة بسرطان الدم وهي بحاجة إلى مادة نخاع العظم منه. وأكد هانا "تبرع المحتجز مرتين بخلايا عظمه لابنة أخيه، وجسده هو الوحيد المطابق لها" هذا المتهم تم احتجازه في أحد منشآت مونرو القريبة من ديترويت وبعدها تم نقله إلى لويزيانا ثم إلى أريزونا. "لا نعلم السبب الرئيسي وراء نقله المتكرر. ردهم الوحيد هو عدم وجود شاغر لاحتجازه في ماشيغين"، ثم أضاف هانا "سأذهب غداً إلى أريزونا كي أحصل على توقيع عميلي لإكمال بعض الأوراق القانونية المطلوبة من المحكمة. أخشى أن يتم نقله إلى ولاية أخرى قبل وصولي هناك".

 

"معظم المحتجزين أدينوا بجرائم عدة منها الاغتصاب، الخطف، سطو المنازل، الاعتداءات الجائرة، أو حتى القتل"، قال خالد وولز المتحدث الرسمي لمكتب ديترويت الميداني للآي سي إي. ثم أضاف قائلاً "وكالتنا تكرس جميع جهودها للتخلص من كل من يهدد الأمن القومي، السلامة العامة، وأمن الحدود".

 

لكن تصريحات المحامي هانا أكدت عكس ذلك، حيث بينت أن المحتجزين دخلوا الولايات المتحدة بشكل قانوني وأن ٨٥٪ منهم لم يُدانوا بجرائم عدوانية، ومع أنهم ارتبكوا جرائم أخرى غير شرعية إلا أن القانون حاسبهم على ذلك من قبل، بمعنى أن هؤلاء المُحتجَزون دفعوا ثمن أخطائهم في السجون. وأعرب هانا عن خشيته من أن تقوم الحكومة بتجريمهم مرة أخرى بعد أن أخذت العدالة مجراها وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الأميركي.  
 
===================================
  
المقال مترجم عن: هذا الرابط
إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك