اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/18 الساعة 12:26 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/26 هـ

انضم إلينا
لماذا لا يتردد مسلمو ألمانيا على المساجد كثيرا؟

لماذا لا يتردد مسلمو ألمانيا على المساجد كثيرا؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض

بمنأى عن الادعاء بمحاولة "أسلمة" البلاد، يجد بعض السوريين نموذج الإسلام في ألمانيا شديد المحافظة لذائقتهم. استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ وطالب لجوء من البلاد ذات الأغلبية المسلمة منذ عام 2015، أي أكثر من أي بلد أوروبي آخر. وقد أمدت مسألة دمجهم في المجتمع الألماني الوقود اللازم لارتفاع أصوات اليمين المتطرف في دوائر السياسات الألمانية، التي استخدمت حوادثًا على شاكلة هجوم سوق عيد الميلاد في برلين عام 2016 والاعتداءات الجنسية التي حدثت في كولونيا ليلة رأس السنة؛ لتلمح إلى أن الوافدين الجدد من المسلمين يشكلون تهديدًا على المجتمع الغربي. وفي أوج أزمة اللاجئين في أوروبا، حصل الحزب المتطرف "البديل من أجل ألمانيا" على 15% من الأصوات خلال إحدى استطلاعات الرأي، معتمدًا بقوة على المخاوف التي تعتري الجمهور الألماني من اللاجئين والخطابات المناهضة لـ"أسلمة" ألمانيا.

 

بيد أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها ألمانيا تدفقًا كبيرًا للمسلمين. قبل عام 2015، كانت ألمانيا بالفعل موطنًا لما يقترب من 4 ملايين مسلم، وأغلبهم من الأتراك الذين جاءوا منذ 60 عامًا للمساعدة في إعادة إعمار البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ولا يندمج كثيرا من هؤلاء اندماجًا جيدًا في المجتمع الألماني؛ إذ أنهم يعيشون في جيوب اجتماعية داخل نطاق المدن الكبيرة، حيث يتحدثون التركية أكثر من الألمانية، ويرتادون المساجد التي يديرها الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الإسلامية (ديتيب)، وهي منظمة ترتبط مباشرة برئاسة الشؤون الدينية التركية (هيئة حكومية تركية).

 

كان للجالية المسلمة الموجودة مسبقًا تواصلا محدودا مع موجة الوافدين الجدد. إذ تدار معظم ملاجئ الإيواء وبرامج الإغاثة عن طريق الكنائس والمنظمات العلمانية، في الوقت الذي لا يذهب فيه كثير من اللاجئين حتى إلى المساجد، ويقولون إن هؤلاء الأشخاص في مساجد العرب محافظون بشدة بينما الآخرين في مساجد الأتراك يتحدثون لغة مختلفة. ويشكو اللاجئون الذين تحدثت إليهم من أن القائمين على خدمة المساجد الموجودة مسبقًا متعجرفون، وأن الدروس التي يلقونها ليست ذات صلة بقضاياهم، وهي: الاندماج، والصدمة، وترسيخ أقدامهم في مجتمع جديد. كما يقولون إن المسلمين الأقدم في ألمانيا يصبون جل تركيزهم على سياسات الهوية ولعب دور الضحية، ولعل السبب في ذلك أنهم طالما شعروا لعقود من الزمن أنهم أقليات مستبعدة. لم يتخل كثير من الوافدين الجدد عن ثقافتهم ولا عن عقيدتهم، لكنهم لا يريدون أن يسمعوا هذه الأحاديث في الوقت الذي ينشغلون فيه بمحاولاتهم للتأقلم.

  

مسجد ميركيز في برلين والذي يديره الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الإسلامية "ديتيب" (رويترز)

 

خلال شهر رمضان الماضي، دخلت آفين اليوسف، البالغة من العمر 27 عامًا، مع زوجها ريزان ديرسوي، البالغ من العمر 28 عامًا إلى قاعة الإفطار المجاورة لمسجد كولونيا المركزي، وهما يدفعان عربة الأطفال التي كانت تحمل طفلتهما. كانت ساعتان تفصلهما عن المغرب، إلا أن القاعة كانت مجهزة بالفعل لتناول الإفطار، في حضور عديد من النساء التركيات اللائي يحومن فوق أوعية ضخمة من الأرز من أجل مئات الحاضرين. يتدلى العلم التركي والألماني من السقف. اقتربت اليوسف وزوجها ديرسوي من النساء التركيات، وهما زوجان كرديان هربا من مدينة القامشلي السورية وجاءا إلى ألمانيا لاجئين منذ عامين.

 

قالت اليوسف بلغة ألمانية ضعيفة "أريد أن أعرف إن كان هناك دروس للنساء في هذا المسجد". قطبت المرأة التركية وارتبكت. ألقت اليوسف الكلمات بالعربية والألمانية، وقامت بإشارات بيديها: "القرآن، دروس، المسجد، العربية؟" صاحت المرأة التركية في أحد الرجال حتى يأتي ويتحدث مع الأكراد. أعطى الرجل اليوسف وديرسوي بطاقة للمسجد، ثم قال بالألمانية "اتصلا بهذا الرقم واسألوهم غدًا". قال ديرسوي بالألمانية "شكرًا جزيلًا". مر الزوجان الكرديان أثناء خروجهما من القاعة على مجموعة كبيرة من النساء اللائي كنّ يرتدين الحجاب. رمقتهم اليوسف بنظرة وهزت رأسها، وقالت "جميعهم أتراك". فلن يستطيعا التواصل.

 

لقد جاءت اليوسف وديرسوي إلى المسجد التركي لأنهما سمعا أنه أحد أكبر المساجد في ألمانيا. قالت اليوسف إنهما منذ أن جاءا إلى كولونيا كانت تبحث عن مكان يناقش مسائل الإسلام صراحةً بدون الشعور بالضغط من أن يصيرا أكثر محافظة. إذ قالت "أريد أن أجد مسجدًا يعترف به الألمان، حيث أكون متأكدة أن الناس فيه ليسوا متطرفين". فقد جرَّبت بعضًا من مساجد العرب، لكنها شعرت أن ليس هناك طريقة كي تسأل الأسئلة التي لديها. وهي على سبيل المثال: إن كان خلع الحجاب صحيحًا أم لا، أو كيف تربي ابنها باعتباره كردي مسلم وألماني في الوقت ذاته.

 

قالت اليوسف "نحن في عام 2017، يحتاج ديننا إلى أن يتماشى مع العصر. يعيش هؤلاء الناس في زمن مر عليه ألف عام. وهم لا يتحدثون سوى عن العادات والتقاليد". أضاف ديرسوي قائلًا إن معظم المساجد في كولونيا توجهها الهوية بدرجة كبيرة. كما قال "إنهم يحاولون فقط أن يضموا أشخاصًا جدد إلى مجموعتهم، وأن يجعلونك مثلهم وحسب". وأوضح أنه قد يعود إلى المسجد التركي، ولكن إن كان هناك حديث باللغة العربية.

  

يعتبر الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الإسلامية (ديتيب) أكبر منظمة إسلامية في ألمانيا، إذ يدير 950 مسجدًا ومنظمة تابعة له عبر البلاد

الأوروبية
  

تجمع اللاجئون والمهاجرون القدامى داخل المسجد - من الأتراك، والعرب، والفرس، والأعراق الأخرى - من أجل تناول وجبة الإفطار. ومع صوت الآذان، بدا أن كل شخص قُدِّمت إليه مجموعة من أطباق الطعام، بدون أي أسئلة عن المكان الذي يأتي منه أي امرئ منهم. لوّح أحد مديري المكان الأتراك بيديه في الغرفة، وأخبرني بعربية فصحى أن الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الإسلامية يرعى هذا الإفطار: فيفتح أبوابه أمام كل المسلمين، سواء كانوا لاجئين أو غير ذلك. غير أن شخصًا سوريًا مشى بجانبه وقال ساخرًا بلغة عربية عامية "لماذا تسأله عن اللاجئين؟ كلهم أتراك. لم يذهبوا إلى المخيمات من قبل ولا يتحدثون إلى السوريين. إنهم لا يعرفون شيئًا عن مشاكلنا". لم يفهم الرجل التركي اللغة العربية التي تحدث بها الرجل السوري.

 

يُنظر إلى ديتيب على نطاق واسع في ألمانيا على أنها هيئة مريبة بسبب ارتباطها بالحكومة التركية. فلا يجب أن يكون إمام الاتحاد من المواطنين الألمان، كما يحصلون على رواتبهم من رئاسة الشؤون الدينية التركية الحكومية

يعتبر الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الإسلامية (ديتيب) أكبر منظمة إسلامية في ألمانيا، إذ يدير 950 مسجدًا ومنظمة تابعة له عبر البلاد. إلا أن انخراطهم في الاستجابة لأزمة اللاجئين كان محدودًا لأن المنظمات الإسلامية أصغر وأقل اتصالًا بالسياسات من نظيرتها المسيحية، وذلك حسبما يقول الأمين العام للاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الإسلامية، بكير ألبوجا. يقول ألبوجا "تقريبًا كل الدعم والعمل المُكرس لصالح اللاجئين تدفعه الحكومة إلى المنظمات الكنسية. وإيراداتنا المالية تعتبر أصغر بكثير".

 

تمتلك الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية في ألمانيا تمثيلًا قانونيًا يسمى "كور"، وهو نوع من التسجيل يسمح لهم بأن يمتلكوا الأراضي، ويبرموا التعاقدات الحكومية، بل ويجمعوا العشور عبر ضرائب الدولة. وعلى النقيض من ذلك، تحصل الجماعات الإسلامية على علامة (إي في)، وهو نوع من التمثيل القانوني للجمعيات الخيرية التي تشبه نادي تنس أو جمعيات بناء الجسور. قال ألبوجا إن الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الإسلامية (ديتيب) يحاول تأسيس منظمة مسجلة تقدم الرعاية الاجتماعية للمسلمين وتكون على مستوى التمثيل القانوني "كور"، لكنه لم ينجح بعد في مسعاه. أضاف ألبوجا "نريد أن نحصل على هذا الاعتراف حتى نستطيع أن نعمل مع الدولة، كي يُنظر إلينا باعتبارنا جهة قانونية وأننا لسنا مثل الغرباء".

 

يُنظر إلى ديتيب على نطاق واسع في ألمانيا على أنها هيئة مريبة بسبب ارتباطها بالحكومة التركية. فلا يجب أن يكون إمام الاتحاد من المواطنين الألمان، كما يحصلون على رواتبهم من رئاسة الشؤون الدينية التركية الحكومية "ديانت". أُلقي القبض في العام الماضي على بعض الدعاة المنتمين إلى ديتيب وهم يتجسسون باسم الحكومة التركية على أشخاص يُشتبه في دعمهم لمحاولة الانقلاب التي وقعت في تركيا. يقول ألبوجا تعليقًا على رعاية مجتمعات موازية لا تتحدث الألمانية - إنه لا ينبغي إلقاء اللوم على المسجد.  أضاف ألبوجا "نحن نريد أن يتحدث جميع أهلنا الألمانية وأن يصيروا ألمان، لكننا أيضًا نريدهم أن يعرفوا ثقافة وديانة جذورهم". وأردف قائلًا "تجلب المساجد إثراءً ثقافيًا ودينيًا في أي مجتمع متعدد الثقافات والعقائد. وإن لم تريدوا ذلك، فأنتم تطلبون المماثلة والامتصاص وليس الاندماج".

  

   

بيد أن بعض السوريين رفضوا صراحةً الطريقة التي يتواصل بها الأتراك مع المجتمع الألماني. ففي برلين، يقود همام نصريني، وهو أستاذ فلسفة سابق من حلب، مجموعة من اللاجئين السوريين الذي يحاولون العثور على مركز ثقافي كي يندمجوا مع الألمان اندماجًا أفضل. قال نصريني "نريد أن نفعل شيئًا مختلفًا مما يفعله الأتراك. نحن لا نريد أن نبقى هنا لستين عامًا ولا نزال منفصلين عن المجتمع". ويبين نصريني أن المشكلة التي تواجهها المساجد لا تعتبر دينية، بل إنها مشكلة سكانية في ظل هذا الوقت الذي يُقضى في المسجد مما يعني البقاء مع عرب آخرين وحسب، على حساب ممارسة اللغة الألمانية والاندماج.

 

ويضيف نصريني أن التحدي الآخر الذي يواجه السوريون هو ذلك التحدي الذي سار معهم منذ بدء ثورتهم، والذي يتمثل في: فصل الهوية المدنية عن الدين. إذ قال "نريد أن نحظى بصورتنا باعتبارنا مجتمع سوري حديث ومتقدم. وهو ما لا يعني أن نكون غير متدينين، بل أن نكون مجتمعًا مدنيًا. لذا فيمكنك أن تكون متدينًا أو لا، ولكن في كلا الحالتين لا ينبغي عليك أن تجبر الآخرين أو تضغط عليهم ليصيروا هكذا". قال اللاجئون إن قليلًا من المساجد القائمة منفتحة على هذا النوع من التفكير.

 

قال سومار كريكير، وهو سوري يبلغ من العمر 29 عامًا طلب اللجوء إلى الأردن قبل أن يعبر البحر إلى ألمانيا عام 2015 "معظم المسلمين هنا ذوو عقول منغلقة. إنهم يجعلونك تكره الدين". يعيش كريكير في مدينة زولينغن، وهي مدينة صغيرة تقع خارج كولونيا. أوضح الشاب السوري أن إعادة التوطين كانت جيدة من الناحية السياسية، لكنها معزولة. إذ إن معظم سكان سولينغارد من المواطنين كبار السن. يعتبر مالك المكان الذي يمكث فيه رجلًا تركيًا لا تتحدث زوجته الألمانية وتعيش عائلته تقريبًا خارج إطار الرعاية الاجتماعية. لم يذهب كريكير إلى المسجد سوى في مناسبة واحدة، وكان ذلك خلال العيد، إلا أنه وجد الرسالة التي تُقدَّم في المسجد بلا مغزى. أوضح كريكير "الجميع يتحدثون عن التقاليد والتوقعات الاجتماعية. إنهم لا يتحدثون عن العقيدة باعتبارها عقيدة، وباعتبارها دين حقيقي. فكيف إن قدموا شيئًا ينطبق على وضعنا الحالي؟ فلماذا لا نتحدث عن العدل، على سبيل المثال؟ حسبهم أن يقولوا "إننا نصوم"، فلماذا نصوم؟ لا نعرف، لأنه ينبغي علينا أن نفعل وحسب".

   

قضى الوافدون الجدد ما يقرب من عامين في ألمانيا، إلا أن كثيرًا منهم لا يزالون يعيشون في ملاجئ إيواء مؤقتة

غيتي
 

يكمن السبب الآخر الذي يجعل اللاجئين يوجهون أشرعتهم بعيدًا عن الدين في أن كثيرًا منهم يرتبط لديهم الدين وسياساته بالصدمة العميقة والمستمرة، حسبما تقول إلكه هيلر، وهي من سكان برلين وتدير مشروع لدمج اللاجئين في حي كارو. قالت هيلر "إنه الشيء الذي يفصلهم. إنه الفيل داخل الغرفة. تخيل أن لديك يزيديين يعيشون مع عرب، وقد هربوا للتو من موقف "نحن ضدهم". إنهم يحاولون ألا يلمسوا هذا لفترة طويلة".

 

يصلي كثير من الأشخاص يوميًا من أجل الأقارب المحاصرين الذي يعانون من القصف والجوع والإرهاب. وهم لا يكترثون لأن يستمعوا إلى الخطب السياسية حول ما ينبغي أن يجبرك الدين على القيام به أو ما إذا كانت هويتك الدينية تجعلك صالحًا أم فاسدًا، من الداخل أو من الخارج. يوجد رجل على سبيل المثال من منطقة هيلر جاء من مدينة خان شيخون وفقد عائلته في الهجوم الكيماوي الذي وقع هناك في شهر (أبريل/ نيسان). يواجه هذا الرجل عذابًا لكونه فقط على قيد الحياة ويحاول تعلّم الألمانية، في الوقت الذي يعلم فيه كيف أن أحباءه أُحرقوا واختنقوا حتى الموت. تقول هيلر "أجسادهم هنا، ولكن عقولهم هناك في إدلب وحلب وحمص؛ فهو شيء شديد الصعوبة. عندما تتعمق في الأمر، تسمع عن أخوة اختفوا وأمهات بدون علاج. أجل، هم هنا يعيشون في سلام والطيور تغرّد. لكنهم لا يسمعون تغريد الطيور".

 

على الرغم من أن كثيرًا من اللاجئين يتجاهلون الجالية المسلمة الموجودة مسبقًا، تسبب الدين في مشكلات داخل بعض مجتمعات اللاجئين، ولا سيما في البيئات المُركَّزة. قضى الوافدون الجدد ما يقرب من عامين في ألمانيا، إلا أن كثيرًا منهم لا يزالون يعيشون في ملاجئ إيواء مؤقتة. ويتكدس كثير من اللاجئين داخل غرف واسعة وتفصلهم الستائر عن بعضهم بعضًا داخل قاعات مؤتمرات، أو يعيشون داخل مخيمات متنقلة في الضواحي.

 

تدير ناير إنكورفايا، وهي إيرانية ألمانية جاءت لاجئة منذ 30 عامًا، مخيمًا للاجئين يدار بوسطة منظمة مسيحية غير ربحية في منطقة بانكو ببرلين، حيث قالت إن بعض اللاجئين المحافظين بشدة طالبوا بفصل الرجال عن النساء في طوابير الطعام. قالت إنكورفايا "لا أريد ذلك، لأن وظيفتي دمجهم في هذه البلاد. نحن في ألمانيا، لذا فنحن نريد أن يكون لدينا قيم ألمانية، ولا سيما الحرية وحقوق المرأة". عندما أصرت إنكورفايا أن يختلط الرجال والنساء في ملجأ الإيواء، نشأ التوتر. إذ قالت إن رجلين أو ثلاثة فقط كانوا يضغطون على الآخرين. وأضافت "كانوا يلقون باللوم على الناس بأشياء من قبيل "أنتم مسلمون، لماذا تتصرفون هكذا؟" وفي النهاية، أُرسل هؤلاء اللاجئون إلى أماكن أخرى. وانتقل سكان المخيم الآخر إلى مخيمات متنقلة.

  

الشعور المشابه بالغربة قد يجعل الوافدين الجديد عرضةً لعدم الاندماج ومن ثم الانسحاب لاحقًا نحو إحدى المجتمعات الموازية

 الأوروبية
  

عندما جاءت إنكورفيا إلى ألمانيا وعمرها 13 عامًا، لم تتحدث في المدرسة لعام كامل. قالت إنكورفيا "كنت مرفوضة حقًا. لم أرغب تعلم الألمانية أو أن أكون ألمانية. كرهت الأمر". فهي لم تتقبل ألمانيا إلا عندما قابلت بعض المسيحيين الذين عاملوها بلطف. وعن ذلك قالت "كانوا لطفاء معي. أردت أن أشرب الشاي في كؤوس كبيرة لأنهم كانوا يشربونه في كؤوس كبيرة. هم أحبوني، وأردت أن أكون مثلهم". قالت إنكورفيا إنه على الرغم من وجوب تعلم اللاجئين للمعايير الألمانية من الحقوق المدنية وقبول هذه المعايير، فيجب على الألمان أن يساعدوا في دمج الوافدين الجدد عن طريق عدم التعامل معهم على أنهم مجموعة سكانية مختلفة. وأوضحت "عندما تقول، لنجعل غرفة صلاة خاصة من أجل المسلمين، فإن هذا النوع من "التسامح" هو ما يظل يجعلهم أجانب واستثنائيين، ولا يجعلهم "جزءًا منا". وكلما تنظرون إليهم على أنهم أجانب، فلن يندمجوا". وفي هذا المنحى، تعبر إنكورفيا عن قلقها خاصة بشأن اللاجئين الصغار، والذكور، والعزاب. أضافت " عندما تشعر بالرفض، فإنك تصير متطرفًا. إن لم يُقبلوا، وإن لم يتحدث إليهم أي شخص في مترو برلين، سيأتي المتطرفون ويقولون "كونوا جزءًا من جماعتنا". ثم فجأة، تجد لديك إرهابيين".

 

رغم أن الشعور بأنك مرفوض يؤدي بالضرورة وفي كل الأحوال إلى التطرف، تدور رسالة إنكورفيا حول أن التهديد الذي يواجهه المجتمع الألماني واللاجئين ليس في الإسلام، ولكن في فقد الهوية التي لدى اللاجئين. قالت إنكورفيا إن أحد سكان مخيم بانكو، وهو أفغاني يبلغ من العمر 24 عامًا، قضى ثلاثة أشهر في تغيير الذات. ففي يوم يرتدى ملابس زهرية ويلون شعره باللون الأرجواني، وفي اليوم التالي كان يسير مرتديًا بدلة رسمية كأنه رجل أعمال. وكان يشغّل موسيقى الهيب هوب في المخيم ويرفض أن يتحدث بالفارسية. ثم عانى من انهيار عصبي ودخل المستشفى. قالت إنكورفيا "لقد حاول بشدة أن يكون ألمانيًا حتى صار كالحرباء ثم انهار. وفي المستشفى، أراها علامات حروق على ذراعيه وقال لها "أنا لا أستطيع أن أجد نفسي".

 

أوضحت إنكورفيا أن هذه الحالة كانت شديدة، لكن هذا النوع من الشعور بالغربة الذي قد يجعل اللاجئين لقمةً سائغةً أمام متطلبات المجموعات المتطرفة. يهتم معظم اللاجئين في ألمانيا بالاندماج والبقاء أكثر من اهتمامهم بالدين. كما يحاول كثير منهم الآن ألا يصيروا مثل المسلمين القدامى، فهم يتجنبون الذهاب إلى المساجد بسبب شعورهم بعدم الانتماء لها. غير أن ذلك الشعور المشابه بالغربة قد يجعل الوافدين الجديد عرضةً لعدم الاندماج ومن ثم الانسحاب لاحقًا نحو إحدى المجتمعات الموازية، إن لم يجدوا الإجابات التي يبحثون عنها في التيار الرئيسي من المجتمع الألماني. قالت إنكورفيا "سوف يندمجون وقتما يجدون القبول".

  

_________________________________

 
مترجمٌ عن: (ذا أتلانتيك)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك