اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/19 الساعة 10:15 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/27 هـ

انضم إلينا
ميثاق حقوق الإنسان.. هل نحن ملتزمون بتطبيق الاتفاق؟

ميثاق حقوق الإنسان.. هل نحن ملتزمون بتطبيق الاتفاق؟

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

هل حقوق الإنسان اتفاقٌ قانونيّ عُقد، وهو المعروف بالميثاق العالميّ لحقوق الإنسان؟ أم أنّها طرحٌ فلسفيّ؟ أم افتراض ثقافيّ؟ أم قانون؟ تلك المادة تناقش تلك الأسئلة كلّها من وجهة نظر قانونيّة وفلسفيّة. ثم في الأخير يقدّم الكتاب وجهة نظره مدلّلاً عليها.

    

نص التقرير

نحن نعيشُ في عصر حقوق الإنسان. وأصبحت لغة حقوق الإنسان في كلّ مكان، وهي لغة مشتركة تُستعمَل للتعبير عن أبسط مطالب العدالة. ويُعدّ بعضُها مطالب قديمة، مثل حظر التعذيب والرقّ. أمّا البعض الآخر، فمستحدث؛ مثل المطالبات بالوصول إلى الإنترنت أو الزواج من الجنس نفسه. لكن ما هي حقوق الإنسان، ومن أين أتت؟ يُطرَح هذا السؤال بإلحاح من جانب فكرٍ متسائلٍ. وهل قد يمكن للناس الذين لديهم قيم ومعتقدات متصارعة أن يناشدوا بسهولة "حقوق الإنسان" فقط لأنهم، في نهاية المطاف، لا يتفقون على ما يتحدثون عنه؟ وهل قد يتوقّف الإجماع الشائع فيما يبدو بشأن أهمية حقوق الإنسان على تجريد تلك الفكرة بحد ذاتها؟ إذا كان هذا صحيحاً، فإذن يُعدّ الحديث عن حقوق الإنسان تحريفاً بلاغيّاًَ، يخفي الانقسامات الأخلاقيّة والسياسية الأعمق.

ناقش الفلاسفةُ طبيعة حقوق الإنسان منذ القرن الثاني عشر على أقلّ تقدير  (رويترز)


لقد ناقش الفلاسفةُ طبيعة حقوق الإنسان منذ القرن الثاني عشر على أقلّ تقدير، وغالباً كانت تحت اسم "الحقوق الطبيعية". كانت هذه الحقوق الطبيعية من المفترض أن يمتلكها الجميع، ويمكن اكتشافها بمساعدة سلطاتنا العقلانيّة (العقل الطبيعيّ)، في مقابل الحقوق التي ينصُّ عليها القانون أو يتم الكشف عنها من خلال الوحي الإلهيّ. بيد أنّه أينما كان هناك فلاسفة، فثمّة خلافٌ. إنّ الإيمان بحقوق الإنسان ترك الباب مفتوحاً لكيف نقارب إثبات أحقيّتها بالنسبة إليهم -هل هي، على سبيل المثال، حماية للاحتياجات الإنسانيّة عموماً أم مجرّد حماية لحرية الاختيار؟ وهناك أيضاً خلافات بشأن اللائحة الصحيحة لحقوق الإنسان -هل ينبغي أن تشمل الحقوق الاجتماعيّة-الاقتصاديّة، مثل الحق في الصحة أو العمل، بالإضافة إلى الحقوق المدنيّة والسياسيّة، مثل الحق في محاكمة عادلة والمشاركة السياسيّة؟

غير أنّ الكثيرين يحاججون الآن بأنّه ينبغي لنا أن نضع جانباً المهاترات الفلسفيّة حول طبيعة حقوق الإنسان وأصولها. ففي القرن الحادي والعشرين، لا توجد حقوق الإنسان في الأثير الضبابيّ للتكهنات الفلسفيّة، ولكن في خطاب القانون. إنّ حقوق الإنسان هي تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) ومختلف القوانين الدوليّة والمحليّة التي تنفذها. وحتّى قد يستشهدُ بعض الذين يتبنون هذا الضرب من التفكير بالفيلسوف الإنجليزيّ في القرن الثامن عشر جيريمي بنثام الذي رفض بشكل قاطع فكرة الحقوق الطبيعيّة القائمة بشكل مستقل عن القوانين التي صنعها البشر على أنها "هراء بلاغيّ -هراء يقوم على ركائز".

والآن، من الصحيح أنّه منذ منتصف القرن الماضي وثّمة بنية معمقة لقانون حقوق الإنسان قد انبثقت على المستويات الدوليّة والإقليميّة والمحليّة، وهي بنية فعالة لدرجات متفاوتة إلى حدّ بعيد. أمّا بالنسبة إلى أغلب الأغراض الإجرائية، فقد يكون الحال أننا، ببساطة، يمكننا أن نناشد هذه القوانين عندما نتحدث عن حقوق الإنسان. ولكن هذا النهج القانوني غير مرض في نهاية المطاف.

مظاهرة للاجئين في إحدى المدن اليونانية (رويترز)


وبادئ ذي بدء، لا يربط القانون دائماً جميع الذين نعتقد أنهم ينبغي أن يلتزموا بحقوق الإنسان. فمثلاً، لم تصدق بعض الدول على معاهدات حقوق الإنسان، أو صدقت عليها رهناً لاستثناءات واسعة النطاق ("تحفظات") تحزّ حفيظتها النقديّة. فيمكن لبلد مثل المملكة العربية السعودية أن يكون له مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلا أنه لا يزال قائماً بأشكال حادة من التمييز الجندري -مثلاً، منع المرأة من قيادة السيارات-، وذلك لأنّها جعلت قبولها لمعاهدات حقوق الإنسان عرضةً للتجاوز في حالة التصادم مع الشريعة الإسلاميّة.

وفوق ذلك، فإنّ القانون الدولّي لحقوق الإنسان، مثله مثل القانون الدوليّ عموماً، يكاد يقتصر على الدّول حصراً. غير أن الكثيرين يعتقدون أن العوامل غير الحكومية، مثل الشركات التي تتجاوز عائداتها في بعض الحالات الناتج المحليّ الإجمالي لجميع الدول الأغنى، تتحمل أيضاً مسؤوليات جسيمة في مجال حقوق الإنسان. فعندما يستخدم أصحاب المصانع مثل نايك البالغين من العمر اثني عشر عاماً لتخييط كرات كرة القدم في باكستان، أو مثل مزودي خدمة الإنترنت كـ"ياهو" للذين يسلمون سرّاً رسائل البريد الإلكترونيّ للمنشقين إلى الحكومة الصينيّة، فإنّ العديد من النقاد لا يشجبون مخالفات الشركات فحسب، ولكن أيضاً انتهاكات حقوق الإنسان. وهذا هو الحال حتى إذا كانت الشركة قد امتثلت لقوانين البلد الذي تعمل فيه.

يأتي هذا على وجه التحديد ردّاً على تهديد حقوق الإنسان الذي فرضته الشركات التي أُسِّست على "المبادئ التوجيهيّة بشأن الأعمال التجاريّة وحقوق الإنسان" (2011)، وهي من بنات أفكار عالم السياسة بجامعة هارفارد جون روجي. إن المبادئ التي أقرّتها الأمم المتحدة ليست ملزمة قانونيّاً سواء بالنسبة إلى الدول أو إلى الشركات. إنّها، عوضاً عن ذلك، تهدف إلى تقديم بيان موثوق به بمسؤوليات حقوق الإنسان التي تنطبق مباشرةً على الشركات، بصرف النظر عن أيّة التزامات قانونيّة قد تتحملها أيضاً. ويكمن طموح روجي في أنّ المبادئ ستوجّه عملية صنع القرار بالشركة في نهاية المطاف على كافّة المستويات، مما يدلّ على حقيقة أنّ حقوق الإنسان تتجاوز القانون وإنْفاذه.
 
ومع ذلك، ثمّة مشكلة أعمق في مماهاة حقوق الإنسان مع القوانين القائمة. فالقوانين هي إبداعات البشر غير المعصومين من الخطأ. فقد تكون جيدة أو سيئة، وهكذا تكون دائماً عرضة للتأويل والنقد من حيث المبادئ الأخلاقيّة المستقلة. ولا ينصّ القانون الدولي لحقوق الإنسان، من هذا المنظور، على أيّ من حقوق الإنسان القائمة؛ إذ هدفه، بدلًا من ذلك، هو إنفاذ الحقوق الأخلاقيّة التي نمتلكها بالفعل بحكم إنسانيتنا. فلم يصبح الرقّ والتعذيب والتمييز العنصريّ فجأةً انتهاكات لحقوق الإنسان فقط عندما تمّ حظرها قانونيّاً. بل على العكس: فلدينا قانون لحقوق الإنسان من أجل منح القوة لحقوق الإنسان التي كانت موجودة سلفاً قبل الاعتراف القانونيّ بها. وللأسف، لم يظهر بعد توافقٌ في الآراء بين الفلاسفة أو أي شخص آخر حول كيفية الدفاع عن حقوق الإنسان باعتبارها حقائق موضوعية ومستقلة عن القانون.

  

مظاهرة للاجئين أمام مبنى السفارة الالمانية بالعاصمة اليونانية أثينا  (وكالة الأنباء الأوروبية)


وقد سعى الفيلسوف الأميركي الراحل ريتشارد رورتي إلى الخروج من هذا المأزق. فعلى الرغم من أنّه ليبرالي قويّ، فقد استعاد المشروع الفلسفيّ في محاولة لإعطاء مبرّر منطقيّ لحقوق الإنسان. ورأى أنّ هذا النشاط لا جدوى منه الآن لأن حقوق الإنسان هي حقيقة متأصلة في ثقافتنا، وليس فقط في قانوننا. فكيف يمكننا أن نبرّر حقوق الإنسان عندما تبدو أكثر إقناعاً للبيراليينا الغربيين من أي فكرة أخرى قد نستخدمها لتبريرها؟ فكما حاجج رورتي، فإنّ المهمة الحقيقية التي تواجهنا هي المهمة العمليّة المتمثلة في تعزيز الامتثال لحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وليست مهمة فكريّة لترسيخ الحقوق في نسيج الواقع.

وتبنّى روجي موقفاً رافضاً بالمثل، وهو الذي يتصور مبادئه التوجيهية لا كانعكاس لمطالب أخلاقية "حقيقية"، بل باعتبارها متجذرة في "المعايير والتوقّعات الاجتماعيّة القابلة للقياس إمبريقيّاً". وعلى مستوى أكثر تطوراً، أصر الفيلسوف السياسي الأميركي الراحل جون رولز في عمله الأخير "قانون الشعوب" (1999) على أنّه في عالم تعددي لا يمكننا أن نبني التزامنا العامّ بحقوق الإنسان على أيّ تصوّر مثير للجدل حول "الحقيقة" بشأن الإنسانية أو الخير. وعلينا أن نعود، بدلا من ذلك، إلى الأفكار المشتركة المتضمنة في ثقافة الديمقراطيّة الليبراليّة.

ولكن، هل يكفي أن نعتمد على حقيقة مفترضة بأن حقوق الإنسان متضمنة في ثقافة ديمقراطية ليبراليّة؟ أم أننا بحاجة إلى أن نكون قادرين على التراجع عن تلك الثقافة وتقديم تبرير موضوعيّ للمبادئ المضمنة فيها، كما يفترض الفلاسفة منذ فترة طويلة؟ المشكلة هي أن التوقعات الاجتماعيّة والافتراضات الثقافيّة لا تختلف اختلافاً كبيراً بين المجتمعات فحسب، بل إنها هشة أيضاً: فالقوى المختلفة التي تتراوح بين العولمة إلى البروباغندا يمكن أن تتسبب في تغييرها بشكل كبير أو حتى في تلاشيها. وهل تختفي الحقوق ضد الجندر أو التمييز العنصري إذا غدت المواقف الجنسويّة أو العنصرية سائدة؟


ليس السؤال خياليّاً. فقد تحمّلت المعتقدات المستقرة فيما يبدو بشأن عدم جوازيّة التعذيب أو حقوق اللاجئين مؤخراً ردّ فعل عنيف. ويمكن أن يكون هناك تراجع وكذلك تقدم، مع عدم وجود ضمانات في كلتا الحالتين. إنّ التوقعات الاجتماعية والافتراضات الثقافيّة العميقة ليست أساساً كافياً لحقوق الإنسان أكثر من القانون. وهناك تناقضٌ قاتلٌ في الدفاع عن حقوق الإنسان ضد الاستبداد المتصاعد في حقبة "ما بعد الحقيقة"، مع التخلي في الوقت نفسه عن الاعتقاد بأنّ التزامنا بهذه الحقوق هو، في حد ذاته، مرتكز على الحقيقة، وأن وأنّنا مستعدين للدفاع عنها على هذا الأساس.

إن رأيي هو أنّ حقوق الإنسان متجذرة في المصالح العالميّة للبشر التي يتمتع كل واحد منها بمركز أخلاقي متساو ينشأ عن إنسانيته المشتركة. بعبارة أخرى، سنحتاج، للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى أن نناشد القيمة الكامنة في كونه عضواً من الجنس البشريّ، بالإضافة إلى المصالح المشتركة بين جميع البشر في أمور مثل الصداقة والمعرفة والإنجاز واللعب، وهكذا. وسيلزمنا أن نتساءل عما إذا كانت هذه الاعتبارات تُولِّد واجبات مستحقة لكل إنسان. وهذا الاقتراح لا يثير الجدل إلّا بالكاد. وسيعترض البعض على النداء إلى القيمة المتأصّلة للإنسانيّة باعتباره تحيّزاً قاسيا -فـ"فوقيّة النوع" تقف على قدم المساواة مع العنصريّة. وبالمثل، فإن الطعن في المصالح العالميّة سيعترض عليه أولئك الذين يعتقدون أن حقوق الإنسان هي في نهاية المطاف احترام الحرية الفرديّة بغض النظر عما إذا كانت تقدّم رفاه صاحب الحق.

سواء أكنتُ محقّاً أم لا، فإنني مقتنع بأننا لا نستطيع أن نحافظ على التزامنا بحقوق الإنسان بثمنٍ بخس، وذلك من خلال التذرع بالقانون أو افتراضات ثقافتنا الديمقراطيّة الليبرالية فقط. وحده تبريرُ أعمق يمكن أن يفسر لماذا نحن محقون في تجسيدها في القانون، أو الحفاظ على ثقافة ديمقراطية ليبراليّة في المقام الأول. وقد كان هذا على وجه التحديد هدف الدفاعات الفلسفية لحقوق الإنسان من القرن الثاني عشر حتى وقت قريب جداً. وبغية الحفاظ على ثقافة حقوق الإنسان في نظام جيّد، فإنّه لا يمكننا أن نتجنب الاشتباك مع مسألة التبرير. ويجب علينا أن نفكّر في هذا ليس كمجال حصريّ للفلاسفة المحترفين، ولكن كعملية من التفكير العموميّ الذي يُدعى كافّة المواطنين للمساهمة فيه.
 
============================
 
مترجمٌ عن: (أي إي أو إن)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك