اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/5 الساعة 11:45 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/13 هـ

انضم إلينا
البحث عن وطن.. كيف نظر الشباب العربي لرحابة إسطنبول؟

البحث عن وطن.. كيف نظر الشباب العربي لرحابة إسطنبول؟

عبيدة عامر

محرر سياسي
  • ض
  • ض
أثناء توجهي إلى إحدى المقابلات في مقهى "مهرماه"، اسم الابنة الأثيرة للسلطان سليمان القانوني؛ تذكرت أن الأميرة مهرماه هي الأميرة الوحيدة الحائزة على الامتياز الاستثنائي، الذي لم يحصل عليه حتى والدها نفسه، من كان يُنظر له على أنه "أساس العالم"، بامتلاك مسجدين على اسمها من بناء المهندس التاريخي للدولة العثمانية وصانع هويتها المعمارية: معمار سنان.

 

تقول بعض الروايات التاريخية إن معمار سنان شُغف حبّا بالأميرة الفريدة منذ رؤيتها للمرة الأولى أثناء مرافقتها لوالدها في "حملة مولدوفا" في أوروبا، ولينال إعجابها بنى لها جسرًا في ثلاثة عشر يومًا فقط، ثم طلب يدها للزواج، لكنه قوبل بالرفض، ليفرّغ مكنونات قلبه الكسير في العمارة. [1]

 

بنى سنان جامعي مهرماه على حسابات دقيقة للشمس والقمر، فكان جامعها، الذي يستقبلك حالما تصل إلى جبين إسطنبول الآسيوي الجميل أسكودار، يبدو قبل الغروب كامرأة تكنس الأرض، في حين يظهر جامعها الآخر، ذو المئذنة الوحيدة كبانيه، والواقع  قرب أسوار القسطنطينية في إدرنه كابه، على امتداد جامع شقيقها شيهزاده وقرب مسجد والدهما، التحفة الأكبر والأعظم لسنان: السليمانية، لحظة الغروب كحُب بانيه: امرأة ذات شعر طويل، ليظهر القمر يوم ميلادها بين مئذنتي مسجدها الآسيوي، حال غروب الشمس وراء مئذنة مسجدها الأوروبي؛ لتكون "الشمس والقمر"، أو (Mihr-î-Mâh) بالفارسي.

 

 جامع السليمانية في إسطنبول (بكساباي)

 

عاصمة العالم

"لو كان العالم دولة، لكانت عاصمتها إسطنبول"

(نابليون بونابرت)

 

في إسطنبول كل شارع يأخذك لقرنٍ ماضٍ، وكل حجر تحته حكاية، في روح لا تحتاج ثلاثة جسور ونفقين لتتجاوز البوسفور، بل تكاد تراها رأي العين، كما ترى برج "غَلَطة" الروماني من مسجد الفاتح العثماني عبر خليج القرن الذهبي، وتستشعر هذا التناقض والتجانس البديع بين التاريخ والحاضر، وبين الدين والدنيا، وبين الشرق والغرب، والذي ترك أثره في الشخصية التركية، كما تركه في اللغة، وبأكثر ما يمكن أن يبدو ويجلو في مدينة التلال السبعة، والثلاثة آلاف مسجد، والخمسة عشر مليون نسمة.

 

هذه "الروح" هي أكثر ما أسكن روح روتانا أبو كلام في إسطنبول، الطالبة السورية في علم الصوتيات، بعد تجربة اغتراب دامت ثماني سنوات في أربعة بلدان مختلفة. "لأنها تشبه الشام"، في تأكيد سري منها إلى زميلاتها في السكن: الصحفية الفلسطينية وطالبة الشؤون الدولية مي خلف، وطالبة الماجستير الكويتية في الإدارة والمؤسسات سندس العبد الجادر، متفقات على أن إسطنبول، لاتساعها تاريخيًا وجغرافيًا، تساعدهن على خلق مجتمعهن "الصغير الهادئ الجميل"، مجتمع يستطعن التحكم فيه وبه براحة، شاعرات بحنين خاص للمدينة، وساعدهن في ذلك تجاوزهن لحاجز اللغة وتسيير أمورهن الخاصة، بحسب ما يروين لـ "ميدان" في اللقاء الذي جرى في مقهى مهرماه.

 

في تنظيره للهوية الثقافية في الشتات؛ يرى[2] الباحث الجامايكي ستيوارت هول أن المجتمعات والأفراد تنحى بين خيارين اثنين: إما أن تتمسك بهويتها وتاريخها ولغتها وحاجزها الثقافي؛ معتبرة الثقافة "الإناء الجامع التاريخي الذي لا يمكن تجاوزه"؛ بينما يوجد المنحى الآخر، الذي يأخذه الأفراد غالبًا بالنظر إلى أن الثقافة هي "ما نحن عليه الآن"، وليس ما "كنا عليه"، متجاوزًا للجغرافيا القديمة، وساعيًا لإيجاد المساحة الجديدة في الوضع الراهن، وهو ما تمثله الصديقات الثلاث خير تمثيل؛ مؤكدات عليه بشكل مباشر، مستشهدات بالعديد من اللقاءات والأفراح التي جمعت أكثر من تسع جنسيات معًا، وكانت "من أجمل أيامنا ورحلاتنا"، وهو ما تؤكد عليه سندس بشكل مباشر بأن "قدسية الأرض لا تتجاوز ولا تتفوق على قدسية الإنسان، ولذلك لا يوجد لي أي تعلق جغرافي، وألعن الحدود ولا أؤمن بها".

 

هذا التقسيم يبدو متقاربًا مع ما يمكن تسميته بـ"نظرية اللجوء"، والتي يرى بها الباحث الهنغاري المختص بشؤون اللجوء إيغون كنز[3] أن اللاجئين يمكن تقسيمهم إلى "منحازين للأمة"، وهم من يحافظون على ارتباطهم بالامتداد الجغرافي، وإلى "مستَبعدَين بالأحداث"، وهم من لا يرغبون بالعودة بسبب شعور بالرفض من (الأمة/الدولة) التي أخرجتهم، وإلى "مختارين ذاتيًا"، وهم من يختارون شخصيًا عدم تعريف أنفسهم بأي هوية أو أمة، بل العيش بما يمكن اختياره، بما يشبه المنزل الصغير الذي تنتسب إليه مي وروتانا وسندس، مدفوعات بقليل من العدائية، ولو بحدها الرمزي الأدنى، دافعة إياهن للخروج.

 

لا يستطيع البعض إنكار شعوره بالحب والحنين اتجاه هذه المدينة التاريخية، بل ويتجاوز مشاعره اتجاه بلده الأصلي التي خرج منها قسرا لا طوعا

الأوروبية
 

لا يتفق شباب آخرين قابلهم موقع "ميدان" على إمكانية هذا التجاوز الأفقي، بل يبدون أكثر ارتباطًا بمجتمعاتهم الصغيرة، بل و"مجموعاتهم" الصغيرة نفسها، وذلك لأن العيش في "عاصمة العالم" ليس خيارًا سهلًا، ولا يأتي بلا ثمن، حرفيًا بالمعنى المادي ورمزيًا بالمعنى المجازي؛ إذ يكافحون لتحقيق القدر اليومي الراهن من الحياة، غير قادرين على النظر بعد يومهم أو شهرهم، بسبب سرعة الحياة واتساع المسافات وغلاء إسطنبول. لكنهم لا يستطيعون إنكار شعوري "الحنين والحب" الخاص للمدينة التاريخية، ليتجاوزوا في بعض الأحيان مشاعرهم تجاه بلدانهم الأصلية التي جاؤوا منها في الغالب قسرًا لا طوعًا، واهتمامهم بمصير ومستقبل هذه الأرض، بل ومشاركين في حمايتها، كما فعل بعضهم مشاركين في المظاهرات المضادة للانقلاب الفاشل الشهير، ليكونوا من النوع "التفاعلي"، بحسب نظرية اللجوء، مقابل "الرجعي المصيري"، الذي يبقى مرتبطًا ببلاده وساعيًا للعودة رغم المآسي أو الحروب التي دفعته للخروج ابتداءً، ومدفوعًا بشعور من الرفض لحالته الراهنة، بحسب نظرية كونز.[4]

 

"يلنجي - يبرأ - ورق عنب"

بالعودة إلى مهرماه، تبدو الصديقات المقيمات قرب بعضهن، إضافة لصديقة رابعة لم نستطع مقابلتها، مجتمعًا جميلًا ومتجانسًا، واستثنائيًا، سواء بتركيبه الداخلي المتجاوز للجنسيات والقوميات الأصيلة منصهرًا في النسيج الإسطنبولي الأكبر، أو بقرب العلاقات داخله وأريحيتها، بعد تحررهن من الأعباء القديمة، وأخيرًا في استثنائية فتياته أنفسهن كونهن طالبات وعاملات ومتعلمات للغة. ولعل ذلك ما سهل عليهن هذه الخيارات، رغم خلفياتهن المختلفة، إذ جاءت مي من فلسطينيي الداخل لتدرس في تركيا بعد تخرجها من العلوم السياسية، وسندس التي بدأت عملها مع منظمة الإغاثة التركية "إي ها ها"، وروتانا التي كانت تسكن البلد الرابع في آخر ثمان سنوات، بين سوريا ومصر والسعودية، حيث لا يزال أهلها يقيمون هناك.

 

في ذكرياتهن الدائمة خلال سنواتهن الأربع اللاتي سكنّ بها معًا، تستذكر الصديقات الثلاث، بالضحكات والبسمات، كيف بدأ تعرفهن على بعضهن في (يوليو/تموز) لعام ٢٠١٣، أثناء اجتماعهن في قافلة إغاثية للاجئين السوريين في مدينة أنطاكيا التركية، ثم اجتماعهن بعدها بشهرين وقد قررت ثلاثتهن الإقامة في إسطنبول، فرتبوا سكنهن معًا مع الوقت، ليسكنَّ في منزل مشترك وحارة قريبة، أو "مجتمع صغير داخل المجتمع الكبير"، مكون من عدة أصدقاء آخرين من عدة جنسيات مختلفة، هربن إليه من المجتمعات الكبيرة وأعبائها وأسئلتها، أو رفضها -كما في حالة مي التي ينظر لها على أنها أقلية داخل الأراضي المحتلة-، صنعن به عالمهن ولهجتهن التي تجمع كل هذه اللهجات، وثلاجة مليئة بما يتجلى به حنان أمهاتهن في الغربة، مختصرة بما تصفه روتانا "يلنجي، يبرأ، ورق عنب"، في إشارة إلى أكلة سورية واحدة، اختلفن بتسميتها، واتفقن مع أصدقائهن على الاجتماع عليها.

 

شيئًا فشيئًا، بعد أن ثبت المجتمع الصغير أركانه وقواعده بالحفاظ على "مساحة آمنة"، وعدم السماح لأي كان بالدخول به، بالاعتماد على شبكات المعارف؛ بدأت الصديقات بشق طرقهن، سواء في خياراتهن الشخصية أو في مجتمعاتهن المحلية أو في المجتمع التركي، حيث اخترقت مي المجتمع الفلسطيني الذي لم تتعرف عليه إلا في تركيا، رغم قربه منها في فلسطين، بالتعرف على شخصيات "مفتاحية"، في حين توجهت سندس وروتانا إلى مزيد من التجارب الشخصية في المجتمع المحلي، والعلاقات مع الجيران والأصدقاء، أو كما يقلن " سنوسعه إلى مجتمع أكبر، وسيكون أولادنا مختلفين، يتحدثون بلهجات مختلفة وبتجارب مختلفة".

 

 

أثناء الحديث الممتلئ بحفاوة الصديقات حول تجربتهن وصداقتهن، أبدت الصديقات الثلاث حبهن لإسطنبول، وهو ما أكدته لنا المدينة بسرعة بصوت المؤذن الجميل لأذان المغرب، من مسجد "والدة سلطان الجديد"، جالسين بجانب جداره مباشرة، والذي سميّ كذلك على اسم "أمة الله رابعة"، والدة السلطان أحمد الثالث، التي لا يذكر اسمها في الوجدان العربي والشبابي والثوري الراهن إلا بواحدة من أقسى المجازر، والتي وصفتها هيومن رايتس ووتش بأنها "الأبشع في التاريخ العربي الحديث"، والتي فُض فيها الاعتصام الرافض لانقلاب (يوليو/تموز) 2013 العسكري في مصر، و قُتل[5] بها على الأقل ٨١٧ شخص، وأسست لعهد جديد، ومساحات شخصية جديدة ومؤلمة.

 

ما بعد "رابعة"

بتناقض إسطنبولي، ومن الجانب الآسيوي إلى نظيره الأوروبي، توجهت من القصص الجميلة للمجتمعات الشبابية العربية في المدينة، إلى وجه آخر أشد صعوبة وأقسى، ولعله هو الوجه الأبرز والأكثر شمولية لها، لمجتمعات وشباب خرجت من بلادها قسرًا لا طوعًا، وكان عليها أن تؤسس نفسها وتجد مكانها في مجتمع لم تكن تعرف عنه أي شيء.

 

فشل يتلو الفشل في تنظيم أبناء الجالية المصرية منذ وصول مئات العائلات عشية الانقلاب المصري، والذين كان من الممكن تنظيمهم وتوجيههم بشكل أفضل، ما دفع الشباب المصري للاتجاه إلى دوائره اليومية الراهنة، بتأمين معاشه اليومي، أو التوجه لدراسته إذا استطاع

من المقهى القديم التاريخي إلى مقهى أكثر شعبية وبساطة، التقيت الصحفي ومعدّ الأفلام المصري محمود العناني، الشاب الذي وصل لإسطنبول في (مايو/أيار) ٢٠١٤، بعد أن اعتقل من السلطات المصرية في نهاية العام السابق له، على إثر أحداث انقلاب دفع آلاف العائلات والشباب للخروج إلى إسطنبول، بعد أن أصبحت ملاحقة أمنية لاتهامها بانتسابها أو ارتباطها أو حتى قربها من جماعة الإخوان المسلمين، التي أصبحت حركة "إرهابية" في ظل حكم النظام الجديد برئاسة الجنرال المصري عبد الفتاح السيسي، وهو ما دفع العناني للخروج بعد أن وجد اسمه يتحرك في قضية وصفها بـ"الأمنية، وليس لي علاقة بها"، إضافة لكونه عاملًا في الإعلام منذ بداية الثورة.

 

وصل محمود إلى إسطنبول ليجد صديقًا في استقباله، وليسكن في البداية مع مجموعة من المصريين الذين يعرفهم لتخفيف التكلفة، ثم وحده بعد أن عرف إسطنبول أكثر، بعكس بعض شباب الإخوان الذين تكفل بهم التنظيم نفسه، ولكن ضمن خطوط الخلافات الواسعة كذلك، كواحد من عدة مشاريع تنظيمية، شبابية وغير شبابية، فشلت بسبب ما أسماه محمود "المشاكل الإدارية والتنظيمية المزمنة داخل الجماعة"، حتى منذ قبل الثورة، وامتدت إلى كل الجوانب، ثم شمل أثرها أغلب المصريين الذين لا زالوا يتوافدون لإسطنبول، دون أن يجدوا أحدًا في استقبالهم ومساعدتهم، رغم أنه يعتبر أنهم "الأقدر على القيام بهذا الدور"، مما ترك فراغًا لم يملأه أحد.

 

ضرب محمود -المشارك في إعداد استقصاء بعنوان "في الطريق من رابعة إلى سوريا: كيف يذهب شباب الإخوان إلى الجهاد"- لـ"ميدان" مثالًا حول خطورة هذا الفراغ، حيث ينفتح الشباب المصري، وخصوصًا الصغير منه، القادم من مجتمعات مغلقة إلى مجتمعات مفتوحة تمامًا، نحو تطرف متاح بالجهتين: سواء إلى أقصى اليمين، في بيئات فكرية تربوا بها على "الجهاد والدولة الإسلامية والخلافة"، وأتيح لهم طريق نظري إليها في الداخل السوري المشتعل، أو إلى أقصى اليسار لشباب "لم يمس يد فتاة بحياته"، بحسب ما يروي العناني.

 

هؤلاء الشباب المصريون تحدثوا للعناني، في استقصائه، ليخبروه كيف كان "الدواعش يقنعوننا بأننا نقاتل الطاغوت ونملك مشروعًا، بينما لا يعرف قيادات الإخوان لماذا يقبعون هنا، وقد تركونا لشهور في إسطنبول أو في السودان أو ماليزيا دون أن يسألوا عنا أو يساعدونا وقد خرجوا بسببنا"، حيث تصل العائلات وحدها إلى إسطنبول دون معيل أو مساعد وتبقى وحدها، "رغم ما يأتي من دعم مالي دولي لهم يمكن أن يؤسسوا به مشاريع تنهي كل أزمة المجتمع المصري الصغير نسبيًا في إسطنبول"، وبأحلام شبابية صغيرة، سمعها من أصدقائه، سواء زميله في السكن الذي نظر في الأفق وفكر كم طالبًا سيدرس بالجامعة من أحد المبالغ التي وصلت لأحد "المشاريع الإخوانية"، أو من أقرانه المصريين في المواصلات، الذين لا يحلمون بأكثر مما يحلم به الشباب العادي: الدراسة والزواج والمعيشة.

 

يُحمِّل محمود مسؤولية الفشل الإداري والتنظيمي للمجتمع المصري في إسطنبول للإخوان المسلمين بالكامل، الذين "لا زالوا يختلفون على أماكن صلاة العيد، ناظرين لها على أنها بورصة للتنافس على رأس المال الرمزي" كما قال. فشل يتلو الفشل، وتراكم شيئًا فشيئًا منذ وصول مئات العائلات عشية الانقلاب المصري، وكان يمكن تنظيمهم وتوجيههم بشكل أفضل، ما دفع الشباب المصري كلٌ إلى دوائره اليومية الراهنة، بتأمين معاشه اليومي، أو التوجه لدراسته لمن استطاع الدراسة، أو العمل لمن يستطيع، ما أخر هؤلاء الشباب عن تعلم اللغة التركية، في تعبير واضح عن غياب الرغبة بالاندماج في المجتمع الأكبر، ووجود رغبة عكسية بالبقاء بإسطنبول لـ"شبهها بنا" كما قال بعضهم، عكس جفاف أوروبا، ولحب الأتراك للمصريين، عكس علاقتهم الأكثر توترًا بطبيعة الحال مع السوريين والعراقيين، ورغم صعوبة الحياة بها لغلاء الأسعار ومشقة الحركة في المدينة الكبيرة.

 

مجتمع داخل مجتمع

لا يختلف حديث محمود كثيرًا عن حديث الشاب السوري حاتم الشامي، الذي يعمل في مكان ملاصق لمحل عمل العناني، في قناة عربية التقيته بها، متحدثًا بإرهاق واضح عن مشاكل شخصية اتسعت شيئًا فشيئًا لتشمل النصف مليون سوري[6] المقيمين في إسطنبول وحدها، من أصل ثلاثة ملايين لاجئ في تركيا ككل[7].

 

"لا يوجد سند، وكل ما يحدث معك لا تجد به أحدًا يسأل عنك، اللهم إلا بعض الأقارب والأصدقاء، الذين قد لا يستطيعون حتى فعل شيء بسبب اختلاف القوانين والأفكار واللغة". هكذا اختصر حاتم حال المجتمع السوري في إسطنبول (مواقع التواصل)

 

لم يعد حاتم ليستقر في سوريا بعد أن توجه إلى الأردن ليدرس هندسة الشبكات عام ٢٠٠٨، إذ بدأت الثورة السورية وما تبعها من أحداث فخرج أهله تباعًا إلى الأردن، ولم تكن مريحة لهم في الإقامة والحياة، ما دفعه إلى إسطنبول التي وجد بها عملًا مباشرًا في ذات القناة التي يعمل بها بآخر أيامه بعد عامين من العمل والارتباط معها، محاولًا سحب عائلته فردًا فردًا، من الأردن وسوريا، والتي لم يعودوا يستطيعون العودة لكليهما، رغم ظروفهم الميسرة هنا وهناك، مما يضع حاتم في حالة من التخبط والقلق الشبيهة بمعظم أقرانه السوريين الموجودين في إسطنبول، من تضيع بهم الخيارات وتختلف خلال اليوم نفسه، إذ يفكر حينًا بفتح مطعم، وأحيانًا بإكمال الدراسة، وأحيانًا أن يهاجر، في حالة نفسية أكثر منها مادية، لم تحتم عليه الاستقرار بعد في إسطنبول، وأخرته عن تعلم لغة مكان المعيشة.

 

"لا يوجد سند، وكل ما يحدث معك لا تجد به أحدًا يسأل عنك، اللهم إلا بعض الأقارب والأصدقاء، الذين قد لا يستطيعون حتى فعل شيء بسبب اختلاف القوانين والأفكار واللغة". هكذا اختصر حاتم حال المجتمع السوري الكبير الذي دخل عامه السابع في إسطنبول ولم يستطع حتى الآن أن ينظم أموره، لا لغياب الرغبة بذلك، ولكن لغياب أمرين اثنين، بتصور حاتم: غياب روح المبادرة، بسبب التشتت الشخصي واليومي للشباب وسعيهم لتأمين حياتهم اليومية، وغياب التنظيم العام، الذي يتم على خطوط حزبية أو مشيخية أو مكانية، حيث تساعد كل "جماعة" أبناء جماعتها، في مدينة كبيرة تتطلب منك التفكير في "أين ستصلي التراويح الرمضانية مثلًا"، كما قال، مما يخلق حالة من الغربة داخل الغربة.

 

يعزو حاتم فشل التنظيم لجانب آخر هو "الأسباب النفسية الموجودة لدى السوريين، وحبهم للترأس والسيادة" كما حكى لنا، إضافة لوجود حالة من "الرمادية، بل والتأييد للنظام السوري"، رغم البعد عن البطش في إسطنبول، حيث يرى حاتم أن المجتمع السوري "ما زال يبدو خائفًا رغم خروجه من القبضة الأمنية وجلوسه بعيدًا عن أي رقابة أو متابعة"، رقابة لم تبق في الجانب الاجتماعي والأخلاقي، إذ يرى حاتم أن المجتمع، وخصوصًا الشباب، "تحرر من الأعباء الاجتماعية والرقابة وثقافة العيب"، وهو ما أكدته روتانا أيضًا. و"كأن الاغتراب أخرج أسوأ ما فينا وأظهره، ومنع أفضل ما فينا"، أكمل بذلك، ثم سكت.

 

مع ذلك، لا يستطيع حاتم تجاوز المجتمع السوري، ولا يشعر بالراحة مع سواه من المجتمعات العربية، بسبب شعوره بالاختلاف والاغتراب الداخلي عنهم، ممثلًا لحالة من "الانحياز والتمسك بالثقافة"، غير راغب أو مستطيع بالاندماج، وغير قادر في نفس الوقت على إيجاد رابطة سورية جامعة شاملة لتساعد وتساهم في حل الإشكالات، إشكالات يرى حاتم أن أكبرها هو "الإشكال التوعوي والأخلاقي"، الذي تراجع كثيرًا عن سوريا، والتي يؤكد هو أن حلها "لا يبدأ من الجلسات الاجتماعية والتنظير الأخلاقي، بل بحل الأسئلة والإشكالات المادية المباشرة المتمثلة بالعمل والتعليم"، موافقًا العناني، من رأى أيضًا أنه لا يمكن تجاوز أي حالة إلا بهذا الشكل.

 

في الوقت نفسه، كان حاتم أمام مطار أتاتورك لحظة محاولة الانقلاب، ولم يتخيل أن يرى النظام التركي يشهد حالة من التراجع بأي شكل، إذ كان ذلك يعني دخول دوامة أخرى خطيرة قد تدفعهم -السوريون- إلى الحدود مرة ثانية وثالثة، "لم يعد لي شيء لأخسره، فنزلت مدافعًا عن بقائي المتمثل ببقاء النظام التركي المنتخب الراهن"، كما قال.

 

أصغر، أقدم، أنظم

مقابل قلة التنظيم المصري، وتضخم المجتمع السوري؛ تحضر الجالية الليبية بهدوء داخل المجتمع التركي، قادرة على تنظِيم نفسها، انطلاقًا من سهولة ظروفها أولًا، بحسب ما يروي لنا الشاب الليبي محمد رمضان، طالب العلوم السياسية في إسطنبول.

 

يبدو المجتمع الفلسطيني الأكثر تجذرًا وتاريخًا في تركيا؛ إذ استطاع بسبب ارتباطه بالقضية الفلسطينية أن ينظم نفسه بشكل أكبر، وأن يتواصل مع المجتمع والدولة التركيتين

الأوروبية
 

يروي محمد أن الليبيين بدأوا بالتوافد على إسطنبول بعد بدء "الثورة المضادة في بنغازي"، بالغة أوجها منتصف (أكتوبر/تشرين الأول) عام ٢٠١٤، عندما بدأ رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة بالقدوم للمدينة التركية الأولى، حاملين أموالًا ومشاريعًا وفرت لهم حياة في ظروف مريحة نسبيًا، مقارنة بغيرهم من الجاليات، وباستقبال تركي دون الحاجة لتأشيرة بداية، حيث بلغ عددهم ١٧ ألف أسرة في إسطنبول، لا يظهرون بسبب الحجم الصغير نسبيًا، وبسبب انطوائهم في مجمعات سكنية بعيدة "ذات مستوى معيشي عالٍ".

 
على نطاق أوسع، فإن معظم الجالية الليبية في إسطنبول هي جالية من الجرحى والمرضى الذين تكفلت تركيا بعلاجهم، بسبب غلاء الأسعار في ليبيا نسبيًا، كما أنها -أي الجالية- لم تستطع تجاوز الخلافات السياسية في ليبيا، رغم قلة المؤيدين لعملية الكرامة بقيادة الجنرال خليفة حفتر، حتى في محلات الصرافة والعمولة التي يعمل بها كثير من الشباب الليبي، حيث يروي كيف طلب أحد الشباب من زميله ألا يصرف له "إن كان مع حفتر".

 

لا يبدو أن التكتلات العربية الشبابية، استطاعت خلق ما يمكن تسميته بـ"المجتمعات" بمعنى حقيقي، إما لأنها كانت مجتمعات طوارئ ونزوح وأزمات، لا يملك أفرادها ترف الوقت والمادة ليعملوا على تنظيم أنفسهم اجتماعيًا أو سياسيًا، أو لأنها لم تشعر بحاجة ملحة بعد أو مغريات، سياسية على الأقل، تدفعها لهذا التنظيم

تنتظم الجالية الليبية تحت منظمة رسمية برعاية السفارة الليبية هنا، التابعة لحكومة الوفاق الليبية، وتنظم نشاطات جامعة على مستوى الجالية ككل، وتنشط في مجال التعليم، حيث توجد سبع مدارس ليبية في إسطنبول، إضافة لعدة قنوات وراديو، مثلت بيئة حاضنة للإعلاميين الذين تعرضوا لضغوطات محلية شتى.

 

على مستوى الشباب الليبي، فإنه كبقية الجاليات العربية يعمل أو يدرس أو يشارك في مشروع صغير، لكنه يظل محصورًا ضمن مجتمع محدود، لا يتعداه للمجتمعات العربية أو المجتمع التركي، لأن الليبيين "محافظون بالطبيعة"، بحسب ما يحكيه رمضان. مجتمع انقسم داخله وتوسع وتفرع بحسب الامتدادات للعلاقات في ليبيا، انقسام وصل إلى إحدى مباريات كرة القدم البسيطة المنظمة من الجالية.

 

بشكل مشابه لذلك، يبدو المجتمع الفلسطيني الأكثر تجذرًا وتاريخًا في تركيا؛ إذ استطاع بسبب ارتباطه بالقضية الفلسطينية أن ينظم نفسه بشكل أكبر، وأن يتواصل مع المجتمع والدولة التركيتين، خاصة بعد نفي الأسرى المحررين وعائلاتهم إلى هنا، والسعي لفتح مجالات جديدة للعمل السياسي، وجد بها الفلسطينيون فرصة بسبب القبول الشعبي والرسمي التركي البالغ للقضية، وحب الفلسطينيين للأتراك. لكنها لم تستطع تشكيل مظلة شاملة أو جالية واسعة، بل انقسمت على أسس "سياسية" بالغالب، بحسب ما تروي الصحفية الفلسطينية مي خلف.

 

باختصار؛ لا يبدو أن التكتلات العربية، وبالتالي الشبابية، استطاعت خلق ما يمكن تسميته بـ"المجتمعات" بمعنى حقيقي، إما لأنها كانت مجتمعات طوارئ ونزوح وأزمات، لا يملك أفرادها ترف الوقت والمادة ليعملوا على تنظيم أنفسهم اجتماعيًا أو سياسيًا، أو لأنها لم تشعر بحاجة ملحة بعد أو مغريات، سياسية على الأقل، تدفعها لهذا التنظيم، رغم راحة وانتماء أفرادها للمدينة التي تشببهم، ثقافيًا واجتماعيًا، وتلقوا بها قبولًا لم يتلقاه بعضهم في مدنه الأصلية، وبين مجتمعاته المحلية. إلا أنه، وبرغم كل تلك السلبيات، تبقى إسطنبول في قلوب أغلب شباب العرب، بشكل لا واعي، وبرابطة لم نجد أحدًا استطاع تفسيرها بشكل كامل.

 

مساء أحد الأيام، يسير شاب ما بتؤدة بجانب مكانه الأثير والأقرب لقربه هنا، متأملًا إياه وهائمًا في صوت مؤذنه الندي. يقف على أحد أبوابه الصغيرة بهدوء، مسترجعًا ذكريات مسجد السلطان حسن، تحفة القاهرة المصرية المعمارية، حيث الباب الأكبر حجمًا، والمنقوش عليه "من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة"، ثم إلى الساحة الأكثر رحابة وحجمًا بما لا يقاس. يسترجع ذلك أثناء عبوره من بوابة جامع السليمانية الصغيرة، إلى ساحة التحفة المعمارية الأولى في المدينة التركية، من نفس الضيق إلى نفس السعة، ومؤمنًا بأن ذلك تحديدًا ما يربط الشباب العربي في أغلبه بالمدينة: من ضيق بلادنا وأنفسنا إلى سعة إسطنبول.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك