اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/5 الساعة 11:43 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/13 هـ

انضم إلينا
كيف تدمّر السُّلطة أدمغة البشر؟

كيف تدمّر السُّلطة أدمغة البشر؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
أُلِّفت كتب ودراسات عديدة، في حقل العلوم الإنسانية، تعلن جميعها: السلطة مفسدة. وهذا تقرير، عن دراسات علمية تجريبية، تؤيد ما سبق، بصورة لم يجرؤ على تصورها إلا القليل من المعارضين أنفسهم.

 

نص التقرير
لو أنَّ السلطة عقارٌ لا يُصرفُ إلا بإذن الطبيب، لجاء ومعه قائمة طويلة من الأعراض الجانبية. فالسُّلطة قد تفسد الإنسان، بل إنها قد تقنع هينري كيسنجر بأن له جاذبية جنسية لا تقاوم. لكن هل تملك القدرة على إتلاف الدماغ حقا؟

 

عندما هبَّ عدد من المشرّعين في وجه جون ستومف خلال جلسة استماع في الكونغرس الأميركي الخريف الفائت، بدا كل منهم قادرا على ابتكار طريقة جديدة لانتقاد الشخص الذي بات اليوم رئيسا تنفيذيا سابقا لشركة ولز فارغو، لفشله في منع نحو 5000 موظفٍ من فتح حسابات وهمية للعملاء. لكن ما لفت الأنظار يومها كان سلوك ستومف. بدا الرجل الذي شق طريقه إلى زعامة أكثر بنوك العالم أهمية، مُحاصَرًا بواقع لا يجيد قراءته.

 

صحيح أنه اعتذر، لكنه لم يُظهر ندمًا أو تنصُّلًا. أو تحدّيا واعتدادٍ بالنفس، أو اختيالٍ حتى. بدا مشوشا، كمسافر عبثت الرحلة الطويلة بساعته البيولوجية، وصل لتوه من كوكب ستومف، حيث احترامه قانون طبيعي، وحيث يبدو عدد قوامه 5000 ضئيلًا بما يستحق الثناء. حتى إن أكثر عبارات الانتقاد صراحة ومباشرة -"لا بد أنك تمزح" (سين دافي نائب ويسكونسن)، "لا أستطيع تصديق ما أسمع" (جريجوري مييكس نائب نيويورك)- لم تنجح في إيقاظه. ماذا كان يدور في رأس ستومف؟ يرى بحث جديد أن ذلك هو السؤال الأصح: ما الذي لم يكن يدور فيها؟

  

تعيق السلطة عمل الخلايا العصبية المرآتية، مما يوفر أساسا عصبيا لما أسماه كلتنر بـ"مفارقة السلطة": ما إن نحوز السلطة، حتى نفقد بعض القدرات التي ساعدتنا على كسبها

الأوروبية
  

كان وصف المؤرخ هينري أدامز للسلطة أنها "نوع من الأورام، ينتهي به الحال إلى القضاء على تعاطف الضحايا مع بعضهم بعضًا" وصفا مجازيا، لا طبيا. لكنه لا يختلف كثيرا عما انتهى إليه داكر كلتنر، أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا في بركلي، بعد سنوات من التجارب المخبرية والميدانية. اكتشف كلتنر، بعد عقدين من الدراسات، أن سلوك الشخص المتبؤ لمنصب سلطوي، يشبه سلوك إنسان يشكو إصابة دماغ رضية، وهو ما يجعله أكثر اندفاعا، وأقل إدراكا للمخاطر، وأقل قدرة على رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخرين، بدرجة كارثية.

 

مؤخرا، تحدث سوكفيندار أوبي، عالم الأعصاب بجامعة ماكماستر الكندية، عن أمر مشابه. يدرس أوبي الأدمغة، على عكس كلتنر الذي يدرس السلوكيات. وعندما وضع الأول رؤوس ذوي السلطة وغير ذوي السلطة، أسفل جهاز تحفيز مغناطيسي للدماغ، وجد أن السلطة، في حقيقة الأمر، تعيق عمل الخلايا العصبية المرآتية، التي يعتقد كونها حجر أساس لعملية التعاطف. مما يوفر أساسا عصبيا لما أسماه كلتنر بـ"مفارقة السلطة": ما إن نحوز السلطة، حتى نفقد بعض القدرات التي ساعدتنا على كسبها.

 

رصد هذا التردي في المدارك بعدد من الطرق المبتكرة. ففي دراسة عام 2006، طلب من المشاركين رسم حرف (E) على جباههم، ليراها الآخرون، وهي مهمة تتطلب رؤية نفسك من عين غيرك. فإذا بمن يشعرون بحيازة نوع من السلطة، أكثر عرضة بثلاث مرات، لرسم الحرف وفق زاوية رؤيتهم، وعكس زاوية رؤية أي شخص آخر، مقارنة بغيرهم (وهو ما يذكرنا برفع جورج بوش للعلم الأميركي معكوسا في أولمبياد 2008). كما أظهرت تجارب أخرى ضعف قدرة ذوي السلطة على تحديد مشاعر شخص يشغل صورة ما، أو توقع كيفية تجاوب زميل لهم مع ملاحظة ما.

 

وقد تزداد الأزمة تفاقما، بسبب ميل الأشخاص إلى تقليد تعبيرات رؤسائهم ولغة أجسادهم: فالمرؤوسين لا يمثلون أهمية تذكر عند ذوي السلطة. لكن الأخطر، وفق رأي كلتنر، هو توقف أصحاب السلطة عن تقليد غيرهم. فللضحك عند ضحك الآخرين، والتوتر عند توتر الآخرين، تأثير يفوق مجرد تحسين التواصل. إنه يسهم في إثارة المشاعر نفسها التي يعيشها الآخر، ويفتح نافذة تسمح برؤيته. يقول كلتنر: "يتوقف أصحاب السلطة عن محاكاة تجارب الآخرين"، مما يؤدي إلى ما أسماه "العجز عن التعاطف".

    

  

إن تأثير المرآة نوع دقيق من المحاكاة، يجري كُلِّيَةً داخل الدماغ، دون وعي منا. فعندما نشاهد شخصا يمارس فعلا، تنشط المنطقة التي كنا لنستخدمها عند قيامنا بالفعل نفسه، كإحدى صور الاستجابة المتعاطفة. ولعل بالإمكان اعتبارها تجربة غير مباشرة. هذه هي المنطقة نفسها التي حاول أوبي وفريقه استثارتها، حينما عرضوا على المشاركين مقطع فيديو لشخص يعتصر بيده كرة مطاطية. فيما يخص المشاركين من غير ذوي السلطة، فلم تواجههم أي مشكلة: لقد سرت الإشارات في المسارات العصبية التي كانوا ليستخدمونها عند اعتصار الكرة بأنفسهم. لكن ماذا عن فريق أصحاب السلطة؟ حدث ذلك بصورة أكثر ضعفا.

 

هل فسدت الاستجابة المرآتية؟ لا، بل أصابها ما يشبه الخدر. لم يكن لأي من المشاركين سلطة دائمة. كانوا طلاب جامعيين، دفعوا إلى استرجاع تجربة كانت لهم فيها السيادة، ثم إعادة معايشتها. وكما هو متوقع، ذهب الخدر مع ذهاب ذكرى السلطة، ولم تتضرر أدمغتهم فيزيائيا بعد قضاء أمسية في المختبر. لكن لنفترض بقاء الأثر فترة أطول، تحت تأثير.. خبراء من وول ستريت ينشدون أشعارا في عظمتهم، كلما مرت ثلاثة أشهر من السنة المالية، وأعضاء مجلس إدارة يعرضون زيادة المصروفات، وإشادة من مجلة فوربس بالأداء المبهر، فلعلهم ساعتها يصابون بما يطلق عليه في المجال الطبي تغيرات "وظيفية" في الدماغ.

 

تعجبت، هل يكف أصحاب السلطة عن تقمص أدوار الآخرين، بهذه البساطة، دون فقد القدرة على فعل ذلك! أجرى أوبي دراسة جديدة قد تساعد في الإجابة عن هذا التساؤل. لكن هذه المرة، شرح للمشاركين طبيعة الاستجابة المرآتية، وطلب منهم بذل جهد واع، لزيادة الاستجابة أو خفضها. وفي قسم "نتائج الدراسة"، التي أجراها بالاشتراك مع كاثرين نيش، كتب أوبي: "لم يختلف شيء". لم يأت الجهد بأي فائدة. إنها نتيجة محبطة. فمن المفترض أن للمعرفة سلطة، لكن ما جدوى المعرفة بأن السلطة تجردك من المعرفة؟

  

لا تعد مقاومة نزوع السلطة إلى التأثير على الدماغ أمرا يسيرا، لكن الحل الأسهل، هو التوقف عن الشعور بامتلاك السلطة من وقت إلى آخر

رويترز
   

ويظلُّ الأمل معلقًا باحتمال واحد، وهو عدم لزوم الضرر من هذه التغيرات على الدوام. يقول البحث إن السلطة تغري دماغنا بتجاهل المعلومات الهامشية. وهو ما يؤدي، في أغلب المواقف، إلى زيادة ملحوظة في الكفاءة. لكن في السياق الاجتماعي، تأتي بلادة المشاعر ضمن الآثار الجانبية السيئة. وحتى ذلك لا يلزم منه الضرر لصاحب السلطة، أو المجموعة التي يقودها. تخفف السلطة من احتياجنا إلى القراءة الدقيقة للناس، لأنها تمنحنا السيطرة على موارد كنا من قبل في حاجة إلى تملق الآخرين للاستفادة منها، وفقا لرأي سوزان فيسك، أستاذة علم النفس بجامعة برنستون، وهو رأي مقنع. لكن داخل المنظمة الحديثة، يعتمد بقاء هذه السيطرة على مستويات من الدعم الداخلي. وفي الكم الهائل من الأمثلة المبثوثة في عناوين الصحف، على الحماقات الكارثية التي تورط فيها مديرون تنفيذيون متغطرسون، دليل على أن كثير من القادة يضلون طريقهم فيسقطون في الهاوية المدمرة.

 

ونتيجة لضعف القدرة على تمييز السمات الشخصية للآخر، يلجأ أصحاب السلطة بكثافة إلى القولبة، كما يصاحب ذلك مزيد من الاعتماد على وجهة النظر الشخصية في اتخاذ القرارات، وفقا لبحث آخر. كان جون ستومف يحلم بيوم يملك فيه كل عميل ثمانية حسابات منفصلة. (كان دائما ما ينبه الموظفين إلى التشابه بين كلمة "ثمانية" وكلمة "عظمة" الإنجليزية، في الوزن). فالبيع العابر، حسبما قال للكونغرس، هو طريق مختصر إلى توطيد العلاقات.

  

أليس بالإمكان فعل أي شيء؟
لا، ونعم. لا تعد مقاومة نزوع السلطة إلى التأثير على الدماغ أمرا يسيرا. لكن الحل الأسهل، هو التوقف عن الشعور بامتلاك السلطة، من وقت إلى آخر. ليست السلطة بمنصب أو مكانة، بل حالة ذهنية، هذا ما يذكرنا به كلتنر. ومثلما تقترح علينا نتائج تجاربه، يمكننا استرجاع زمن لم نكن تشعر فيه بالسلطة، ومعايشته ذهنيا، ليستعيد دماغنا الصلة بالواقع.

 

فاسترجاع التجارب السابقة، المتسمة بشيء من الضعف أو الشعور بالعجز، يفيد بعض الأشخاص حقا. وستوفر التجارب المؤلمة نوع من الحماية طويلة الأمد. كشفت دراسة مذهلة نشرت في مجلة الاقتصاد، في (فبراير/شباط) الماضي، أن المديرين التنفيذيين الذين تعرضوا في طفولتهم إلى كارثة بيئية خلفت عددا كبيرا من الضحايا، كانوا أقل بحثا عن المخاطر من غيرهم. (لكن المشكلة الوحيدة، حسب قول راغافيندرا راو، الأستاذ بجامعة كامبردج، هي أن المديرين التنفيذيين الذين تعرضوا لكارثة بيئية لم تخلف عددا كافيا من الضحايا، كانوا أكثر إقبالا على المخاطر).

  

ليست السلطة بمنصب أو مكانة، بل حالة ذهنية، ويمكننا استرجاع زمن لم نكن تشعر فيه بالسلطة، ومعايشته ذهنيا، ليستعيد دماغنا الصلة بالواقع

دويتشه فيلله
  

لكن الأعاصير، والبراكين، وأمواج تسونامي، ليست بالقوة الوحيدة القادرة على كبح الغطرسة في العالم. في بعض الأحيان، تحكي إندرا نويي، المدير التنفيذي وعضو مجلس إدارة شركة ببسيكو، قصة اليوم الذي بلغها فيه خبر تعيينها في مجلس الإدارة، عام 2001. لقد عادت إلى المنزل، وسط هالة متخيلة من الشعور بالأهمية والثقة بالنفس، لتبادر والدتها بالسؤال، قبل تمكنها من تلاوة الأخبار العظيمة، عما إذا كان بوسعها الذهاب لشراء بعض اللبن. وبالفعل، نفذت نويي الطلب وهي تشطات غضبا، وعند عودتها، نصحتها الأم قائلة: "اخلعي عنك هذا التاج اللعين عند المدخل".

 

تكمن فائدة القصة، حقيقة، في حكاية نويي لها. إنها تذكرة بالالتزامات العادية، والحاجة إلى التواضع. فوالدتها، في القصة، تلعب دور "القابض على إصبع القدم"، وهو مصطلح استخدمه لويس هاو، المستشار السياسي، لوصف علاقته بالرئيس فرانكلين روزفلت، صاحب فترات الحكم الأربع، الذي لم يتوقف هاو عن مناداته بفرانكلين قط.

 

أما عن ونستون تشرشل، فكانت زوجته كليمنتين، هي من يتولى هذا الدور، وقد كانت شجاعة كفاية لتكتب إليه: "عزيزي ونستون. أنا مضطرة إلى الاعتراف بملاحظتي تدهورا في طباعك، كما أنك لم تعد طيبا مثلما كنت دوما"، كتبتها كليمنتين يوم دخول هتلر إلى باريس، ثم وضعتها في المظروف، وأرسلتها. لم تكن رسالة شكوى، بل إنذار: لقد أفضى أحدهم إليها، حسب ما كتبته، بشروع زوجها في معاملة مرؤوسيه باحتقار شديد، خلال الاجتماعات، إلى درجة إحجامهم عن اقتراح أي فكرة، سيئة كانت أم حسنة، مخافة ألا تلقى قبوله.

 

هنا يأتي اللورد ديفيد أوين، عالم الأعصاب البريطاني الذي تحول إلى عضو برلماني، وتولى وزارة الخارجية، قبل حصوله على لقب بارون، ليسترجع كلا من قصة هوي وكليمنتين، في كتابه الصادر عام 2008، "في المرض والسلطة"، وهو كتاب عن مختلف الأمراض التي أثرت على أداء رؤساء الوزارات البريطانية والرؤساء الأميركيين، منذ عام 1900. فبينما تعرض البعض إلى السكتات الدماغية (وودرو ويلسون)، وأدمن آخرون المخدرات (أنطوني إيدن)، واشتبه في إصابة البعض بالاضطراب الذهني ثنائي القطب (ليندون جونسون، ثيودور روزفلت)، عانى أربعة على الأقل من اضطراب لم تنجح أدبيات الطب في تشخيصه، إلا أن الواجب يقتضي تغيير ذلك، حسبما يدعي أوين.

  

إن استرجاع أحداث ماضية قادرة على وأد الغطرسة، وكذلك مشاهدة أفلام وثائقية عن الأشخاص العاديين، وقراءة رسائل الناخبين بشكل دوري

بيكساباي
  

فمتلازمة الغطرسة، كما أسماها أوين وزميله جوناثان ديفيدسون، في كتابهما الصادر في برلين عام 2009، هي إحدى اضطرابات حيازة السلطة، ولا سيما السلطة المرتبطة بنجاح ساحق، التي دامت على مدار سنوات، مع تحرر الزعيم من الحد الأدنى من القيود. وتشمل الأعراض السريرية الأربعة عشر لهذه المتلازمة: ازدراء واضح للآخرين، وفقد الاتصال بالواقع، والسلوك المتهور، وانعدام الأهلية. وفي (مايو/أيار)، استضافت الجمعية الملكية للطب مؤتمرا لمنظمة ديدالوس ترست، وهي منظمة أسسها أوين لدراسة ومنع الغطرسة.

 

سألت أوين، الذي أقر بالآثار الإيجابية للغطرسة، إن كان ثمة أمر يحفظ له الاتصال بالواقع، أمر يسع سائر أصحاب السلطة الحقيقية محاكاته. فتشارك أوين معنا عددا قليلا من الإستراتيجيات: استرجاع أحداث ماضية قادرة على وأد الغطرسة، ومشاهدة أفلام وثائقية عن الأشخاص العاديين، وقراءة رسائل الناخبين بشكل دوري.

 

لكني قدرت أن أعظم ضمانة لسلامة أوين من الغطرسة في الوقت الحالي، تنبع من مساعيه البحثية الأخيرة. لقد اشتكى إلي أوين رجال الأعمال، الذين لم يبدوا أدنى اهتمام بالبحوث المتعلقة بالغطرسة. ولم تكن حالة كليات التجارة أفضل كثيرا. كان الإحباط الكامن في صوته يعكس قدرا من الشعور بالعجز. وبغض النظر عن أي أثر إيجابي لذلك على أوين، فقد اعتبرته دليلا على أن اكتشاف علاج لهذا الاضطراب المنتشر في حجرات الاجتماعات، لن يحدث -على الأغلب- في المدى القريب.

   

_________________________________

 
التقرير مترجم عن: الرابط التالي

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك