اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/26 الساعة 17:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/6 هـ

انضم إلينا
قهر الرجال.. اعتقال النساء كأداة لتسليم المطلوبين أنفسهم

قهر الرجال.. اعتقال النساء كأداة لتسليم المطلوبين أنفسهم

  • ض
  • ض
"إذا كُنتَ رَجُلًا وتريد النساء.. فَسَلِّم نفسك"


هذا ما كتبته القوات الأميركية على باب بيت أحد العراقيين المطلوبين لديها في شمال بغداد، وذلك بعد أن اعتقلت مَن فيه من النساء، حينها لم يكن الجيش الأميركي القوة العسكرية الأولى في العالم قد اكتفى بتدمير البنية التحتية والبشرية في العراق بحجّة "محاربة الإرهاب"، بل عبث بقانون الطوارئ العراقي، وشرعن اعتقال النساء للضغط على المطلوبين لديها، وذلك بالمصادقة على قرار يُجيز لوحداته المنتشرة في العراق استخدام أي أسلوب يجده مفيدًا للوصول إلى عناصر المقاومة العراقية، بما في ذلك اعتقال أمهات المطلوبين أو زوجاتهم أو أخواتهم أو بناتهم لكي يضطروا إلى تسليم أنفسهم مقابل إطلاق سراح المعتقلات من النساء من ذويهم، حتى بدأت المقاومة العراقیة تشترط على الراغبین بالقتال في صفوفھا أن يُقصُوا نساءهم إلى أبعد نقطة في العراق أو حتى إلى خارجها إن أمكن لئلا تشكل تلك المسألة عامل ضغط عليهم أثناء القتال[1].

قد يبدو الأمر مستهجنًا أن يقوم جيش أكبر دولة مناصرة لحقوق المرأة والإنسان بانتهاكات صريحة لحقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب تُعاقب عليها محكمة الجنايات الدولية[2]، لكن بالنهاية يبقى الجيش الأميركي داخل طاحونة الحرب ومحرقتها لا يبالي كثيرا بالوسائل ليحقق الغايات كما يراه مراقبون، لكن الأصعب من هذا ألا تبقى هذه الوسيلة -اعتقال النساء تعسّفا وانتقاما أو ضغطا على المطلوبين- حكرًا على المحتل الأجنبي، بل تحولت إلى سلاح تستخدمه الأنظمة العربية المستبدة لإخضاع شعوبها، وفي هذا التقرير نعرض حالات عدّة كان اعتقال النساء فيها سببا للضغط على الرجال أو مكايدة انتقاميّة للأموات والأحياء منهم.

  

بنات العبدولي - الإمارات
ربما غاب عن وزيرة السعادة الإماراتية الشابة عهود الرومي ما جرى لأمينة وموزة العبدولي أثناء تصريحها لـ "العربية" أن تحقيق السعادة في الإمارات يشمل جميع فئات المجتمع وليس حكرا على المواطنين، وأنَّ الإمارات تطمح إلى تطوير معايير السعادة حتى تتمكن من قياس مستواها وتحققها للمجتمع[3]، ولعل انهماك الوزيرة بالبحث عن ماهية السعادة التي تقول إنها "علم له نظريات وأرقام"[4] جعلها تغفل عن متابعة قضية مهمة لفتاتين إحداهما بعمر 18 سنة. في مساء الخميس 19 (نوفمبر/تشرين الثاني) 2015 اقتحم رجال أمن بلباس مدني منزل العقيد الركن محمد أحمد العبدولي(*) في قرية الطيبة، شمال شرقي إمارة الفجيرة، واعتقل ثلاثة من أبنائه، وهم: مصعب 25 عاما، وهو مُسرَّح من الجيش الإماراتي بقرار أمني، وأمينة 33 عامًا، تعمل معلِّمة، وموزة 18 عامًا، خرّيجة ثانوية عامة.

  

 

فيما يبدو أنها عملية ضغط على مصعب الذي اتُّهم فيما بعد بالانضمام إلى تنظيم إرهابي وحكم عليه بالسجن 7 أعوام، فمصعب قد اعتُقل بمذكرة توقيف رسمية بينما أمينة وموزة اعتُقلاتا من دون مذكرة توقيف[5]وحسب تقرير منظمة العفو الدولية فإنَّ موزة العبدولي قد احتُجزت في مكان مجهول منذ القبض عليها في (نوفمبر/تشرين الثاني) حتى مثولها للمرة الأولى أمام المحكمة في (مايو/أيار) 2016م. على أنّه في 21 (نوفمبر/تشرين الثاني) سُمِحَ لأمينة وموزة العبدولي بإجراء اتصال هاتفي مع عائلتهما، ولكن دون أن تكشفا عن مكان وجودهما[6].


طوال فترة اختفاء موزة وأمينة لم توجه لهما السلطات الإمارتية أي تهمة، ناهيك عن أن اعتقالهما لم يكن بمذكرة توقيف رسمية، وعند مثول موزة ذات الـ 18 سنة أمام المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة أصدرت حكمها على موزة العبدولي متهمة إياها بالإساءة إلى دولة الإمارات، وقادتها، ومؤسساتها الرسمية والسياسية، بسبب رسائل قصيرة نشرتها على موقع تويتر في (مارس/آذار) 2013، وكان ذلك عقب وفاة والدها في سوريا، حيث كتبت موزة بعض التغريدات تنعى فيها والدها وكان عمرها آنذاك 15 سنة حسب تقرير منظمة العفو الدولية[7]على أنها في 30 (مايو/أيار) 2016 برّأت المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات العربية المتحدة ساحة موزة العبدولي من تهمة إهانة الإمارات وقادتها ومؤسساتها في تغريدات نشرتها في 2013.


ولكن لم تنجُ أختها أمينة التي لُفقّت لها تهمة في 13 (أكتوبر/تشرين الأول) 2016، حيث مثلت أمينة العبدولي وشقيقها مصعب العبدولي أمام دائرة أمن الدولة في المحكمة الاتحادية العليا بالإمارات لسماع الحكم في قضيتهما، وحُكم على أمينة العبدولي بالسجن خمس سنوات، وبغرامة قدرها 500 ألف درهم إماراتي، وكل هذا بتهمة إنشاء وإدارة حسابين على موقع "تويتر"، ونشر معلومات بغرض التحريض على كراهية الدولة والإخلال بالنظام العام، والاستهزاء والإضرار بسمعة مؤسسات الدولة، ونشر معلومات كاذبة عن المملكة العربية السعودية، وإبداء تعليقات مهينة عن مسؤول مصري، مما يعرض علاقات الدولة مع السعودية ومصر للخطر[8]

ولم تحصّن أوسمة الشرف التي نالها العبدولي الأب من قبل الحكومة الإماراتية والشيخ زايد آل نهيان، منها وسام الشرف لمشاركته في تحرير الكويت عام 1991، لم تحصّن بناته بعد موته من قبضة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، ونظرا إلى عدم وجود جرم حقيقي ارتكبته كل من موزة وأمينة يستدعي اعتقالهما إلى جانب الرجال ثم اعتقال أخيهما بعدهما فإن المركز الإماراتي لحقوق الإنسان أعرب عن تخوفه من استعمال الإمارات لقانون مكافحة الإرهاب لسنة 2014 لقمع المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فقد أدى هذا القانون المقيد إلى عدد كبير من الاعتقالات التعسفية وغيرها من الانتهاكات الخطيرة[9].


لم تكن حادثة الاعتقال هذه أن تمر بسلام من دون ضجة اجتماعية لما فيها من تجرأ على سجن النساء بلا جرم إلا القرابة من المطلوبين، فقد انتشر على تويتر وسم: #جريمة_اختطاف_بنات_العبدولي، رغم التشديد الأمني الذي تمارسه السلطات الإماراتية، وكذلك انتشرت رسالة لفتاة عشرينية بعنوان "رسالة من فتاة سجنها العجز إلى فتاة سجنها الأمن" كتبتها الشابة الإماراتية عائشة بنت أحمد الشيبة ووجهتها إلى أصغر معتقلة في السجون الإماراتية[10].

  

بنات السويدي - الإمارات
 
وفي دولة السعادة مرة ثانية تُعتقل النساء دفعة واحدة إرهابا لهنَّ وضغطًا على الرجال، هذه المرة ثلاث من الأخوات: أسماء، ومريم  والدكتورة اليازية؛ بنات خليفة السويدي.. اعتُقلن دفعة واحدة إثر تنظيمهنَّ حملة سلمية على الإنترنت من أجل الإفراج عن أخيهنَّ الدكتور عيسى السويدي، وهو واحد من 69 شخصا أدينوا في محاكمة جماعية جائرة حسب وصف منظمة العفو الدولية في 2013، استهدفت بها مجموعة من 94 متهما من معارضي الحكومة والنشطاء الإصلاحيين، وعرفت باسم محاكمة "الإمارات 94"، وقد أدينوا بتهمة إنشاء منظمة تهدف إلى إسقاط الحكم. ومما كان يثير قلق أهليهم وذويهم والناشطين الحقوقيين أثناء اعتقالهن أنّه قد بات معروفا أن السجناء المحتجزين في مكان احتجاز سري تحت سلطة "جهاز أمن الدولة في الإمارات" العربية المتحدة يظلون عرضة للخطر الشديد بشكل خاص للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، فضلا عن أن الاختفاء القسري في حد ذاته ينتهك الحظر المطلق المفروض على التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، وهذا ما دفع منظمة العفو الدولية إلى تنظيم الحملات منذ (فبراير/شباط) 2015 من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن الأخوات الثلاث[11].

 

علا القرضاوي - مصر
 
في الـ 30 من (يونيو/حزيران) وبينما يدفع المصريون عنهم شبح ذكرى المظاهرات التي كانت إرهاصات لانقلاب غيّر وجه البلاد ووجهتها، داهمت قوات الأمن المصرية في وقت متأخر من الليل سكن حسام خلف وزوجه علا القرضاوي، واعتقلتهما من دون تهم مبدئية واضحة. وعلا القرضاوي متحدّرة من عائلة بينها وبين حكم العسكر الذي تسلّط على مصر تارات وثأر، لم تكن علا إلا ضحية تصفية حسابات، وورقة ضغط تمارسها السلطة المصرية -حسب مراقبين- على والد علا رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي الذي أُدرج اسمه ضمن قائمة الإرهاب التي أعدّتها الدول المحاصرة لقطر آنذاك[12]. قررت نيابة أمن الدولة العليا حبس خلف وزوجته 15 يوما على ذمة التحقيق، بتهمة الانضمام إلى جماعة الإخوان المحظورة وتمويلها[13].

ونظرا لانعدام الدلائل والحجج الواضحة لزج علا وزوجها بالسجن في ظل التوترات السياسية الحاصلة على صعيد المنطقة خليجيا ومصريا لم يكن من نيابة أمن الدولة العليا في مصر إلا تمديد اعتقال علا وزوجها لمواصلة التحقيقات في التهمة الموجّهة لهما، ثم ترحيل علا إلى سجن النساء بالقناطر (شمال القاهرة)، وإيداعها بحبس انفرادي، وترحيل زوجها لسجن شديد الحراسة[14]. أثار الاعتقال الذي قامت به القوات المصرية غضبا جماهيريا، فانطلقت حملة بعنوان: "الحرية لعلا وحسام" لقيت تأييدا جماهيريا واسعا، وحظيت بانضمام شخصيات معارضة، وأصدرت الحملة بيانا تبيّن فيه ملابسات الاعتقال وتبدي استغرابها من ظهور قوة من الشرطة بهذه السرعة بزعم تطبيق القانون، بينما الجرائم المنظمة تفتك بالمجتمع وبالشارع المصري دون أن يهتم أحد، حسب ما جاء في البيان الذي أوضح أنه يستنكر الزج بالنساء والأقارب في صراعات سياسية لا علاقة لهم بها[15].

 

وليدة الزنزانة
 
وفي نافذة على سجون النظام السوري يتحدث المعارض السوري ميشيل كيلو المعتقل السابق بمقابلة تلفزيونية عن تجربته مع فتاة اعتُقلت للضغط على والدها إثر فراره إلى الأردن بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين، لم يعد والد الفتاة ونُسيت داخل السجن إلّا من وحوش ينهشونها بين حين وحين حتى حملت ووضعت وليدا داخل السجن، يقول كيلو إنه أتى إلى زنزانتها ليروي للطفل المنسي مع أمه حكاية ما، فبدأ كيلو القصة بقوله: "كان في عصفور..." ليقاطعه الطفل قائلا: ما العصفور؟ فتابع ميشيل: "يطير على الشجرة..." فسأل الطفل: ما الشجر؟ [16] لم يكن لدى الطفل أدنى تصوّر لمدلولات هذه الكلمات، فهو لم يغادر الزنزانة منذ أن وضعته أمه اغتصابا فيها، الأم التي لم تُوجد هنا بجرم ارتكبته إلا أنها امرأة قد تُضعف والدها فيُسلّم نفسه من أجلها.

وبهذا تكون الفتاة السورية المغمورة مثلها كمثل علا القرضاوي قد زُجّت بصراعات كُبرى واستُخدمت أداة لمكايدة والدها، كما استُخدمت النساء العراقيات قبلا، وكما عوقبت بنات العبدولي انتقاما من والدهنَّ وضغطا على إخوتهنّ، وكما حُبست بنات السويدي الثلاثة بتهمة التضامن مع أخيهنّ المسجون، وما هن إلا نماذج لضحايا المستبدين على اختلاف أماكنهم، حقيقة تكاد الأنظمة القمعية لا تتورّع لحظة بابتكار الأساليب التي تُرضخ بها معارضيها، وتطبيق هذه الأساليب على الشعوب مهما كانت متنافية مع قيم المجتمعات والبلاد، في الوقت الذي إنما وُجدت به أنظمة الحكم لتذود عن شعوبها.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار