هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"ليسينكو".. أن تحكم على ملايين البشر بالموت بأبحاثك العلمية!

"ليسينكو".. أن تحكم على ملايين البشر بالموت بأبحاثك العلمية!

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
 يتناول هذا التقرير إنجازات عالم الأحياء السوفييتي تروفيم ليسينكو التي أودت بحياة الملايين عبر بحوثه الزراعية المزيفة التي أدت إلى فشل المحاصيل الزراعية على نطاق واسع في البلاد ومن ثم إلى المجاعة.
 
نص التقرير

أطال تروفيم ليسينكو بأبحاثه المجاعات التي أودت بحياة الملايين، فلماذا تحاول إحدى الجماعات الثناء على إرثه العلمي؟
(سام كين- كاتب ومؤلف)

 

على الرغم من أنه من المستحيل الجزم بذلك إلا إن تروفيم ليسينكو تسبب على الأرجح في قتل عدد من البشر يزيد عن أي عالم آخر على مر التاريخ، ففي حين أسفرت بعض الإنجازات العلمية المريبة الأخرى عن إزهاق آلاف الآلاف من الأرواح مثل: الديناميت والغاز السام والقنابل الذرية. إلا إن ليسينكو، عالم الأحياء السوفييتي، حكم على ملايين الأفراد بالمعاناة من الجوع عبر بعض البحوث الزراعية المزيفة، دون أدنى تردد. ربما تعجز الكثير من الاختراعات عن مضاهاة تلك الكارثة الإنسانية اللهم إلا المجموع الكلي للبنادق والبارود على مدى عدة قرون.

آمن ليسينكو، الذي نشأ في فقر مدقع مطلع القرن العشرين، إيمانا خالصا بوعود الثورة الشيوعية. لذا عندما تعارضت مذاهب العلوم مع مذاهب الشيوعية، انحاز دائما إلى الأخيرة واثقا من أن علم الأحياء سيتفق مع الأيديولوجية في النهاية، وهو الأمر الذي لم يحدث أبدا. ولكن بطريقة ملتوية، ساعد هذا الالتزام بالأيديولوجيا في إنقاذ سمعة ليسينكو اليوم. بسبب عدائه تجاه الغرب، وعدم ثقته بالعلم الغربي، فهو يتمتع حاليا بإحياء تراثه في وطنه، حيث تزداد قوة المشاعر المعادية لأميركا.

روج ليسينكو للفكرة الماركسية القائلة بأن البيئة وحدها تشكل النباتات والحيوانات (غيتي)


قفز ليسينكو إلى قمة المجتمع العلمي السوفييتي بسرعة غير عادية. ولد في عائلة من المزارعين الفلاحين في عام 1898، وكان أميا حتى بلوغه سن الثالثة عشر، وفقا لمقال حديث عن إحيائه في مجلة الأحياء الحالية Current Biology. ومع ذلك فقد استغل الثورة الروسية وحصل على القبول في العديد من المدارس الزراعية حيث بدأ بتجربة طرق جديدة لزراعة البازلاء خلال فصل الشتاء السوفييتي القارس، من بين مشاريع أخرى. على الرغم من أنه أدار تجارب سيئة التصميم بل ربما زور بعض النتائج، إلا إن بحثه فاز بالثناء عليه من خلال جريدة حكومية في عام 1927. وقد أُطلق عليه اسم "العالم حافي القدمين"، وساعدت خلفيته الكادحة على زيادة شعبيته داخل الحزب الشيوعي الذي يمجد الفلاحين.

عين المسؤولون ليسينكو في نهاية المطاف مسؤولا عن الزراعة السوفييتية في ثلاثينيات القرن الماضي. المشكلة الوحيدة كانت تلك الأفكار العلمية المعتوهة التي يمتلكها، أو يمكن الإشارة إلى كرهه لعلم الوراثة على وجه الخصوص. على الرغم من حاثة علم الوراثة آنذاك، إلا إنه حقق تقدما سريعا خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي، ومُنحت جائزة نوبل الأولى لعمل متعلق بعلم الوراثة في عام 1933. وأكد علم الوراثة -خاصة في تلك الحقبة- السمات الأساسية: وهي أن النباتات والحيوانات لها خصائص مستقرة، وشفرات جينية، والتي يمررونها إلى أطفالهم. على الرغم من اعتباره عالم أحياء، فقد اعتبر ليسينكو هذه الأفكار رجعية وشريرة، لأنه رأى أنها تعزز الوضع الراهن وتمنع أي قدرة على التغيير. (ونفى وجود الجينات).

وبدلا من ذلك، روج ليسينكو للفكرة الماركسية القائلة بأن البيئة وحدها تشكل النباتات والحيوانات، وأنه يمكنك إعادة تشكيلها بشكل لا نهائي تقريبا من خلال وضعها في الأوضاع الصحيحة وتعريضها للمحفزات المناسبة؛ طبقا لما وصفه الصحفي جاسبر بيكر في كتاب أشباح الجوع.

وتحقيقا لهذه الغاية، بدأ ليسينكو في "تعليم" المحاصيل السوفييتية لتنبت في أوقات مختلفة من السنة عن طريق بعض الممارسات المختلفة والتي من بينها، نقعها في المياه المجمدة. ثم ادعى أن الأجيال القادمة من المحاصيل سوف تتذكر هذه الإشارة والمعرفة البيئية، وحتى من دون معالجة، سترث تلك السمات المفيدة. وفقا لعلم الوراثة المعروف، يعد هذا الأمر مستحيلا: بل إنه أقرب إلى قطع ذيل القطة وتوقع أنها سوف تلد قططا بدون ذيول، فقط لأنها فقدت ذيلها. وسرعان ما بدأ ليسينكو المتحمس المفاخرة بزراعة أشجار البرتقال في سيبيريا، وفقا للكتاب سالف الذكر. كما وعد بزيادة إنتاج المحاصيل فى جميع أنحاء البلاد وتحويل المساحات الداخلية الفارغة إلى مزارع شاسعة.

فشل ليسينكو لم يقلل من نفوذه داخل الاتحاد السوفييتي لأنه كان يتمتع بدعم ستالين (مواقع التواصل)


وكانت هذه الادعاءات بالضبط ما يريد سماعه القادة السوفييت. في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، وضع جوزيف ستالين -بدعم من ليسينكو- مخططا كارثيا لتحديث الزراعة السوفييتية، مجبرا ملايين الأشخاص على الانضمام إلى المزارع الجماعية التي تديرها الدولة. وأدى فشل المحاصيل على نطاق واسع في البلاد إلى المجاعة. ومع ذلك رفض ستالين تغيير المسار، وأمر ليسينكو بعلاج الكارثة بأساليب تستند إلى أفكاره الراديكالية الجديدة. أجبر ليسينكو المزارعين على زراعة البذور قريبة جدا من بعضها البعض، لأنه وفقا لـ "قانون حياة الأنواع"، فإن النباتات من نفس "الطبقة" لا تتنافس أبدا مع بعضها البعض. كما منع استخدام جميع أنواع الأسمدة والمبيدات.

ويذكر كتاب أشباح الجوع أن كل المحاصيل تقريبا -القمح والجاودار والبطاطس والبنجر- التي زُرعت وفقا لأساليب ليسينكو ماتت أو تعفنت. لا يزال ستالين يستحق الجزء الأكبر من اللوم على المجاعات التي أسفرت عن مصرع ما لا يقل عن 7 ملايين شخص، بيد أن ممارسات ليسينكو أطالت فترات نقص الغذاء وزادت من حدته. (بلغت الوفيات نتيجة المجاعات ذروتها في الفترة من عام 1932 إلى عام 1933، ولكن بعد أربع سنوات، وبعد زيادة الأراضي الزراعية المزروعة باستخدام أساليب ليسينكو 163 مرة، قل إنتاج الأغذية بشكل كبير من ذي قبل). كما عانى حلفاء الاتحاد السوفييتي من طرق ليسينكو أيضا. إذ اعتمدت الصين الشيوعية أساليبه في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي مما قاد إلى مجاعات أكبر. ولجأ الفلاحون إلى تناول لحاء الشجر وروث الطيور بل ومخلفات أفراد الأسرة في بعض الأحيان. وتُوفي ما لا يقل عن 30 مليون شخص بسبب المجاعة.

إن فشل ليسينكو لم يقلل من نفوذه داخل الاتحاد السوفيتي إذ كان يتمتع بدعم ستالين. وعُلقت صورته في المعاهد العلمية في جميع أنحاء البلاد، وفي كل مرة ألقى فيها خطابا، كانت الفرقة النحاسية تعزف مع الكورال أغنية مكتوبة على شرفه.

لم يتمكن ليسينكو من إسكات النقاد الغربيين، ولكنه حاول القضاء على جميع المعارضين داخل الاتحاد السوفيتي (مواقع التواصل)


أما خارج الاتحاد السوفييتي، فقد حصد ليسينكو قدرا هائلا من النقد. على سبيل المثال، أسف أحد علماء الأحياء البريطانيين بسبب "جهل ليسينكو المطبق بالمبادئ الأساسية لعلم الوراثة وفسيولوجيا النبات" ويقال إن "الحديث إلى ليسينكو هو كمحاولة شرح التفاضل لشخص لا يعرف جدول الضرب". إلا إن النقد الغربي لم يعجب ليسينكو الذي كره العلماء الغربيين "البرجوازيين"، ووصفهم بأنعم أدوات للطغاة الإمبرياليين. وقد أبغض على وجه الخصوص الممارسات أميركية النشأة لدراسة ذباب الفاكهة، والتي تعتبر العمود الفقري في علم الوراثة الحديث. ودعا علماء الوراثة هؤلاء بأنهم "عشاق للذباب وكارهين للناس".

لم يتمكن ليسينكو من إسكات النقاد الغربيين، ولكنه حاول القضاء على جميع المعارضين داخل الاتحاد السوفييتي. ووجد العلماء الذين رفضوا التخلي عن علم الوراثة أنفسهم تحت رحمة الشرطة السرية. وفُصل المحظوظون منهم من مناصبهم وتُركوا معدمين، واعتقل المئات منهم إن لم يكن الآلاف وأُلقوا في السجون أو في مستشفيات الأمراض النفسية، وحكم على العديد منهم بالإعدام -كأعداء للدولة- أو بتجويعهم في زنزانات السجون حتى الموت (من أبرز هؤلاء عالم النبات نيقولاي فافيلوف). قبل ثلاثينيات القرن الماضي، كان الاتحاد السوفييتي حسب ما يقال، يضم أفضل مجتمع لعلم الوراثة في العالم، ولكن ليسينكو دمر كل ذلك، وتبعا لبعض التقارير فقد أعاد علم الأحياء الروسي نصف قرن إلى الوراء.

بدأت قبضة ليسينكو على السلطة تضعف بعد وفاة ستالين في عام 1953. وبحلول عام 1964، كان قد أطيح به كدكتاتور علم الأحياء السوفييتي، وتوفي في عام 1976 دون استعادة أي تأثير. ظلت صورته معلقة في بعض المعاهد خلال سنوات حكم غورباتشوف، ولكن بحلول التسعينيات، تمكنت البلاد من أن تضع أخيرا الرعب والعار من الليسينكوية وراء ظهرها.

تبين أن ليسينكو لم يتنبأ أو يتوقع علم التخلق المتعاقب بأي شكل من الأشكال الهامة (غيتي)

حتى وقت قريب. وكما توضح مقالة في مجلة "الأحياء الحالية" لعلوم الأحياء، فقد استمتع ليسينكو ببعثه مجددا في روسيا على مدى السنوات القليلة الماضية. وقد ظهرت العديد من الكتب والوثائق التي تشيد بتراثه، مدعومة بما تسميه المقالة "تحالفا ملتويا من اليمينيين الروس، والستالينيين، وعدد قليل من العلماء المؤهلين، وحتى الكنيسة الأرثوذكسية".

هناك عدة أسباب لهذا التجديد. السبب الأول قد يكون، ظهور علم التخلق المتعاقب الجديد والذي جعل الأفكار الشبيهة بأفكار ليسينكو رائجة. تمتلك معظم الكائنات الحية الآلاف من الجينات، إلا إنها لا تنشط جميعا في آن واحد. البعض منها يتم تشغيله أو إيقافه داخل الخلايا، أو تتغير أحجامها زيادة أو نقصانا. وتسمى دراسة هذه التغييرات في "التعبير الجيني" علم ما فوق الجينات أو علم التخلق. وقد صادف أن الإشارات البيئية غالبا ما تؤدي إلى تشغيل أو إيقاف عمل الجينات. وفي بعض الحالات، يمكن لهذه التغييرات المدفوعة بيئيا أن تنتقل من الوالدين إلى الطفل-تماما مثلما ادعى ليسينكو.

إن إلقاء نظرة سريعة على أبحاثه تبين أنه لم يتنبأ أو يتوقع علم التخلق المتعاقب بأي شكل من الأشكال الهامة. بينما ادعى ليسينكو أن الجينات ليست موجودة، فقد اعتبر علم التخلق الجينات أمرا مفروغا منه: إذ إنها تمثل الأشياء التي يتم تشغيلها أو إيقافها. وبينما يمكن للتغيرات الوراثية فوق الجينية أن تنتقل أحيانا (وأحيانا فقط) من أحد الوالدين إلى الطفل، فإن تلك التغيرات تختفي دائما بعد بضعة أجيال؛ أي إنها ليست دائمة أبدا، وهذا يتناقض مع كل شيء قاله ليسينكو.

لا يمكن أن يفسر علم ما فوق الجينات وحده، محاولة استعادة إرث ليسينكو من جديد. هناك شيء أكبر يحدث هنا: عدم الثقة في العلم نفسه. وكما تشرح المقالة في مجلة "الأحياء الحالية" لعلوم الأحياء، فإن المدافعين الجدد عن ليسينكو "يتهمون علم الوراثة بخدمة المصالح الاستعمارية الأميركية والعمل ضد مصالح روسيا". العلم، في نهاية الأمر، هو عنصر رئيس من مكونات الثقافة الغربية. ولأن الفلاح حافي القدمين ليسينكو وقف في وجه العلوم الغربية، من هذا المنطلق، يجب أن يكون ليسينكو بطلا روسيا حقيقيا. والواقع أن الحنين إلى الحقبة السوفييتية ورجالها المناهضين للغرب أمر شائع في روسيا اليوم. وجد استطلاع للرأي أجري في عام 2017 أن 47 في المائة من الروس استحسنوا شخصية جوزيف ستالين و"مهاراته الإدارية"، ملحقا به العديد من تابعيه، بمن فيهم ليسينكو.

كتاب "أشباح الجوع" للكاتب جاسبر بيكر (مواقع التواصل)


من ناحية، تعتبر إعادة تحسين سمعة ليسينكو صادمة. فبالتأكيد لن يحظر علم الوراثة في روسيا مرة أخرى، وتبقى جهود إعادة تحسين السمعة هذه مجرد حركة هامشية عموما. ولكن الأفكار الهامشية يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة. هذه الفكرة تشوه التاريخ الروسي وتلمع الخسائر التي تسبب بها ليسينكو بإساءة استعمال سلطته لإسكات وقتل زملائه لكيلا يقولوا شيئا عن كل الأبرياء الذين تضوروا جوعا بسبب أوامره.. وحقيقة أن بعض "العلماء المؤهلين" يدافعون عن ليسينكو تظهر فقط مدى انتشار المشاعر المعادية للغرب في بعض الدوائر: حتى العلم يمكن أن ينحرف لتعزيز المذاهب الفكرية والسياسية.

ومن ناحية أخرى، هناك شيء مألوف بشكل مثير للقلق حول قضية ليسينكو، لأن المذاهب الفكرية والسياسية تحيد العلم عن الموضوعية في العالم الغربي أيضا. يؤمن ما يقرب من 40 في المائة من الأميركيين أن الله خلق البشر في شكلهم الحالي، بلا تطور، وما يقرب من 60 في المائة من الجمهوريين يعزون التغيرات في درجة الحرارة العالمية لأسباب غير بشرية. وعلى الرغم من عدم وجود مقارنة أخلاقية حقيقية بينهما، فإنه من الصعب عدم سماع أصداء ليسينكو في سخرية سارة بالين من البحوث على ذبابة الفاكهة في عام 2008. ولئلا يصبح الليبراليون متعجرفين للغاية، فإن العديد من القضايا اليسارية إلى حد كبير -مثل الخوف المرضي من الكائنات المعدلة وراثيا، ونظرية "الصفحة البيضاء" (اللوح الفارغ) التي تنكر الطبيعة البشرية- تبدو جميعها بنفس فظاعة أفكار ليسينكو.

وعلى غرار الاتحاد السوفييتي نفسه، نُقل "علم" تروفيم ليسينكو إلى مزبلة التاريخ. ومع ذلك، فإن المخاطر الليسينكوية - من إدراج البيولوجيا في الأيديولوجيا - لا تزال كامنة.
===============================

مترجمٌ عن (ذا أتلانتيك

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار