اغلاق
آخر تحديث: 2018/1/21 الساعة 18:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/5 هـ

انضم إلينا
"قوارب الموت".. قصة هجرة الشباب العربي لضفاف أوروبا

"قوارب الموت".. قصة هجرة الشباب العربي لضفاف أوروبا

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
على ظهر سفينة صغيرة، يحسبها راكبوها قاربهم للنجاة وجسرهم من الجحيم إلى النعيم، وبينما هي تجري بهم في موج كالجبال، جلس أحد راكبي تلك السفينة في ركن قصي وكتب وصيته الأخيرة، ظنا منه أنهم لن ينجوا ولن يصلوا لبر شطوط أوروبا كما كانوا يتمنون.

              

لكن عندما تحقق الظن، وخابت الآمال وبلغت القلوب الحناجر، لم يغنهم صياحهم من الموت شيئا، وعندما غلبتهم أمواج البحر فغرقت أرواحهم في ملكوت بارئها بينما طفت أجسادهم الهزيلة من طول السباحة ومغالبة الموج، وجد طاقم انتشال الغرقى رسالة ذلك الشخص الذي لا نعرف اسمه، وقد أذاب ملح البحر ملامحه بينما ظلت كلماته منقوشة على ورقة مهترئة تحكي قصته وقصة آلاف المهاجرين العرب الذين فروا من جحيم الحرب في سوريا والعراق وليبيا، أو جحيم الاستبداد في مصر، أو جحيم الفاقة والفقر والبطالة في أغلب البلاد العربية والإفريقية.

                         

فكتب يقول: "أنا آسف يا أمي لأن السفينة غرقت بنا ولم أستطع الوصول إلى هناك، كما لن أتمكن من إرسال المبالغ التي استدنتها(أ) لكي أدفع أجر الرحلة.

لاتحزني يا أمي إن لم يجدوا جثتي، فماذا ستفيدك الآن إلا تكاليف نقل وشحن ودفن وعزاء.

أنا آسف يا أمي لأن الحرب حلّت، وكان لا بد لي أن أسافر كغيري من البشر، مع العلم أن أحلامي لم تكن كبيرة كالآخرين، كما تعلمين كل أحلامي كانت بحجم علبة دواء للكولون لك، وثمن تصليح أسنانك.

بالمناسبة لون أسناني الآن أخضر بسبب الطحالب العالقة فيه، ومع ذلك هي أجمل من أسنان الديكتاتور.

أنا آسف يا حبيبتي لأنني بنيت لك بيتا من الوهم، كوخا خشبيا جميلا كما كنا نشاهده في الأفلام، كوخا فقيرا بعيدا عن البراميل المتفجرة وبعيدا عن الطائفية والانتماءات العرقية وشائعات الجيران عنا.

أنا آسف يا أخي لأنني لن أستطيع إرسال الخمسين يورو التي وعدتك بإرسالها لك شهريا لترفه عن نفسك قبل التخرج.

أنا آسف يا أختي لأنني لن أرسل لك الهاتف الحديث الذي يحوي "الواي فاي" أسوة بصديقتك ميسورة الحال.

أنا آسف يا منزلي الجميل لأنني لن أعلق معطفي خلف الباب.

أنا آسف أيها الغواصون والباحثون عن المفقودين، فأنا لا أعرف اسم البحر الذي غرقت فيه.

اطمئني يا دائرة اللجوء فأنا لن أكون حملا ثقيلا عليك.

شكرا لك أيها البحر الذي استقبلتنا بدون فيزا ولا جواز سفر، شكرا للأسماك التي ستتقاسم لحمي ولن تسألني عن ديني ولا انتمائي السياسي.

شكرا لقنوات الأخبار التي ستتناقل خبر موتنا لمدة خمس دقائق كل ساعة لمدة يومين.

شكرا لكم لأنكم ستحزنون علينا عندما ستسمعون الخبر.

أنا آسف لأني غرقت..".(1)

                   

أصبح أبطال الهجرة العربية الجدد بلا عودة، وربما بلا هوية، بل إنهم في أحوال كثيرة لا يصلون من الأصل لشواطئ أوروبا، بل يبتلعهم البحر فيموتون على أعتابها أو تحت أسوارها

رويترز
            

كانت هذه الرسالة برغم بساطتها وما حملته من ألم وأسى هي وثيقة إنسانية شديدة الأصالة، تعبر عن ظاهرة إنسانية قديمة هي ظاهرة الهجرة واللجوء السياسي التي ظهرت من قديم الزمان بين بلاد الشرق والغرب، لكن الجديد هنا أن تلك الرسالة لا تصف فقط مشاهد الموت والغرق والألم والغربة والوَحَشة التي يقابلها المهاجرون العرب، بل هي شاهد على أمر أكبر من مجرد الهجرة، فمع تزايد أعداد اللاجئين المتدفقين من سواحل إفريقيا الشمالية خاصة من مصر وليبيا إلى شواطئ أوروبا، أضحى الأمر أشبه بظاهرة هروب وهجرات كبرى، فهل هي ظاهرة حقا؟ ولو كانت ظاهرة فهل هي جديدة؟ وما أسبابها وتأثيراتها؟

                       

موسم الغرق في الشمال
"إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملا واضحة بخط جريء."

(موسم الهجرة للشمال، الطيب صالح)

                  

على عكس ما جاء في رواية الروائي العربي"الطيب صالح" عن الإنسان العربي المهاجر للشمال الأوروبي، الإنسان المتفوق والعائد لوطنه العربي ليواجه مصاعب الهوية والغربة النفسية عن بلاده وأهله، أصبح الآن أبطال الهجرة العربية الجدد بلا عودة، وربما بلا هوية، بل إنهم في أحوال كثيرة لا يصلون من الأصل لشواطئ أوروبا، بل يبتلعهم البحر فيموتون على أعتابها أو تحت أسوارها مثل الغزاة المسلمين قديما قبل فتح القسطنطينية.

               

لكن، وبرغم أن العالم كله الآن يضج بالمهاجرين واللاجئين الشرعيين وغير الشرعين، حيث يتعدى عدد المهاجرين في العالم الآن 243 مليون شخص؛ أي نحو 3% من سكان العالم(2)، إلا أن البلدان العربية تشكل مجالا كبيرا لهذه الظاهرة، فيما يشكل الاتحاد الأوروبي الوجهة الرئيسية للهجرة العربية.(2)

                          

حيث زادت هذه التدفقات العربية بشكل ملحوظ منذ عام 2013 في شكل "هجرة غير شرعية" وذلك إما بدخول المهاجرين من دون استخدام الجوازات، أو عبور الحدود بشكل قانوني واختيار الاستمرار في البقاء بعد انتهاء المدة المصرح بها في التأشيرة الممنوحة. ويقدر على سبيل المثال عدد المغاربة المهاجرين بتلك الطريقة بين 250.000 و300.000 مهاجر، ما يعادل نسبة 15 في المائة من المهاجرين غير الشرعيين في العالم بحسب منظمة العمل الدولية.(3)

                

                               

على الجانب الآخر، يأتي التقرير الأخير للإسكو (ب) الذي اعتمد على البيانات الصادرة عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة ليبين أن عدد المهاجرين من البلدان العربية قُدر في عام 2013 بـ21.974.881 شخصا، أي ما يناهز ضعف العدد المسجل في عام 1990 الذي كان 12.091.398، وقد شكل المهاجرون 9.5 في المائة من سكان منطقة أوروبا في عام 2013، في مقابل 3.5 في المائة في عام 1990.

             

وبالرغم من تلك الأعداد الضخمة من اللاجئين التي تصل إلى أوروبا، إلا أن عدة إحصاءات تشير إلى أن عدد الذين لقوا حتفهم في البحر الأبيض المتوسط من العابرين الأفارقة وحدهم، سواء العرب أو غير العرب، خلال الفترة بين عامي 1989 و2002 قُدر بنحو 8.000 و10.000 ضحية، (5) فمن أين أتت كل تلك الأعداد من المهاجرين؟ وهل الظاهرة قديمة أم جديدة؟

                    

الهروب من صحراء اليأس إلى جنات الصقيع
يحبُّ الرحيل الى أيِّ شيء
ففي السَفَر الحُرِّ بين الثقافات
قد يجد الباحثون عن الجوهر البشريّ
مقاعد كافيةً للجميع..

(محمود درويش، قصيدة طباق إدوارد)

              

بين كل هؤلاء  الغرقى، وبين أجساد الضحايا من المهاجرين، كان يصعب تبين العرب وأعدادهم، فكانت أعداد اللاجئين العرب غير واضحة في معظم الإحصاءات، حيث يعود ذلك في الأساس إلى أن "دول الجنوب المتوسط، خصوصا دول المغرب العربي ومصر، أصبحت منذ مطلع الألفية مجالات لعبور الهجرة غير النظامية الآتية من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وقدرت بعض الجهات عددهم سنويا بين 65.000 و80.000 مهاجر."(6)

                         

                         

ومن جهة ثانية يعود إلى "طمس الهويات الشخصية للمهاجرين غير الشرعيين الغارقين، كونهم غالبا يركبون البحر من دون أوراق ثبوتية شخصية، كمؤشر لحرق كل ما يربطهم بهوياتهم الأصلية التي هاجروا من أجل هجرها وطمسها، عبر الانطلاق في رحلة بحث عن "هويات بديلة" يعتقدون أنها الأجدى بهم، حتى لا تسهل عملية ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية في حال التعرف إلى أصولهم عند القبض عليهم".(6)

             

فحول بداية ظاهرة تدفق المهاجرين إلى أوروبا، يذهب عدة خبراء (7) إلى أن التوصيف الأدق لهذه الظاهرة هو "الهجرة السرية للأفارقة من بلدان المغرب العربي"، مشيرين إلى أن العدد الكبير للأفارقة هو الذي يجعل هذه التجارة نشطة، "فعدد "الحراقة" وهو الاسم الشائع للمهاجرين غير الشرعيين الذين ينطلقون من المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا، فقط، لا يشكّل مصدر ثراء هام بالنسبة للمهرّبين، وكان لا يمكن أن يتعدّى المئات، لكن مع وجود المهاجرين القادمين من بلدان أفريقية أخرى، فإن العدد يرتفع إلى الآلاف".

               

ثم مع مرور السنوات ازداد عدد المهاجرين العرب الذين يشاركون المهاجرين الأفارقة نفس قوارب الموت، حيث تحتل الهجرة المغاربية في عمومها اليوم نحو الدول الأوروبية النصيب الأكبر من عدد المهاجرين العرب وغير العرب في تلك الدول، حيث ورد في تقرير جامعة الدول العربية عن الهجرة المغاربية إلى أوروبا خلال مطلع عام 2005 أن "عدد الجزائريين المقيمين في إسبانيا بصفة شرعية يقدر بـ17 ألف شخص وفقا للإحصاءات الرسمية، فيما تضم فرنسا وحدها نحو 90 في المائة من المهاجرين الجزائريين إلى الخارج، بينهم نحو 20 ألف شخص لا يملكون الوثائق الرسمية، وأحصت المديرية العامة للأمن الجزائري خلال الخمسة أعوام الأخيرة نحو 8839 مهاجرا غير شرعي". (8)

                    

                                  

وحسب إحصاءات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فإن نسبة المغاربيين من ذوي الكفاءات الجامعية ارتفعت من 9.2 في المائة في عام 1990 إلى 17.6 في المائة في عام 2000 إلى 22.3 في المائة في عام 201،0 (9) لكن الأمر لم يتوقف عند دول المغرب العربي ولا عند الكفاءات الجامعية أو العمالة المهنية التي لا تجد عملا، بل استفحل وتضخم حتى باتت الهجرة للجميع.

                         

تفضلوا.. قوارب الموت للجميع
"مــن أيــن يأتي هـــؤلاء ؟

هل مطار الخرطوم ما يزال يمتلئ بالنّازحين؟
يريدون الهرب الى أيّ مكان، فذلك البلد الواسع لم يعد يتّسع لهم. كأنّي بهم ينتظرون منذ تركتهم في ذلك اليوم عام ثمانية وثمانين.
لا أحد يهمّه أمرهم.
هل ما زالوا يتحدّثون عن الرخاء والناس جوعى؟ وعن الأمن والناس في ذُعر؟ وعن صلاح الأحوال والبلد خراب؟"

(موسم الهجرة للشمال ، الطيب صالح)

                  

حشود متدفقة ، ومجموعات كبيرة تهرب من واقع أليم أو من فقر مدقع ، قد أتت من كل أنحاء البلاد العربية ، تأمل في هجرتها ولجوئها لبلدان الصقيع الأوروبية حياة جديدة، تخلو من البراميل المتفجرة وزوار الفجر، تخلو من الموت المفاجئ والاختفاء القسري والتعذيب في السجون، وصراخ الأمهات الثكالى، وصراخ الأطفال الجوعى، تخلو من القهر والعجز وترنو إلى حياة رغيدة ومستقبل جديد ورزق وفير، وعلى تلك الأسس(9) أضحت الهجرة ظاهرة تشمل كل البلاد العربية بعدما كانت تزدهر في المغرب العربي.

                    

فعندما نتجه شرقا نحو بلاد المشرق العربي، وهو يمثل التجمع السكاني الأكبر في المنطقة العربية، وتضم أقطاره السبعة مصر والعراق والأردن ولبنان وسورية وفلسطين واليمن، ما يقارب 178.6 مليون نسمة في عام 2013، ويمثل بذلك نسبة 48.2 في المائة من مجموع سكان الوطن العربي، نجد أن هذا المشرق بدوره يشهد ارتفاعا بارزا في إحصاءات الهجرة منه، حيث قُدر عدد المهاجرين منه بـ4.2 مليون نسمة بين عامي 2000 و2013(10).

           

إن عدد المهاجرين المصريين غير الشرعيين عقب 25 يناير 2011 بلغ 1989 مهاجرا إلى إيطاليا في العام نفسه

رويترز
                

فيما كان عدد المهاجرين غير الشرعيين من العراق وحدها إلى اليونان فقط، ما يقارب 85.000 عراقي وصلوا إلى اليونان عن طريق البحر خلال النصف الثاني من عام 2015 (10). أما مصر، فقدت شهدت تزايدا غير مسبوق في أعداد المهاجرين غير الشرعيين، فحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة لعام 2016 فإنه بين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2016، وصل نحو 1815 مهاجرا مصريا غير شرعي إلى السواحل الإيطالية.

            

كما "أكد التقرير أن على مدى الأعوام الخمسة الماضية، رصدت المنظمة الدولية للهجرة عبر مكاتبها في الدول المستقبلة للمهاجرين اتجاها تصاعديا في عدد المصريين المهاجرين بطريقة غير شرعية إلى إيطاليا، وأشار التقرير أيضا إلى أن عدد المهاجرين المصريين غير الشرعيين عقب 25 كانون الثاني/يناير 2011 بلغ 1989 مهاجرا إلى إيطاليا في العام نفسه، وسجل هذا الرقم ارتفاعا طفيفا في الأعوام التي تلتها وبلغت ذروتها في عام 2014 بـ4095 مصريا هاجروا بطريقة غير شرعية، ما جعل مصر تحتل المرتبة العاشرة من بين أعلى الدولة المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين إلى إيطاليا".

                   

                

في تلك الأثناء، ينظر جابر شحاتة للبحر الذي صاحبه مدة من الزمن، فقد عمل كصياد  حتى بلغ الخمسين من العمر، فيقول إنه ساعد آلاف المصريين على الهجرة إلى أوروبا على مدى أكثر من 15 عاما. "قبلها كنت أنقل 20 أو 30 مهاجرا في المرة الواحدة، لمساعدتهم من ناحية ولتحسين دخلي من ناحية أخرى، أما بعد عام 2000، وبسبب الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية فقد بدأت موجة الهجرة إلى أوروبا."(12)

              

ويضيف جابر: "كلهم يأتون لطلب المساعدة للهروب إلى شيء أفضل. بعضهم في سن أقل من 16 عاما ويودون استكمال دراستهم في إيطاليا، بينما يهرب آخرون للبحث عن عمل لمساعدة عائلاتهم".

                  

                    

بيد أن الهجرة غير المشروعة من مصر تتخذ وجهات أخرى غير ايطاليا؛ حيث وصل خلال عام 2015 ما يقارب 1000 مهاجر مصري غير شرعي إلى اليونان، بينما كان هذه العدد لا يتعدى 238 حالة فقط في عام 2011 (13)، وبلغ العدد 307 مهاجرا في عام 2014، وتضاعف في 2015 ليصل إلى 974 مهاجرا.

           

كما تحولت مصر بجانب ليبيا إلى مرفأ لتصدير المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة، وصارت "تحتل المرتبة الثانية بعد ليبيا كأشهر مراكز العبور غير المشروع نحو أوروبا ". كما يبدو أنها أصبحت تمثل عجلة خلفية ومنطقة احتياط تعمل عصابات تهريب المهاجرين على الاستنجاد بها في حالات تشديد الرقابة على عمليات وقوافل الهجرة غير الشرعية من الأراضي الليبية".(14)

               

واستنادا إلى أرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فإن العدد الإجمالي للأفراد الذين أوقفوا لمحاولتهم عبور المتوسط من دون ختم خروج منذ بداية عام 2015 وصل في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه إلى 2320 مهاجرا، (14) حيث احتل السودانيون العدد الأكبر من بين اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الذين تم توقيفهم على الشاطئ الشمالي المصري بعدد 930، وتبعهم في المرتبة الثانية السوريون بعدد 507 مهاجرا، والصوماليون الإريتريون بـ475 و178 مهاجرا. (14)

                 

بينما نجد الخلاصة في البحث الذي أجراه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر(15)، حيث يؤكد البحث أن "الوجهة المفضلة للشباب المصري المهاجر بطريقة غير قانونية هي دول الاتحاد الأوروبي. وتظل إيطاليا ومالطا واليونان وجهات الهجرة غير الشرعية المفضلة للشباب المصري بين عامي 2007 و2013، وقد احتلت مصر الترتيب السابع بين أعلى عشر جنسيات للمهاجرين المهربين عن طريق البحر إلى إيطاليا بين عامي 2012 و2015. وفي عام 2014 احتلت الترتيب 11 بين أعلى الدول المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين إلى اليونان، والترتيب العاشر إلى مالطا".(15)

                                    

بيد أن التقرير نفسه يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يذكر أن الهجرة غير الشرعية لم تتوقف عند الشباب العرب الذكور فقط، بل شملت الفتيات والنساء والأطفال كذلك.

              

رحلات عائلية على قوارب للموت
"كلنا يا بني نسافر وحدنا فى نهاية الأمر"

(الطيب صالح، رواية موسم الهجرة للشمال)

                 

"وحده تماما، وصل الطفل أحمد البالغ من العمر 13 عاما إلى شاطئ لامبيدوزا جنوبي إيطاليا، على متن قارب مطاطي لمهاجرين غير رسميين، ولدى وصوله إلى السواحل الإيطالية، لم تجد السلطات هناك في يد أحمد، الذي أطلق عليه الإعلام الإيطالي اسم "بطل لامبيدوزا الصغير"، سوى شهادة طبية عن حالة شقيقه فريد (7 سنوات) المصاب بمرض نقص الصفائح الدموية، حيث توسل أحمد لدى السلطات الإيطالية المساعدة في علاجه".(16)

                 

لم تكن قصة الطفل "أحمد" هي القصة الوحيدة، فحسب المنظمة الدولية للهجرة فإن "معظم المصريين الذين يصلون إلى إيطاليا هم من الأطفال غير المصحوبين بذويهم، وكشف تقرير للمنظمة عن أنه خلال الفترة من يناير إلى مايو 2016، وصل نحو 1815 من المهاجرين المصريين غير الشرعيين للسواحل الإيطالية من بينهم 1147 من الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم، أي بنسبة 78%، لتحتل مصر بذلك المرتبة الأولى بين البلدان المرسلة للأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم إلى إيطاليا".(16)

                          

                      

فبرغم أن العدد الأكبر من المهاجرين غير الشرعيين هم من الشباب، إلا  أن وزارة العمل والسياسات الاجتماعية الإيطالية  أفادت بأن "واحدا من كل خمسة قُصر في دور الرعاية الإيطالية مصري الجنسية، إذ بلغ عددهم 1312 قاصرا من 6319 قاصرا أجنبيا، ما يمثل نسبة 22 بالمائة من العدد الكلي، بينما خلال الشهور الأوائل من عام 2016 وصل ما لا يقل عن 1150 مراهقا مصريا غير مصحوبين بذويهم إلى إيطاليا مقارنة بـ94 مراهقا فقط في الفترة نفسها من عام 2015".(17)

               

لكن الأمر لا يقتصر على مصر، ففي المغرب العربي كذلك أشارت الإحصاءات الإيطالية إلى وجود 1379 قاصرا مغربيا بدون أي مرافق في عام 2002، وفي إسبانيا تشير بعض المصادر(17) الصحافية إلى ارتفاع عددهم من 382 في عام 1998 إلى 705 في عام 1999 و1134 في عام 2000، وقد تحدثت تقارير المنظمة الدولية للهجرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عن تزايد حضور الأطفال غير المصحوبين، وبلغ العدد بحسب وزارة الداخلية الإيطالية 400 طفل.(18)

                    

لكن، لا يتوقف الأمر عند الشباب والاطفال القُصر فقط، بل يمتد ليشمل الفتيات والنساء، حيث أضحت صور النساء والفتيات "حاضرة ضمن حالات الغرقى والمنكوبين والناجين، بل والمقبوض عليهم من المهاجرين غير الشرعيين"(18)، ففي تونس على سبيل المثال، وصلت في شهر واحد فقط (شباط/فبراير 2011) عشرون امرأة ومئتا قاصر إلى السواحل الإيطالية، وفي (حزيران/يونيو 2011) نقل مركب للمهاجرين غير الشرعيين نحو تسعة عشر تونسيا إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، ستة منهم نساء.(18)

              

أما في (آب/أغسطس 2012) ألقي القبض على أربع نساء كن على مركب متوجه إلى السواحل الإيطالية، بينما كانت القصة الأشهر والتي علقت في أذهان كثير من التونسيين هي "قصة امرأة حامل هاجرت إلى إيطاليا خلال عام 2015 على متن أحد مراكب الموت، وكادت تؤدي المغامرة بحياتها وحياة جنينها قبل أن تصل إلى إيطاليا". (19)

        

انخفضت نسبة الوافدين العرب في مجموع دول مجلس التعاون الخليجي الست من 72% في عام 1975 إلى 25-29% في عام 2002

رويترز
         

حيث أفاد تقرير صادر عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الإيطالية لعام 2012 أن "عدد التونسيين في إيطاليا يبلغ 76.181 تونسيا و40.470 تونسية، وتبلغ نسبة المهاجرات بطرائق غير شرعية من جملة المهاجرين غير الشرعيين التونسيين أكثر من الثلث، وتتراوح أعمارهن بين 35 و49 عاما"(19). أما المنظمة العالمية للهجرة، فجاء في تقريرها لعام 2012 أن نسبة النساء من مجمل المهاجرين التونسيين بلغت 49.3 في المائة.(20)

                 

أسباب الهجرة.. "اللي أمر منه"
"مثلنا تماما يولدون ويموتون وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلاما بعضها يصدق وبعضها يخيب، يخافون من المجهول وينشدون الحب ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد"

(الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال)

                  

في ظل تلك الأعداد المتزايدة من المهاجرين العرب لأوروبا، أجرت الجمعية المغربية للدراسات والأبحاث بحثا عن الهجرة، (21) تناولت فيه عينة البحث 2604 أشخاص يتراوح سنهم بين 18 و50 عاما، وخضع تقسيمهم بحسب الشرائح العمرية لهيكلة السكان المغاربة فجاءت نسبهم: 40 في المائة يتراوح سنهم بين 18و29 سنة، بينما تراوح سن 28 في المائة بين 30 و39 عاما و32 في المائة تراوحت أعمارهم بين 40 و50 عاما، ونتج عن ذلك البحث (21) ما يلي:

- أقر 58 في المائة من الأشخاص المستجوبين أنهم لا يفكرون في الهجرة لاعتبارات ترتبط بالتزاماتهم العائلية.

- عبّر 42 في المائة من المستجوبين عن نيتهم الهجرة للعمل بالخارج.

                

ويعلق الباحث "محمد الخشاني"(21) أن تلك النسب ليست فقط في دول المغرب العربي، بل توجد أيضا بدول المشرق، حيث أصبحت "الدول الأوروبية مقصد العرب من المشرق والمغرب بعد الأزمات السياسية التي أصبحت تعيشها هذه البلدان" وإضافة إلى ذلك، بسبب "الاتجاه السائد في دول الخليج نحو خفض نسبة المهاجرين العرب وتعويضهم باليد العاملة المحلية أو الآسيوية الأقل كلفة".

                   

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر عن تزايد نسبة المصريين تحت خط الفقر بالنسبة إلى 26.3%، ما يعني أن أكثر من ربع المصريين دون خط الفقر  (رويترز)

             

فطبقا للبيانات التي جمعها الباحث كابيسفيزكي،(22) انخفضت نسبة الوافدين العرب في مجموع دول مجلس التعاون الخليجي الست من 72 في المائة في عام 1975 إلى 25-29 بالمائة في عام 2002، وتعزز هذا الاتجاه بعد حرب الخليج، "ويشكل الشباب المصري أكبر فئة عربية مغتربة في دول مجلس التعاون الخليجي، متبوعين باليمنيين والأردنيين".

               

حيث يشكل السبب الاقتصادي الدافع الأول لظاهرة الهجرة العربية، فتذهب الباحثة عائشة التايب أن الدليل على ذلك هو "ارتفاع تلك المؤشرات في حالة تونس ومصر والمغرب على سبيل المثال بدرجة أكبر من باقي الدول العربية الأخرى باستثناء سورية، وشهد مؤشر النمو الاقتصادي في تونس تباطؤا بارزا خلال عام 2016، ولم يتجاوز هذا المؤشر معدل 2.3 في المائة في عام 2014، وظل ذلك المؤشر محافظا على استقراره وركوده، وبلغت نسبة المديونية مستويات عالية في عام 2014، ما يقارب 25 مليار دينار تونسي، واستنفذت بذلك 40 في المائة من الناتج المحلي الخام".

                  

أما النسبة العامة للبطالة فبلغت خلال الثلث الأول من عام 2015 نحو15.2 في المائة، حيث تتراوحت نسبة بطالة أصحاب الشهادات العليا في عام 2014 بين 31 و57 في المائة (23) وتتحدث أغلب المؤشرات عن "ارتفاع متزايد لرقعة الفقر على الرغم من عدم وجود أرقام مؤكدة، بعد تآكل الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى وتدحرجها نحو فئة الفقراء نتيجة التحولات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية في ظل النسق التصاعدي لارتفاع الأسعار".(23)

                

على الجانب الآخر، وفي السياق نفسه، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر عن تزايد نسبة المصريين تحت خط الفقر بالنسبة إلى عام 2015 من خلال تسجيل نسبة 26.3 في المائة من السكان ضمن تلك الشريحة، "ما يعني أن أكثر من ربع المصريين دون خط الفقر". كما أظهر تقرير "بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك" الذي يصدره الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري "استمرار ارتفاع نسبة الفقر في مصر كل عام عن سابقه، حيث تمثل نسبة 26.3 في المائة في التقرير الأخير لعام 2012-2013 زيادة 1.1 في المائة  عن العام السابق". (24)

           

بنهاية عام 2014 هرب أكثر من نصف سكان سوريا 52.4% إلى مناطق أخرى طلبا للأمن

رويترز
                  

"كما أشار الجهاز إلى أن عدد الشباب من الفئة العمرية بين 18 و29 عاما بلغ 20.7 مليون نسمة في (كانون الثاني/يناير 2015) بنسبة 23.6 في المائة من إجمالي السكان، وأشار إلى أن معدل البطالة بين هؤلاء الشباب بلغ 26.3 في المائة، كما أشار أحد المديرين السابقين للبنك الدولي إلى أن معدل  البطالة في مصر يتجاوز 25 في المائة، في الوقت الذي تشير فيه التقديرات الرسمية إلى أنها لا تتجاوز 14 بالمائة فقط". (24)

             

بيد أن خلاصات بحث آخر (25) تشير إلى أن ظاهرة المهاجرين العرب ليست مرتبطة بالبطالة، لأن 50 بالمائة من الأشخاص الذين عبروا عن الرغبة في الهجرة يشتغلون، ويضيف الباحث محمد الخشاني "نجد هذه الظاهرة عند كثير من الشباب العربي الذي يصنف ضمن ما يمكن أن نسميه بالعاملين الفقراء الذين يعتبرون الهجرة وسيلة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية". لكن هل تكفي سوء الأحوال الاقتصادية والرغبة في تحسين الأحوال المالية كأسباب وحيدة وراء تدفق مجموعات كبيرة من العرب الشباب والنساء والأطفال للمغامرة بأعمارهم على قوارب الموت؟

                             

الفرار من شرار الخلق لأعماق البحر

نروح نخاف من فَراغ الشوارع

ومقاعدِ الكنيسة

مِن هدير البحر نخاف

مِن الرعد

مِن النار الخافتة نخاف

نخاف من عيون الخائفين

مِن الفرح

مِن تجمُّع العصافير

مِن دَقّة الباب نخاف

ونهوى السكوت والظلام لكي نسمع الآتي

ولو أنه لا يُسمع!"

(ديوان صديقي يا الله لزياد رحباني)

                

حين امتلأت الأرض بالشتائم والحقد والرصاص والدم، وخرجت من الأرض خناجر تقطر قيحا بدلا من القمح والأزهار، وامتلأت بلاد المسلمين وخاصة العرب بالحروب والدماء والصراع، كان الخوف ومحاولة الفرار إلى حياة أخرى من أكبر الدوافع عند هؤلاء المهاجرين العرب.

                

حيث تذهب الباحثة عائشة التايب إلى أن "هرب الفاعلين الاجتماعيين رجالا ونساء وشيبا وشبابا من ويلات الحروب والنزاعات المسلحة وهجر الأوطان طلبا للأمن، يعد فعلا اجتماعيا مشروعا، تبرره دوافعه"، (26) حيث غادر ليبيا على سبيل المثال في عام 2011 أكثر من 422.000 مواطن ليبي في هجرة غير مشروعة نحو أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، وبلغ عدد الوافدين نحو 137.631 لاجئ ومهاجر في عام 2014. (27)

              

أما بالنسبة لسوريا فكانت الكارثة أضخم، حيث خلفت الأزمة السورية ما يقارب 3.932.931 لاجئا مسجل معظمهم بلبنان والعراق وتركيا والأردن ومصر، هذا بجانب 217.724 طالب لجوء إلى أوروبا (27)أما خلال عام 2014 فقد بلغ عدد المهاجرين واللاجئين الوافدين إلى أوروبا بطريقة غير نظامية عبر البحر الأبيض المتوسط 44.057 مهاجرا، منهم 27.025 من سوريا، وفي أواخر عام 2014 تجاوز عدد المهاجرين السوريين 42.323 مهاجرا، ليصبحوا بذلك أكبر جنسية بلغت إيطاليا.(27) وبنهاية عام 2014 هرب أكثر من نصف سكان سوريا 52.4 بالمائة إلى مناطق أخرى طلبا للأمن، وكان قرابة 57 بالمائة من السكان الذين غادروا بيوتهم لا يزالون يعيشون نازحين داخليا على الأراضي السورية، في حين أن 28 بالمائة باتوا لاجئين في الخارج، و13 بالمائة هاجروا إلى بلدان أخرى.

               

هكذا تضخمت ظاهرة الهجرة العربية إلى الغرب لتصبح ظاهرة هروب وفرار من واقع أليم مليء بالصراعات والخوف، أو من فقر وأحوال اقتصادية سيئة، يدفعهم للمغامرة بحياتهم فوق قوارب تتأرجح بهم فوق أمواج البحر، بينما يدفع كثير منهم عمره وحياته طلبا للوصول لشطوط أوروبا، شطوط النجاة والأمن في نظرهم.

 _______________________________________________________

    

أ/ يتراوح أجر الرحلة البحرية للوصول إلى أوروبا بطريقة غير شرعية ما بين ألف إلى 5 آلاف يورو بحسب دولة الانطلاق وعوامل أخرى مثل صلاحية المركب وعدد الوسطاء وغيرها.

ب/ يقع المقر الرئيسي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) أو (يونيسكوا) في بيروت، لبنان وهي واحدة من خمس لجان إقليمية أسسها المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة .

ينص ميثاق الأمم المتحدة على توفير عوامل الاستقرار والرفاه. وكلاهما عنصران أساسيان لإقامة علاقات سليمة وودية بين الأمم، وذلك على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق، الذي يضمن لها حق تقرير المصير ويوفر فرصا متساوية، بما في ذلك تحقيق مستوى معيشة أفضل وتأمين العمل للجميع، من خلال التحفيز المستمر للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية.

المصادر

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار