انضم إلينا
اغلاق
عصر الثقافة الرديئة.. كيف اندثر "الذوق الجميل" لدينا؟

عصر الثقافة الرديئة.. كيف اندثر "الذوق الجميل" لدينا؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"طبل وزمر.. ورقص.. وشباب.. وبنات ومخدرات.. وعلاقات جنسية كاملة" هكذا صَرّح الممثل المصري "طلعت زكريا" مع الإعلامي "أحمد شوبير" عام 2011، واصفا ما يحدث في ميدان التحرير، وهي الاتهامات نفسها التي كررها عدد من الممثلين والإعلاميين المصريين وألصقوها بالشباب في ميدان التحرير إبان ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وهي التي، وللمفارقة، لا تختلف كثيرا عما اعتاده هؤلاء الفنانون والإعلاميون في وسطهم الفني بحسب ما يمكن مشاهدته.

   

  

حيث امتلأت الدراما والسينما المصرية مؤخرا بقصص وموضوعات تمثل "ذروة الإسفاف الثقافي والفني"، وذلك حين تزعمت شركة "السُبكي للإنتاج السينمائي" هذا النمط، فقدمت أفلام "البلطجية والكابريهات" التي تكثر فيها مشاهد العلاقات خارج إطار الزواج وقصص الخيانة الزوجية، بل وصل الأمر إلى "زنا المحارم"، مما جعل أفلام المنتج "محمد السبكي" وأخيه "كريم" السبكي موضوعا دائما في برامج "التوك شو"، وجعلهما متهمين دائما بالترويج للانحدار الأخلاقي والبلطجة.

     

لم يختلف الأمر كثيرا في الدراما، ففي عام 2017 جاء عديد من المسلسلات الرمضانية رافعا شعار "للكبار فقط" لاحتواء أغلبها على موضوعات تمس الجنس والعلاقات خارج إطار الزواج وزنا المحارم، توجه انسحب كذلك على سوق الروايات الشبابية فهي الأخرى لم تبتعد عن موضوعات الجنس والمخدرات وموضوعات الرعب والرومانسية الرخيصة، والأمر نفسه في عالم الشعر والغناء الذي انحدر به الحال إلى شكل مشوه من الكلمات الركيكة والموضوعات المبتذلة، حيث بدت الثقافة في مصر مستنقعا من الإسفاف والعفن، وأصبحت المواهب والأشكال الفنية الجادة تُعد على أصابع اليد وليس لها جمهور يذكر، فكيف وصلنا إلى هذه الحال؟

 

كيف انحدرت الثقافة في مصر؟

لا يمكن فهم الحالة الثقافية في مصر دون فهم الحالة الاجتماعية، وهي ما تحيلنا بدورها إلى الوضع السياسي والاقتصادي، لكن الأمر أكبر من ذلك، حيث كتب الدكتور الراحل جلال أمين في عام 2002 قائلا: "وصف ما يحدث الآن في الساحة الثقافية في مصر ليس أبدا بالأمر السهل، فالظواهر معقدة ومتشابكة، وجذورها متداخلة لا يعرف أولها من آخرها، والأمراض كثيرة مضى على نشوئها وقت طويل حتى لا يكاد يكون من الممكن تحديد زمن الإصابة الأولى، ومضاعفاتها كثيرة يصعب رد كل منها إلى أصله وسببه. والمسؤولية عن هذه الأمراض موزعة على كثيرين ينتمون إلى عصور مختلفة، بعضهم رأسمالي وبعضهم اشتراكي، ومنهم المصري ومنهم الأجنبي، كما أن منهم صانعي الثقافة أنفسهم ومنهم مستهلكيها الذين فرضوا أذواقهم ورغباتهم على صانعي الثقافة". (1)

   

     

لذلك، يحاول الدكتور جلال أمين أن يجترح مقاربة توصل الثقافي بالاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فيبدأ من الطبقة الوسطى في مصر، كطبقة تحدد سماتها سمات المناخ الثقافي لأي مجتمع، فالطبقة الوسطى في نظر أمين هي في الأساس الطبقة المنتجة للثقافة، "أي الإنتاج الفكري والفني وليس بالمعنى الواسع الذي يشمل أيضا أنماط السلوك والقيم والعادات"، كما أنها في الأساس -كما يقول أمين- الطبقة المستهلكة للثقافة.

      

يحاول "أمين" رصد وضع تلك الطبقة الوسطى في مصر طوال قرن من الزمان، والتحولات والتغيرات التي طرأت عليها فيما يخص حجمها ومصادر دخلها ومستوى تعليمها، فيوضح أمين أن طوال العقود الثلاثة الواقعة بين بداية الاحتلال الإنجليزي لمصر وقيام الحرب العالمية الأولى (1882-1914) ظلت الطبقة الوسطى في مصر صغيرة للغاية، وكان المصدران الأساسيان لدخل هذه الطبقة هي الملكية الزراعية والتعليم، وقد كان نمو الدخل من كلا هذين المصدرين بطيئا نسبيا.

   

رغم ذلك، فإن الثقافة في تلك الفترة كانت رفيعة المستوى مقارنة بالفترات السابقة واللاحقة، "حيث برز فيها محمد عبده في الفقه والفكر الديني، وقاسم أمين وفرح أنطون في الفكر الاجتماعي، ومحمد المويلحي والمنفلوطي في الأدب، ومحمود سامي البارودي في الشعر، ومحمد عثمان في الموسيقى" (1)، كما تطورت الصحافة والمسرح بشكل ملحوظ. يشير جلال أمين إلى العنصرين اللذين يستند إليهما في تفسيره وهما: طبيعة مصادر الدخل الأساسية للطبقة الوسطى، والاستقرار النسبي في أحوال هذه الطبقة. فهو يشير كذلك إلى طبيعة العلاقة بين مصر والثقافة الغربية في تلك الفترة.

     

  

فيقول: "كان مثقفو تلك الأيام قد انفتحوا حقا على الغرب، وشاهدوه بأعينهم، ومنهم من أقام في الغرب فترة وتأثروا به، ولكن تكوينهم الأساسي كان مصدره دائما التراث العربي والإسلامي، ومن ثم لم يكن من المتصور أن يفقدوا ثقتهم بهذا التراث بسهولة، بل حاولوا إصلاحه دون التضحية به، بل حتى الداعون إلى الاقتباس من الغرب إلى أبعد حدود، مثل قاسم أمين وفرح أنطون، كانوا أكبر ثقة بأنفسهم وأكثر اعتزازا بتراثهم من الداعين إلى التغريب في فترات لاحقة".

 

لكن عجلة التغيرات في العالم والمنطقة العربية دارت بوتيرة أسرع بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ففي الفترة بين (1914-1939) فقدت الزراعة جزءا من أهميتها بسبب ما أصاب الدخل الزراعي من تدهور نتيجة للأزمة العالمية حينذاك، بينما زادت أهمية التعليم بدرجة ملحوظة بوصفه مصدرا من مصادر دخل الطبقة المتوسطة، ومن ناحية أخرى أضيف مصدر جديد للدخل في مصر وهو التصنيع، لكن معدل نمو الطبقة الوسطى بقي بطيئا، وظل هناك استقرار في معدل التغير في المركز النسبي للشرائح الاجتماعية المختلفة وهو ما يسميه أمين بـ "الحراك الاجتماعي". (1)

   

   

وكانت فترة العشرينيات والثلاثينيات هي التي شهدت الأعمال الرئيسية لطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وأحمد أمين وسلامة موسى وإبراهيم المازني، كما ازدهر الشعر المصري على أيدي أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وتطورت الموسيقى المصرية مع سيد درويش وزكريا أحمد والقصبجي، وقام المسرح المصري بجهود جورج أبيض ويوسف وهبي والريحاني، وظهر أول فيلم مصري، وجاءت ثورة في فن النحت على يد الفنان محمود مختار. (1)

 

إلا أن هذا التصاعد الثقافي قد بدأ في التراجع، وساد شيء من مناخ الانحطاط الثقافي في الفترة الممتدة بين الحرب العالمية الثانية وقيام حركة يوليو/تموز بين (1939-1952)، وقرب نهاية هذه الفترة نشر توفيق الحكيم مقالا صغيرا في صحيفة أخبار اليوم -التي كان ظهورها نفسه انقلابا على الصحافة القديمة- وجاء تحت عنوان "العصر الشكوكي" نسبة إلى النجاح الساحق والشعبية الواسعة للمنولوجست "محمود شكوكو" وكان قد بدأ نوعا جديدا من المنولوجات، أي الأغاني القصيرة والخفيفة سريعة الإيقاع وذات المعاني السهلة وخفيفة الظل، وتكسر بعض قواعد الغناء القديم.

  

واشتهرت مع أغاني شكوكو منولوجات حسين المليجي وثريا حلمي اللذين كانا أيضا "يستجيبان لأذواق طبقة جديدة من المستمعين حديثي الثراء، والأشد إقبالا على الحياة والأكثر استعدادا للسخرية من طبقة لم يلتحقوا بها إلا حديثا، وللترويج لقيم النشاط والخفة والشطارة بدلا من التزمت في احترام المبادئ والتقاليد الراسخة". (1)  كما شهدت تلك الفترة تحولا ملحوظا في موسيقى محمد عبد الوهاب، أكبر وأشهر المطربين حينذاك، فأصبحت أكثر سرعة وأقل عمقا (2)، وانحسرت شعبية مغنين أقرب إلى التراث العربي من أمثال صالح عبد الحي وعزيز عثمان، وأصبحت الإشارة إليهم لا تخلو من سخرية واستهزاء. (3)

       

  

في السينما والمسرح، جاءت أعمال يوسف وهبي ونجيب الريحاني لتؤكد على ظاهرة التناقض الطبقي الصارخ، والمفارقة المتفاقمة بين الغني الفاسد والفقير الشريف، ورغم أن الأدباء الكبار لم يتوقفوا عن الكتابة في الأربعينيات "فإنهم فقدوا الكثير من حيويتهم وحماسهم للتجديد مع تقدمهم في السن، دون أن يحل محلهم جيل جديد يقاربهم في العمق.. أو محاولة تطويع التراث لمواجهة حاجات العصر"، ويرجع جلال أمين هذا التراجع في الثقافة المصرية خلال تلك الفترة لعدة أسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية أهمها: الإنفاق الأجنبي على مستلزمات الحرب، وما ترتب على هذا الإنفاق وعلى ندرة السلع بوجه عام من تضخم، أدى هذا إلى انضمام شرائح جديدة إلى الطبقة الوسطى حققت صعودا اجتماعيا سريعا عن طريق مصادر للدخل هي في الأساس غير منتجة، كالمضاربة وأعمال الوساطة من مختلف الأنواع. (3)

    

يذكر أمين أن الأهم من الوزن العددي لتلك الشرائح الجديدة هو وزنها المالي، فتضخم القدرة الشرائية لتلك الشرائح مع تدني ذوقهم قد أحدث تغيرا ملموسا في المناخ الثقافي. كما يضيف أمين أن من أهم أسباب ذلك التغير هو التحول الذي طرأ على مصدر الثقافة الغربية التي كانت مصر تستقبلها، من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية، التي جلبت لمصر الثقافة الأميركية التي تُعلي من قيم العجلة واحترام الثراء بصرف النظر عن مصدره، وتزايد اللهفة على التمتع بالحياة، والتقليل من التمسك بالمبادئ لو كانت تتعارض مع الثراء والتمتع به. (3) ومع دخول العالم في العصر الأميركي وبداية رحلة الولايات المتحدة الأميركية في تثبيت إمبراطوريتها، حدث انقلاب الجيش في 1952، ليَحدث تحول أكبر في الثقافة المصرية.

 

الثقافة المصرية تتسلق منحدراً صخرياً

"شاب قروي بسيط وضعيف البنية بحكم ما دخل جسمه وهو صغير من أمراض مزمنة كان يعاني من مثلها ملايين القرويين في مصر، ولكن تيسرت له فرصة الدراسة في معهد الموسيقى العربية، ثم لم يعد أصله وفقره مانعين من أن يصعد إلى ميكروفون الإذاعة، ما دام صاحب موهبة وذكاء، كان المطرب عبد الحليم حافظ واحدا من المستفيدين من انهيار السد العظيم" (4) الذي كان يحجز خلفه حشود الطبقات الشعبية المحرومة من زمن طويل من التعبير عن نفسها.

    

  

وكان لحركة 52 الفضل في تحطيم هذا السد، فبعد الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم والتوسع السريع فيه، بجانب إعادة توزيع الثروة والدخل، وتسارع معدلات العمالة في الصناعة والأعمال الإنشائية والتوسع في الخدمات الصحية والإسكان الشعبي، انطلقت هذه الطبقات الشعبية، فراح عبد الحليم هو وجيله يغنون أغاني فرحة متفائلة بالحياة، وخفتت الأغاني الحزينة اليائسة من لقاء الحبيب، وبجانب عبد الحليم نهض من يقدم له الكلمات ذات المعاني البهيجة والبسيطة مثل صلاح جاهين ومرسي جميل عزيز، وجاء من يلحن هذه الكلمات بألحان بهيجة وبسيطة، مثلما فعل كمال الطويل والموجي وبليغ حمدي. (4)

     

يعود أمين ليضع تفسيره قائلا: "كان النمو في حجم الطبقة المتوسطة في الخمسينيات والستينيات يختلف اختلافا كبيرا عن نموها في سنوات الحرب والسنوات التالية لها، فمصادر نمو الدخل خلال العقدين التاليين لحركة يوليو كانت في الأساس مصادر منتجة، بمعنى مساهمتها في إنتاج سلع جديدة أو تقديم خدمات تساهم مساهمة حقيقية في ارتفاع مستوى الرفاهية، كالتعليم والصحة وإدارة المرافق العامة. نعم كانت هناك بلا شك أمثلة للثراء بلا سبب، ولكنها كانت أقل انتشارا من الفترة السابقة عليها وخلال السبعينيات والثمانينيات".

 

بجانب مصادر الدخول الجديدة واتساع حجم الطبقة الوسطى وصعود شرائح اجتماعية جديدة، مع التفاؤل بمستقبل مصر السياسي والاجتماعي وتعاطف المثقفين مع أهداف حركة يوليو/تموز السياسية والاجتماعية، يفسر أمين ازدهار المناخ الثقافي في تلك الفترة، فظهرت أعمال نجيب محفوظ ويوسف إدريس في الرواية والقصة القصيرة، وظهرت مسرحيات نعمان عاشور وألفريد فرج ويوسف إدريس، وجاءت للوجود مدرسة الشعر الحديث بقيادة صلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي ثم أمل دنقل، وبرزت موهبة صلاح جاهين في الشعر العامي والكاركتير، ومدرسة أحمد بهاء الدين في الصحافة، كما لمعت أعمال يوسف شاهين وصلاح أبو سيف في السينما. (5)

     

صورة تجمع بليغ حميدي بالفنان عبدالحليم حافظ خلال بروفا

مواقع التواصل
   

إلا أن تلك الأعمال كلها قد حملت نقدا جوهريا للنظام الاجتماعي والسياسي والثقافي، ومع تزايد حدة الدولة البوليسية، بدأت الحياة الثقافية في مصر تخفت تدريجيا، "صحيح أن هناك من الكتّاب الكبار من استمر يكتب على المنوال نفسه.. فقصص إحسان عبد القدوس ومسرحيات توفيق الحكيم ظلت بعيدة جدا عن التعرض للمشكلات الحقيقية التي كانت تعاني منها الطبقات الدنيا، كما أن نجيب محفوظ لم يغير مسلكه قط.. فأبطال رواياته وقصصه ظلت مستقاة من الطبقة الوسطى، شرائحها العليا والدنيا، لكنه اتجه منذ الستينيات اتجاها متزايدا إلى الأدب الرمزي الذي ربما كانت تختفي وراءه قلة تعاطفه مع حكومات الثورة". (5)

  

ويبدو أن بعد انهيار السد الرهيب للتناقض الطبقي بفترة قام سد جديد، قد لا يكون سدا مرئيا لكنه كتم أنفاس الجميع، فقد أنتجت فترة ما بعد هزيمة 1967 رجالا ونساء "من نوع جديد تربعوا على عرش الثقافة في مصر، وكبسوا على أنفاس المثقفين المصريين بما لا يدع للموهوبين الحقيقيين فرصة تُذكر للانتشار والنجاح إلا بشق الأنفس" (6)، وعندما جاءت سبعينيات القرن العشرين، كانت الثقافة في مصر تسقط فوق منحدر نحو مستنقع من الابتذال.

 

عالم السبعينيات وثقافة التطبيع

عرفت سنوات السبعينيات ما عُرف بالأفلام التجارية، وهي أفلام ترفع شعارا ضمنيا يقول: "لقد مللنا المواعظ والأيدولوجيات، فمرحبا بالحرية وإطلاق الطاقات"، فامتلأت تلك الأفلام بالإباحية التي فاقت كل الحدود في الفن والحياة، حتى إن الأفلام التي حظيت بأكبر قدر من التعظيم والتكريم، أمسى يصعب التمييز فيها بين "ما يمكن اعتباره عملا فنيا حقيقيا وما تقتصر مهمته على مجرد الإثارة الجنسية، وبعد أن كان الشذوذ الجنسي يطل برأسه على استحياء في الستينيات، كاد في أواخر الثمانينيات يصبح من الواجبات المفروضة على المخرج من أجل ضمان النجاح في تسويق الفيلم". (6)

   

سينما ريالتو في الإسكندرية (مواقع التواصل )

  

كان على المثقفين ومنتجي الثقافة من أدب وسينما وفكر في تلك الفترة أن يراعوا أذواق جماهير غفيرة صعدت فجأة من شريحة الفقراء إلى الطبقات المتوسطة والعليا، حيث تصاعد معدل نمو الطبقة الوسطى في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين بمعدل لم تعرف مصر له مثيلا في تاريخها الحديث، لكن كان هذا النمو يرجع في الأساس إلى أعمال غير منتجة، فقد زادت أعمال المضاربة والوساطة والسمسرة وتجارة العملة وتأجير الشقق، كما اقترنت تلك الفترة بظاهرة الهجرة إلى الخارج، وخاصة إلى دول الخليج، التي أدت إلى نشوء ثروات مفاجئة وارتفاع معدل الحراك الاجتماعي، أي التغير في نسبة الشرائح المجتمعية. (7) كما زادت الدخول المتولدة من السياحة، وارتبطت كل تلك المصادر للدخل بضعف المجهود والمهارة والقدرة على اقتناص الفرص أكثر من ارتباطها بالجهد المستمر والتعليم.

      

من ناحية أخرى ارتبطت الثقافة في ذلك الوقت بالمؤسسات، فظهر دور الدولة من جهة والهيئات الأجنبية من جهة أخرى، فأما دور الدولة، فرغم إصابته بتقلص ملحوظ في مختلف ميادين النشاط الاقتصادي والاجتماعي، فقد زاد وترعرع في مجال الثقافة، وفيما زادت مطالبة الجماهير الغفيرة ببناء مزيد من المدارس والجامعات، استمرت الدولة في الإنفاق على الصحف والمجلات ونشر كتب معينة، بل زاد بشدة ما تنفقه الدولة على التلفزيون والتوسع في إنشاء قنوات فضائية جديدة. (7)

   

وبعد حرب 1973 وبداية سياسات الانفتاح والاتجاه نحو معاهدة كامب ديفيد، فتحت الدولة خزائنها لكل من كان على استعداد للترويج لسياسات الانفتاح، أو الوقوف في صفها في سياستها الجديدة إزاء اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وبينما تحاول الدولة أن تزين سياستها وتروج له إعلاميا، "كان قد تكوّن في مصر جمهور عريض من المتعلمين وأنصاف المتعلمين، الذين تخرجوا في جامعات ومدارس تتساهل أكثر من أي وقت في منح الشهادات، ومعاهد متوسطة تخرّج من المُلمّين بقواعد القراءة والكتابة والحساب أكثر مما تخرّج من المتدربين على حرفة أو مهنة معينة، فأدى هذا التوسع في التعليم إلى خلق طلب جديد وواسع على أنواع من الثقافة غير المتعمقة، وعلى وسائل للترفيه تستجيب لنوازع وميول بسيطة وبدائية، مما كان يناسبه بشدة أنواع معينة من الصحف كالصحف المهتمة بشؤون الرياضة والحوادث والجرائم، وأنواع معينة من البرامج التلفزيونية من أمثال المسلسلات الخفيفة أو المثيرة ومسابقات الفوازير". (7)

    

   

في الفترة نفسها، كان للانفتاح على إسرائيل والتطبيع في العلاقة معها أثر على المناخ الثقافي في مصر، فقد اتجه بعض المثقفين المصريين للكتابة عن ضرورة الانفتاح في العلاقة مع المصريين، وأخرجوا أفلاما وأنتجوا مسرحيات تؤيّد وتحبذ المزيد من الانفتاح على إسرائيل، متملقين بذلك للسلطة المصرية أو الهيئات الأجنبية التي كانت تدفع تمويلا لهذا الاتجاه، كما بدأ هؤلاء في إنتاج سلع ثقافية كالأفلام والمسرحيات لا تفعل أكثر من السخرية من بقية البلاد العربية، والسخرية من شعارات الوحدة والقومية العربية وكل ذلك الإرث، بل ظهرت الأفلام والكتب التي تدعو للعودة إلى الهوية الفرعونية وترك الإرث العربي الذي لم يسبب إلا التخلف والمشكلات الاقتصادية والسياسية. (7)

     

ومع دخول عصر الشركات متعددة الجنسيات وتشابك مصالح تلك الشركات مع النظام العالمي ومصالح الولايات المتحدة الأميركية ومعها إسرائيل، زاد دور المؤسسات الأجنبية في ساحة الثقافة المصرية، كدعوة بعض المثقفين لمؤتمر أو ندوة لهما مظهر ثقافي وفكري ولكن الهدف السياسي منهما واضح، أو كاستضافة بعض المثقفين المصريين لمدد متفاوتة الطول للإقامة في بلد غربي والتدريس في إحدى الجامعات الغربية، "خصوصا إذا كان موضوع المحاضرات يؤكد على تخلف العرب أو الإسلام عن ركب الحضارة الغربية أو التقدم الإسرائيلي، أو تقديم الدعم لمخرج سينمائي مصري بشرط أن تدور الأفلام المدعمة حول الموضوعات نفسها.. كما قد تلجأ بعض هذه المؤسسات إلى إسباغ حمايتها لبعض الأعمال الأدبية أو الفكرية التي تتجرأ تجرؤا زائدا على الدين فتعرض على صاحبها الانتقال إلى دولة أجنبية للإقامة بها تمكينا له من ممارسة موهبته بمطلق الحرية". (7)

      

وسرعان ما فهم المثقفون المصريون نوع هذه الموضوعات التي تجلب الدعم المالي، الموضوعات التي تتعلق بتحرير المرأة أو بحقوق الإنسان أو حقوق الأقليات العنصرية أو الدينية أو التكامل الاقتصادي مع إسرائيل، أو إثبات مزايا بيع القطاع العام والخصخصة، أو مزايا برامج التكييف الهيكلي والتثبيت الاقتصادي، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، إلى آخره (7)، لكن حتى الموضوعات التي تحتاج إليها الثقافة المصرية مثل الديمقراطية والحرية يتعاطى هؤلاء معها كموضوعات بحثية لاستجلاب المال، فتبقى بدون أي وجود حقيقي في الساحة الثقافية.

      

كانت كل تلك العوامل هي من قادت الثقافة المصرية إلى مستنقع من الابتذال والإسفاف الذي بدأ حينذاك واستمر إلى وقتنا هذا، ويعقب جلال أمين: "ولما وجدت الجماهير المصرية الغفيرة ممن يملكون القدرة الشرائية، مع حلول عصر التضخم والهجرة في السبعينيات، وسحب الدولة يدها عن التدخل في هذه الأمور دون أن تقدم للناس قضايا تكفي لشغلهم وجذب اهتمامهم، من القضايا الوطنية والقومية، انفجر تيار الجنس في السينما والمسرح والصحافة المصرية على نحو يشبه ما حدث في الدول الغربية ولكنه لا يجد له شبيها في تاريخ الثقافة المصرية". (7) ثم جاء العصر الخليجي، الذي بدأ مع سياحة أثرياء الخليج في مصر، لكن تطور الأمر من ارتياد الملاهي الليلية في شارع الهرم أو تأجير الراقصات بالليلة إلى طلب حفلات خاصة من المغنين والمغنيات المصريين، حتى وصل الأمر في وقتنا الحالي للشعراء السعوديين مثل "تركي آل الشيخ".

    

   
عصر الألفينيات.. وثقافة التحذلق الفارغ

مع دخول الألفية الجديدة، أصبح من غير الممكن أن نقول كما قال جلال أمين إن الثقافة تنتجها فقط الطبقة المتوسطة، ولم يعد الاستناد إلى مقاربة أمين بربط الثقافة بمصادر دخل الطبقة المتوسطة يعطينا مقدرة تفسيرية لفهم خطوط الثقافة في ذلك الوقت، حيث ظهرت المواهب في كل طبقة وفي كل مجال، وصارت الطبقات كلها من أعلاها إلى أدناها تشارك في إنتاج الثقافة، سواء بالمشاركة الفعلية في الأفلام والمسرحيات والأغاني، أو كمادة للكتابة والغناء. (7)

 

بيد أن التنافس قد احتدّ بين أنواع من الإنتاج الثقافي يدعمها المال الوفير أو الطلب الواسع لأذواق الشعب، ودولة تقف وراء هذا المال الوفير والطلب الواسع، وبين أنواع أخرى أرقى مستوى وأشد التزما، لكنها لا تتمتع بهذه الوفرة من المال والطلب أو بمثل هذا الدعم من الدولة، وظهرت في الصحف والمجلات، بل وفي السينما والمسرح وأستديوهات برامج الفكر والثقافة، أسماء خالية من أي موهبة، بل كثيرا ما تكون عاجزة عن نقل أي معنى مفهوم للقارئ أو المشاهد. (7)

       

والأغرب أن هذه "العملة الرديئة" التي تطرد "العملة الجيدة" كانت ذات "جاذبية لجمهور واسع، وإن كانت جاذبية تقوم إما على استغلال موضوعات الجنس وإما مواقف هزلية بالغة السطحية، مما يمكن أن يكسب جمهورا واسعا من المراهقين أو من أشباه المتعلمين". (7)

     

    

وهكذا وجدنا أنفسنا في عصر الثقافة الرديئة كما سماه جلال أمين، والذي كان من أهم مظاهره في الأدب والنقد الأدبي "ظاهرتان.. قد تكونان انعكاسا لنفس سمات المناخ الثقافي، الظاهرة الأولى تتمثل في ظهور وتكرر ميل لدى جيل جديد من كتّاب الرواية والقصة إلى التجرؤ على المقدسات الدينية، والظاهرة الثانية هي ظهور أعمال أدبية على أعلى درجة من الغموض والإبهام، يحار قارئها، مهما حاول أن يفهم معناها أو قصد الكاتب منها، فإذا تجرأ بعض هؤلاء القراء على نقدها، وُجهوا سواء من أصحاب هذه الأعمال أنفسهم أو من بعض المتخصصين في النقد الأدبي، بالقول بأن هذه الأعمال الرائعة تنتمي إلى مدرسة "ما بعد الحداثة"، وهي مدرسة لا يستطيع فك رموزها إلا الراسخون في العلم أو ذوو الحس المرهف القادرون على الغوص في أعماق النفس البشرية.. وهما ظاهرتان نتيجة لاشتداد الميل إلى تقليد ما يفعله النقاد في الغرب". (7)

 

لكن المثير في الأمر أن كل هذا الإنتاج الأدبي والسينمائي والشعري والغنائي الذي يدّعي العمق والتأمل في النفس البشرية ما هو إلا سلع ثقافية ركيكة، وقياسا على فن الغناء كأشهر فن في المنطقة العربية وارتباطه بالسينما والقنوات الفضائية، يمكن تمييز بداية حقبة "فن ما بعد الحداثة" إلى ما حدث في مصر والوطن العربي بعد انتهاء دور ما يُعرف بـ "لجان إجازة أصوات المطربين والملحنين، "وكانت هذه اللجان التي تُشَكَّل من خبراء وملحنين وأساتذة في مجال التخصص هي المعنية بإعطاء الرخصة لمن يغنون ويلحنون في الإذاعات والتليفزيونات، والتي بدأ تشكيلها مع بداية بث أثير الإذاعات الرسمية للدولة واستمر دورها فعالا حتى تسعينيات القرن العشرين، ومع بداية الألفية الثالثة تأكدت ظاهرة ما يُعرف ببرامج اكتشاف المواهب التي بدأت في دولة لبنان في نهاية الثمانينيات تقريبا، ثم ظهرت النسخ العربية من برامج اكتشاف المواهب الأميركية والأوروبية مثل: آراب أيدول وذا فويس وإكس فاكتور". (8)

 

ويصف المفكر الفرنسي جان بودريار عالم ما بعد الحداثة فيقول: "دورة لا نهاية لها، علامات سقط منها أي معنى واقعي، فهي عالم لا يوجد فيه غير المحاكاة ولا شيء غير المحاكاة"، ويحيلنا تفسير بودريار إلى ما باتت تقدمه المؤسسات الثقافية في مصر والدول العربية، حيث أتاحت الفن للجميع، ولم تعد الموهبة أو كفاءتها معيارا لدخول عالم الفن، ولكن المحاكاة للأنشطة الفنية أصبحت في الغالب هي هدف وغاية هذه "المؤسسات الممول أغلبها من الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية الثرية، وهذا ما أدى إلى تجاهل جودة الفن وغياب القيمة الجمالية في الكثير من الأعمال الفنية". (8)

   

   

وهو ما تفعله الأفلام المصرية حاليا خاصة أفلام السُبكي، حيث تعيد تلك الأفلام محاكاة مجتمع متخيل مليء بالعنف والمخدرات والعلاقات المحرمة، حتى استمد المجتمع من تلك الأفلام قيم العنف والبلطجة والتحرش الجنسي والمخدرات والإباحية، ثم تُعيد الأفلام استيحاء القصص نفسها من المجتمع بعد توجيهه لتقول ببساطة: "نحن نعرض ما في المجتمع"، ليصبح الأمر كما قال بودريار: "دورة لا نهاية لها تقوم على المحاكاة".

   

وهكذا تضافرت هذه العوامل جميعا لإنتاج المناخ الثقافي السائد الآن في مصر: انفتاح اقتصادي بلا ضابط على الاقتصاد الغربي والمؤثرات الثقافية الغربية خاصة الثقافة الأميركية، هجرة بمعدلات عالية إلى دول النفط العربية ومؤخرا إلى أوروبا وأميركا، ارتفاع كبير في معدل التضخم، تدهور أحوال التعليم، نمو مصادر الدخل القائمة على السمسرة والسياحة والأعمال غير المنتجة، بجانب انتشار الفساد المالي والاقتصادي، بجانب الدعم الخارجي لبعض الأعمال الثقافية، والنتيجة: عالم فاسد كما غنّى "حمو بيكا".

 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار