اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/14 الساعة 16:34 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/29 هـ

انضم إلينا
الإيثار تجاه الغرباء.. كيف فسره العلم؟

الإيثار تجاه الغرباء.. كيف فسره العلم؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
في عالم يزداد نزوعا نحو الفردية، تزداد قيمة الإيثار والعطاء وحب الخير للآخرين، إذ يُعد الإيثار والعطاء والإحساس بالآخرين من أسمى المراتب والأخلاق الكريمة التي رغبت وحثت عليها مختلف الديانات والثقافات لضمان تماسك المجتمعات وسعادة البشرية. في هذا التقرير تحاول الباحثة، كريستين بريثيل هورويتز، الحاصلة درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة جورج تاون، مناقشة كيفية تشكل السلوك الإيثاري مع الغرباء تحديدا.

    

نص المقال

هل يمكن أن تخاطر بحياتك في سبيل شخص غريب عنك تماما؟ في حين قد تعتبر نفسك غير قادر على القيام بأفعال الإيثار المُتسمة بإنكار الذات بهذا القدر العظيم، ولكن ذلك يحدث مرارًا وتكرارا. يقوم بعض الأشخاص أثناء الأعاصير وحوادث إطلاق النار العشوائي على الجموع، بأشياء عظيمة ويبذلُون جُهودا كبيرة لمساعدة الآخرين الذين لا يعرفونهم، بينما يحاول الآخرون الفرار.

   

ولمعرفة ما إذا كان هذا السلوك يتأتى لبعضنا بشكل طبيعي أكثر من الآخرين، تعاونت مع أبيجيل مارش وغيرها من علماء الأعصاب العاملين في مختبر العلوم العصبية الاجتماعية والفعالة في جامعة جورج تاون. ودرسنا أدمغة وسلوك بعض الأشخاص المؤثرِين بشكل استثنائي: مثل الأشخاص الذين تبرعوا بإحدى كليتيهم إلى شخص غريب تماما، المعروفين باسم المتبرعين غير المُوجَهين.

   

الإيثار غير المعتاد

قد لا يعرف هؤلاء المتبرعون بكليتهم أي شيء عن المتلقين المستفيدين، مما يعني أنهم لا يقدمون هذه التضحية بصورة شخصية لأن أحد أقربائهم أو شخصا ما قد يتعاملون معه في المستقبل سيستفيد من ذلك. إضافة إلى ذلك، فإن مثل هذه الأفعال التي تتم بدافع الإيثار مكلفة على أصعدة متعددة، إذ إنها تُعتبر عملية جراحية كبيرة ومؤلمة، وينتهي الأمر بالعديد من المتبرعين إلى دفع آلاف الدولارات من حساباتهم الخاصة لتغطية النفقات الطبية ونفقات السفر، وقد يفضي ذلك إلى خسارة رواتبهم ومدخراتهم الأخرى.

      

 

وفي أغلب الأحيان لن يكتسب المتبرع شهرة نتيجة لقيامه بذلك، ولن تتأثر سمعته بأي شكل؛ مما يجعل الكثير من الناس -منهم العاملون في القطاع الطبي- يشككون في دوافع المتبرعين النابعة من الإيثار؛ بل وصل الأمر إلى التشكيك في سلامة عقولهم.

        

ساهمت مثل هذه السلبيات في تفسير الأسباب التي تعزى إليها الندرة الشديدة في الأشخاص الذين يُقدمون على التبرع بإحدى كليتيهم بدافع الإيثار. فقد أقدم أقل من 2000 شخص على فعل ذلك حتى الآن في الولايات المتحدة منذ سنة 1988 والتي تُمثل السنة التي سجلت فيها لأول مرة حالة متبرع بدافع الإيثار. ويمكن التعبير عن ذلك إحصائيا بالقول إن شخصا واحدا فقط من كل 163,133 شخصا في الولايات المتحدة قد أقدم على فعل ذلك في السابق.

    

تُعتبر القاعدة السائدة هي أن يتبرع الأصدقاء الأحياء أو أحد أفراد الأسرة بإحدى كليتيهم إلى أحبائهم. تماما مثلما حدث مع المغنية والممثلة المشهورة سيلينا غوميز، التي كانت تعاني من مرض "الذئبة" (Lupus) وهو مرض التهابي مزمن، ينشأ عندما يهاجم الجهاز المناعي أنسجة الجسم نفسه وأعضاءه، فتبرعت لها صديقتها المقربة الممثلة فرانشا رايسا بإحدى كليتيها.

   

ويُعد الأمر الأكثر شيوعا هو زرع الكلى من المتبرعين المتوفين في أشخاص غرباء، وتشير الإحصاءات إلى أن عدد عمليات زرع الأعضاء من المتبرعين المتوفين تبلغ ضعفي عمليات زرع الأعضاء من المتبرعين الأحياء، ويُمثل المتبرعون بالأعضاء المتوفون والأصدقاء الأحياء وأفراد الأسرة 99.5 في المائة من جميع عمليات زراعة الكُلى التي أُجريت على مدى العقود الثلاثة الماضية.

   

أدمغة الثدييات

تستجيب المناطق نفسها في أدمغة جميع الثدييات -سواء السناجب أو قردة البابون أو الإنسان- للشعور بالضيق والضعف، وتظهر هذه الاستجابة جلية بشكل خاص عندما يبكي الأطفال أو يشعرون بأنهم معرضون للخطر. في الدراسة التي أجريناها حديثا، بحثنا عما إذا كانت تلك الأنظمة الدماغية -المسؤولة عن دفع جميع الثدييات للاهتمام بالصغار الضعفاء- تلعب دورا رئيسيا في جعل بعض الأشخاص مؤثِرين بشكل استثنائي.

    

 

توجد منطقتان رئيسيتان يطلق عليهما علماء الدماغ مصطلح "الشبكة العصبية المسؤولة عن رعاية السلالة (الذرية)"، وهي -من وجهة نظر تطورية- تُعد هياكل قديمة عميقة في الدماغ تسمى اللوزة الدماغية أو "اللوزة العصبية" (Amygdala) والمادة الرمادية المحيطة بالقناة الدماغية "periaqueductal gray". تبدو اللوزة الدماغية  كلوزة بنية صغيرة الشكل، تقع داخل الفص الصدغي من المخ أمام الحُصين في كل من نصفي الدماغ تحت القشرة المُخية، (تعني كلمة Amygdala اللوزة في اللغة اليونانية). وتتمثل أحد أدوارها الرئيسية في الدماغ في التقاط الإشارات العاطفية الهامة. وقد أثبتت البحوث منذ فترة طويلة أن اللوزة الدماغية هي المسؤولة إلى حد كبير عن إدراك الخوف والشعور به.

     

أما بالنسبة للمادة الرمادية المحيطة بالقناة الدماغية فهي عبارة عن بنية أخرى صغيرة الحجم على شكل حرف U تقع في قاعدة الدماغ. وتلعب دورا هاما في السيطرة على السلوكيات الأساسية مثل الرغبة في احتضان طفل أو الغريزة التي تدفعك إلى تجنب الحيوانات المفترسة. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن هذه الهياكل والروابط القائمة بينها هي المسؤولة -على سبيل المثال- عن تحفيز إناث  الفئران لرعاية صغارها أو رغبة البشر في مواساة الأطفال الباكين.

     

تُعد الاستجابة للذرية المكروبة أو التي تحتاج إلى العناية بمثابة غريزة قوية للبقاء، يمكنها أن تتخطى الحدود الفاصلة بين الكائنات الحية المختلفة. على سبيل المثال، سيستجيب الغزال عندما يسمع بكاء الطفل البشري. وقد درست الأبحاث الأخرى التي أُجريت في مختبر مارش كيفية استجابة الأشخاص عند إحساسهم بخوف الآخرين وشعورهم بالرغبة في مواساتهم ومحاولة التخفيف عنهم، إذ يمكن أن تثير رؤية الوجوه المذعورة سلوك المساعدة وهو ما يضم الإجراءات الطوعية الرامية إلى مساعدة الآخرين، كما أن الأشخاص الذين يجيدون ملاحظة خوف شخص ما من خلال رؤية وجهه يميلون إلى أن يكونوا أكثر إيثارا من بقيتنا.

   

وقد افترض العلماء منذ فترة طويلة أن الرعاية التي يقدمها الأشخاص إلى الغرباء قد تكون نوعا من الامتداد لدوافعنا الأساسية البسيطة المُتمثلة في تقديم الرعاية إلى أطفالنا. كما يعتقد العلماء أن البنيات الدماغية القديمة التي يتشاركها البشر مع الثدييات الأخرى تؤدي إلى مثل هذه الاستجابات.

   

اختبار

لمعرفة المزيد عن أدمغة الأشخاص المؤثرِين بشكل استثنائي، أجرينا تجربة على الأشخاص الذين تبرعوا بإحدى كليتيهم إلى شخص لم يسبق لهم معرفته. في دراستنا؛ طلبنا من هؤلاء الأشخاص المؤثرِين بشكل استثنائي قراءة بعض السيناريوهات -وصف بعضها أشخاصا تعرضوا إلى معاملة مؤذية أو قاسية- لتقدير معدل التعاطف الذي شعروا به، وفعلنا الشيء نفسه مع مجموعة مرجعية من أشخاص لم يتبرعوا بكليتهم.

   

إذا كان الأشخاص المؤثرِون المتبرعون بالكلى يقدرّون أصدقائهم وأسرهم كما يفعل الآخرون؛ فإنهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر سخاء تجاه الغرباء

مواقع التواصل
   

وعرضنا عليهم قبل قراءة بعض هذه السيناريوهات، ​​صورا عابرة لوجوه خائفة، دامت مدة عرضها 27 ميلي ثانية فقط، وهذا يعني أن المشاركين لا يمكنهم أن يدركوا بوعي ما رأوه. وفي الوقت نفسه قمنا بفحص أدمغتهم؛ فوجدنا بعض التأثيرات المثيرة للاهتمام أثناء مراجعة صور فحص الدماغ التي تم التقاطها أثناء هذه التجربة، وأبرزها ظهر في اللوزة الدماغية والمادة الرمادية المحيطة بالقناة الدماغية لهؤلاء الأشخاص، إذ كانت تلك المناطق أكثر نشاطا في أدمغة المتبرعين بالكلى من الأشخاص في المجموعة المرجعية، مع ردود أفعال أقوى لمحفزات الخوف والأسى.

      

 يوحي ما توصلنا إليه بأن هاتين المنطقتين قد تكونان متصلتين أو تعملان معا. وقمنا بإجراء المزيد من الاختبارات لإثبات هذه النتيجة من خلال النظر إلى جانب آخر من صور فحص الدماغ التي سمحت لنا بتحليل كيف ترتبط هاتان المنطقتان بالخلايا العصبية. وقد وجدت زميلتي كاثرين أوكونيل -وهي طالبة في مرحلة الدكتوراه- أنه يوجد أيضا المزيد من الروابط الهيكلية بين هاتين المنطقتين، وقد تساعد هذه الروابط التي تصل بينهما في انتقال النبضات العصبية. 

    

فهم الإيثار

مما لا شك فيه، سيتعين القيام بالمزيد من الدراسات للتيقن من النتائج التي توصلنا إليها قبل أن نكون متأكدين من كيفية مساهمة الشبكة العصبية المسؤولة عن رعاية الذرية في الإيثار البشري، ولكن تلك النتائج التي توصلنا إليها تدعم الأبحاث السابقة في علم الأعصاب والتي وجدت أن منطقتي اللوزة الدماغية والمادة الرمادية المحيطة بالقناة الدماغية والاتصال بينهما؛ تلعبان دورا هاما في تقديم الرعاية للآخرين الذين يواجهون مواقف مُتعثرة ويشعرون بالضعف في جميع الثدييات بما في ذلك البشر.

     

وتستند هذه النتائج أيضا إلى أبحاثنا السابقة حول الأشخاص المؤثرِين المتبرعين بالكُلى. في تلك الدراسات السابقة اكتشفنا استجابات أقوى في منطقة اللوزة الدماغية؛ عندما يلمح المتبرعون وجوه الناس الذين يشعرون بالخوف، وإذا الأشخاص المؤثرون المتبرعون بالكلى يقدرون أصدقائهم وأسرهم كما يفعل الآخرون؛ فإنهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر سخاء تجاه الغرباء، وتدعم دراستنا لأدمغة الأشخاص المؤثرِين في العالم الحقيقي هذه النظريات. ويوحي ما تعلمناه بأن تقديم الرعاية لشخص لم نقابله أبدا، قد يكون به الكثير من القواسم المشتركة مع تقديم الرعاية إلى الأشخاص الذين تُكن لهم مشاعر الحب.

________________

 

مترجم عن "ذا كونفرزيشن"

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار