اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/7 الساعة 15:59 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/20 هـ

انضم إلينا
بدعوى ممارستهم للنقد.. كيف نضع حدا لمن يسيؤون إلينا؟

بدعوى ممارستهم للنقد.. كيف نضع حدا لمن يسيؤون إلينا؟

  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
مع ارتفاع نسبة العنف في العالم، وازدياد المشاكل الأسرية والعلاقات الشخصية الفاشلة، أضحى الحصول على حياة تتسم بالسلام أمراً يكاد يكون خياليا. لكننا بتنا ننسى أن السلام يبدأ من أنفسنا، فمتى ما خطونا خطوة نحوه اقترب منا؛ فإذا ما أفسحنا مجالاً للعنف والإساءة والظلم فإننا ندعوا بذلك تلك الصفات للسيطرة على حياتنا.

   

نص التقرير

التقيت مؤخراً بأحد معارفي الذي لم أره منذ سنوات، بادرني بالسؤال: "كيف حالك؟". كان من السهل الإجابة عليه: "كنت في مهرجان محلي مع الأطفال وبعض الأصدقاء"، أردفت كلامي دون أي تردد: "إني بأفضل حال!"، وكان سؤاله التالي: "ما آخر أخبارك؟".

     

كان هذا السؤال أقل سهولة؛ إذ كان أول رد لمع في بالي ساخراً بعض الشيء: "تعلم، كالمعتاد... تزوجت من رجلٍ عنيفٍ مدمن على الكحول واتضح أنها كانت فكرة سيئة... لذلك، أنا مطلقة الآن للمرة الثانية." لكن تبعت هذه الإجابة إجابة أخرى خففت من حدتها: "إني أقوى وأكثر سعادة اليوم أكثر من أي وقت مضى". بالطبع توقفت هذه الكلمات في حنجرتي بالطبع ولم أنبس بها، فإنها أكثر مما أريد أن أشاركه في محادثة عابرة. ومع ذلك، لازمني سؤاله وإجابتي التي لم أنطقها مما ساعدني على التفكير في ما يعني السلام والعدالة على مستوى العلاقات الشخصية بين الأفراد. وفي حين أن تجربتي فريدة من نوعها بطرق عديدة، إلا أن التحدي المتمثل في مواجهة العنف بين الأفراد وإحلال السلام هو تحدٍ يتردد صداه بين كثير من الناس. من خلال هذه الصراعات الشخصية، نجد داخلنا الوسائل والإمكانيات لمواجهة العنف والظلم أينما نراه .

     

  

الوقوف بوجه الظلم

يعتبر امتلاك رؤية للسلام -رؤية تكتنف كيفية تحسين الأمور للأفضل- جزءاً من مواجهة العنف والظلم بنجاح. رغم أني واجهت قسطاً من المصاعب خلال سعيي للحصول على الدكتوراة وفترة تثبيتي الأكاديمية وترقيتي إلى أستاذة متفرغة، إلا أني لا أستسلم بسهولة وأستمتع ببرهنة جدارتي لجميع المشككين المتشائمين الذين يقللون من شأني. من المعروف عني بأني كثيرة الحديث، اجتماعية وعلى استعداد للمشاركة في تحديات فكرية وجسدية ومتفائلة بطبعي. لم أشمل في صورتي هذه واقع زواجي من متعسفٍ عنيفٍ مدمن على الكحول؛ فما استطعت إحلال السلام مرة أخرى إلا عندما اعترفت بما كان يحدث لي.

    

لن يعترف زوجي السابق بوصفه ب "العنيف المدمن على الكحول"؛ إذ يرى نفسه على أنه  معاقر للخمر لأنه لا يمكنه التوقف عن الشرب بمجرد البدء به، لكنه لا يرى نفسه مدمناً  لأنه لا يشرب كل يوم. وبقدر ما كان مسيئاً وعنيفاً، فقد اعتبر أن النساء الأخريات يعانين أكثر مني بكثير، ولم يعتبر الإساءة اللفظية بالأمر "السيء للغاية" بالمقارنة مع الإساءة الجسدية. أما بالنسبة للكدمات على ذراعي وساقي وكاحلي الملتوي والأثاث المدمر، فقد علل أنه لم  يكن ليحدث أي من هذا لو لم أكن أحاول تركه. وبما أنه حاول التوقف عن الشرب وعن تهديدي ومناداتي بالقبيحة وغيرها من الألقاب المؤذية، اعتبر أن المشكلة كانت بتصوري ونظرتي له وليس بسلوكه.

      

جاء دفاعه الأخير عن أفعاله عندما خرجت من الباب للمرة الأخيرة حيث سألني: "لماذا تتركيني الآن؟ لم أكن سيئاً بقدر آخر مرة تركتني فيها". لكنني تعلمت أمرين رئيسيين مهمين لوقف العنف بين الأفراد، والذي يساعد بدوره على خلق سلام شخصي: أولاً، توقفت عن السماح للمسيء لي بتحديد ما كان يحدث وفقاً لتعريفاته؛ ثانياً، توقفت عن إلقاء اللوم على عنفه. على الرغم من أنني كان بودي أن يعترف زوجي السابق بأنه متعسف عنيف مدمن على الكحول، فتحديد  الظلم والوقوف ضده لا يتطلب اتفاقا أو تعاوناً من الظالم. في الواقع، إن الإمكانية الوحيدة له للاعتراف بإساءته كانت ستتحقق عند إشارتي للعنف والظلم الذي يقوم به ورفض المشاركة في تبريره الملطف لحقيقة الظلم الذي يمارسه علي.

    

  

أحد العناصر الرئيسية لإحلال السلام هو إدراك وقوع ظلم ما، أما العنصر الآخر فيتمثل بالنظر في الطرق التي نسمح بها بحدوثه. وقد يبدو هذا التفحص للوهلة الأولى مثالاً على إلقاء اللوم على الضحية؛ ولكن ما يهدف له هذا التفحص هو السماح للذين يتعرضون للاضطهاد بالإقرار بقدرتهم واستخدامها. خذ مثالاً على ذلك، مقاطعة حافلة مونتغمري من عام 1955 حتى 1956، والتي بدأت عندما تم القبض على روزا باركس لرفضها التخلي عن مقعدها في الحافلة لراكب أبيض كان قد استقل الحافلة بعدها. أدركت باركس والمجتمع الأسود الظلم الذي يعانون منه واعترفوا بوجوده، ورفضوا المشاركة في الظلم الممارس عليهم عن طريق مقاطعة حافلات مونتجومري.

   

في حالتي، كنت أعرف أن الإهانات والتهديدات والتخويف لم تكن محبة، ولا طرقاً مقبولة للمعاملة. ولكن طالما بقيت معه وسمحت لنمط الظلم والعنف الذي يتّبعه بالتكرار، فسوف تصله رسالة مفادها أن سلوكه كان مقبولاً ويستطيع الاستمرار به. خلال أول جدالٍ بيننا، لامني وصدقت بأن الخطأ خطئي، صدقت بأني مسؤولة عن سلوكه وغضبه وشتائمه وتهديداته الموجهة لي. وبما أنني كنت مسؤولة -كما اعتقدت آنذاك- كنت أعتقد أنني يمكن أن أجد مزيجاً مناسباً من اتخاذ بعض الإجراءات والتقاعس عن أخرى لكي أحفزه على التغيّر. توقفت عن إجراء المحادثات مع الغرباء، كما توقفت عن رؤية معظم أصدقائي، وعن الذهاب إلى أي حدث في المساء أو في عطلة نهاية الأسبوع بدونه.

    

حدث كل هذا تدريجياً، لذلك حتى عندما أدركت في نهاية المطاف الإساءة والظلم اللذين يمارسهما علي، أخفيت الحقيقة وحاولت السيطرة على سلوكه. وباعتباري امرأة ذكية حاربت بشدة من أجل الحصول على التقدير والاحترام، كان من المهين أن أعترف لنفسي وللآخرين بأنني تزوجت رجل عنيف مدمن على الكحول. ولكنني كنت بحاجة إلى أن أدرك ما كنت أسمح لنفسي باعتقاده وبالتالي ما كنت أسمح بحدوثه من إساءة.

    

كان علي التواضع من أجل الاعتراف بأنني يمكنني السيطرة على أفعالي وردود فعلي فقط

مواقع التواصل
 
التواضع

يقودنا هذا الأمر إلى عنصر مهم آخر في السلام في العلاقات الشخصية، ألا وهو التواضع. كان علي التواضع من أجل الاعتراف بأنني يمكنني السيطرة على أفعالي وردود فعلي فقط. إن معرفة ذلك وتنفيذه في حياتنا يفسح المجال لتحقيق السلام. لا أقصد بالتواضع في هذا السياق التواضع الزائف الذي لا يعترف بمواهبي وقدراتي الخاصة أو يقلل من شأنها؛ وإنما التواضع الذي يعترف بأنني يمكن أن أتصرف وأنضج وأستجيب لما يحصل لي. كما علي أن أعرف حدودي وأفسح مساحة للآخرين من حولي. على الرغم من أن الفلسفة غالبا ما وصفت السعي وراء الحقيقة كمشروع شخصي أو فردي ومن أشهر الأمثلة على هذا المنظور كهف أفلاطون حيث يعيش الإنسان في كهف ومن خلفه النيران التي تعكس ظلالها على الجدار فلا يرى الحقيقة إنما ظلالها التي يعتقد أنها الحقيقة،  أما المنظور الثاني فهو الكوجيتو ديكارتي وهو مبدأ إثبات الحقائق بالبرهان أنا أشك إذاً أنا موجود.

   

بالنسبة لي، وجدت أن الحقيقة والبصيرة تحدث من خلال العلاقات التي يتم بها وضع التحديات أمامي أو مساندتي، فهذه هي العلاقات التي دفعتني إلى أن أقرر ما سأتجاهله أو أقاومه. في خضم العلاقة التعسفية المشوبة بإساءة المعاملة، ساعدني بعض الناس من حولي على التعرف على كل من الاعتداءات والإساءة التي عانيت منها وآثارها المترتبة علي، والسلطة والقدرة التي امتلكها لوقف هذه الإساءة وخلق السلام بدلاً منها.

  

وبالنسبة للأشخاص الذين عانوا من العنف في العديد من السياقات وبطرق عديدة، فإن آلية التصدي المشتركة هي محاولة إيجاد استراتيجيات للتهرب من لفت انتباه الظالم من خلال الحد من المخالطات الاجتماعية والبقاء على الهامش؛ التحرك بهدوء في الحافلة والجلوس في المقعد الخلفي؛ وتجنب الاتصال البصري والمحادثات. بالنسبة للأشخاص الذين عرفوني منذ فترة طويلة، تركز اهتمامهم حول وزني الذي استمر في الانخفاض؛ لكني لطالما كنت صغيرة الحجم لذلك لم يكن هناك شيء صحي حول فقداني الوزن. أما الأشخاص المحبين من حولي أدركوا ما يحصل: محاولة لاستيعاب أقل قدر ممكن من المساحة والتهرب من لفت الانتباه. لكن محاولة تجنب لفت الانتباه عن طريق فقدان الوزن والتقلص فقط أعطى الظلم والعنف مجالاً للتوسع. ولوقف العنف كان علي التوقف عن التعاون معه وعن السماح بحدوثه.

    

  

قد يبدو وصفي حتى الآن كما لو اكتنف حياتي خوف شديد فمشيت في الظلال وتجنبت التواصل مع جميع من حولي. في الواقع، لقد فصلت زواجي عن بقية حياتي بنجاح. كنت حريصة كل الحرص على الانهماك في مسيرتي المهنية، واستمتعت بالوقت الذي قضيته مع زملائي وطلابي؛ كما قضيت أكبر قدر ممكن من الوقت مع أطفالي والقيام بأنشطة معهم. كان الفصل بين حياتي مع زوجي وحياتي بعيداً عنه هو ما زودني بالشجاعة للسعي والعمل بشكل نهائي نحو السلام.

  

بينما كنت أسير في الحرم الجامعي في أحد الأيام، رأيت زميلي فتوقفت للحديث معه؛ سرت نحوه والابتسامة تعلو وجهي، أخبرني عندها: "أنت أسعد شخص أعرفه. إنك دوماً مبتسمة!"؛ في ذات اليوم صرخ زوجي في وجهي بينما كنت معه في السيارة: "أنت أكثر شخص نكدي، غير سعيد، ومحبط قابلته في حياتي!" حملت هذا التباين بين هذين المنظورين معي، وسرعان ما أدركت أن لدي خيارا لزراعة السعادة أو التعاسة، السلام أو العنف.

   

السلام

اقتصرت كل خطوة من خطوات تقدمي نحو السلام على مستويين، الأول كفرد لديه خيارات وقرارات معينة عليه اتخاذها؛ وكان المستوى الثاني يشمل علاقتي مع الآخرين. عندما أدركت العنف الذي أعاني منه واتخذت قراراً بوقف المشاركة فيه، حققت هدفي بالاعتماد على نقاط قوتي: ذكائي، وقوة إرادتي، وحيويتي، وتفاؤلي. ولكن نبعت قدرتي على الاستفادة من هذه القوى من علاقاتي مع الآخرين، حيث اعترفت عائلتي وأصدقائي المقربين بصراعي وذكروني باستمرار بنقاط قوتي؛ كما واصل زملائي وطلابي بالثقة بي في إجراء البحوث الصعبة، وفي مجال التدريس وخدمة المجتمع الجامعي. سمح لي  كل ذلك أن أعترف بأنني لا يمكن أن أختار الرصانة واللطف لأجل شخص آخر. عندما اكتنفت هذا الحد، أصبحت حرة في استخدام نقاط قوتي لبناء مسارات جديدة.

  

يتشابه السلام في العلاقات الشخصية إلى حد كبير مع السلام الاجتماعي؛ إذ يتمحور حول الحرية تنمية إمكانيات جديدة وبقدر أقل حول التحرر من القيود. أصف السلام ب"الزراعة والتنمية" لأنني أريد أن أؤكد على النمو المدروس الذي يشجع على السلام الحقيقي بين الأفراد. فتميل الحديقة المزروعة جيداً نحو التنوع والتشابك، كما تتميز بالمرونة والتغيّر باستمرار؛ ويتطلب زرع السلام كل هذا أيضاً. 

     

 

وينبغي أن تصبح علاقاتنا متنوعة متشابكة وممتدة على نحو متزايد حتى يكون لدينا شبكات من الناس الذين يدعموننا وندعمهم. وينبغي علينا معرفة أن السلام سيُعاد تقييمه باستمرار ويعاد تعريفه بدلاً من أن يكون ثابتاً وراكداً. وفي نهاية المطاف، علينا أن نستوعب أن السلام لا يمنع وقوع الصراع أو الخلاف أو الحزن أو الألم؛ ولكنه يعطينا الموارد العاطفية والجسدية والعلائقية للتغلب على التحديات والازدهار رغم الصعوبات وبسببها.  

  

يتطلب السلام في العلاقات الشخصية التوازن بين الاهتمام بنفسي والاهتمام بالآخرين؛ والتوازن بين المساعي الفكرية والمساعي البدنية؛ والتوازن بين الاهتمام المحلي والاهتمام العالمي. في هذه اللحظة من الوقت، يتمحورتركيزي الأساسي على دعم أطفالي لإيجاد الطريق الخاص بهم في العالم. حتى وأنا أساندهم، أعلم أنهم بحاجة إلى قدوة لمعرفة كيفية تقدير أنفسهم كأفراد؛ وأني أحتاج إلى رسم طريقي للمستقبل عندما يكونون بالغين؛ وأني أود المساعدة في رسم عالم يتسم بالسلام من حولهم.

_____________________

   

مترجم عن (فيلوسوفي ناو) 

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار