اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/10 الساعة 20:07 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/25 هـ

انضم إلينا
الصحة والثقافة.. ميدان جديد يستعرض فيه الأثرياء عضلاتهم

الصحة والثقافة.. ميدان جديد يستعرض فيه الأثرياء عضلاتهم

  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
كم مرة قابلت فتاة تحمل حقيبة ذات علامة تجارية عالمية تنادي على كل من يراها بالنظر إليها، إذ إن العلامة التجارية عليها أكبر من الحقيبة نفسها، ولكنك كنت تعلم أن هذه الفتاة المدللة العاطلة عن العمل ابنة عائلة ذات دخل محدود! إذا لم تلتق بهذه الشخصية بعد فلا بد أنك التقيت بذاك الشاب ذي الدخل المحدود ابن عائلة من الطبقة المتوسطة يقود سيارة أجنبية فاخرة "طراز العام" فتتساءل من أين له هذا؟ ولماذا يكلف نفسه دينا كبيرا فقط للاستعراض بسيارته! أهلا بك في عالم الاستهلاك المظهري الذي كان حكرا على الأثرياء في الماضي والذين بدورهم استبدلوه بنظام استهلاكي صحي مختلف.
   
نص التقرير

في عام 1899، لاحظ الخبير الاقتصادي ثورستين فيبلين أن الملاعق الفضية والكورسيهات (مشدّات خصر اعتادت النساء في القرن الخامس عشر وما بعده ارتداءها) كانت علامات على مكانة اجتماعية مميزة. في أطروحته -المشهورة الآن- "نظرية الطبقة الغنية" (The Theory of the Leisure Class)، صاغ مصطلح "الاستهلاك المظهري" (conspicuous consumption) للدلالة على الطريقة التي تم بها التباهي بالأشياء المادية كمؤشرات للوضع والمكانة الاجتماعية. بعد مرور أكثر من مئة عام، لا يزال الاستهلاك المظهري يُشكّل جزءا من المشهد الرأسمالي المعاصر، ومع ذلك فإن السلع الفاخرة أصبحت اليوم في متناول اليد على مستوى أكبر مما كانت عليه في عصر فيبلين. إن هذا الفيضان من الرفاهية -التي تم وضعها في متناول اليد- هو أحد وظائف اقتصاد الإنتاج الشامل (mass-production) في القرن العشرين والاستعانة بمصادر خارجية للإنتاج كالصين، وزرع ثقافة الأسواق الناشئة التي تتميز بالعمالة والمواد الرخيصة. في الوقت ذاته، نشأت سوق استهلاكية للطبقة المتوسطة والتي تطلبت مزيدا من السلع المادية بأسعار أقل.

 

من ناحية أخرى، كان لإضفاء الطابع الديمقراطي على السلع الاستهلاكية أن جعلها أقل فائدة بكثير كوسيلة لعرض المكانة الاجتماعية والتباهي بها. إزاء تزايد أوجه التفاوت الاجتماعي، تمتلك كل من الطبقة الغنية والطبقة المتوسطة أجهزة تلفاز وحقائب فخمة، كلتا الطبقتين تستأجران سيارات الدفع الرباعي وتسافران بالطائرات وتذهبان في رحلات بحرية. ظاهريا، لم تعد هذه المواد الاستهلاكية المظهرية التي تُفضّلها الطبقتان موجودة في كونين مختلفين تماما ولا حكرا على إحدى الطبقتين.

     

  

بالنظر إلى أن الجميع يمكنهم الآن شراء حقائب يد مصمّمة وسيارات جديدة، لجأ الأثرياء إلى استخدام دلالات ضمنية على مكانتهم الاجتماعية. لا شك بأن الأولغاركيين (فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية والتي تقع بيدها السلطة السياسية) والأثرياء يتباهون بثرواتهم من خلال اليخوت وسيارات البنتلي والقصور المسوّرة، لكن التغيّرات الدراماتيكية في إنفاق النخبة لأموالهم أصبح يحركها نخبة ثرية مثقفة والتي أدعوها باسم "الطبقة الملهمة". تعزز هذه النخبة الجديدة مكانتها من خلال اكتساب المعرفة وبناء رأس المال الثقافي، ناهيك عن عادات الإنفاق التي تتبعها، مفضلة الإنفاق على استثمارات الخدمات والتعليم ورأس المال البشري بدلا من السلع المادية البحتة. أطلق على هذه السلوكيات الجديدة لأصحاب هذه المكانة الاجتماعية "الاستهلاك غير المظهري" (inconspicuous consumption) (وهو مصطلح معاكس لمصطلح فيبلين). لا يعتبر أي من خيارات المستهلك التي يشملها المصطلح جليا أو ظاهريا ماديا ولكنها بلا شك استثنائية.

   

قد يكون ظهور الطبقة الملهمة وعاداتها الاستهلاكية أكثر بروزا في الولايات المتحدة. تكشف بيانات مسح النفقات الاستهلاكية في الولايات المتحدة أنه منذ عام 2007 فإن الشريحة التي تمثل واحدا في المئة في البلد (الذين يكسبون ما يصل إلى ثلاثمئة ألف دولار في السنة) ينفقون بشكل أقل على السلع المادية، بينما تنفق المجموعات متوسطة الدخل (التي تكسب نحو سبعين ألف دولار في السنة) مثلهم في اتجاه تصاعدي. ومن خلال الابتعاد عن المادية العلنية، يستثمر الأغنياء بشكل أكبر في التعليم والتقاعد والصحة، وكلها غير مادية، لكنها تكلف أكثر من أي حقيبة يد قد يشتريها المستهلك متوسط الدخل. تخصص شريحة الواحد في المئة أكبر حصة من نفقاتها على الاستهلاك غير المظهري، حيث يتصدر التعليم هذه القائمة (ما يمثل نحو 6% من النفقات الأسرية لشريحة الواحد في المئة، مقارنة بما يزيد قليلا عن واحد في المئة من نفقات الطبقة ذات الدخل المتوسط). في الواقع، زاد إنفاق شريحة الواحد في المئة على التعليم بنسبة ثلاثة أضعاف ونصف منذ عام 1996، في حين ظل إنفاق الطبقة ذات الدخل المتوسط ثابتا خلال الفترة الزمنية نفسها.

 

تثير الفجوة الواسعة في الإنفاق على التعليم بين متوسطي الدخل وشريحة الواحد في المئة القلق، خاصة أنه على عكس السلع المادية أصبح التعليم مكلفا في العقود الأخيرة. وبالتالي، هناك حاجة أكبر إلى تكريس الموارد المالية للتعليم لتكون قادرا على تحمل تكاليفه. وفقا لبيانات مسح النفقات الاستهلاكية من عام 2003 وحتى 2013، ارتفعت تكلفة الرسوم الدراسية الجامعية بنسبة 80%، في حين زادت تكلفة الملابس النسائية بنسبة 6% فقط خلال الفترة ذاتها. لا يشير افتقار الطبقة المتوسطة للاستثمار في التعليم إلى الافتقار إلى تحديد الأولويات بقدر ما يكشف أنه بالنسبة لأولئك من الشرائح التي تشكل أربعين إلى الستين من خمسيات الدخل (يتم توزيع الشرائح المجتمعية إلى خمس شرائح حسب الدخل، وتشكل الطبقة ذات الدخل المتوسط الشريحة الأكبر) فإن التعليم باهظ التكلفة ويكاد لا يستحق محاولة الإدخار من أجله.

     

  

في حين أن الكثير من الاستهلاك غير المظهري يعد مكلفا للغاية، إلا أنه يظهر نفسه من خلال دلالات أقل تكلفة ولكنها واضحة بالقدر نفسه والتي تجدها في سلوكيات كقراءة مجلة ذي إيكونوميست (The Economist) إلى شراء بيض المراعي (بيض تضعه الدجاجات التي يتم تربيتها في مراعٍ شاسعة وليس في أقفاص). بعبارة أخرى، أصبح الاقتصاد غير المظهري استعارة تشير من خلالها النخبة الجديدة (الطبقة الملهمة) إلى رأس مالها الثقافي مستعرضة إياه أمام بعضها البعض. فمثلا، كما تنص فاتورة الروضة الخاصة، فإنه يتم حزم الكينوا والفاكهة العضوية في صندوق غداء الأطفال، قد يظن المرء أن ممارسات الطهي هذه هي مثال شائع على الأمومة الحديثة، لكن كل ما يحتاجه المرء هو الخروج من فقاعات الطبقة المتوسطة العليا الممتدة على المدن الساحلية في الولايات المتحدة ليلاحظ شكلا مختلفا كليا لصندوق الغداء الذي يحتوي وجبات خفيفة مُصنَّعة ويخلو من الفاكهة. على نحو مماثل، بقضاء الوقت في لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيويورك، قد تعتقد أن كل أم أميركية ترضع طفلها رضاعة طبيعية لمدة عام، ولكن تشير الإحصاءات إلى أن 27% فقط من الأمهات -في الولايات المتحدة- يحققن هدف الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال في تبني الأمهات للرضاعة الطبيعية، يجدر الإشارة إلى أن نسبة الرضاعة الطبيعية في ألاباما وصلت فقط إلى 11%.

 

إن معرفة هذه المعايير الاجتماعية التي تبدو غير مكلفة هي في حد ذاتها طقوس عبور إلى الطبقة الملهمة. هذه الطقوس بعيدة كل البعد عن كونها غير مكلفة، فالاشتراك في مجلة ذي إيكونوميست قد يكلف مئة دولار فقط، لكن الوعي بالاشتراك بها وأن يتم رؤيتها مدسوسة في حقيبة المرء من المرجح أن يكون نتيجة مترابطة بقضاء الوقت في أوساط النخبة الاجتماعية والمؤسسات التعليمية باهظة الثمن التي تقدّر هذا المنشور وتناقش محتوياته.

    

الاستهلاك المظهري هو مجرد غاية بحد ذاته للتباهي والتفاخر

مواقع التواصل
  

ولعل الأهم من ذلك هو أن الاستثمار الجديد في الاستهلاك غير المظهري يولّد امتيازا بطريقة لم يستطع الاستهلاك المظهري السابق فعلها. إن معرفة مقالات مجلة النيويوركر (New Yorker) كمرجع أو أي حديث صغير للمشاركة به في سوق المزارعين المحليين يتيح اكتساب رأس المال الثقافي ويظهره للآخرين، وبالتالي يسمح بالدخول إلى الشبكات الاجتماعية التي تساعد بدورها في تمهيد الطريق للوظائف النخبوية وصلات اجتماعية ومهنية بارزة إضافة إلى المدارس الخاصة. باختصار، يمنح الاستهلاك غير المظهري الارتقاء في الطبقات الاجتماعية.

 

وبشكل أعمق، فإن الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والتقاعد له تأثير ملحوظ على جودة حياة المستهلكين، وكذلك على فرص الحياة المستقبلية للجيل القادم. في الوقت الراهن، يعتبر الاستهلاك غير المظهري شكلا أكثر ضراوة من الاستهلاك المظهري في زمن فيبلين. إن الاستهلاك غير المظهري -سواء تمثّل في الرضاعة الطبيعية أو التعليم- هو وسيلة لتحسين نوعية الحياة وتحسين الحراك الاجتماعي لأطفالنا (الارتقاء في الطبقات الاجتماعية). في حين أن الاستهلاك المظهري هو مجرد غاية بحد ذاته للتباهي والتفاخر. بالنسبة إلى الطبقة الملهمة اليوم، تعمل خيارات الاستهلاك غير المظهري على ضمان المكانة الاجتماعية والحفاظ عليها حتى وإن لم تظهره بالضرورة.

-------------------------

مترجم عن (أيون)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار