اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/29 الساعة 13:38 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/14 هـ

انضم إلينا
البحث عن انتماء.. متى يكره الإنسان وطنه ومتى ينتمي؟

البحث عن انتماء.. متى يكره الإنسان وطنه ومتى ينتمي؟

الزهراء جمعة

صحفية ومترجمة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    
مقدمة المترجمة

بين أعياد وطنية وأناشيد تتردد في المدارس وعلى محطات الإذاعة والتليفزيون، تنتشر رموز الانتماء والروح القومية في كل الشعوب، إلا أن الانتماء الحقيقي المغروس في نفس المواطنين لا يتماشى مع كثرة هذه المظاهر الوطنية المعلنة في كثير من الحالات، فما الذي يحدد انتماء المواطن لبلده؟ وماذا يمكن أن تفعل الحكومات لتزرع حب الوطن في قلب شعبه؟ يقدم لنا في التقرير التالي  عالم الاجتماع اندريا ويمر دراسة عالمية قد تضع أمامنا بعض التفسيرات للهوية القومية وأسبابها وآثارها في بعض الدول دونا عن غيرها. 

        

نص التقرير

تزداد سمعة القومية والانتماء الوطني بين النخب الليبرالية في الغرب سوءً على سوئها، حيث تربط دائما بالقومية البيضاء وسيادة العرق الأبيض، وسياسات الهجرة الحديثة المقيدة في العديد من الدول الغربية، أوعودة الحمائية الاقتصادية، أو الشعبوية اللاليبرالية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب. غير أنه للروح القومية جانب إيجابي كذلك يغفل عنه الكثير؛ حيث يمكن للانتماء للهويات الوطنية أن يشجع  المواطنين على التضامن سويا، والتضحية بالمكاسب الشخصية من أجل الصالح العام.

   

والأفراد الوطنيون مثلا، يقل كثيرا احتمال أن يتأخروا في دفع ضرائبهم أو الخداع لتفاديها، كما أن للسياسيين ذوي الالتزام بقضية قومية تركيزٌ كبير على تحقيق المنفعة العامة -مثل البنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم- ويميلون بدرجة أقل إلى تلبية احتياجاتهم الضيقة وزيادة قاعدة شعبيتهم فقط. ولا شك أن بناء شعور بالتضامن الوطني  قادر على تجاوز الهويات العرقية أو الإقليمية هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للبلدان النامية التي تكافح من أجل الاندماج السياسي. ولذلك، يعد السؤال المهم لكل من الأكاديميين وصانعي السياسات هو لماذا يطور المواطنون روابط أقوى بكثير تجاه أمتهم في بعض البلدان مقارنة بغيرها.  ولماذا نجد مثلا  مواطني أمريكا وغانا وتايلاند أكثر وطنية من الألمان والتايوانيين؟
        

   
قدم الباحثون عددا من التفسيرات لهذه الأمر؛ منها التنوع العرقي  داخل تلك البلاد (باعتبار أن السكان المتجانسين أكثر وطنية وتمسكا بالقومية من سكان المجتمعات شديدة التنوع)، بالإضافة للاندماج في الاقتصاد العالمي ( أي أن القومية تزيد في البلدان المنفتحة أكثر على العولمة)، أو تاريخ تلك البلدان في الحروب ما يساهم في شحذ الانتماء والهوية. غير أن  بحثا آخر يقترح تفسيراً مختلفاً يرجع أن الناس ينتمون لهوية بلدهم أكثر عندما يرون  أن مجموعتهم العرقية ممثلة في الحكومة. وبعبارة أخرى، فإن التمثيل السياسي هو ما يولّد الهوية الوطنية، سواء كان ذلك في البلدان متنوعة الأعراق أو الأكثر تجانسا.

     

شبكة كبرى

لماذا يعد التمثيل السياسي ذو أهمية كبرى في تحديد الهوية الوطنية؟  فلنفكر في السياسة باعتبارها شبكة من التحالفات: الأفراد أعضاء في منظمات معينة، مثل جمعية مهنية للممرضات والممرضين، وتطور هذه المنظمات تحالفات مع منظمات أخرى؛ كأن تنضم رابطة الممرضات إلى رابطة للأطباء لإنشاء منظمة وطنية شاملة للعاملين في مجال الرعاية الصحية. ويمكن ربط هذه التحالفات بالأحزاب السياسية وفي نهاية المطاف بالحكومة.
      
 في إطار هذه الشبكات من التحالفات، يتم تبادل الخدمات والموارد؛ فمثلا قد يقدم حزب ما وعدا بتنفيذ سياسة معينة تعود بالنفع على العاملين في مجال الرعاية الصحية مقابل حصوله على أصواتهم في الانتخابات. وبمرور الوقت، سيطور الأفراد الذين أقاموا تحالفات دائمة مع بعضهم البعض والذين ينتمون إلى نفس الشبكة شعوراً بالقاسم المشترك والغرض الواحد. ويشكل هذا بدوره أساسًا لهويات جماعية ذات معنى، مثل الهوية الجامعة على أساس العرق أو الدين أو المهنة.      

  

   

وينطبق الأمر نفسه على الهويات القومية؛ فكلما شُملت الشبكات التي تربط المواطنين بالحكومة الوطنية، كلما زاد عدد المواطنين الذين يتبنون فكرة الأمة كمجتمع من التضامن المشترك والمصير السياسي الواحد.  وعلى النقيض من ذلك، فإن المجموعات المستبعدة بشكل منهجي من هذه الشبكات ستعمل على تطوير هويات منفصلة خاصة بها، يتم تعريفها في كثير من الأحيان على أساس عرقي أو إثني؛ وهكذا تصبح فكرة الأمة الكبرى خالية من أي معنى ومعها الهوية الوطنية.
      
لتوضيح ذلك، تخيل أحد الدارسين يوزع استطلاعًا في الولايات المتحدة في عام 1900 ويسأل المواطنين عن مدى فخرهم ببلدهم. قد يتوقع المرء أن الأميركيين الأفارقة -المحررين من العبودية منذ فترة وجيزة وبلا حقوق متساوية أو تمثيل سياسي ذي مغزى- سيشعرون بوطنية أقل من السكان البيض بشكل عام. وكذلك وبصورة مناقضة قد نتوقع أن البروتستانت الأنجلوسكسونيين، الذين هيمنوا آنذاك على سياسات البلاد، قد يعبرون عن فخر وطني أكثر من البيض من الجماعات المهمّشة سياسياً، مثل الإيرلنديين والإيطاليين.
       

السلطة والاعتزاز بالقومية

ولفحص العلاقة بين السلطة السياسية والهوية الوطنية بشكل أكثر منهجية، جمعت مئات الاستطلاعات التي أجرتها منظمات بحثية مختلفة حول العالم. وقمت إجمالا مع فريق من مساعدي البحوث، بتجميع إجابات أكثر من 750 ألف مستطلع من 132 دولة، جمعت في 582 استبيان تمثيلي في سنوات مختلفة من الثمانينيات فصاعدا.  وتمثل هذه البلدان نحو 92 في المائة من سكان العالم؛ وهو ما يعني أن مجموعة البيانات هذه أقرب ما يمكن إلى مسح عالمي. 

     
وتضمنت جميع الاستطلاعات نفس السؤال: "ما مدى فخرك بأمتك؟" كما سألت الكثير من هذه الاستطلاعات عن الخلفية العرقية للمستجيبين، مثل "الأمريكي الآسيوي" في الولايات المتحدة ، و"متحدثي التركية" في بلغاريا، والسيخ في الهند، و الإيغور في الصين. وهو ما سمح لي بربط ردود الاستبيان بمجموعة بيانات أخرى تدرج فيها  أي المجموعات العرقية الممثلة في الحكومة التنفيذية (مثل الرئاسة، رئاسة الوزراء، ومجلس الوزراء) في كل بلد وكل عام، وأيها مستثنى من السلطة السياسية؛ كما كان حال الأمريكيين من أصل أفريقي حتى بعد ثورة الحقوق المدنية وكما هو الأمر مع الغجر في أوروبا الشرقية اليوم.
          

   

وقدم التحليل الإحصائي نتائج تتفق مع فكرة أن بناء الهوية الوطنية هو وظيفة التمثيل السياسي، فكلما ازدادت حصة السكان غير الممثلة في الحكومة التنفيذية، كلما قل فخر المواطنين بأمتهم. وفي الحالات القصوى، يتكون الائتلاف الحاكم من أقلية ديموغرافية صغيرة. كما هو الحال مثلا في سوريا، حيث يسيطر العلويون على الحكومة التنفيذية والاستخبارات رغم أنهم لا يمثلون سوى 12٪ من السكان. وفي مثل هذه البلدان ، لا يقوم أعضاء الجماعات العرقية المستبعدة بربط هويتهم بالأمة بقدر ما يفعل أعضاء الجماعات التي استولت على الدولة.

    

وعلى النقيض من تلك الحالة في دول أكثر شمولية مثل سويسرا، حيث يتم تمثيل كل من المجموعات اللغوية الرئيسية الثلاث (الفرنسية والإيطالية والألمانية) في أعلى المستويات الحكومية، يفخر أعضاء جميع المجموعات ببلدهم حتى أن الأقليات الناطقة بالفرنسية والإيطالية أكثر فخراً لكونهم سويسريين أكثر من الأغلبية الناطقة بالألمانية. ومن البديهي أن المجموعات التي تظهر أقل قدر من الفخر والاعتزاز الوطني هي تلك التي يتم التمييز ضدها داخل النخب السياسية والمجتمع ككل. ومن الأمثلة على ذلك، الغجر  في أوروبا الشرقية والروس في لاتفيا والمسلمين في صربيا.  وبعكس من يقول إن الأغلبيات عموما أكثر وطنية من الأقليات، تشير البيانات إلى أن التمثيل السياسي، وليس الحجم الديموغرافي هو ما يهم حقاً.

      
وأخيراً، لا يكون السكان الأكثر تنوعاً أقل فخرًا بأمتهم من مواطني الدول المتجانسة. فما يهم ليس التنوع في حد ذاته ولكن كيف يرتبط بالتمثيل السياسي والسلطة. غير أن الاعتزاز والانتماء الوطني ليس ثابتا بمرور الزمن؛ فقد وجدت أن المجموعات ستشعر بانتماء أكبر عند امتلاك السلطة وانتماء أقل إذا فقدتها. فمثلا، أصبح البيض في الولايات المتحدة أقل فخرٍا ببلدهم بعد انتخاب باراك أوباما رئيساً عام 2008، وكذلك فعل التايوانيين الذين ولد أجدادهم في الجزيرة بعد حزب الكومينتانغ، عندما تسيدهم قادة من الأصل الصيني. وفي جنوب أفريقيا، عبر المواطنون الآسيويون والسود عن مزيد من الفخر القومي بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، بعدما تحول تفضيل بيض البشرة في اتجاه معاكس.
        

كما يعتمد الانتماء كذلك على تقييم المجموعات للمستقبل؛ فإذا كانوا لا يثقون أن تمثيلهم سيستمر في الحكومة الوطنية، فإنهم يميلون إلى أن يكونوا أقل فخرًا بهويتهم القومية. وهذا هو الحال بشكل خاص في البلدان التي لها تاريخ من الحرب الأهلية، حيث يجعل صراع الماضي من الصعب على النخبة من خلفيات مختلفة أن تثق ببعضها البعض وأن تشكل تحالفات دائمة. وفي البلدان التي لها تاريخ من الصراع العرقي، مثل ميانمار، يشعر المواطن العادي بانتماء أقل مقارنة بالدولة التي تنعم بالسلام مثلا غانا.

  

أصبح البيض في الولايات المتحدة أقل فخرٍا ببلدهم بعد انتخاب باراك أوباما رئيساً عام 2008

رويترز
       

 وينطبق الشيء نفسه على أعضاء مجموعات دون وطنية محددة، مثل أكراد العراق، الذين خاضوا العديد من الصراعات العنيفة مع بغداد على مدى الأجيال السابقة. وتتقلص الثقة في التمثيل المستقبلي أيضا إذا كان البلد يحكمه تحالف متعدد الأعراق، كما هو الحال في بلجيكا أو العراق بعد سقوط صدام حسين. ومثل هذه الائتلافات أقل استقرارًا من الأنظمة ذات العرق الواحد. وفي مثل هذه الحالات، قد يشعر الأفراد بالقلق حول ما إذا كانت جماعتهم ستظل ممثلة في الحكومة الوطنية في المستقبل أم ما إذا كانت النخبة من مجموعة عرقية أخرى قد تدفع ممثليها خارج السلطة.
       

بناء الانتماء

 إذا حرك التمثيل السياسي الهوية القومية فماذا يعني ذلك لسياسات بناء الأمة؟ لن يحتضن المواطنون الأمة كمجتمع من التضامن المشترك إذا لم يقيموا علاقات تبادل منفعة مع الدولة. حيث يجب أن تركز السياسات التي تهدف إلى تعزيز الإحساس بالانتماء الوطني في المجتمعات المنقسمة بشدة على قضايا السلطة والتمثيل والحكم. كما يبقى تقاسم السلطة الأداة الأكثر فعالية لتعزيز الهوية الوطنية ، حتى لو واجهت أنظمة التحالف تحديات لبناء الثقة.
     

فمثلا، نجح نظام ما بعد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في دمج البيض المهيمنين سابقاً في تحالف يضم جميع المجموعات الأفريقية الرئيسية تحت مظلة المؤتمر الوطني الأفريقي. وبالفعل، وبالرغم من الاستياء والعنف الذي طال أمده، فإن الإحساس بالهدف الوطني المشترك انتشر بين المواطنين. ويبقى تعزيز مشاركة السلطة أفضل سياسة للمساعدة على بناء الإحساس بالانتماء والشعور بالهوية القومية.
        

   

كما يجب تعزيز قدرة الحكومات الوطنية على توصيل الخدمات العامة، وبالتالي تكوين روابط التحالف والدعم مع مواطنيها، بدلاً من الاستعانة بمصادر خارجية لهذه المهام مثل المنظمات غير الحكومية أو الشركات الخاصة. حيث أن مجرد الدعاية القومية المنقولة في الكتب المدرسية أو في نشيد وطني أو حتى بعض الطقوس وما شابهها، كلها أقل فعالية  في جميع أنحاء العالم. ومن الأمثلة المتطرفة على ذلك هو الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي يروج لـما سمي بـ "البانتوستانات" أي الأوطان السوداء الأصلية، التي فشلت في غرس الشعور بالفخر الوطني بين مواطنيها.
     
يجب أن يوقن الساسة أن الرموز لا تكفي ليتولد لدى المواطنين شعور بالانتماء وتكوين إحساس قوي بالمجتمع الوطني إذا لم تكن مصحوبة بالتمثيل السياسي والاندماج الفعال في هيكل السلطة، حيث أن بناء الأمة الواحدة القوية -مثل العديد من الأمور- يتطلب فعلا لا مجرد أقوال تردد في الأناشيد.

-------------------------

  

مترجم عن "أم سي تي إنترناشونال"

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار