اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/21 الساعة 14:03 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/7 هـ

انضم إلينا
تكنولوجيا مزيفة.. كيف ستهدم فبركة الفيديو إمكان وجود الحقيقة؟

تكنولوجيا مزيفة.. كيف ستهدم فبركة الفيديو إمكان وجود الحقيقة؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض
في الركن المظلم من الشبكة العنكبوتية، من السهل جدا مشاهدة أبطال فيلم "هاري بوتر" ومسلسل "لعبة العروش" يمارسون الأفعال الإباحية بكل أنواعها. ففي نظر العالم هذه الأجساد العارية مشابهة لأجساد الممثلين، والوجوه الظاهرة تطابق تماما ملامحهم الشخصية. لكن كل ما يظهر أسفل وجه الممثلات في هذه الأفلام الإباحية هي أجساد نساء أخريات. فتقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة أتاحت الفرصة لنسج ملامح الممثلين المألوفة لنا في مشاهد إباحية عن طريق قص الجزء العلوي (الرأس) لأبطال الأفلام الإباحية واستبداله بوجوه ممثلين مألوفة على المشاهد. هذه التقنية هي من أشنع أنواع سرقة الهوية في عهد الإنترنت التي يصعب على المشاهد العادي ملاحظتها بسبب تطور التكنولوجيا المستخدمة فيها. 

    

هذه التقنية التي كانت موضع الكثير من المضايقات في الصحافة التكنولوجية هي عمل أحد المبرمجين الذي يرتبط اسمه بالنسخة التجريبية لنظام "ديب فيكس" أو المزيف العميق. أحد زملاء "ديب فيكس" أخبر موقع "فايس مذر بورد" في يونيو/حزيران الماضي أنه يريد أن يسهل آلية التطبيق ليصبح من الممكن على أي أحد قص وجه زميله وتركيبه في أحد المشاهد الإباحية دون الحاجة إلى أي خبرة سابقة. ولأن المعامل الأكاديمية والدعائية تحاول إصدار أدوات أكثر تطورا لأسباب غير إباحية، مثل برمجة خوارزميات يتم التحكم من خلالها بتعابير الوجه وتقليد الأصوات بدقة، ستصبح هناك صعوبة أكبر على المشاهدين في تمييز المقاطع المزيفة من الحقيقية.

       

لطالما احتوى الإنترنت على بذور الجحيم لما بعد الحداثة. التلاعب الإعلامي من الصحافة الصفراء إلى التدخل الروسي في الحملات الانتخابية الأميركية، إلى الخداع الإدماني في صفحات فيسبوك أصبح العملة المُستخدمة في المتوسط الصحافي. كان الإنترنت وما زال مكانا تكون فيه الهوية نطاقا زلقا ومبهما، حيث السرية تبعث الفوضى والحيرة، والمحتالون يقومون بسرقة جميع معالم الهوية الشخصية للأفراد. وفي هذا الصدد، فإن الإنترنت وصل إلى ذروته بعد انتشار الفيديوهات المزيفة التي هي قليل من كثير قادم. 

     

          

كتب فلاديمير نابوكوف في إحدى المرات أن الحقيقة هي إحدى الكلمات القليلة التي لا تعني شيئا دون وضعها داخل علامات التنصيص. أراد من هذا التهكم الإشارة إلى إحدى أهم النقاط المتعلقة بالتصورات النسبية، فحينما يكون هناك شيء أمامنا أنا وأنت، ما الدليل على أننا ننظر إلى الشيء نفسه؟ مع ذلك فإن المؤسسات الإعلامية والحكومية والأكاديمية ساعدتنا على الوصول إلى إجماع هش نحاول فهمه طوال السنين السابقة حول وصف العالم عن طريق المنطق والملاحظة. 

  

إن مواقع التواصل الاجتماعي نقلتنا إلى عصر جديد، يسهل فيه تمييز الأخبار المنحازة واستبعاد المعلومات الكاذبة عن طريق التصفح الفردي للأخبار. والرئيس الأميركي الحالي سرّع وصول عالم يتجاوز الحقيقة، عن طريق إعطاء الضوء الأخضر للخداع والمؤامرة من قِبَل أعلى السلطات في الدولة. لكن سرعان ما سيصبح هذا العصر زمنا بريئا أمام عالم لن تتوقف فيه أعيننا عن خداعنا، فنحن بالنهاية لسنا ببعيدين عن انهيار الحقيقة. 

  

نحن نتشبث بالحقيقة هذه الأيام، بل نتمناها. فما زلنا نعيش في عالم ابراهام زابرودر حيث نقدس المقاطع الأصلية أو "الخام" مثل فيديو اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي الذي التقطه أحد بائعي الثياب في مدينة دالاس بالمصادفة. ولأن الجمهور أصبح مشككا في جميع التقارير والمواد التي عالجها الإعلام، في قرن كثرت فيه الدعاية والأخبار المبالغ بها، فقد حصلت الفيديوهات غير المعدلة على وزن ثقيل وأفضلية في ثقافتنا الحالية. سمى الكاتب ديفيد شيلدز جشعنا للحصول على المعلومة الصريحة بـ "جوع الحقيقة". 

    

   

السلوك الفاضح يولد ردة فعل مفاجئة من قِبَل الجمهور إذا ما تم التقاطه بمقاطع الفيديو. مثل هذه الفيديوهات كان لها دور في خداع الأميركيين في الانتخابات الأميركية السابقة. ففي 2012، قام بائع في أحد الحانات بتصوير المرشح مِت رومني خفية وهو يشجب 47٪ من الأميركيين (مجموع مؤيدي أوباما) لأنهم مواطنون ضعفاء يعتمدون على الحكومة الفدرالية الأميركية أثناء أحد حملات التبرع في فلوريدا. هنا يمكن القول بأن هذا المقطع قد قلص من فرصته ليصبح رئيسا لأميركا. لو كُتب هذا الادعاء من قِبَل أحد الصحفيين لما لاقى رواجا وتقبلا من قِبَل الجمهور. فهذا الفيديو بزاويته المنحرفة وصوت السكاكين المحيطة ومرور العاملين في المطعم، كان أكثر قدرة على إقناع الناس وإحداث تغيير في الرأي العام. هذه التفاصيل كانت قادرة على إقناع الناس بمصداقية الفيديو. 

   

بالرغم من أن ترمب تعافى بطريقة ما من فضيحة مقطع هوليوود الذي تبجح فيه حول تهجمه جنسيا على بعض النساء، فإن المقطع أثار حماس الجمهور وضميرهم في الانتخابات الأميركية السابقة بشكل لم يسبق له مثيل. فيديوهات من هذا القبيل قد أثارت ردود فعل أخرى سابقا. فقد سببت كاميرات المراقبة التي صورت لاعب كرة القدم الأميركية راي رايس وهو يجر زوجته التي كانت غائبة عن الوعي في أحد الفنادق رد فعل قوي على العنف الذي يمارسه الرياضيون منذ زمن طويل في أميركا. وأيضا كان هناك مقطع يظهر فيه أحد رجال الشرطة وهو يقتل أحد المواطنين الأميركيين فيلاندو كاستل من مدينة مينيسوتا. بالرغم من كل الإحصائيات والتقارير والقصص المحكية والمروية عن عنف الشرطة فإنها لم تجد نفعا ولم تلاق صدى في المجتمع. لكن هذا الفيديو الذي نشرته حبيبة المقتول على فيسبوك أثّر في قلوب الناس ودفع السياسيين، حتى بعض الصحفيين المتشددين، إلى الانتباه لمثل هذه الأعمال الإجرامية بعد أن تجاهلوها لسنوات طويلة. 

  

هذا ما يدفعنا إلى الحديث عن أساس المشكلة، فبعد أن كان من الطبيعي أن يثق الإنسان بحواسه، سيصبح مشككا دوما فيما ينظر إليه في عصر تنتشر فيه الفيديوهات المفبركة. فلنتذكر بعض النقاط المهمة التي تحدث عنها الباحث في جامعة ميشيغان، أفيف أوفادي، حول ما سماه بالقيامة المعلوماتية ولنتخيل كيف سيصبح هذا التصور أسوأ بكثير بوجود الفيديوهات الزائفة. 

   

لكن المشكلة ليست فقط في انتشار التزوير، فالفيديوهات الزائفة ستجعلنا نشكك في أي شيء نراه أمام أعيننا، الأمر الذي سيستخدمه السياسيون لصالحهم. حينها سيستطيع أي مجرم أن يشكك في أي مقطع فيديو يثبت إدانته بالجريمة. فقد فعلها الرئيس الأميركي ترمب سابقا حين خرج ليزعم أنه قد تم استخدام صوت مزيف في فيديو هوليوود المسرب عنه بعد أن شكك في الفيديو من قبل. 

      

     

مما يعني أن انتشار الفيديوهات المزيفة سيهدم ثقتنا بآخر حبل يصلنا بالحقيقة. وكما أخبر إيان جودفيلو، أحد العلماء في مؤسسة جوجل، مجلة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فإن اعتمادنا على الفيديوهات بأن شيئا ما قد حدث ما هو إلا ضرب من الحظ. 

  

إن انهيار الواقع ليس نتيجة غير مقصودة للذكاء الاصطناعي، بل كان هدف بعض أشهر مهندسي التكنولوجيا. بطرق عدة، قصة سيليكون فالي بدأت في بدايات القرن السابع عشر مع المؤسسة العالمية للدراسات المتطورة ليس بعيدا عن مختبرات الهندسة قرب جامعة ستانفورد التي كان باحثوها متخصصين في دراسة مخدرات حمض الليسرجيك دايثيلاميد التي وصف ستيف جوبز تجربته بتعاطيها في شبابه على أنها واحدة من أهم 2 أو 3 تجارب في حياته كلها. بعض هؤلاء الباحثين أو التقنيين لم يستطيعوا أن يقاوموا القيام بتجربة غريبة، فحاولوا صناعة أجهزة إلكترونية تستطيع أن تؤثر على العقل تماما مثلما تؤثر عليه المخدرات.

  

الفيديوهات المزيفة المحاكية للواقع هي ليست آخر محطة سنصلها في رحلة الابتعاد عن الحقيقة التي أرادتنا التكنولوجيا أن نستقلها. فذروة هذه النظرية هي تقنية العالم الافتراضي، وتقنية العالم الافتراضي تقوم بخلق وهم شامل للوجود في مكان آخر. فمن خلال ارتداء القفازات والنظارات الإلكترونية الخاصة بهذه التقنية، يتم خداع حواسنا وتغيير نظرتنا إلى ما هو حولنا. فالألعاب الإلكترونية بدأت بعملية تحويل اللاعبين إلى عالم افتراضي يتم تطويعهم في عناصر قصص وروايات مختلفة عن الحقيقة. بالرغم من أن الألعاب الإلكترونية قد تسبب الإدمان فإنها لا تطوع جميع حواس البشر تحت تأثيرها. على عكس تقنية العالم الافتراضي التي تنقلنا إلى عالم آخر تماما حيث نستطيع رؤية ما تراه شخصيات اللعبة ونستشعر ما يشعرون به. قبل عدة قرون، وحين تم تجربة هذه التقنية، وصف باحث المخدرات تيموثي ليري تكنولوجيا العالم الافتراضي بـ "مخدرات إل سي دي الجديدة". 

  

الحياة قد تبدو أكثر متعة بوجود تكنولوجيا العالم الافتراضي التي بدأت تجني ثمارها. فاحتمالات خلق عالم افتراضي قد تتطور بشكل يدهش الجميع. لكن إذا تحمس البشر لاستخدام هذه التقنية، فإنها ستنمو لتصبح مجالا ضخما يجعل المستهلك يدمن عليها من أجل تحقيق الأرباح التي ستتحكم بها شركة أو شركتان من أقوى شركات العالم. ففيسبوك قد بدأت بالاستثمار في تكنولوجيا العالم الافتراضي حينما ابتاعت الشركة الناشئة أوكولس، الأمر الذي يدعو للقلق قليلا. 

   

  

القدرة على خداع المستهلكين ستنمو وتتطور، لأن تكنولوجيا العالم الافتراضي تحيِّر المُستهلك في ما هو حقيقي. العديد من مصممي تقنية العالم الافتراضي ذكروا أن بعض المستهلكين كانت لديهم ردود فعل قوية بعد تجربتهم المخيفة لهذه التكنولوجيا لدرجة أنهم خلعوا النظارات الإلكترونية المطلوبة للدخول إلى هذا العالم. بعض الدراسات وضحت قدرة تقنية العالم الافتراضي على التأثير في سلوك المستهلكين بعد انتهائهم من التجربة، مما يجعلهم أكثر أو أقل ميلا للقيام بسلوكيات غير أنانية. 

  

وقد حذر باحثو ألمانيا، الذين حاولوا وضع ضوابط خاصة لهذه التقنية، من أن التركيب الشمولي لتكنولوجيا العالم الافتراضي سيتيح المجال لأشكال جديدة وقوية من التلاعب العقلي والسلوكي، خاصة إذا تحكمت بها المصالح التجارية أو السياسية أو الدينية. وحسب ما ذكر أحد رواد مجال العالم الافتراضي، جارون لانير، في أحد مذكراته التي نشرها مؤخرا فإنه لم يكن هناك قط مجال ووسط قوي جدا في جماله وعرضة للرعب مثل تكنولوجيا العالم الافتراضي التي ستكون اختبارا يوضح معالم شخصياتنا أكثر مما فعله أي وسط إعلامي من قبل. 

  

ربما سنستطيع مواكبة هذه التطورات وسنتعلم الحذر المطلوب لاستخدام هذه الأنواع من التقنيات. لكن إلى الآن أظهر البشر الضعف والقابلية للانخداع من قِبَل أفكار تطابق أيدولوجياتهم وآراءهم الخاصة مهما كانت باطلة أو خاطئة بمجملها. حتى الحكومات لم تقم بأي خطوة حيال التغيرات التي طرأت على المجتمع بسبب التقنيات التكنولوجية الجديدة، ومن المتوقع أنها لن تتدخل في ما ستحدثه تكنولوجيا العالم الافتراضي. إن مسألة تحديد ما يشكل الحقيقة ليست فقط مسألة معرفية، إنما هي سياسية أيضا تتضمن التصريح بزيف العديد من المعتقدات الشخصية. 

    

  

عدد قليل من الناس سيكون لديهم الوقت أو القابلية للتعرف على الحقيقة من عدمها. أملنا الوحيد هو الاستعانة بمصادر خارجية، عن طريق ائتمان السلطة الثقافية عند مؤسسات معروفة بخبرتها السابقة في التحقق مثل الصحف والجامعات. ربما تستطيع شركات التكنولوجيا الضخمة فهم حجم هذه المشكلة والتبرع لأخذ هذه المهمة على عاتقها. فبما أنهم يسيطرون على أهم نقاط الوصول إلى الأخبار والمعلومات، بإمكانهم وبسهولة سحق الفيديوهات المزورة. لكن من أجل القيام بهذا الدور يجب على هذه الشركات القبول بمسؤوليات محددة قاموا برفضها سابقا. 

   

في 2016، وأثناء تدخل كل من فيسبوك وروسيا بالانتخابات الرئاسية الأميركية، شرح إيلون مسك مفهومه الخاص لحياة البشر. حيث تحدث عن نظرية كان قد استوحاها من أحد فلاسفة جامعة أوكسفورد وطورها لتصبح مناسبة للفكر الحديث. النظرية تقول إننا نعيش في محاكاة حاسوبية، كأننا شخصيات في أحد الأفلام أو الألعاب الإلكترونية الخيالية. فهو يرى أن نسبة وجودنا في عالم حقيقي هي واحد من مليون. فإذا كان رواد التكنولوجيا التي أصبحت تسيطر على معلوماتنا وتطمح لتشكيل مستقبلنا ليسوا قادرين على الإقرار بالحقيقة، فإن لدينا فرصة ضئيلة للحفاظ عليها أو استرجاعها. 

------------------------------------------

  

ترجمة: أيمن الرشيد

الرابط الأصلي

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار