هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
العبودية التعاقدية.. أوضاع العمالة المنزلية المسكوت عنها بلبنان

العبودية التعاقدية.. أوضاع العمالة المنزلية المسكوت عنها بلبنان

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض
كان للهجرة العمالية في الشرق الأوسط وإلى الشرق الأوسط تأثيراً كبيراً على التطورات الاقتصادية والاجتماعية في هذه المنطقة من العالم منذ الازدهار النفطي في سبعينيات القرن العشرين. وبناء على ذلك، لفت علماء الاجتماع  -لا سيما الاقتصاديون التنمويين- الانتباه إلى تدفقات هجرة الأيدي العاملة العربية بشكل رئيسي من البلدان الفقيرة في الموارد نسبياً والتي يبلغ عدد سكانها نسبة عالية نسبياً -مثل مصر- إلى دول الخليج الغنية بالنفط ذات التعداد السكاني المنخفض.


 كما غطى الاقتصاديون على نطاق واسع الاعتماد المتنامي للخليج على تدفقات هجرة الأيدي العاملة غير العربية من جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا. من خلال فوز قطر المتنازع عليه بشدة في عام 2010 في محاولة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022، واهتمام المجتمع الدولي اللاحق ببناء البنية التحتية المتعلقة بالبطولة، تم جلب منظور "العبودية الحديثة". في الأوساط الأكاديمية، أصبحت "العبودية الجديدة" بالفعل مفهوماً بارزاً في مطلع الألفية، بما في ذلك مفهوم "تعاقد العبودية"، والذي يحاول أن يمسك -من بين أمور أخرى- علاقات العمل غير المتماثلة إلى حد كبير بين بعض شرائح أصحاب العمل في الشرق الأوسط والموظفين الآسيويين والأفارقة. إلا أن الدراسات غير المتطورة هي التي تربط بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تقديم تحليل للاقتصاديات السياسية لعلاقات العمل بين العمال الآسيويين وأرباب العمل في الشرق الأوسط. تحاول هذه المقالة المساهمة في هذا المنظور من خلال مناقشة الجوانب الحاسمة للاقتصاد السياسي للعمل المنزلي في لبنان.

   

وقد تم اختيار العمل المنزلي في لبنان لأن هذا العمل الذي تهيمن عليه المرأة -من حيث العرض والطلب- غالباً ما يتم إهماله في تحليلات الاقتصادات السياسية التي يسيطر عليها الذكور بدرجة كبيرة. علاوة على ذلك، على النقيض من دول الخليج، فإن لبنان هو مجتمع مفتوح يستطيع فيه "الغربيون" الوصول بسهولة إلى السكان المحليين، وبالتالي دعوة الباحثين للمشاركة في المراقبة التشاركية للاقتصاد السياسي للعمل المنزلي. فيما يلي بعض الملامح الرئيسية للاقتصاد السياسي اللبناني في العمل المنزلي. يليه إيضاح لمكوناته الرئيسية من الأجانب والإناث بمزيد من التفصيل. تناقش الفقرتان اللاحقتان الاقتصاد السياسي للعمل المنزلي في لبنان بدقة، أولاً على أساس مفهوم "العبودية التعاقدية"، ثم في فقرة ختامية مع الدولة المستطيلة والطبقة والعرق والجنس.

        

الملامح الرئيسية للاقتصاد السياسي اللبناني للعمالة المنزلية

توظيف العمالة المنزلية في لبنان منتشر على نطاق واسع في بيروت فقط حيث يتكدس الأشخاص ذوو الدخل المرتفع نسبياً: في عام 2010، استأجرت 11.6 في المائة من جميع الأسر في العاصمة اللبنانية عامل/ة منزلي/ة، والذين يعيش معظمهم في مسكن صاحب العمل. مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، تسارعت عملية الاستبدال التدريجي للعمال المنزليين السوريين العرب والأكراد "السوريين" من قبل أجانب من مناطق خارج الشرق الأوسط. واليوم يأتي معظم "المساعدين" في المنازل -الذين يشار إليهم في الأوساط الأكثر تقليدية باسم "الخادمات"- من آسيا وأفريقيا. 97 في المائة من العاملين المنزليين الأجانب الذين يعيشون في لبنان عام 2010 -البالغ عددهم 118,000- كانوا من النساء؛ معظمهن من إثيوبيا (27%) والفلبين (25%) وبنغلاديش (20%) وسريلانكا (11%) ونيبال (10%) ومدغشقر (3%).

   

إذا تم تعريف الطابع غير الرسمي في علاقات العمل على معيار تسجيل العامل في نظام التأمين الاجتماعي الوطني، يبدو أن العلاقات العمل بين أرباب العمل اللبنانيين والعمال المنزليين الأجانب في لبنان تشكل نظاماً هجيناً: من ناحية، لدى عمال المنازل الأجانب في لبنان تأمين صحي وحوادث أولية؛ من ناحية أخرى، لا يتم تسجيلهم في صندوق المعاشات ولا يتمتعون بالحماية الوظيفية ولا يحق لهم الحصول على إعانات اجتماعية. وفي الوقت نفسه، تنظم الدولة عملية توظيف العمالة المنزلية الأجنبية بطريقة بيروقراطية للغاية، حيث يتعين على صاحب العمل -الذي يختار العامل في معظم الحالات عن طريق وكيل- أن يسجل "كراعٍ" لعقد مدته ثلاث سنوات، وتوثيق ذلك العقد بشكل قانوني. يُسمح للعامل بالعمل فقط مع الكفيل المسجل ويجب عليه مغادرة الدولة عندما يتم إنهاء علاقة العمل.

   

العنصر الأجنبي

التدفق الهائل للاجئين السوريين للبنان الذي وصل مؤخراً إلى أكثر من مليون، لم يؤثر بشكل كبير على السمة الأجنبية للعمل المنزلي في لبنان؛ لا يزال العمل المنزلي مجالاً للنساء من شرق آسيا وأفريقيا. وهذا أمر جدير بالملاحظة حيث أنه في قطاعات العمل الأقل مهارة في القطاع غير الرسمي، استبدل العمال السوريون العاملين بأجرة يومية العمال اللبنانيين جزئياً. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالمرأة، هناك استراتيجيات أخرى أكثر انتشاراً للتخفيف من حدة الفقر الذي يمكن اعتبارها مهانة أكثر من كونها عملاً للعمالة المنزلية (مثل الموافقة على الزواج من رجل لبناني الذي يستند الانجذاب إليهم أساساً على قدرتهم على "إعالة" المرأة أو تسوّل الأم وأطفالها أو البغاء).

  

تدفق اللاجئين السوريين للبنان


لماذا لا يعاد استبدال العمالة المحلية في لبنان بالسوريين بشكل جماعي؟ ينسب راي جورديني ونائلة مغربل العزوف عن توظيف السوريين مرة أخرى إلى جراح الحرب الأهلية غير المعالجة. إن هذا مقنع بشكل جزئي فقط؛ حيث بقي العمل المنزلي في الأردن مجالاً للأجانب على الرغم من التدفق الكبير للاجئين السوريين مؤخراً. وعلاوة على ذلك، فإن الوظائف الأخرى المتعلقة بالأسرة التي تتطلب درجة عالية من الثقة -مثل وظيفة البوّاب/ الناطور -التي تعتبر مجالاً ذكورياً في لبنان- غالباً ما تمتلئ بالسوريين من مختلف الأديان. ما يبدو أن له صلة كبرى في العزوف عن توظيف السوريين هو أن الغالبية العظمى من النساء السوريات -بغض النظر عن حالتهن الاجتماعية- لن ينمن في منزل صاحب العمل، في حين أن العاملات الأجنبيات -اللواتي هن إما غير متزوجات أو يأتين إلى لبنان من دون أزواجهن- لا يمانعن القيام بذلك وبالتالي زيادة إمكانية استغلالهن. وهناك سبب "ثقافي" آخر هو أن السلوك المسيء والعنف تجاه العمال يمكن أن يُجاز على أساس العنصرية الموجهة على نطاق واسع تجاه الأفارقة والآسيويين ولكنها تنطبق على العرب (الشاميين) فقط إلى درجة أقل. ومع ذلك، هناك أيضاً سبب مؤسسي وعملي يتمتع بسلطة تفسيرية عالية: على عكس حالة النساء السوريات، توجد سوق عاملة للخادمات الأجنبيات بما في ذلك النساء اللاتي يبقين في غالب الأحيان بعد مرور ثلاث سنوات ويعملن في وظائف غير نظامية.

   

العامل الأنثوي

إن العمل المنزلي المحترف مؤنث عموماً في الشرق الأوسط ولبنان على وجه الخصوص. أكثر من عشرين بالمائة من الموظفات في الشرق الأوسط هن عاملات منازل (بينما في شمال الكرة الأرضية 1.3 بالمائة فقط). علاوة على ذلك، على الرغم من أن خمسة بالمائة فقط من الأسر التي تستخدم عاملة منزلية في عام 2005 كانت ترأسها امرأة، لم يكن العاملات فقط إناثاً ولكن أيضا الغالبية العظمى من أرباب العمل من الإناث بحكم الواقع: إنها "السيدة" التي تعطي أوامر لعمال المنازل وتراقب العمل.

    
وهكذا، في النظام غير المتناسق للغاية للعمل المنزلي المحترف في لبنان، تأخذ المرأة دور المستغِلة والمستغَلة. يصبح الاستغلال واضحاً في أيام العمل الطويلة "للغاية"، وعدد قليل من الإجازات (إن وُجدت)، والأجور المنخفضة جداً. أشار جورديني ومغربل إلى رواتب تتراوح بين 100 دولار و 350 دولار شهرياً التي ترتبط بالتراث العرقي والمستويات التعليمية المختلفة للموظفين. ومع ذلك، بحلول عام 2017، بلغ الحد الأدنى الفعلي للأجور حوالي 150 دولاراً أمريكياً. ولا شك أن راتباً منخفضاً من المنظور العالمي واللبناني لا يزال جذاباً من وجهة نظر الظروف المولدة للدخل في البلدان المرسلة: العمال المنزليون السريلانكيون هم في أسفل جدول أجور العمال المنزليين في لبنان، لكنهم ما زالوا يكسبون عشرة أضعاف ما كانوا سيكسبونه في ديارهم. علاوة على ذلك، فإنه على الرغم من وجود درجة أعلى من الضعف، فإن العاملات المنزليات الأجنبيات لا يُستغلن بدرجة أكبر من العمالة اليومية للذكور السوريين الذين انخفض راتبهم في بيروت إلى 20 دولاراً أمريكياً  في اليوم مقابل العمل لمدة 12 ساعة يومياً بدون أي تأمين أومزايا جانبية مثل ﻛﺎﻹﺳﻜﺎن واﻹﻣﺪادات اﻟﻐﺬاﺋﻴﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺪﻓﻖ اﻟﻼﺟﺌيين إلى ﻟﺒﻨﺎن ﻣﺆﺧﺮاً.

    

وفقاً للبنك الدولي لعام 2017، بالنظر إلى الدخل القومي الإجمالي للفرد الذي بلغ 14,100 دولاراً في عام 2016 ، فإن القدرة على تحمل تكاليف العمالة المنزلية لا تقتصر على الطبقة العليا اللبنانية ولكنها تنساب إلى عائلات من الطبقة المتوسطة. وبالتالي، ليس من غير المعتاد أن تقوم الأسر التي يرأسها معلمو المدارس الثانوية أو الصحفيين بتوظيف عاملات منازل. من المنظور النسوي، تجدر الإشارة إلى أن الأسر المعيشية التي ترأسها نساء أكثر عرضة لتوظيف عمال منزليين أجانب. علاوة على ذلك، هناك علاقة متبادلة بين الأسر التي لديها أطفال دون سن السادسة وتوظيف العمالة المنزلية الأجنبية. وبالتالي، فإن الأمهات اللبنانيات اللواتي لديهن وظائف مهنية هن من بين المستفيدين من النظام.

      

          

تطبيق مفهوم تعاقد العبودية في حالة العمل المنزلي في لبنان

في بعض الأحيان، قد يتم تطبيق مفهوم "العبودية" على قضايا الشرق الأوسط انطلاقا من الإثارة الصحفية (وهي نوع من الانحياز التحريري في الإعلام الذي يتم فيه المبالغة في إحداث إثارة للأحداث والمواضيع في القصص والمقاطع الإخبارية لزيادة أعداد المشاهدين أو القراء). ومع ذلك، العبودية موجودة ويستخدم مفهوم "العبودية التعاقدية" الذي صاغه كيفن بيلز نهجاً أكاديمياً رصيناً. وبالتالي، فإن مسألة ما إذا كان الاقتصاد السياسي للعمل المنزلي في لبنان الذي يستند إلى تعاقد العبودية يستحق أن يتم معالجته بجدية.

    

لاحظ أن مفهوم العبودية -مثل الفاشية أو العنصرية- هو من بين تلك المفاهيم التي تم تحميلها بشكل سلبي معياري بحيث لا توجد طريقة "محايدة" للتحليل لتطبيقها. وبما أن الأشخاص الذين يحترمون نظام النازيين أو الرق ينتهكون حقوق الإنسان الأساسية بطريقة منهجية، فإنه من الصعب تحديد أولئك الذين يشاركون بنشاط في العبودية ويساهمون في الحفاظ عليها بأي شرعية، تحديداً في حقبة ما بعد الاستعمار.

   

ومع ذلك، نظراً لوجود أنظمة فاشية وعبودية، فمن المحتمل أن يكون تطبيق هذه المفاهيم من وجهة نظر تحليلية مثمراً. ومع ذلك، بما أن مفهوم العبودية (التعاقدية) يحمل احتمال إساءة معاملته كالعنف الأخلاقي، فينبغي علينا توخي الحذر الشديد في وصف العلاقات بين أرباب العمل والموظفين بأنها عبودية. هناك بعض الجدل لتطبيق تسمية/وسم "تعاقد عبودية" على علاقات العمل في العمل المنزلي في لبنان، خاصة فيما يتعلق بالضعف الشديد لدى الموظف. وبالتالي، فإن عاملات المنازل الأجنبيات لا يتمتعن بالحماية من الاستغلال المفرط (على سبيل المثال من خلال فرض توافر الموظفة على مدار الساعة)، وإجراء تعديلات من جانب واحد على طرق الدفع (على سبيل المثال عندما يحتفظ أصحاب العمل بدفعة واحدة أو عدة دفعات شهرية للعامل من أجل ضمان عدم هروبها)، والممارسات التي تنتهك الحقوق الأساسية للحرية مثل مصادرة جوازات السفر والحبس في المنزل.

     

من ناحية أخرى، هناك بعض المنافع -وخاصة الراتب- التي تميز العمال الأجانب عن "العبيد". في تصوره لـِ "تعاقد العبودية"، يذكر كيفن بيلز بوضوح أن العبد المتعاقد معه "لا يُدفَع له شيئاً". إضافة بذلك، هناك بعض الميزات-خاصة على جانب أصحاب العمل- التي لا تكاد تكون متوافقة مع ما يمكن أن يسمى بالصورة العامة للمستعبِد. بما أن هناك علاقة قوية بين الشهادات التعليمية العالية واحتمالية توظيف عاملة منزلية في لبنان -لا سيما في بيروت؛ يجب على المرء أن يؤيد الفكرة القائلة بأن المستعبِد اللبناني النموذجي هو من السكان الحضر ذوي التعليم العالي.

    

   

علاوة على ذلك، إذا طبقنا مفهوم العبودية التعاقدية على عاملات المنازل الأجنبيات في لبنان، فليس هناك طريقة للإشارة إلى الأمهات العاملات (أمهات ما بعد الحداثة) اللواتي لديهن هوية نسوية (مناصرة لحقوق المراة) كمستعبِدات. حتى لو افترضنا أنه ليس كل أولئك اللواتي لديهن هوية نسوية يشتركن بشكل كامل في قيم العدالة التي تلتزم بها النسوية، سوف يتعيّن على المستعبِدة النسوية أن تزيل التناقضات المعرفية المتطرفة. بعبارة أخرى: على الرغم من أن المرء قد يجادل بأن النساء المتعلمات البرجوازيات ومن الطبقة المتوسطة لسن محصنات في حد ذاتهن من حيث الإساءة إلى الموظفين. يبدو أن وصف أرباب العمل اللبنانيين -في العمل المنزلي- بالمستعبِدين تبدو إشكالية في ضوء التصورات المذكورة أعلاه. وتشكل هذه النتيجة حافزاً لإعادة النظر في مسألة تأطير الاقتصاد السياسي للعمل المنزلي المحترف في لبنان من خلال المشاركة في مناقشة نقدية للدور المحدد لأربع فئات أساسية: الدولة والطبقة والعرق والجندر (الجنس/النوع).

    

الدولة والطبقة والعرق والجندر في العمل المنزلي المحترف في لبنان

يشير وليد مروش وعلي فقيه إلى أنه يمكن استيعاب العمال المنزليين الأجانب كبديل للرعاية المؤسسية التي توفرها الدولة في الشمال العالمي لمواطنيها. قد تؤخذ هذه الملاحظة كنقطة انطلاق لإعادة تقديم الدولة؛ هناك إجماع واسع على أن الدولة اللبنانية ضعيفة. أما في مجال التعليم، فإن المدارس العامة ومراكز رعاية الأطفال النهارية متخلفة للغاية. وبالتالي، تعتمد الشرائح الحديثة من الطبقة الوسطى الحضرية اعتماداً كبيراً على الإمدادات باهظة الثمن من القطاع الخاص. وهكذا، من خلال تزويد مواطنيها بإمكانية الحصول على العمالة الأجنبية الرخيصة، تعوّض الدولة اللبنانية عن الافتقار إلى العروض المباشرة أو الترويج للخدمات مثل رياض الأطفال والرعاية بعد المدرسة.

       

ومع ذلك، من أجل فهم شامل للنظام، يتعين على المرء أن يسلط المزيد من الضوء على العلاقات بين الدولة والمجتمع. إن حقيقة أن الدولة في الشمال العالمي تمكّن سكانها من الوصول إلى الرعاية المؤسسية ليست مجرد نتيجة لقوى غامضة غالباً ما يتم وسمها بكلمات غير محددة مثل "الحداثة" أو "العولمة". بدلاً من ذلك، نتيجة للصراع التاريخي المعقد بين رجال الأعمال ومنظماتهم والحركة العمالية وحالة الشمال العالمي، ظهر نظام رأسمالي شمل تنظيم علاقات العمل التي فرضتها الدولة. وعلى الرغم من أن العمال الأجانب لم يقصدوا الاستفادة من هذا النظام، إلا أنه طبقاً لسيادة القانون، تُطبَّق لوائح العمل عموماً على جميع المشاركين في سوق العمل. وهكذا، عندما تضغط القوى الاجتماعية الاقتصادية للعولمة بشكل عام و تضغط مشاركة المرأة المتزايدة في قوة العمل الرسمية بشكل خاص على الأنظمة السياسية الاقتصادية لتخليص نساء الطبقة الوسطى الحضرية من الأعباء المتعلقة بتربية الأطفال وإدارة الأسرة، اختلفت استجابة النظام اللبناني عن الشمال العالمي: بدلاً من ترقية النظام اللبناني للرعاية المؤسسية، امتازت دولة لبنان بالطبقة الوسطى الحضرية من خلال تمكين مواطنيها من استيراد العمالة الرخيصة و"المرنة".

     

وهنا يأتي دور العنصرية: هناك اتجاه قوي بين أرباب العمل اللبنانيين للعمالة المنزلية الأجنبية للامتناع عن تطبيق نهج قائم على الحقوق تجاه العاملين لديهم. على سبيل المثال، على الرغم من أن معظم أرباب العمل للعمالة المنزلية الأجنبية في لبنان يعتبرون أنه من المناسب أن تمارس الموظفة الأجنبية دينها (خاصة إذا كانت لها نفس العقيدة)،عدد لا بأس به من أرباب العمل المسيحيين الذين تمت مقابلتهم لا يعتبرون أنه من حق "الفتيات" (العاملات لديهم) اختيار الكنيسة والقداس الذي يفضّلنه بحرية. أولئك الذين "يسمحون" للعاملات بحضور قداس من اختيارهن يميلون إلى القيام بذلك انطلاقاً من سلوك الإحسان. لاحظ أن هناك جانباً أمومياً في هذا: عدم السماح للعاملات بحرية الاختلاط الاجتماعي غالباً ما يبرر "حقيقة" أنهن غير قادرات على التعامل مع الحرية بطريقة مسؤولة، خاصة عندما تكون "جميلة" وبالتالي قد يسعى وراءها الذكور"القروش".

   

    

يتجسد البعد الجنساني للاقتصاد السياسي للعمالة المنزلية الأجنبية في لبنان في المقام الأول في نظام أمومي استغلالي يكون فيه الضحايا والجهات الفاعلة الرئيسية من الإناث. وهذا يعني أن التضامن بين النساء في هذه الحالة أقل أهمية من الانتماءات المتوافقة مع الطبقات. وفي الوقت نفسه، يمكن القول إن هذا النظام الأمومي يخدم الغرض الأعلى المتمثل في ترك النظام الأبوي العام لا دون المساس به: الضغط المذكور أعلاه في الشمال العالمي لتخفيف الأعباء المرتبطة بالأُسرة  عن الأمهات من أجل تسريع تكاملها في سوق العمل الرسمي لا يتم توجيهه نحو الدولة فحسب، بل على المستوى المجتمعي إلى درجة معينة أيضاً حيث يتم توجيهه نحو الرجال في دورهم وقدراتهم كأزواج وآباء، فيتم تشجيعهم على تفحص الأساليب الراسخة لتقاسم العمل بين الجنسين على أنها عفا عليها الزمن، كما يتم تشجيعهم على المشاركة في تنشئة الأطفال وإدارة الأسرة. وبقدر ما لا يتطلب الاقتصاد السياسي للعمل المنزلي في لبنان تدخلاً نشطاً من الذكور، فإن ما يبدو من الوهلة الأولى نظاماً أمومياً، يساهم في الواقع في الحفاظ على النظام الأبوي الجديد.

-------------------------------------------------

ترجمة (الاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار