هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
سبايدرمان باريس.. عليك أن تكون بطلا لتصبح "مهاجرا شرعيا"

سبايدرمان باريس.. عليك أن تكون بطلا لتصبح "مهاجرا شرعيا"

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض
في الأسبوعين الفائتين،  انتشر على الإنترنت تسجيل فيديو لرجل في باريس يتسلّق سريعاً أربعة طوابق من بناية سكنية، لينقذ طفل كان يتدلّى من شرفة، من السقوط والموت المحتّم. الرجل، الذي يدعى مامودو غاساما، هو مهاجر غير شرعي يبلغ من العمر 22 عاماً كان قد وصل إلى فرنسا قادما من مالي قبل بضعة أشهر فقط، بعد رحلة محفوفة بالخطر أخذته عبر عدّة بلدان من بينها بوركينا فاسو وليبيا قبل أن يعبر عبر البحر المتوسط إلى أوروبا. أكسبته حركته البهلوانية الخارقة لقب "الرجل العنكبوت في الدوار الثامن عشر" نسبةً إلى الحيّ الباريسي حيث حدث هذا العمل البطولي.

  

لا أحد يمكنه التشكيك بأن غاساما يستحق الاعتراف الكامل والثناء لفعلته الشجاعة وقد أشاد العالم بأكمله بتصرّفاته. وقد يكون الثناء الأكبر له قد أتى خلال اجتماعه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قدم للمهاجر المالي وسام تقدير لـ "شجاعته وتفانيه"، ومنحه وظيفة مع فرقة الإطفاء التابعة للعاصمة الفرنسية، ووعداً بمنحه الجنسية الفرنسية. حصل بعدها غاساما على وثائق إقامة تمكنه من البقاء في فرنسا بشكل قانوني، وقيل له إنه سيتم تسريع طلبه للحصول على الجنسية.

    

بالنسبة إلى مهاجر غير شرعي كان قد خاطر بحياته بعبور الأرض والبحر للوصول إلى فرنسا، فقط ليجد نفسه يعيش في الخفاء نتيجة لكونه "بلا أوراق ثبوتية"، فإن الجنسية هي مكافأة لا تقدّر بثمن. فالجنسية هي الإطار الذي يتم من خلاله استيعاب الالتزامات المتبادلة بين الدولة والفرد، وبدون الجنسية، من المرجح أن ترفض الدولة الاعتراف بأي التزام تجاه شخص ما، إلا إذا استطاع أن يثبت جدارته وأهليته ليتم التعامل معه كحالة خاصة وكاستثناء - على سبيل المثال، بسبب فرارهم من الصراع أو الاضطهاد.

    

    
نحو الجنسية "المستحقّة"

على هذا النحو، لم يكن من المفاجئ أن ينظر ماكرون إلى المواطنة والجنسية باعتبارهما المكافأة القصوى لشجاعة غاساما. لكن لم يمر هذا النفاق في بلد ذي قوانين هجرة شديدة التقييد دون أن يلاحظه أحد. في الحقيقة، توجد سوابق ذات صلة في القانون الفرنسي، مثل المادة 21-19 من القانون المدني الفرنسي الذي يسمح بمنح فرد ما الجنسية نتيجة لأداء "خدمات استثنائية" للأمة الفرنسية. ولقد تم تطبيقه تقليديًا في حالة جنود الفيلق الأجنبي الفرنسي الذين يأتون من الدول الأخرى ليشاركوا في حروب فرنسا.

    

لكن ما حدث يعكس أيضا اتجاها دوليا أوسع يتم فيه تصور الجنسية كمكافأة يمكن استحقاقها من خلال "السلوك الجيد". في سياق قوانين الهجرة المقيدة بشدة في البلدان الغربية، أصبحت مكافأة المهاجرين الحاملين للجنسية وسيلة تحدد من خلالها الدولة من هو المواطن المستحق لجنسيتها ومن هو المواطن غير المستحق لها.

      

ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه في قانون الجنسية الفرنسي، حيث يجبر المواطنون المستقبليون، باستثناء بعض الحالات، على توقيع عقد يتطلب منهم إثبات، على مدى سنتين، أنهم يستحقون البقاء في البلاد. في حين  أن هذا يعكس الأهمية التاريخية لفكرة المواطنة كعقد بين المواطنين والدولة في فرنسا، فإنه يعتبر أيضًا شيء جديد لناحية التأكيد على واجبات المواطن ليس فقط في المواطنة نفسها ولكن أيضًا خلال عملية التحول إلى مواطن.

             

        

ويمكن رؤية هذا الاتجاه أيضًا في المملكة المتحدة، حيث يجب على المواطنين المستقبليين أوّلا اجتياز اختبار "الحياة في المملكة المتحدة". يجب عليهم إثبات مستوى معين من مهارات اللغة الإنجليزية وإظهار صفات المواطنة الصالحة مثل طاعة القانون ودفع الضرائب خلال فترة عملهم في بريطانيا قبل منحهم الجنسية.

  

كما أن هذا الاتجاه كان موجوداً أيضا في خطة "الدريمر"  الخاصة بـ "باراك أوباما" (المترجم: أو الحالمين، وهم الأطفال المهاجرين المنضويين في برنامج داكا، الحروف الإنجليزية الأولى لـ"الترحيل المؤجل للأطفال المهاجرين الوافدين") والتي بموجبها يتم مكافأة المهاجرين غير الشرعيين الذين أتوا إلى أمريكا كقصّر بالجنسية إذا ما التحقوا بالجامعة أو خدموا في الجيش لمدة عامين على الأقل.

     

هذه ليس سوى عدد قليل من الأمثلة على الاتجاه الذي يهيمن بازدياد على عملية الحصول على الحقوق الأساسية للمواطنة في البلدان ذات مستوى الهجرة العالي في جميع أنحاء العالم.

  

الحقوق على المحك

غير أن هذا الاتجاه هو مثير للقلق بالفعل من الناحية الحقوقية. في يوم من الأيام، كانت المواطنة تمثّل مجموعة من الحقوق التي يجب أن تُطالَب بها الدولة كشكل من أشكال التحرر (من الظلم والاضطهاد)، على سبيل المثال من قبل حركة الحقوق المدنية للسود وحركات المطالبة بحق التصويت للمرأة.

          

   

لكن بشكل متزايد يتم اليوم استبدال مفهوم المواطنة بالمواطنة كمكافأة على الولاء والطاعة! ففي دول مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، أصبحت المواطنة مكافأة مشروطة يمكن سحبها في أي وقت، حيث يتعرض المواطنون لخطر تجريدهم من حقوقهم وجعلهم عديمي الجنسية إذا ما عصوا الدولة. وهذا يعني أنه من الصعب بشكل متزايد الوصول إلى المواطنة والحفاظ عليها، حيث أن الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية للفرد تتقوض اليوم نتيجة لذلك.

   

كانت تصرفات غاساما خارقة وكادت تكون خارج قدرات البشر، وقد أكسبته حقًا اعترافًا دوليًا. وتم منحه كما يستحق حقوق المواطنة الأساسية في البلد الذي يقيم فيه. لكن حقوق المواطنة لا ينبغي أن تأتي من الاعمال الخارقة، بل علينا أن نجد طريقة أخرى لمنح كافة الناس الحقوق الأساسية التي يستحقونها ليس لأنهم بشرا خارقين، بل لأنهم ببساطة بشر.

   

-----------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار