انضم إلينا
اغلاق
الفوز بلقب منتحر.. كيف يدفع المجتمع أبناءه إلى الموت؟!

الفوز بلقب منتحر.. كيف يدفع المجتمع أبناءه إلى الموت؟!

محمد فتوح

محرر رواق
  • ض
  • ض

"تبين من تحريات المباحث وأقوال أسرة الفتاة المنتحرة أنها تمر بأزمة نفسية حادة، بسبب ضغوط الحياة، ومشاكل أسرية متفاقمة مع أشقائها، أقدمت بسببها على التخلص من حياتها"
 

بهذه الكلمات عبرت الصحافة المصرية عن انتحار أميرة يحيى. فتاة عشرينية، قامت بإزهاق روحها تحت عربات المترو هروبا من مجتمع لم تجد فيه مأوى. حادثة أميرة ليست الأولى من نوعها، فحوادث انتحار الشباب في المجتمع المصري بلغت حدا غير مسبوق، فمن زينب مهدي إلى شريف قمر وحتى أميرة يحيى، يستمر مسلسل إنهاء الانتحار الذي اكتسب لونا من البطولة الذاتية في مواجهة أعباء المجتمع.

 
ليس الأمر مقتصرا على المجتمع المصري، فبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر عام 2014 فإن إنسانا يخطط لفقد حياته بيده كل أربعين ثانية (1)، وتشير التقديرات إلى حدوث ما يقارب 804000 حالة وفاة حدثت سنويا بسبب الانتحار في عام 2012 وحده (2)، لكن للتأمل فإن الانتحار يبلغ أعلى معدلاته بين الشباب، بل يُعد ثاني أسباب الوفاة للفئة العمرية بين 15 – 29 (3).

  

عند الشباب العربي، فإن دوافع الانتحار تعود للعديد من الأسباب، فياسر ثابت، يذهب في كتابه "شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي" إلى أن ما بين 11 و14 ألف شاب وفتاة ينتمون إلى بلدان عربية يحاولون الانتحار كل عام. وتتركز أعلى المعدلات في الدول التي تعاني مشكلتي الفقر والبطالة اللتين تهددان سلامة واستقرار هذه المجتمعات. كما تزيد معدلات الانتحار في المجتمعات التي تعاني حروبا أهلية أو ترزح تحت احتلال أو اقتتال طائفي، فيندفع الشاب أو الفتاة للتخلص من حياته إذا ما فشل في تحقيق سعادته (4).

 

بعيدا عن الأسباب النفسية للانتحار، فهل يمكن للمجتمع أن يدفع أبناءه إلى القضاء على أنفسهم؟! وما الأسباب التي تدفع شبابا في مقتبل العمر أن ينهوا حياتهم بأيديهم؟ وكيف نظر علماء الاجتماع إلى هذا الأمر الذي بات ظاهرة عالمية في الآونة الاخيرة حيث تزايد بشكل لافت في العالم العربي الذي انهارت فيه أحلام الشباب في الثورة والتغيير بعدما انتصرت الثورات المضادة وانتهت أحلام الربيع العربي الوردية؟

   

(د. طارق الحبيب - الانتحار)

  

الانتحار من نافذة علم الاجتماع

"الحياة شيء خطير. عدم الأمان هو ثمن الحياة. أما الآمنون كلَّ الأمن فهم هؤلاء الذين ماتوا وهؤلاء الذين لن يولدوا أبدا"

(علي عزت بيغوفيتش – هروبي إلى الحرية)

 

يُعرّف عالم الاجتماع(*) إيميل دوركهايم الانتحار (5) بأنه: هو كل حالة موت تنجم بنحو مباشر أو غير مباشر عن فعل إيجابي أو سلبي تنفذه الضحية بذاتها، وتعلم بالنتيجة المترتبة على فعلها. للوهلة الأولى، قد يُظن أن الانتحار فعل فردي بالأساس لا علاقة له بالتداخلات الاجتماعية، فإن المنتحر هو الذي يقدم على إنهاء حياته بنفسه ضمن عوامل ذاتية واختيارات فردية، فهو من اختصاص علم النفس وحده. بيد أن أكثر الظواهر إيغالا في الفردية مثل الانتحار يمكن النظر إليها من منظور مجتمعي.

 
تعتبر دراسة عالم الاجتماع إيميل دوركهايم(**) لظاهرة الانتحار أول دراسة اجتماعية تتقصى العلاقة بين المنتحرين والمجتمع (6)، فبحسب دُوركهايم فإن "الناس الذين ينتحرون يشعرون حينا بأحزان عائلية، أو بجرح كبريائهم، أو يكابدون الفاقة أو المرض، وحينا آخر يُدينون أنفسهم على اقتراف زلات أخلاقية" (7)، لكن هذه الأسباب الذاتية أو الفردية غير كافية وحدها لتفسير الظاهرة، ولا تعطينا وحدها انطباعا صادقا أنها المسؤولة عن إزهاق المرء لروحه، "فإن الدراسات تشير إلى أن الأشخاص الذين يلازمهم الغم ليسوا هم الأشخاص الذين ينتحرون أكثر من غيرهم. ذلك أن المزيد من اليُسر والرفاه هو بالأحرى الذي يُسلح الإنسان ضد ذاته، ففي مراحل الازدهار وفي الطبقات التي تكون فيها الحياة أقل عُسرا، يحدث الانتحار بسهولة أكبر" (8).

 

عمل دُوركهايم في دراسته على فحص السجلات الرسمية للانتحار في فرنسا وحاول أن يخرج منها بنتائج دقيقة عن الأسباب الاجتماعية للانتحار، والأشكال التي قد يُصنف إليها الانتحار من وجهة نظر سوسيولوجية، فوجد على سبيل المثال أن: زيادة معدلات الانتحار في الرجال بالمقارنة مع النساء، وفي أوساط البروتستانت بالمقارنة مع الكاثوليك، وبين الأثرياء بالمقارنة مع الفقراء، وبين العازبين بالمقارنة مع المتزوجين، ولاحظ كذلك ميل معدلات الانتحار إلى الانخفاض في أوقات الحرب وإلى الارتفاع أوقات التغيُّر أو عدم الاستقرار الاقتصادي.

 

 

  

معامل الانتحار المجتمعي

خلص دوركهايم إلى أن ثمة قوى اجتماعية خارجية عن نطاق الفرد تؤثر في معدلات الانتحار، بل وضع مؤشرا للانتحار المجتمعي سماه "المعدل المجتمعي للانتحار"، إذ يختلف هذا المؤشر من مجتمع لآخر، ويُمكن ملاحظته بملاحظة التغيرات السوسيولوجية المختلفة لهذا المجتمع أو ذاك. وعلى الرغم من اختلاف هذا المؤشر من مجتمع لآخر بحسب دوركهايم، فإنه يُبين في الوقت ذاته قدرة كل المجتمع على دفع أبنائه إلى الانتحار، بل ويقيس في كل لحظة القسط العددي المتوقع من الموتى الإراديين بفعل الأسباب الاجتماعية بحسب حسبة رياضية حاول دوركهايم الوصول إليها (9).

   

"إذن فلكل شعب من الشعوب قوة جمعية، وطاقة محددة، تدفع الناس إلى الانتحار. والحركات التي ينفذها المنتحر، والتي تبدو للوهلة الأولى لا تعبر إلا عن مزاجه الشخصي، إنما هي في الحقيقة المآل والنتيجة لحالة اجتماعية تعكسها هذه الحركات إلى الخارج" (10).

 

تتمثل هذه العوامل الاجتماعية بحسب دوركهايم في التيارات الأنانية في المجتمع، والفوضى التي تستحوذ على المجتمع وتُفرغه من معناه، مع الميل العام إلى الاكتئاب الواهن، أو التضحية الفعالة(****) وكذلك التقزز الساخط (11). فالأسباب التي تبدو -للوهلة الأولى- فردية من يأس وإحباط وإخفاق وزلات ما هي إلا حالة انعكاس لطبيعة هذا المجتمع أو ذاك. يذهب دوركهايم إلى أبعد من ذلك، فالانتحار ليس متعديا للمزاج الفردي ولا موغلا في النسق المجتمعي وحسب، وإنما يخضع الانتحار لعوامل أخرى جانبية تؤثر على الإنسان، موغلة في نمط تعاطي الإنسان مع مجتمعه وموقع انتمائه داخل هذا المجتمع (12).

  

أنواع الانتحار الاجتماعي

اعتمد دُوركهايم منهجا إمبريقيا(****) وعمد إلى حيلة إحصائية لرصد العوامل السوسيولوجية التي تُمكّننا من فهم دوافع المنتحرين سوسيولوجيا من خلالها (13)، وقد استطاع أن يُقسّم دوافع المنتحرين إلى عناصر أغلبية يمكن أن يلاحظها المراقب في المنتحرين، منها: الآلام الجسدية، والهموم العائلية، والحب المشوب بغيرة أو فسق وسوء تصرف، والمشاكل الاقتصادية والحلم بالثراء، كذا الأمراض العقلية وخوف العاقبة بعد الجريمة، ومع ذلك كله تبقى هناك أسباب غير معروفة.

 

نظر دوركهايم إلى هذه العوامل ثم قَسّم المنتحرين باعتبار بلدانهم وأعمالهم وظروفهم الشخصية، كل ذلك بُغية الوصول إلى عوامل كُليّة يمكن رد الانتحار إليها مجتمعيا، والذي خَلص إليه كان تصنيف الانتحار إلى أصناف أربعة:

الانتحار الأناني (14): ويظهر هذا النوع عند انخفاض درجة التماسك في المجتمع، حيث يشعر الفرد بالعُزلة في مجتمعه. وهو ما يُفسر انخفاض معدلات الانتحار بين الكاثوليك مثلا مقارنة بالبروتستانت، إذ درجة التماسك بين جماعة الكاثوليك أقوى من البروتستانت، حيث يُدمج الفرد الكاثوليكي في شبكة من العلاقات الاجتماعية المستقرة، وهو ما يختلف في البروتستانت حيث تزيد معدلات الانتحار بينهم.

  

 

انتحار الضياع (15): وهو نوع من الانتحار ينجم عن غياب التنظيم الاجتماعي، أي حين تكون الأوضاع الاجتماعية في حالة من الضياع بسبب التغير السريع أو شيوع عدم الاستقرار في المجتمع بعد الثورات. وبفقدان المرجعية التي يحتكم إليها المرء في ميوله ورغباته يؤدي ذلك إلى اختلال التوازن بين ظروف الناس من جهة وتطلعاتهم من جهة أخرى، وهذا كثيرا ما يحدث عند الخلل الاقتصادي والمعاناة الشخصية بعد الطلاق بحسب دوركهايم.

 

الانتحار الإيثاري (16): ويحدث عندما يكون المرء في حالة تكامل استثنائية مع المجتمع، فتغلب قيم المجتمع على الفرد ويُقدّم مُثل المجتمع على ميوله الشخصية، ويأخذ هذا النوع طابعا من التضحية من أجل المصلحة العُليا، ويمكن اعتبار الاستشهاديين من الإسلاميين نموذجا من هذا النوع مع التحفظ الديني على إطلاق لفظة انتحار على هذا الشكل من إزهاق النفس.

 

الانتحار القَدَريّ (17): ولم يستطع دُوركهايم أن يتلمس ملامح متماسكة لهذا النوع من الانتحار في مجتمعه، بيد أنه اعتبر هذا النوع نتاجا لوضع يكون فيه المرء واقعا تحت وطأة التنظيم الاجتماعي القاهر، حيث يُفضي قمع الفرد إلى حالة من العجز الكامل أمام المجتمع والقدر، وهو ما يمكننا أن نتلمسه في مجتمع مثل اليابان.

  

وعلى الرغم من تفرد دراسة دوركهايم حول الانتحار وتحليله من منظور سوسيولوجي واعتماده على إحصائيات إمبريقية في تحليل العوامل المجتمعية للانتحار وعلاقتها بالعوامل الطبيعية والسيكولوجية، فإن عددا من الدراسات والبحوث ظهرت تُعارض منهجية دُوركهايم (18)، بيد أن هذه الدراسة ما زالت تحتفظ بمكانتها المتميزة، لأن ما يبدو لأول وهلة أفعالا فردية مثل الانتحار يتطلب تفسيرات اجتماعية في كل الحالات.

  

انتحار الشباب بعد الربيع العربي

 

بدأ الربيع العربي بمصادرة الشرطة التونسية لعربة فاكهة يقتات منها الشاب التونسي محمد البوعزيزي (19) الذي يبلغ من العمر سبعة وعشرين عاما، وحين اعترض محمد على مصادرة عربته صفعه الشرطي أمام أكثر من خمسين مشاهدا! صرخ فيه البوعزيزي أنه شاب بسيط ولا يريد سوى العمل! وحين حاول رد كرامته بالطرق القانونية فشل، مما أشعره بالاغتراب عن مجتمعه والضياع وسط حالة اقتصادية طاحنة، فأشعل النار في نفسه!

 

لم يكن يعلم البوعزيزي، والذي كان دوركهايم ليصنف انتحاره أنه انتحار من النوع الأناني وانتحار الضياع في آن واحد، لم يكن ليعلم أن انتحاره سيفتح على بلده والبلدان العربية من حوله ثورات تنادي بالكرامة والحرية واحترام الإنسان، ولتتغير على إثر هذا الانتحار معالم التاريخ والجغرافيا العربية إلى غير رجعة! فسرعان ما قامت الثورة في تونس بعد انتحار البوعزيزي ثم لحقتها ثورات مصر وليبيا واليمن وسوريا (20).

 

كان الشباب العربي الذين استلهموا صورة البوعزيزي في تونس وخالد سعيد في مصر هم المتصدرين في هذه الثورات وكانوا في القلب منها، وأهم دوافعهم كانت منبعثة من الثورة لوقف القمع والاستبداد السياسي والأمني الذي تشهده البلدان العربية. واعتُبر هذا الانتحار بمنزلة شرارة الانطلاق لكل شاب يحلم بالكرامة والحرية في وطن مُحتل من نُخب محليّة. نسج هؤلاء الشباب الأحلام والآمال على هذه الثورات، بيد أن هذه الثورات -ويمكن أن نستثني تونس بصورة ما- ما لبثت لأسباب موضوعية أو خارجية أن خمدت أو انقلبت إلى حروب أهلية تسببت في قمع واستبداد أكثر من ذي قبل!

  

ميدان - زينب المهدي (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

مع الوقت كان الملاحظ أن كثيرا من الشباب الفاعل في مشهد الثورة المصرية فقد قيمة حياته حين فشل حلمه في التغيير الكريم، بات الانتحار طريقا يلوح لبعضهم، حتى ولجته زينب المهدي، زينب الطالبة بالأزهر والمشاركة بفاعلية في العمل المجتمعي وملف الفتيات المعتقلات بالأخص بعد الانقلاب العسكري (21)، والتي يمكن أن نعتبر انتحارها بمنزلة لحظة فارقة في ظاهرة انتحار الشباب العربي (22)، وهو ما يذكرنا كثيرا بحالة اليأس التي دفعت أروى صالح إلى أن تُقدم على الانتحار بيدها بعدما فشل جيلها من شباب اليسار في الثمانينيات في تحقيق أي قيمة من التي كان يدعون إليها.

  

بيد أن انتحار الشباب العربي والذي بدأ بزينب وحمل في منتصفه شريف قمر الطالب بكلية طب الأسنان والذي انتحر بعد فيديو بثه عن الانتحار قبل انتحاره بيوم واحد (23) لم يتوقف، ومن المحتمل ألا يتوقف بأميرة يحيى الفتاة العشرينية، فوطأة المجتمع الطاحن قد أتت على أحلام هؤلاء الشباب بحياة كريمة يحيونها. فعلى الشاشات كل يوم تخبر النشرات بقصص من أنهوا حياتهم شنقا أو إلقاء بالنفس من المرتفعات أو باستخدام المبيدات والسموم (24)، لكن المفارقة أن جلّ هؤلاء لم يكملوا الثلاثين بعد، وتتنوع أحوالهم بين منزوٍ على ذاته أو مشارك في الحياة العامة، وكأن الانتحار لم يستثن أحدا.

 

  

من الشباب المأزوم إلى البوح على منصات التواصل الاجتماعي

اعتُبر الانتحار بين الشباب العربي في الآونة الأخيرة ضربا من ضروب البُطولة والشجاعة، إذ لا يقدم على الانتحار في أعين كثير من الشباب إلا أهل الجرأة الذين يقابلون الموت بصدر مفتوح، بينما أصدقاؤهم خائفون رغم بغضهم للحياة، فهم لا يملكون الشجاعة الكافية لمواجهة المجهول مثل أصدقائهم، وهي الفكرة التي دندن حولها عدد من علماء نفس الجماهير وإلف الناس للصور المكررة بينهم(*****). فقد أصبح الانتحار حدثا نضاليا، وربما جذابا لكثير من الشباب العربي الذين وقعوا في تراجيديا مع الانتحار، وقعوا في فخ الصورة وتزييفها للواقع كما حذر كثيرا الفيلسوف الفرنسي جان بوديار (25).

 

في منشور على فيسبوك للمدون محمد خميس تتبع فيه انتحار الشباب من جهة اجتماعية وانطلق من أزمة جيل الثورات ومنصات التواصل الاجتماعي التي ساعدت في انتشار ظاهرة الانتحار بين الشباب بعد خيبات الأمل التي عصفت بهم (26)، وقد انهالت مجموعة واسعة من التعليقات الشبابية تعكس خيبة أملهم في أوطانهم وطموحاتهم الشخصية بعد فشل الثورات التي كانت بادرة الأمل والترقب عندهم (27)، أرجع عدد من المُعلقين أسباب الإحباط التي أصابت جيل الثورات إلى استبعاد الدين: "أغلب اللي بينتحروا عندهم معرفة علمية وثقافية كويسة.. دا لإنهم قرروا يتخذوا المنهج التجريبي في تسيير حياتهم، بسبب إنه أكتر منهج فعال في تغيير الواقع وإنتاج منتج حقيقي.. لكنه للأسف مش زي المنهج الديني.. لإنه مبيمنعش من الانتحار، ومبيديناش دفء وروحانية".

    

 

أما الآخرون فكان مردهم لظاهرة الانتحار يتمثل في انحلال القيم الذي صاحب الثورات: "حاليا فعلا بنعيش مخوخين من القيم والأفكار والحاجات اللي لحقنا آخر حبة فيهم، بس مش طايلين منهم حاجة دلوقتي، ولا عارفين نحلم ولا نحقق، الجيل الأكبر كان له ركائز، وإن اكتشف زيفها بعد كده.. كان ليه شخصيات بيثق فيها، وإن اكتشف نفاقها.. كان له أهداف.. كان متمرد حتى وهو بيُقمع.. عمل حاجة حتى وإن لم يكتب لها النجاح..

 

الجيل الحالي بقي لا لاقي ركائز ثابتة، ولا مبادئ.. كل المعاني بقت مايعة.. مالوش ولا واحد يثق فيه بعد ما اختفى الرأي الآخر من الصورة تماما.. لا قادر يرسم خريطة ولا يحدد هدف.. هو الطريق فين أساسا!"، وقد دندن آخرون حول تسارع الأحداث أمام هذا الجيل مما جعل وتيرة الأحداث أسرع من قدرته على تتبعها: "مشكلة الجيل ده هي إن طفولته كانت انفتاحة على العالم، وبالأخص بعد الثورة، وده خلاه لما كبر شاف قد إيه أحلامه البسيطة حقوق مكتسبة لغيره في مكان تاني غير هنا؛ التكنولوچيا جلبتله البؤس. الجيل ده عشان يرجع تاني محتاج يشوف معجزة بعينه، زي معجزات الأنبياء، ترجعله ثقته المفقودة".

   

لم يتوقف الأمر على منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، بل تعدى ذلك إلى استشارات عاطفية ونفسية واجتماعية لمن يُعرفون بمشايخ الآسك. إذ يطلب السائلون من هؤلاء الشباب المفتين أن يرشدوهم في حياتهم التي دُمرت، ففي غير سؤال يُعبر السائل بقوله: أعطني مبررا كي لا أنتحر.. هل ممكن أنتحر وأدخل الجنة؟! لماذا نعيش على هذه الأرض ويفعل بنا ما يُفعل؟!

  

وبذلك بات الانتحار ظاهرة مجتمعية ضاربة بجذور كثيرة، فالمنتحر ليس مريضا نفسيا كما يُشاع كثيرا، وإنما نتاج لبيئة مجتمعية مفككة، بيئة يرتفع فيها "المعدل المجتمعي للانتحار" بحسب تعبير دُوركهايم. أما المُقدِمون على هذا الأمر فهم شباب كان مفعما إبان الثورة بالحيوية والهمة للبذل، قبل أن يصل بهم الحال إلى تلك الحالة التي وصل إليها شباب الوطن العربي.

   

وما زال السؤال مستمرا.. لِمَ يدفع المجتمع أبناءه إلى الهاوية بيد باردة؟!

_____________________________________________________________________________________________

الهوامش

* السوسيولوجيا أو علم الاجتماع: هو العلم المعنيّ بدراسة الحياة الاجتماعية والجماعات والمجتمعات الإنسانية.

 

** إيميل دُوركهايم: فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، يُعتبر من الآباء المؤسسين لعلم الاجتماع، وكان من أول من أدخل المنهج الإمبريقي على هذا العلم، أشهر كتبه "قواعد المنهج في علم الاجتماع".

  

*** يمثل لها الغربيون دوما بالعمليات الاستشهادية التي كانت تتم ضد الإسرائيليين، فهم لا يرونها غير انتحار غير واعٍ، فلا معنى لديهم أن يُزهق إنسان روحه في مقابل كرامة أمته والجهاد لنشر دينه.

 

- راجع فتاوى يوسف القرضاوي عن هذه العمليات وردود الغربيين عليها

http://www.aljazeera.net/news/arabic/2001/4/21/القرضاوي-العمليات-الاستشهادية-من-أعظم-أنواع-الجهاد

  

**** إمبريقي، والإمبريقية هي توجه فلسفي يؤمن بأن كامل المعرفة الإنسانية تأتي بشكل رئيسي عن طريق الحواس والخبرة، وله اعتماد كبير على الدراسات الإحصائية في العلوم الاجتماعية.

 

انظر سيكولوجيا الجماهير لجوستاف لوبون، وعلم نفس الجماهير لسيغموند فرويد

المصادر

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار