اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/30 الساعة 16:15 (مكة المكرمة) الموافق 1439/12/19 هـ

انضم إلينا
الرعاية الاجتماعية في مصر: شريان حياة للشعب أم للنظام؟

الرعاية الاجتماعية في مصر: شريان حياة للشعب أم للنظام؟

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض

تمتلك مصر أحد أكثر أنظمة الرعاية الاجتماعية [وهي أحد أبسط نظم الرفاهية الاجتماعية] شمولية في أفريقيا والشرق الأوسط. وقد ظهر هذا النظام مع بداية الجمهورية المصرية في عام 1953. ومع ذلك، فقد أثبت نظام الرفاه هذا أنه غير قادر على تخفيف حدة الفقر أو تحسين العدالة الاجتماعية في البلاد. ولذلك، فإن السؤالين الرئيسيين اللذين تناولتهما هذه الورقة البحثية هما: إلى أي مدى استخدم نظام الرعاية الاجتماعية في مصر كأداة لإضفاء الشرعية على السلطوية؟ وإلى أي درجة أفاد هذا النظام المصريين الفقراء؟

  

تكمن أهمية هذا البحث في عدة أسباب: أولاً، يسعى إلى المساهمة في سد الفجوة الأكاديمية في دراسة الرعاية الاجتماعية في البلدان غير الديمقراطية. تستند الأدبيات الحالية في الغالب على النظم الديمقراطية، وهذا البحث عبارة عن محاولة للحد من هذا الانحياز الديمقراطي. ثانياً، يقدم رؤى جديدة لفهم أحد الطرق التي تشكل بها الرعاية الاجتماعية شريان الحياة -ليس للشعب- ولكن للحكام السلطويين. وأخيراً، قد تكون هذه الورقة ذات قيمة عملية بالنسبة لصانعي السياسة المعنيين بتحسين برامج الرعاية الاجتماعية في مصر.

  

تبدأ هذه الورقة بمراجعة أدبية حول السياسات الاستبدادية للرعاية الاجتماعية، ثم تستعرض سرد زمني لكيفية استخدام حكام مصر الرعاية الاجتماعية كأداة لإضفاء الشرعية. ثالثاً، تم مناقشة أوجه القصور والمكونات غير الحكومية للرعاية الاجتماعية في مصر.

    

    

مراجعة الإنتاج الفكري

تركز الأدبيات المتعلقة بالرعاية الاجتماعية في المقام الأول على البلدان الديمقراطية والصناعية؛ لا يقتصر ذلك على استبعاد الدول غير الديمقراطية من تحليلها فحسب، بل تعتبر الديمقراطية أيضاً شرطاً أساسياً لتنمية الرعاية الاجتماعية. وفقاً لغوستا إسبنغ-أندرسون، يتناقض هذا التصور مع "الغرابة التاريخية التي حدثت في أولى مبادرات الرعاية الاجتماعية الكبرى قبل الديمقراطية وكانت مدفوعة بقوة لتحقيقها". ومع ذلك، شددت إيزابيلا مارس وماثيو كارنز على احتضان الدول غير الديمقراطية للرعاية الاجتماعية، حيث خلصا إلى أن "الاختلاف الوحيد عن نمط التبني الاستبدادي الأول [لبرامج الرعاية الاجتماعية] هو التأمين ضد البطالة".

 

بينما تسلط المؤلفات المهيمنة على الرفاهية الديمقراطية الضوء على تجربة بناء الدولة في أوروبا الغربية، كان من المدهش أن حتى الأبحاث النادرة حول الرفاهية السلطوية فشلت في تفسير الاختلافات التاريخية في ظهور الدولة القومية السلطوية وتأثيرها على تطوير نظم الرعاية الاجتماعية. وهذا عيب كبير في الأدبيات بلا شك لأنه بالنسبة لبعض الدول الاستبدادية فإن فشل أنظمة الرعاية الاجتماعية الخاصة بها متأصل جزئياً في العوامل الخارجية لنشأة دولهم القومية.

  

يذكر وضاح شرارة مشيراً إلى الدول العربية أن "ما يميز [الدولة العربية] تاريخياً هو أن هذه الدولة لم تظهر نتيجة صراع داخلي كان قد قسم المجتمع وتكتلاته، بل على العكس من ذلك، ولدت الدولة في مجتمعاتنا كقوة 'خارجية'، مما يجعلها هامشية بالمعنى الحرفي. ولم تنجح في التغلب على تهميشها حتى في ذروة هيمنتها".

 

بالاعتماد على تصور شرارة، أبرز نزيه أيوبي الفروقات بين الدولة "الضارية" و"القوية". يفترض أيوبي أن الدولة الضارية غالباً ما تكون عنيفة لأنها ضعيفة هيكلياً. بعكس ذلك، فإن الدولة القوية لا تتصف بقدرتها على الإكراه، ولكن بقدراتها الاستخراجية والتنظيمية على التغلغل في المجتمع والعمل معه. وبقدر ما يتعلق الأمر بالرعاية الاجتماعية، فإن القوة الاستخراجية للدولة -عن طريق الضرائب المباشرة- هي أهم قدرة على المدى الطويل، خاصة بعد توقف تأجير الموارد المحلية للعملاء الخارجيين [فيما يسمى الدولة الريعية وهي الدولة التي تستمد كل أو جزء كبير من إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين].

     

وضاح شرارة  (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

توضح فرضية أيوبي ببراعة غياب الضرائب كمصدر رئيسي لتمويل البرامج الاجتماعية في الدول العربية. فمصر على سبيل المثال، كانت بين عامي 1978 و 1985 تتبوأ أدنى الترتيبات على مستوى العالم من إيرادات الضرائب المحلية كنسبة مئوية من إجمالي الإيرادات. وعلى نحو مختلف، كان فرض الضرائب والإيرادات الضريبية في صميم ظهور المواطنة وعصرنة الدول الأوروبية وتعزيزها.

 

وفقاً لتوماس مارشال، فإن للمواطنة ثلاثة جوانب: المدنية والسياسية والاجتماعية. يعرّف المواطنة الاجتماعية على أنها "النطاق الكامل من الحق في قدر من الرفاهية الاقتصادية والأمن إلى الحق بالعيش حياة متحضرة وفقاً للمعايير السائدة في المجتمع". هذا التعريف يتناقض مع مفهوم إسبنغ-أندرسون لـ"خفض القيمة"[1] الذي يتطلب "إمكانية المواطنين الانسحاب من العمل عندما يرون أنه ضروري، بحرية ودون خسارة محتملة في العمل أو الدخل أو الرفاهية العامة". إن خفض القيمة هي خاصية أساسية لدولة الرفاهية الحديثة و "هدف أساسي للديمقراطية الاجتماعية". في العالم الصناعي، أبرزت الاختلافات في تطوير حقوق خفض القيمة -بين البلدان ذات النقابات العمالية المنظمة بشكل جيد وغيرها من البلدان ذات الحركة العمالية المجزأة- الدور البارز للعمل المنظم في دفع سياسات الرفاه الاجتماعي.

  

على الرغم من أن الأدبيات الحديثة للرعاية الاجتماعية تميل إلى التأكيد على دور جماعات المصالح في توسيع نظم الرعاية الاجتماعية الغربية، فإن الأدبيات التقليدية تدرس باستفاضة الدور الحاسم لعمل العمال والأحزاب اليسارية في تطوير توفير الرعاية الاجتماعية في الديمقراطيات. من بين التفسيرات النظرية لدور العمل هو "نموذج موارد السلطة"[2] الذي اقترحه والتر كوربي، والذي يشير إلى أنه "في المساومة المجتمعية الثلاثية بين الدولة والعمالة ورأس المال، كلما قلت عوائق موارد السلطة لدى الحركة العمالية كلما زاد احتمال وقوف ممثلي الدولة في صف العمالة في المفاوضة الثلاثية".

  

يعكس هذا الافتراض حقيقة أنه في ظل الديمقراطية، يمكن أن تؤثر الضغوط من الأسفل على المؤسسات السياسية وسياساتها الاجتماعية. ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية غير صالحة في ظل السلطوية  حيث يتم استخدام العمل المنظم كأداة لخدمة النظام الحاكم. من غير المتصور أن يسمح النظام السلطوي لحركة عمالية مستقلة بالازدهار وتحدي سلطته. كما توضح إيفا بيلين ومارشا بوسوزني، لذلك ينظر الحكام الاستبداديين في الشرق الأوسط إلى مبادرات العمل المستقل كمنظمات مناهضة للحكومة يجب إبادتها.

 

في الواقع، بعد شهر واحد من استيلاء الضباط الأحرار في مصر على السلطة وتفكيك الملكية في عام 1952، تم اعتقال اثنين من عمال النسيج -وهما محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري- وحُكم عليهما بالإعدام بسرعة بعد مشاركتهما في احتجاج عنيف طالب باتحاد عمالي منتخب بحرية وبزيادة الأجور. ليس من المستغرب إذن أن يميل العمل المنظم في الدول الاستبدادية إلى أن يكون مؤسسة مؤيدة للحكومة ومن المرجح أن يتم تعيين قادته من قبل النظام نفسه. وبالنظر إلى مدى تأثير العلاقة بين العمل والحكومة على الرفاهية الاجتماعية، استبعد ألكسندر هيكس البلدان المستبدة من تحليله للرفاه الأوروبي في فترة ما بين الحربين العالميتين بسبب اختلاف ديناميات الحكومة العمالية لديهم.

    

   

    

أخيراً، هناك جدال متواصل في الأدبيات حول ما إذا كان الانفتاح السياسي يسهل توسيع دولة الرفاه الاجتماعي. وفي هذا الصدد، فإن النظرة السائدة هي الرأي الذي يدعم تصور واضعي نظريات العصرنة بأن الديمقراطيات ستوفر مستوى أعلى من الخدمات العامة مما ستفعل أنواع الحكومات الأخرى كما أشار دافيد ليك وماثيو باوم. أما الرأي المعارض -كما اقترحه هارولد فيلينسكي- يشير إلى أن مستوى التنمية الاقتصادية -وليس نوع النظام السياسي- هو صاحب التأثير الكبير على نفقات الرعاية الاجتماعية.

  

من عبد الناصر إلى مبارك: مسار التبعية والتغيرات في الرعاية الاجتماعية المصرية(3)

الرعاية الاجتماعية في ظل النظام الملكي ونظام عبد الناصر
في ظل النظام الملكي، شهدت مصر بعض الأشكال المحدودة للغاية للسياسة الاجتماعية. ﻋﻟﯽ ﺳﺑﯾل اﻟﻣﺛﺎل، ﺗم وضع ﺑرﻧﺎﻣﺞ ﻟﻟﻣﻌﺎش اﻟﺗﻘﺎﻋدي ﻓﻲ ﻋﺎم 1854 ﻟﮐﻧﮫ ﻏطﯽ ﻓﻘط اﻟﻣوظﻔﯾن اﻟﻣدﻧﯾﯾن واﻟﻌﺳﮐرﯾﯾن. في أوائل القرن العشرين، تم تقديم سياسات اجتماعية تقدمية إلى الحكومة، ولكن تم رفضها من قبل المُلّاك والطبقة الصناعية المحدودة التي اعتبرت أن ظروف العمل في مصر مختلفة عن تلك الموجودة في أوروبا وأن "العامل المصري كان مختلفاً عن نظيره الأوروبي، مع وجود احتياجات أكثر محدودية وأفق اجتماعي أكثر تقييدًا" كما ذكر الدكتور جودة عبد الخالق وروبرت تينغور في كتاب "الاقتصاد السياسي لتوزيع الدخل في مصر".

 

وبالتالي، يمكن القول إن انقلاب عام 1952 كان نقطة انطلاق نظام الرفاهية الحديثة في مصر. في بيانهم للمصريين، أعلن الضباط العسكريون "تحقيق العدالة الاجتماعية" على أنها إحدى المبادئ الستة التي قاموا بالانقلاب العسكري لأجلها. أشار اللواء محمد نجيب -أول رئيس للجمهورية- إلى أن الضباط الأحرار سعوا إلى وضع نظام "يحق لكل المواطنين فيه الحماية من ويلات البطالة والمرض والشيخوخة".

 

وقد تردد صدى هذا الالتزام في خطاب جمال عبد الناصر في الثلاثين من أبريل/نيسان 1954 حيث صرّح: "لا أستطيع فهم كيف يمكن أن تكون هناك حرية إذا لم أكن حراً في كسب قوتي والعثور على عمل". على الرغم من هذا الخطاب المتعلق بالعدالة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية، لم تنفذ الحكومة الثورية أي إصلاح اجتماعي كبير باستثناء الإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين الفقراء. بعد أن فاز عبد الناصر بالكفاح ضد نجيب، أكد الدستور المصري لعام 1956 على حق كل مواطن في الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والإسكان والتعليم.

     

جمال عبدالناصر، الرئيس المصري السابق (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

ومع ذلك، فقد حدث التغيير الدراماتيكي في المناخ السياسي والاقتصادي لمصر -وبالتالي في الرعاية الاجتماعية- عندما قام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس في عام 1956. وقد أدى العدوان الثلاثي اللاحق لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر السماح للنظام مواصلة تأميم العديد من الشركات المحلية والأجنبية في البلاد. ومهدت مصادرة هذه الأصول الطريق للحكومة لترسيخ صورتها المهيمنة على الاقتصاد لوحدها. مع بدء عبد الناصر ثورته في التصنيع، كان من الضروري توسيع نطاق الرعاية الاجتماعية لدعم هذا المشروع.

   

من أجل كسب عمال مصر إلى جانبه، قدم النظام الأمن الاجتماعي والاقتصادي إلى جانب التمثيل الرمزي للحركة العمالية مقابل السيطرة عليها. لم تكن العمالة المنظمة ممثلاً مستقلاً إذن، بل كانت فاعلاً موالياً للحكومة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تطبيق "الاشتراكية العربية" من جانب عبد الناصر سمح للحكومة بإضفاء الشرعية على حكمها من خلال توفير أحكام رعاية سخية. نتج عن كل هذه التطورات نظام رعاية مزدهر تألف من برامج التصنيع والبرامج المتبقية (برامج الحماية الاجتماعية).

  

وكان الهدف من البرامج المتبقية -مثل الرعاية الصحية المجانية- استهداف الطبقات الضعيفة ولا صلة مباشرة لها بجهود التصنيع. على النقيض من ذلك، تم تصميم برامج التصنيع لدفع خطط التحديث من عبد الناصر. مثال على ذلك هو برنامج التأمين الاجتماعي الذي يتكون من خمسة مخططات: إصابات العمل، الشيخوخة، العجز والوفاة، البطالة والتأمين الصحي. وقد أفاد هذا البرنامج بشكل رئيسي عمال المدن، وخاصة العاملين في الحكومة والشركات المملوكة للدولة.

  

غير أن غالبية موظفي القطاع الخاص لم يشملهم البرنامج لأن أصحاب العمل لم يشاركوا في البرنامج بهدف خفض التكاليف. وسيستمر هذا التوجه في المستقبل بسبب فشل المنظمة الوطنية للتأمين الاجتماعي -وهي الهيئة الحكومية المسؤولة عن البرنامج- في الإشراف الفعال على أرباب العمل في القطاع الخاص.

  

في ظل نظام عبد الناصر، لم يتم تحديد برامج الرعاية الاجتماعية مثل التأمين ضد البطالة بناء على التقلبات الاقتصادية فحسب، بل وفقاً للظروف السياسية أيضاً. كان هذا واضحاً عندما فقد العمال في منطقة قناة السويس وظائفهم بعد حرب عام 1967 بسبب نقل الأعمال إلى مناطق خارج نطاق مدن القناة. حصل هؤلاء العمال على تعويضات بطالة كبيرة وذلك لأنهم كانوا يحصلون على رواتب أفضل من غالبية الموظفين الآخرين في القطاع العام.

    

 

   

في ختام عصر عبد الناصر، قد يكون من الجدير بالذكر أنه على الرغم من أن برنامج التأمين الاجتماعي أفاد العمال المصريين، فقد خدم أيضا كآلية لتوجيه مساهمات من العمال والشركات الخاصة إلى الحكومة. وبما أن هذا البرنامج كان عبارة عن خطة مساهمة، فقد جمعت الحكومة هذه الإيرادات واستثمرت في مشاريع صناعية طويلة الأجل. وكما أشار الدكتور جرجس عبده مرزوق وبينت هانسن، فإن العائد على الاستثمار من الفائض من برنامج التأمينات الاجتماعية بلغ في عام 1961-1962 الذروة بمقدار 4.7 مليون جنيه مصري.

    

الرعاية الاجتماعية في ظل نظام السادات ومبارك

في أعقاب الانتصار على إسرائيل عام 1973، سعى الرئيس السادات إلى تقوية علاقات مصر مع العالم وخاصة الولايات المتحدة. تزامنت التوقعات الجديدة المرتقبة لمصر مع اتجاه عالمي لإعادة هيكلة أنظمة الرعاية الاجتماعية بسبب انتشار الأجندة الاقتصادية الليبرالية الجديدة. في جميع أنحاء العالم.

    

لذلك، بمجرد أن اتبعت حكومة السادات هذا الاتجاه وتبنت سياسة اقتصادية مفتوحة "سياسة الانفتاح"، ازدادت فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء. لذا، بينما اكتسب عدد قليل من الطبقة العليا فوائد من "الانفتاح"، واجه باقي السكان تضخماً كبيراً أضر بمستوياتهم المعيشية.

      

وعلاوة على ذلك، وفي أعقاب المبادئ التوجيهية لصندوق النقد الدولي، اندلعت "انتفاضة الخبز" في المدن الكبرى عندما حاولت الحكومة في عام 1977 رفع الدعم الغذائي. وقد أجبرت هذه الاحتجاجات الواسعة النطاق النظام على التراجع فوراً عن تخفيضات الإعانات وتجديد توفير الرعاية الشعبية، مما عزز بدوره استمرار مسار التبعية في نظام الرعاية الاجتماعية في مصر.

    

خلال عهد السادات، بدأت تنهار الخدمات العامة وبرامج الرعاية الاجتماعية؛ كما حدث في نظام الرعاية الصحية الذي "أصبح في حالة مزرية، وكانت معايير الصرف الصحي مروعة، والرعاية الطبية جيدة النوعية شبه غائبة والمعدات قديمة ومتهالكة" كما وصفه رايموند هينبوش. علاوة على ذلك، جعل الالتزام القاضي بالتوظيف العام لخريجي التعليم العالي الحكومة مليئة بموظفين لأكثر وإنتاجية أقل. ومع ذلك، كانت مرتبات العاملين في القطاع العام في ذلك الوقت أعلى بنحو مرة ونصف من مرتبات العاملين في القطاع الخاص.

      

دفع التدهور العام في مستويات معيشة أغلبية المصريين حكومة السادات -خاصة بعد انتفاضة الخبز عام 1977- إلى تعزيز السمات الشعبية لنظام الرعاية الاجتماعية الذي تم تأسيسه في عهد عبد الناصر. ما مكن الحكومة من تنفيذ تدابير رعاية توسعية هو زيادة الإيرادات الخارجية. وشملت هذه العائدات ارتفاع أسعار النفط وعودة السياحة بعد معاهدة السلام مع إسرائيل وإيرادات قناة السويس والمساعدات الخارجية.

   

أنور السادات، الرئيس المصري السابق (رويترز)

  

لذلك، واستجابة لعجز شرعية النظام، قامت حكومة السادات بتوسيع برنامج المساعدات الاجتماعية. ينص قانون رقم 30 لسنة 1977 على أنه يجب على الحكومة أن تقدم للذين لم يشملهم برنامج التأمين الاجتماعي مدفوعات غير قائمة على الاشتراكات ومدفوعة الوسائل، وأن تقدم الحكومة "منحاً عائلية" للنساء غير المتزوجات. بالإضافة إلى ذلك، قدمت الحكومة شبكة أمان جديدة "معاش السادات" كمخطط مباشر غير قائم على الاشتراكات لمساعدة الأشخاص العاملين. وقد برزت النظرة إلى المعاش التقاعدي الجديد كمصدر مهم للشرعية من واقع أن الرئيس وضع ربط اسمه به.

 

علاوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن تغييريْن من التغييرات الرائعة ميّزا الرعاية الاجتماعية في عهد السادات. أولاً، توسيع نطاق التأمين الاجتماعي ليشمل مجموعات لم يتم تغطيتها من قبل، مثل أصحاب العمل والعاملين لحسابهم الخاص والعمال المهاجرون المصريون والعمال المؤقتين. وزود البرنامج هذه المجموعات بثلاثة مخططات: معاشات الشيخوخة والعجز والوفاة. ثانياً، التحول التدريجي لنظام التأمين الاجتماعي الطبقي على نطاق واسع من "مخطط ممول بالكامل حيث يدفع الموظفون مساهماتهم التي ينبغي استثمارها ثم يعاد تسديدها كمعاشات إلى نظام ممول جزئياً في دفع الاستحقاقات أولاً بأول مع خطة مزايا محددة" كما ذكرت رانيا رشدي وإيرين سلوانس في ورقتهما البحثية عن التأمين الاجتماعي في سوق العمل المصري.

 

استمرت العديد من توجهات الرعاية الاجتماعية والسياسية تحت حكم السادات وتواصل تدهورها في عهد مبارك. على وجه الخصوص تهميش العمل المنظم واستبداله بطبقة أعمال تجارية جديدة والتي أقامت علاقات قوية مع النظام. كما تآكلت الهياكل السياسية والاقتصادية التي دعمت نظام السادات للرعاية الشعبوية في العصر الجديد. ومع ذلك، لم تكن التغييرات في الرعاية الاجتماعية في عهد مبارك دراماتيكية، بل كانت تعتمد على مسار التبعية.

 

عندما تقلد مبارك السلطة في عام 1981، كانت إيرادات الحكومة تمثل حوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن في أواخر العقد الأول من القرن الحالي، انخفضت الإيرادات إلى نصفها مقارنة بثمانينيات القرن العشرين. كما أوضح سامر سليمان في كتابه "خريف الديكتاتورية"، كانت مصر تمثل منذ منتصف السبعينيات: "نظاماً استبدادياً اعتمد استقراره على الدولة الريعية التي حصلت على جزء كبير من مواردها المالية من النفط وقناة السويس والمساعدات الخارجية". حقيقة أن إيرادات الحكومة تراجعت بمجرد انخفاض الدخل الريعي تؤكد فرضية نزيه أيوبي التي سبق ذكرها عن الدولة العربية الضعيفة التي يمكنها القمع والسيطرة بسهولة، بينما بالكاد تحصّل الضرائب.

   

حسني مبارك، الرئيس المصري السابق (رويترز)

 

رغم اعتماد نظام مبارك برنامجاً للتكيف الهيكلي[4] -والذي صممته جهات مانحة دولية في التسعينيات- لم تتحقق فوائد التحرر الاقتصادي. في الواقع، أكدت الدراسات الاستقصائية عن الإنفاق الأسري أن معدل الاستهلاك الفعلي للفرد قد انخفض بين عامي 1990 و 1996، مع زيادة النسبة المئوية للذين يعيشون تحت خط الفقر من 40% (في جميع المناطق) إلى 45% (في المناطق الحضرية) و 50% (في المناطق الريفية) خلال الفترة نفسها.

  

ونتيجة لذلك، زاد عدد الأشخاص الذين سقطوا في براثن الفقر إلى جانب عدد الاحتجاجات ضد السياسات الليبرالية الجديدة، ولا سيما من جانب الطبقة العاملة. كان هذا تغييراً ملحوظاً في موقف العمالة المنظمة من تابعين مؤيدين للحكومة في عهد عبد الناصر، إلى مجموعة مهمشة في ظل السادات، إلى حركة مناهضة للحكومة في عهد مبارك.

 

في ظل هذه الظروف، كان الحفاظ على برامج الرعاية الشعبوية هو السبيل الوحيد لإضفاء الشرعية على حكم مبارك الذي لا يحظى بشعبية على نحو متزايد. ولذلك، رفضت حكومة مبارك -رغم الضغوط المستمرة من الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي- إصلاح برنامج الدعم الغذائي أو تغييره بشكل كبير. ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ، وﺑﺎﻟﺘﻌﺎون ﻣﻊ اﻟﺒﻨﻚ اﻟﺪوﻟﻲ، ﺗﻢ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ ﺟﺪﻳﺪ ﺸﺒكة اﻷﻣﺎن إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ الدعم الغذائي واﻟﻤﺴﺎﻋﺪة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻤﺴﺎﻋﺪة ﻓﻲ ﺗﺨﻔﻴﻒ اﻟﻔﻘﺮ اﻟﻮاﺳﻊ اﻟﻨﻄﺎق "اﻟﺼﻨﺪوق اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻠﺘﻨﻤﻴﺔ". ومع ذلك، انهى قانون العمل الجديد في عهد مبارك الأمن الوظيفي والتزام الدولة بالتوظيف العام لخريجي التعليم العالي.

  

على الرغم من أنه كان من الواضح لحكومة مبارك أن غالبية برامج الرعاية الاجتماعية -إن لم يكن كلها- كانت مختلة وظيفياً وغير فاعلة، كان رد النظام هو الامتناع عن القيام بأي إصلاح جدي كان من الممكن أن يحسن حياة الناس. ذلك لأن تحالف الرأسماليين المحبوبين والحاكم السلطوي كان لديهم حافز قوي للحفاظ على الوضع الراهن وتجنب أي إصلاح قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية يمكن أن تعطل امتيازات التحالف.

 

بمعنى أن حكومة مبارك أعطت الأولوية لبقائها واعتبرت أن نظام الرعاية الاجتماعية غير الفاعل هو أداة للحفاظ على النظام السياسي. لم يتعامل النظام بصدق مع مشاكل البلاد؛ أدت هذه المشاكل التي تم تجاهلها في نهاية المطاف إلى تحفيز ملايين المصريين للنزول إلى الشوارع لإسقاط حكومة مبارك الذي تم الإطاحة به في عام 2011. لقد ذهب مبارك لكن المشاكل -التي يطرحها القسم التالي- لا تزال قائمة.
    

    

أوجه القصور في نظم الرعاية الاجتماعية

يجادل ماركوس لوي بأن عدم قدرة أنظمة الضمان الاجتماعي في مصر على تحسين توزيع الدخل أو الكفاءة الاقتصادية هو لأنهم "غير فعالين وغير منصفين بحد ذاتهم". على الرغم من أن مشاكل رفاهية مصر معقدة للغاية، يمكن ترتيبها ضمن خمسة أوجه قصور رئيسية: التجزئة، سوء الإدارة والتغطية المحدودة، عدم الكفاءة وعدم المساواة، فوائد منخفضة، ونسب الإعالة العالية.

 

أولاً: تجزئة برامج الرعاية الاجتماعية

بما أن مصر لديها ست خطط تأمين اجتماعي مختلفة تختلف اختلافاً كبيراً من حيث اتساع الفوائد والمخاطر التي تتم تغطيتها، فقد يكون من غير الدقيق الحديث عن نظام تأمين اجتماعي مصري. هذه المخططات الستة حسب الأطراف المؤمن عليهم هي: (1) موظفي القطاع الحكومي والعام والخاص. (2) أعضاء بعض النقابات المهنية والموظفين في الشركات الأجنبية والمصرية الكبيرة؛ (3) المهاجرون المصريون والعاملين لحسابهم الخاص وأصحاب العمل؛ (4) أرباب العمل والموظفين ذوي الدخل العالي بما يكفي لتوسيع الأحكام في المخطط السابق؛ (5) عمال القطاع غير الرسمي؛ و(6) أفراد الجيش والموظفون ذوي المناصب العالية. يتمتع المخطط السادس بالأحكام الأكثر شمولاً وسخاءً، وهو مخطط غير قائم على المساهمة ويتم تمويله من خلال الضرائب، ولا يتم الإشراف عليه من قبل الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.

 

نجد في جانب آخر للتجزئة إدارة "قطاع الرعاية العامة" من خلال ثلاث هيئات مختلفة: وزارة التأمينات والشؤون الاجتماعية؛ وزارة الأوقاف، وبنك ناصر الاجتماعي. وعلى نحو مختلف، تدير وزارة التجارة والتموين برنامج الدعم الغذائي، في حين يشرف رئيس الوزراء على الصندوق الاجتماعي للتنمية مباشرة. وبالمثل، فإن قطاع الصحة في مصر مجزأ إلى خمسة أنظمة، كل منها متاح لمجموعة معينة من السكان. على سبيل المثال، يتلقى أفراد الجيش والموظفون ذوي المناصب العالية خدمات صحية من الدرجة الأولى في مستشفيات حصرية التي تمولها أموال الضرائب، في حين أن المستشفيات العامة التي تديرها وزارة الصحة والسكان في حالة يرثى لها.

  

ثانياً: سوء الإدارة والتغطية المحدودة

كما ذكرنا سابقاً، تتمتع مصر بسلطة ضعيفة لاستخراج الضرائب. وهذا ما يفسر كيف أصبحت رواتب الموظفين والأجور التي لا يتم الإبلاغ عنها (تسجيلها رسمياً) ممارسة شائعة في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، يتجنب العديد من أرباب العمل والموظفين التسجيل في التأمين الاجتماعي إما بسبب شكوكهم بشأن عائدات المساهمات أو معدلات المساهمة العالية. بشكل عام، مع خصخصة المؤسسات العامة، انخفضت نسبة العمال المؤمّنين إلى إجمالي العمال من 51.6% في عام 1998 إلى 41.8% في عام 2006.

  

ثالثاً: عدم الكفاءة وعدم المساواة

تمنح معظم أنظمة الرعاية الاجتماعية في مصر ميزات للطبقات العليا والمتوسطة في المناطق الحضرية بينما تميز ضد الفئات الفقيرة والمهمشة، وتعتبر النساء الأكثر حرماناً ضمن هذه الفئات. تعيش أكثر من ثلث الأسر المعيشية التي ترأسها نساء تحت خط الفقر. وينعكس هذا القصور أيضاً في حقيقة أن فوائد التأمين للأغنياء ونخب الدولة أكثر سخاء بكثير من تلك التي للفقراء.

 

رابعاً: فوائد منخفضة

في بلد خاضع لمعدلات تضخم مرتفعة، فإن معادلة التقاعد التي لا تنص على تعديل تلقائي للتضخم تعني أن معاشات المستوى الحقيقي ستكون أقل بكثير من خط الفقر بالنسبة للعديد من الأسر. على سبيل المثال، إذا كان المصاب قد أصيب أو قُتل في سن مبكرة، فإن المساهمات المتراكمة كانت منخفضة للغاية بحيث لا يستطيع أفراد عائلته البقاء على قيد الحياة فقط على استحقاقاته.

     

    

خامساً: نسب الإعالة العالية للتأمين الاجتماعي

على الرغم من امتلاك البلد نسبة عالية من الشباب، إلا أن نسبة المستفيدين من البرنامج إلى السكان بلغت 38% في عام 1998. وقد تضخمت هذه النسبة جزئياً بإدخال خطط التقاعد المبكر في التسعينات لتسهيل خصخصة المؤسسات العامة.

 

خليط الرعاية الاجتماعية في مصر

من خلال استعارة مصطلحات إيان غوف في كتاب "سياسات الرعاية غير الاجتماعية"، يمكن للمرء أن يقول إن مصر لديها بالفعل مزيج من الرعاية الاجتماعية أو أنظمة أمنية غير رسمية. وتشمل هذه الأنظمة مؤسسات رعاية غير حكومية، مثل مبادرات الأمن المجتمعية والأسرية، والتحويلات المالية، والمنظمات الدولية.

 

ومع ذلك، هناك العديد من أنظمة الحماية التي ترعاها الأسرة والتي ترتكز على المجتمع المحلي تجتمع مع برامج الضمان الاجتماعي العام، ولا يمكن للأولى أن تعوض عن فشل هذه الأخيرة. تقليدياً في مصر، كان من المفترض أن يدعم أفراد الأسرة والأصدقاء بعضهم البعض في الأزمات الاجتماعية، ومع ذلك، فإن هذه التحويلات الطوعية بين الأفراد تتراجع باستمرار بسبب استمرار تدهور مستويات المعيشة في البلاد. ووفقاً لتقرير التنمية البشرية (2008) عن مصر، فإن الرعاية الدينية تستند إلى أكثر من خمسين بالمائة من توفير الرعاية الاجتماعية للمجتمع المدني. رغم أن عيادات المنظمات غير الحكومية ليست منتشرة في مصر، إلا أن معظم العيادات الموجودة ترتبط بالمساجد والمؤسسات الدينية.

 

بالإضافة إلى ذلك، بما أن مصر أحد الدول الرائدة المصدرة للعمالة، فإن التحويلات المالية تمثل أكبر مصدر للنقد الأجنبي بعد الصادرات في البلاد. كما أنها تشكل مصدراً هاماً للدخل للعديد من الأسر. زادت تحويلات المهاجرين إلى مصر من 3.2 مليار دولار عام 1985 إلى 19.6 مليار في عام 2016.

  

أمل فيما يتعلق بالمنظمات الدولية، كان لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي تأثير كبير على الرعاية الاجتماعية في مصر منذ السبعينيات. زاد هذا التأثير بشكل كبير عندما وافق صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 على قرض لمدة 3 سنوات بقيمة 12 مليار دولار لمصر. ذلك لأن البلاد قد التزمت بمشروع الإصلاح الاقتصادي الذي يشمل وقف الإعانات المالية وزيادة الضرائب وتعويم العملة الوطنية[5]. وفور تطبيق هذا الأخير، خسر الجنيه المصري أكثر من خمسين في المئة من سعره مقابل الدولار، وبالتالي تضخم أسعار المواد الغذائية بنسبة 41 في المئة. وهذا يعني، كما يقترح البنك الدولي (2017)، أن "هذه الإصلاحات [الاقتصادية] تزيد من تفاقم الضغوط الاجتماعية" على السكان المثقلين بالفعل.

  

صندوق النقد الدولي (الجزيرة)

 

الخلاصة

كما رأينا في هذا البحث، فإن دراسة أنظمة الرعاية الاجتماعية في مصر قد أسفرت عن إجابات واضحة لأسئلة البحث التي وجّهت التحليل التاريخي والنظري في هذه الورقة.

  

أولاً ، كما كان مفصلاً في السابق، كان من الواضح أن جميع الزعماء السلطويين المصريين استغلوا أنظمة الرعاية الاجتماعية في البلاد كأداة لإضفاء الشرعية على حكمهم وتسهيل مشاريعهم السياسية. بالنسبة للرئيس عبد الناصر، تم تصميم برامج الرعاية الاجتماعية للتصنيع من أجل تطوير خطط التحديث. عملت هذه البرامج كآلية لتوجيه المساهمات من العمال والقطاع الخاص إلى الحكومة التي استثمرت فيما بعد في مشاريع صناعية طويلة الأجل.

 

بينما بالنسبة للرئيس السادات، كان واضحاً أن توفير الرعاية الاجتماعية هو أمر ضروري لتجنب عدم الاستقرار السياسي لا سيما في أعقاب أحداث شغب الخبز عام 1977. من أجل استرضاء السكان الذين تأثروا سلباً إلى حد كبير بسياسة "الانفتاح"، وسعت حكومة السادات تغطية التأمين الاجتماعي إلى المستفيدين الجدد ووسعت برنامج الدعم الغذائي وأدخلت أنظمة معاشات جديدة مثل "معاش السادات".

 

على نحو مختلف في ظل حكومة مبارك، تم تقليص دور الدولة في الاقتصاد إلى حد كبير بفضل أجندة ليبرالية عدوانية استفادت منها طبقة من أصحاب رؤوس الأموال المقربين من مبارك بينما عانى باقي السكان من الفقر. ولحماية امتيازات تحالف السلطة والثروة، كان مبارك متردداً في إصلاح أي من برامج الرعاية الاجتماعية غير الفاعلة التي قد تؤدي إلى احتجاجات شعبية على الرغم من ضغوط البنك الدولي على إصلاح هذه البرامج. قرر الرئيس مبارك أن يرأس دولة رعاية منهارة فقط من أجل الانتفاع السياسي.

 

وأخيراً، تبين أن أنظمة الرعاية الاجتماعية في مصر كانت إلى حد كبير فاشلة. ذلك لأن هذه الأنظمة شديدة الطبقية ومجزأة ومراقبة من قبل هيئات مختلفة وربما متنازعة فيما بينها. تميل أيضاً هذه الأنظمة للتمييز ضد المهمشين والريفيين والنساء، مع الكثير من المزايا السخية الممنوحة للأغنياء أكثر من المحتاجين. وبالإضافة إلى ذلك، تعاني هذه البرامج من التغطية المنخفضة التي غالباً ما تسفر عن فوائد منخفضة للغاية من غير المرجح أن تخفف فقر الأسر المعيشية بشكل ملموس أو تمكنها من تخفيف الآثار الطويلة الأجل للأزمات الاجتماعية.

----------------------------------------------------

الهوامش

[1] خفض القيمة (أو خفض السلعنة): هي قوة الاستحقاقات الاجتماعية ودرجة التحصين للمواطنين من الاعتماد على السوق.

[2] نموذج موارد السلطة: يتبع نظرية موارد السلطة وهي نظرية سياسية تقترح فكرة أن توزيع القوة بين الطبقات الرئيسية مسؤولة إلى حد ما عن نجاحات وفشل مختلف الأيديولوجيات السياسية. وتجادل بأن "أن سلطة الطبقة العاملة تتحقق من خلال التنظيم من قبل النقابات العمالية أو الأحزاب اليسارية، وتنتج نتائج توزيعية أكثر مساواة".

[3] التبعية: هي نظرية من مجال العلوم الاجتماعية، مفادها أن الفقر وعدم الاستقرار السياسي والتخلف في دول الجنوب يعود سببها إلى المسار التاريخي الذي رسمته لها دول الشمال، غير أن استحالة النمو بالنسبة لدول الجنوب قد دحضه الإقلاع الاقتصادي الذي حققته النمور الآسيوية في عقد الستينات وفي الصين والهند في عقد الثمانينات.

[4] برنامج التكيف الهيكلي: يتكون من قروض مقدمة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى البلدان التي عانت من أزمات اقتصادية.
[5] تعويم العملة: (أو سعر الصرف العائم) وهو سعر صرف العملة الذي طرأ عليه تعويم بحيث أصبح محرراً بشكل كامل، فلا تتدخل الحكومة أو المصرف المركزي في تحديده بشكل مباشر، وإنما يتم إفرازه تلقائيا في سوق العملات من خلال آلية العرض والطلب التي تسمح بتحديد سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية. وتتقلب أسعار صرف العملة العائمة باستمرار مع كل تغير يشهده العرض والطلب على العملات الأجنبية، حتى أنها يمكن أن تتغير عدة مرات في اليوم الواحد.


----------------------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار