هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
مهندسون وأطباء فقط.. لماذا هجر الإسلاميون دراسة العلوم الإنسانية؟

مهندسون وأطباء فقط.. لماذا هجر الإسلاميون دراسة العلوم الإنسانية؟

محمد فتوح

محرر رواق
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

"عندما أردنا أن ننفتح على العالم الجديد والجامعة، قلنا لأبنائنا: تعلموا الطب والهندسة، وخرجنا مجموعة كبيرة من شباب خدمي لا علاقة له بالفكر أصلا. بينما المدرسة التي من شأنها أن تُوجد مُغَيّري العالم هي مدرسة الفكر والعلوم الإنسانية، تلك التي هجرها الإسلاميون حتى أصبحوا عاجزين على فهم الحراك الاقتصادي والحراك الاجتماعي، لأننا لم ندرس الاجتماع ولا التربية ولا السياسة ولا الاقتصاد ولا العمران!"

    

   

جاءت هذه الكلمة على لسان عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة التونسية في أحد المؤتمرات التي عقدتها الحركة للشباب، معبرا فيها عن ما أسماه بالجنايات التي جنتها الحركة الإسلامية على شبابها.

 

لم يقتصر هذا الإقبال في القرن الماضي تجاه الكليات العملية على تيار الإسلام الحركي فحسب، وإنما امتد ليشمل سائر الحركة الإسلامية في الوطن العربي [أ] مثل التيارات السلفية، فبحسب أحد الباحثين فإن "من الأمور التي لازمت الصحوة الإسلامية في مصر وبعض البلاد التي تشابهها قضية إقبال كوادرها على كليات القمة العلمية التطبيقية كالطب والهندسة، واقتران هذا بخطاب شاع في هذه الفترة أننا نريد الطبيب المسلم، والمهندس المسلم"[1].

 

في مصر، ومع انتعاش التيار الإسلامي بعد الثورة، استضاف عمرو أديب ثلاثة رموز من التيار السلفي المصري وهم "محمد عبد المقصود، ومحمد يسري إبراهيم، وعبد المنعم الشحات"، طالبا منهم تعريف أنفسهم؛ ليثير تعريفهم لخلفياتهم الأكاديمية الاستغراب، وهو ما توقف عنده المذيع. فالأول حاصل على دكتوراة في الهندسة الزراعية، والثاني فقد جمع إلى الدكتوراة في الهندسة الكيميائية أخرى في الشريعة الإسلامية، والثالث مهندس حاسبات ومعلومات.

   

 

   

أما جماعة الإخوان المسلمين، والتي باتت تمثل لعقود الشريحة الأعرض من جماعات الإسلام الحركي، فإن خمسة عشر فردا من أصل ثمانية عشر في عموم الجماعة، ينتمون لخلفيات طبية وهندسية وتقنية بحسب آخر تمثيل رسمي لها قبل الانقلاب في مصر. وهو ما يعني أن ما يربو على 85% من صناع القرار داخل أكبر حركة إسلامية ينتمون إلى حقول الطب والهندسة والتقانة، متخففين من حقول الشريعة والقانون والاجتماع والاقتصاد والسياسة والفلسفة.[2]

  

لا يختلف الحال كثيرا فيما يتصل بحزب الحرية والعدالة، حزب الجماعة السياسي، فإن ستة من أصل سبعة من قياداته من خريجي كليات الطب والهندسة، والمفارقة بأن السابع من أعضاء اللجنة العليا صاحب التخصص الأدبي كان المسيحي المصري "رفيق حبيب" والذي تخرج في كلية الآداب وشغل منصب نائب رئيس حزب الحرية والعدالة.

    

جيل السبعينيات وإعادة التأسيس

"إن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تعد اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية. فالعلوم المادية تعتبر خطرا في مجتمع ما زال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم أو يتجاهلونها، فمعرفة إنسان للحضارة أشق كثيرا من صنع محرك أو تقنية متطورة!"

مالك بن نبي

    

   

منذ سبعينيات القرن الماضي، وصل مجموعة من الطلاب الإسلاميين الذين غلب عليهم التدين العام إلى الاتحادات الطلابية بالجامعة، والذين سيصبحون بدورهم قيادات طلابية فيما بعد. على رأس هؤلاء الشباب كان عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس اتحاد جامعة القاهرة، ورافقه في مسيره عصام العريان وحلمي الجزار، إذ كانوا جميعا في الجامعة ذاتها؛ بكلية الطب جامعة القاهرة.

 

وصل عبد المنعم أبو الفتوح لرئاسة اتحاد جامعة القاهرة، وبمجرد وصولهم لقيادة الطلبة ؛ فقد مَثّل ذلك نقلة نوعية في العمل الإسلامي داخل الحرم الجامعي في الأقطار المصرية جميعا، حيث تحولت الجامعة إلى ميدان للعمل الإسلامي والثوري العام، وباتت مسرحا للتدافع الفكري بين الإسلاميين والشيوعيين الذين تولوا مقاليد العمل الطلابي منذ عهد جمال عبد الناصر.

 

يقول عبد المنعم أبو الفتوح: "كان الفوز بمجلس اتحاد كلية طب قصر العيني عام 1973م بداية قوية أعطتنا دفعة هائلة للعمل داخل جامعة القاهرة ومنها للجامعات الأخرى".[3]

     

عبد المنعم أبو الفتوح  (مواقع التواصل )

   

وبعد نجاح الطلبة الإسلاميين في اختراق اتحاد الجامعة بالقاهرة، تم التوسع في باقي الاتحادات الطلابية، وهو ما نتج عنه في العام نفسه استحواذ الطلاب الإسلاميين على الاتحادات الطلابية في عموم جامعات مصر، وهو ما أدى إلى زيادة النشاط الإسلامي بين الطلاب في صفوف الجامعة.

 

 يواصل أبو الفتوح شهادته على هذه الحقبة قائلا: "كان دخولنا اتحاد الطلاب فرصة لزيادة نشاطنا في الجامعة، حيث يسرت لنا الميزانية الكبيرة لاتحاد الجامعة أن ننشر زيّ الحجاب بين الطالبات، وطبع سلسلة كُتيبات (صوت الحق) والتي صدر منها رسائل للإمام البنا، ونظريات الإسلام السياسية لأبي الأعلى المودودي، وهذا الدين والمستقبل لهذا الدين لسيد قطب، والطريق إلى الله للشعراوي وحجاب المرأة المسلمة لناصر الدين الألباني".[4]

 

هذا الجو العام، أدىأدى إلى زيادة أعداد المنتمين إلى التيار الإسلامي العام داخل أسوار الجامعة، وعلى الرأس منها الكليات العلمية، حيث كان عامة القيادات الطلابية من خريجي تلك الكليات، مثل الطب والهندسة والعلوم والزراعة، إذ بحسب شريف يونس فإن "تمركز الإسلاميين ونشاطهم تمركز في الكليات العلمية على وجه الخصوص. ومصداقا لذلك كانت الكليات العلمية هي التي شهدت أكبر سطوة للتيار الإسلامي".[5]

  

امتد انتشار التيار الإسلامي في الأوساط الطلابية من القاهرة والإسكندرية إلى سائر الأقاليم، إذ إن "مساحات من التغلغل في وسط الجامعة قد توسعت خارج القاهرة والإسكندرية عند طريق هضم طلبة الأقاليم للفكرة الإسلامية ونقلها إلى بلادهم"، بالإضافة إلى ذلك رفع السادات لشعارات صبّت في مصلحة الحركة الإسلامية بصورة من الصور، فنادى بأخلاق القرية وهاجم الشيوعيين الملاحدة.

   

عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس اتحاد الطلاب في مشادة كلامية مع الرئيس السادات  (مواقع التواصل )

     

تزامن هذا مع سياسة الدولة في الانفتاح الاقتصادي التي أيدها السادات، ما أدى بدروه إلى زيادة رصيد الوجاهة الاجتماعية للأطباء والمهندسين على وجه الخصوص، جاذبا شريحة أوسع من الشعب المصري: "فمع بداية السبعينيات تزامن صعود التعليم الهندسي مع صعود رأسمالية المقاولات التي كانت أكثر القطاعات استعدادا للاستجابة إلى محاولات السلطة لتحفيز نمو الرأسمالية الخاصة بعد التراكم الذي حققته في نهاية الستينيات. واعتمد تنفيذ سياسة الانفتاح عليها، فشهدت فترة السبعينيات صعود دور نقابة المهندسين، وبدا وكأن المهندسين وجمعية التخطيط المصرية قد مارسوا وأعطوا لأنفسهم حقا رقابيا على الدولة وسلطتها بحكم أنهم المنفذون لمشروعاتها الاستثمارية والتنموية"[6]، فسُمّي طلاب هذه الكليات بطلاب كليات القمة، وبات الوصول لها ذا وجاهة في ذاته، وهي الكليات التي استحوذ عليها الإسلاميون وحازوا الصدارة فيها.

 

جيل السبعينيات والمزيج الجديد

" تميز هذا الجيل بنسيج ديني وفكري مختلف، فقد جمع بين الصوفي والسلفي والجهادي والتبليغي والطبيب والمهندس، واستمر هذا النسيج المتفرد حتى حين امتزج كثير من أعضائه في جماعة الإخوان!"

حسام تمام عن جيل السبعينيات

 

يعتبر الراحل حسام تمام جيل السبعينيات هو الجيل الأهم في العمل الإسلامي الحديث، فهو بحسب تمام "جيل التأسيس الثاني للحركة الإسلامية بعد التأسيس الأول الذي قام به الإمام حسن البنا!"[7]، وهو ما سيجعل هذا الجيل -بحسب تمام- لاعبا أساسيا في الحالة الإسلامية فيما بعد على طريقة لم تكن معروفة بين الأجيال السابقة. فروّاده من خريجي الكليات العُليا والشهادات المرموقة والأطباء والمهندسين، وهو ما كان غريبا على جسم الحركة الإسلامية بالجيلين المؤسسين لها على يد حسن البنا وسيد قطب، "فلئن كان الجيل الأول كان (بنَّاويًّا) خالصا فقد حمل جيل الستينيات وربما الخمسينيات أيضا تأثيرات (قطبية)[ب] جعلته مختلفا عن سابقه، بينما انفتح جيل السبعينيات على مؤثرات ومدارس فكرية وشرعية أكثر".

   

الراحل حسام تمام  (مواقع التواصل )

   

يعتبر المستشار طارق البشري جيل السبعينيات قد صُبغ بصبغة متنوعة الميول لم تُعرف من قبل في مشاربها الفكرية والتعليمية والدينية: "فمن محمد الغزالي والسيد سابق والبهي الخولي، إلى عبد الحليم محمود وصوفيّته، وإلى السلفية التي حملتها أنصار السنة على يد الشيخ حامد الفقي، ثم الاحتكاك والتأثر بشريحة واسعة من المفكرين غير المصريين شرقا وغربا مثل أبي الأعلى المودودي ومالك بن نبي وغيرهم".[8]

  

وقد حمل أبناء السبعينيات أسماء ما زال لها حضورها في الحياة المصرية العامة إلى اليوم، أمثال عبد المنعم أبو الفتوح، وعصام العريان، وحلمي الجزار، وإبراهيم الزعفراني، ومختار نوح، ومحمد إسماعيل المقدم، وياسر برهامي، وطارق الزمر، وحمدين صباحي، وأمين إسكندر، وأبو العلا ماضي، وعصام سلطان، وغيرهم، وهو ما أتاح لهذا الجيل القدرة على العمل المشترك وتجاوز الخنادق التنظيمية والأيديولوجية على حسب وصف حسام تمام.

    

الحركة الطلابية من الجامعة إلى الفضاء العام

بعد تمكن طلاب الإسلاميين من مقاليد الاتحادات الطلابية، تم الإفراج عن معتقلي الإخوان الذين مكثوا في السجن طوال حقبة عبد الناصر، أو ما يُعرف باسم "جيل الستينيات" الذي نهل من مدرسة سيد قطب والتقى بحسن البنا.

  

انخرط هؤلاء الشباب في جماعة الإخوان[9] وهو ما أدى إلى خروج النشاط الطلابي من حيز الجامعة إلى الفضاء العام، وتحول هؤلاء الطلاب من قادة الحركة الطلابية إلى قادة العمل السياسي العام. يواصل عبد المنعم أبو الفتوح شهادته على التلاقي الذي حدث بين الطلاب وقادة الإسلاميين التاريخيين في هذا الوقت فيقول: "حدثت لنا فرصة كبيرة لنشر الدعوة بين الطلاب لوجود عدد من الكبار والمؤثرين الحريصين على الحضور معنا مثل الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم".

 

وامتزج العمل الطلابي بالطابع الثوري والفكري والسياسي، فحين منع السادات الشيخ محمد الغزالي من إمامة مسجد عمرو بن العاص، ليهاجمه عبد المنعم أبو الفتوح، بصفته رئيسا لاتحاد الطلبة، في زيارته له باستراحته في القناطر، واتهمه أبو الفتوح بتقريب العلماء المنافقين والتضييق على صوت المعارضة، وهو ما أغضب السادات فصرخ في أبو الفتوح قائلا: "الزم حدودك، وقف مكانك!".

   

لقاء تاريخي بين الرئيس السادات وعبد المنعم أبو الفتوح

   

كوّن هذا التماهي شكلا جديدا للعمود الفقري للجماعات الإسلامية، وهو ما سحب مفاصل الحركة الإسلامية من بساط الأزهر ودار العلوم وكليات الحقوق، كما كانت في السابق، إلى دائرة الكليات التطبيقية والتكنوقراطية والطب والهندسة.

 

الوجاهة المجتمعية في خدمة الدعوة

"إن العلوم الأخلاقية والاجتماعية والنفسية تُعد اليوم أكثر ضرورة من العلوم المادية، فالعلوم المادية تُعتبر خطرا في مجتمع ما زال الناس يجهلون فيه حقيقة أنفسهم أو يتجاهلونها، فمعرفة إنسان للحضارة أشق كثيرا من صنع محرك أو تقنية متطورة!"

مالك بن نبي

  

عامل آخر زاد من إقبال الإسلاميين على الكليات التقنية، تمثل في الوجاهة الاجتماعية التي تمنحها تلك الكليات لأتباعها، وهو ما يزيد من فرصة التأثير الدعوي على عموم الناس. تداخلت هذه الوجاهة الاجتماعية مع المعارك النقابية التي خاضها الإخوان، حيث تستلزم النقابات الفاعلة في أغلبها مؤهلات تقنية مثل نقابات الصيادلة والأطباء والمهندسين وغيرهم، وهو ما زاد من رغبة الأتباع للحصول على مواقع في هذه الكليات، والذي بدوره سيعزز وجودهم في هذه النقابات. صحب ذلك تزايد الدندنات حول شعارات مثل "الطبيب المسلم" و"المهندس المسلم" مما أدى إلى نوع من التماهي بين الاختيار الوظيفي ومتطلبات الدعوة، وصبغ سوق العمل بصبغة هوياتية أو معارك نقابية.

 

وعليه مثّل "الإقبال الكثيف من الإسلاميين على كليات مثل الطب والهندسة يسمح بتكوين رأس مال رمزي في المجتمع، ويعطي للطبيب والمهندس قوة في التعامل المجتمعي والتصدي في الشأن العام".[10] وقد حدث نوع من المماهاة بين التخصصات المهنية كالهندسة وبين الذكاء والتفوق العلمي والفكري، حتى باتت "من الأمور التي لازمت الصحوة الإسلامية في مصر وبعض البلاد التي تشابهها قضية إقبال كوادرها على كليات القمة العلمية التطبيقية كالطب والهندسة، واقتران هذا بخطاب شاع في هذه الفترة أننا نريد الطبيب المسلم، والمهندس المسلم"، وكلما زاد عدد الأتباع التكنوقراط، اعتبرت الحركة الإسلامية أن ذلك مكسبا اجتماعيا لها في مسيرتها المجتمعية والنقابية، بل والسياسية.

     

أثر انسحاب الإسلاميين من التخصصات غير التطبيقية

"وقع الإسلاميون في أزمة في الخيال والتصور، تجلت في تجاهلهم واجب التجديد المفاهيمي من ناحية، والاهتمام ببناء الأفكار وترتيبها من ناحية أخرى"

هبة رءوف عزت

     

   

أدى هذا الانسحاب من باقي الميادين، والانكفاء على "كليات القمة" إلى اعتبار دفع الأتباع للاشتغال بمباحث الفكر والفلسفة والاجتماع والأنثربولوجي وغيرها من العلوم الإنسانية "تنظيرا في الفراغ"، وضياعا للوقت، وتركا لساحات الجهاد العملي والمتمثلة عبر المجاهدات السياسية في جولات مجلس الشعب، والأدوار النقابية، والوجاهة الدعوية.

  

ليس ذلك فحسب، بل أصبح تنظير الإسلاميين كله مجرد خادم للحركة، ومبررا لوجودها ومنطلقاتها، وقد صحب ذلك ميل عام للخفة الأكاديمية في التنظير، كل ذلك مع ما تتيحه كليات "القمة" من تلك الوجاهة الاجتماعية لصاحبها، ليتراكم ما سبق مؤديا للتزهيد العام لدى الإسلاميين تجاه جامعات العلوم الإنسانية، بل "أصبح من الملاحظ أن يسوق كثير من الإسلاميين بأن يُسبق اسمه بحرف الدال، رغم أن الدال الذي يرمز إلى كونه طبيبا لا معنى لاستحضاره في سياق الدعوة والدين إلا من إرادة التأثير النفسي".

 

تتبع الباحث أحمد سالم الأثر الذي حَل بالإسلاميين لانقطاعهم عن العلوم الاجتماعية والمعارف الإنسانية والذي تمثل في: "فقر معرفي يعاني منه رموز الإسلاميين في مناحي الثقافة المختلفة سواء الشرعية فضلا عن الإنسانية، ولا يتوقف هذا على الأتباع، فقيادات التيارات تحتاج إلى تحصيل عالٍ جدا بنطاق العلوم الإسلامية والاجتماعية".[11]

 

ويواصل سالم أن الإبداع في العلوم التطبيقية لم يستطع عامة الإسلاميين تحصيله هو الآخر، إذ شغلهم الهم الدعويّ عن الإبداع التخصصي، فإن "أغلب المتخصصين في الطب والهندسة من الإسلاميين لم يتفوقوا تفوقا نوعيا، أو يحرزوا سبقا علميا إلا قلة قليلة بدوافع ذاتية بعيدا عن جماعاتها، وإنما كان تفوقهم خدميا وتقنيا كأي طبيب ومهندس آخر".  وجاهة ترتب على إثرها تصدر أطباء أو مهندسون أو خدميون لمهام الوعظ الديني أو القضايا التاريخية والفكرية فضلا عن السياسية داخل هذه التيارات الحركية.

    

الباحث أحمد سالم (مواقع التواصل )

   

ولم يُعرف لرموز لهم ثقل أكاديمي التصدر لقضايا فكرية في الفضاء العام إلا لأفراد كانوا على هامش هذه التنظيمات من حيث الاندماج الفاعل أو ابعتدوا عنها بعد فترة، بالإضافة إلى كون خلفياتهم الأكاديمية غير تطبيقية، مثل محمد عمارة، وطارق البشري، وفهمي هويدي، ويوسف القرضاوي، ومحمد سليم العوا، وغيرهم!

 

الفراغ المعرفي

منذ الثورة، اكتشف الإسلاميون الفجوة السحيقة التي وقعوا فيها، وهو ما دفع أتباعهم للتخصص في العلوم السياسية والإستراتيجية والاجتماعية، بيد أن الأداء السياسي، والذي حشدوا له كامل طاقات الأتباع من قبل كان عنوانه "الفشل الذريع"، وقد ظهر حينها الفقر المعرفي التام بوضوح في التعاطي مع الوضع الراهن بتقلباته وعلومه ومعارفه.[ج]

   

لم يتوقف الضرر على حد فقر الأدوات المعرفية للإسلاميين في هذه الأبواب فحسب، وإنما تعداه إلى فقر الخطاب المُوجه للأتباع، حيث اقتصر الخطاب للأتباع بصيغة عاطفية دون أساس معرفي يدعمه.

 

رصدت هبة رءوف في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين ذلك فتقول: "إذ إن هذا الفقر دفع البعض إلى القول بأن الفكر الإسلامي الحركي خرج بالسياسة من مساحة علم متخصص يجب أن يكتب فيه أهله وخبراؤه لتصبح شأنا عاما يستطيعه كل كاتب، فكانت النتيجة لغوا أيدلوجيا غزير الكم وفقير النوع، وإنتاج نص مغالٍ في السياسة، فاشل في تحقيق النهضة".[12] ومع تسارع وتيرة المعارك السياسية، أدى ذلك إلى "أزمة في الخيال الإسلامي، تجلّت في تجاهله واجب التجديد المفاهيمي من ناحية، وعدم الاهتمام ببناء الأفكار وترتيبها من ناحية أخرى".

   

وهو ما أنتج -بحسب رءوف- عقلية مشوهة في تعاملها مع المجتمعات الإنسانية القائمة أساسا على المتغيرات النفسية، فباتت تقيس النبض المجتمعي بلغة رياضية، فكان الضرر أكبر من النفع، "إذ إن العقلية العلمية والتقنية إن انتقلت للنظر في الاجتماع الإنساني لا بد لها من التخلص من أمور في منطق تفكير المعرفة التقنية، وإن لم تتخلص منها وتفصل بين نطاق المعرفة التقنية والمعرفة الإنسانية ستقع في إشكالات وأخطاء كثيرة وكبيرة، وكثير من هؤلاء الكوادر الإسلاميين لا يملك لا منطق المعرفة العلمية ولا الإنسانية، فإن مالك المعرفة التقنية لا يستطيع الفصل بينها وبين مجال الاجتماع الإنساني وطبيعته المختلفة عن المعرفة التقنية".[13]

 

ويتوالى التساؤل والجدل حول قدرة الإسلاميين على وضع حلول فاعلة قادرة على الخروج من الجمود، وعن قدرتهم على وضع المشاريع والخطط لشعوبهم دون امتلاك أدوات القوة الحقيقية؟ وعن المقدرة على فهم الواقع والتعاطي معه بشكل جيد دون امتلاك مفاتيح التأثير.

   

  

----------------------------------------------------------

الهوامش

 

أ- يمكن استثناء الحركة الإسلامية في الخليج، وهي قد ظلت في موطن التابع لا المتبوع لفترة طويلة على كل حال.

ب- نسبة إلى حسن البنا وسيد قطب.

ج- تشابه المواقف في سائر البلدان، وهو بعينه ما انتقده د. فريد الأنصاري في كتابه "الأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار