اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/10 الساعة 18:21 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/20 هـ

انضم إلينا
نوبل للاقتصاد 2017.. من سرق تذكرة السينما الخاصة بي؟

نوبل للاقتصاد 2017.. من سرق تذكرة السينما الخاصة بي؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
حسنًا، طالما أننا في أرض الاقتصاد فإن أفضل ما نبدأ به دائما هو لعبة، لنفترض أنك ذهبت إلى السينما  لمشاهدة أحد الأفلام عن ضابط شرطة فقد زوجته وأطفاله ثم قرر أن يترك وظيفته وينتقم من جميع المتسببين في ذلك خارج إطار القانون، هنا سوف تعطي بائع التذاكر مئة جنيه فيعطيك ورقة فئة خمسين جنيها وتذكرة ورقية، ثم تذهب إلى مدخل القاعة الخاصة بعرض الفيلم وإذا بك لا تجد تذكرة السينما، سوف تبحث هنا وهناك في كل جيوبك لكنك لا تجد التذكرة أبدا، فيطلب منك الحارس أن تذهب لتشتري أخرى جديدة، هل سوف تفعل ذلك أم سوف تذهب إلى المنزل؟

  

مشكلة تذكرة السينما
هنا يتدخل كل من دانيل كانيمان (Daniel Kahneman) من جامعة بريتش كولومبيا وأموس تفريسكي (Amos Tversky) من جامعة ستانفورد ليقولا بالتجريب(1) على عينة ضخمة من الطلبة إن هناك 54% من الناس سوف يقررون الذهاب إلى المنزل، لقد فشلت تلك السهرة بضياع التذكرة وانتهى الأمر، بينما يقرر 46% منهم شراء تذكرة جديدة والعودة إلى تلك القاعة، ذلك ربما هو رد فعل طبيعي، قد تتخذ أيا من جانبيه، لكن ماذا لو غيّرنا ظروف التجربة؟ ماذا لو قرر بائع التذاكر ألا يعطيك تذكرة، لكنه فقط يعطيك ورقتين فئة خمسين جنيها ثم يقول لك استبدل إحداهما بتذكرة عند باب القاعة، ثم عند الوصول إلى القاعة اكتشفت أنك قد أضعت إحدى الورقتين فئة الخمسين جنيها وبقيت واحدة فقط، هل سوف تأخذ التذكرة أم ستذهب إلى المنزل؟
  

للوهلة الأولى تبدو نفس اللعبة، إنها نفس الخمسين جنيها في كل الأحوال أليس كذلك؟! لكن حينما نقوم بالتجارب نجد(2) أن 88% من الأشخاص قد قرروا الاستمرار في خطتهم وشراء تذكرة بالمبلغ المتبقّي، بينما قرر 12% فقط منهم أن يعود إلى المنزل، رغم أن التجربة واحدة في الحالتين فإنك قد خسرت بالفعل خمسين جنيها من نقودك سواء ضاعت التذكرة أو ضاعت الجنيهات الخمسون، وذلك بالفعل هو رأي النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، فهي ترى أن النقود هي نقود، سوف يتعامل الناس معها على أن لها نفس القيمة مهما تغيرت حالتها، لكن ما الذي حدث هنا؟

   

تأثير النقود المنزلية، اصطلاح مأخوذ من عالم القِمار حيث يميل المقامر إلى اللعب بنقود المنزل بشكل أكبر، لأنه بشكل ما يتعامل مع ما حصل عليه من ربح وكأنه نقود وجدها في الشارع

رويترز
     

هنا سوف نلتفت إلى تفسير مختلف قليلا عما يمكن أن نتصور، إنه ما نسميه نظرية "المحاسبة العقلية/النفسية"(3) (Mental Accounting) التي صاغها ريتشارد ثيلر (Richard Thaler)، متخصص علم الاقتصاد السلوكي من جامعة شيكاغو، والحاصل على نوبل(4) اقتصاد 2017 منفردا، وهي تشرح كيف نقوم بتنظيم، صياغة، وتقييم قراراتنا المالية، حيث يظهر في النهاية أننا نضع أهمية أو وزنا مختلفا للمجموعات المختلفة من النقود الخاصة بنا رغم أنها نفس النقود، ويصنع ذلك مجموعة مختلفة من الحسابات لكل مجموعة مختلفة من تلك الأموال، ففي المثال السابق هناك حساب خاص بالتذكرة، إن حصلت عليها مرة فقد انتهى الأمر حيث كانت هناك فرصة واحدة، أما إن لم تحصل عليها فأنت ما زلت في حاجه إلى الحصول عليها لإشباع رغبتك.

   

لفهم أفضل هنا دعنا نراقب ما يحدث لنا عندما نربح بعض النقود بشكل مفاجئ، كأن تفتح عبوة المياه الغازية فتجد على الغطاء ما يشير إلى أنك قد ربحت مئة جنيه، أو أن تكون في أحد المراكز التجارية فتدخل مسابقة ما لتربح فورا مئتي جنيه لأنك أجبت عن سؤال يتضمن معرفة أغنية ما لأم كلثوم، هذه النقود غالبا ما يضعها الناس في حساب عقلي مختلف تماما فيسهل إنفاقها سريعا دون غيرها من النقود بالمنزل، إنها نفس الحالة حينما نجد نقودا في السترة الشتوية كنّا قد نسيناها، أو حينما نجد نقودا في الشارع، نحن نقوم بإنفاق تلك النقود بسهولة أكبر كثيرا من النقود العادية التي حصلنا عليها من عملنا كموظفين مثلا، رغم أنها جميعا نفس النقود، نقودنا.

      

نقود العطلة خط أحمر
ما يحدث هنا هو ما نسميه بتأثير النقود المنزلية(5) (House Money Effect)، وهو اصطلاح مأخوذ من عالم القِمار حيث يميل المقامر إلى اللعب بنقود المنزل بشكل أكبر، ويشير التأثير إلى أن المستثمر، أو الشخص العادي، قد يخاطر بشكل أكبر في الاستثمار بالأرباح التي حصل عليها، لأنه بشكل ما يتعامل مع ما حصل عليه من ربح وكأنه نقود وجدها في الشارع، أو حصل عليها في مسابقة ما، وهو هنا يتجنب ما نسميه "ألم الدفع" حيث لن ينقص شيء من حافظته إذا قام بإنفاق هذا المال، ويعني ذلك أنه في سوق الأسهم المالية مثلا، أو سوق العقارات، فإن المتفاعلين لا يتصرفون كوحدات حسابية عقلانية تتعامل فقط بمنطق المكسب والخسارة، وإنما يتصرفون في الأموال مختلفة المصدر بآليات مختلفة تبعا لحالات نفسية مختلفة!
   
نحن نضع النقود تبعا لمصادرها وأهميتها بالنسبة لنا في حسابات عقلية مختلفة، وكأن كلا منها موجود في وعاء منفصل لا يتدخل في أزمتنا الحالية (الجزيرة)
   
لهذا السبب قد تكون تحت طائلة دين ما ورغم ذلك فإنك لا تقوم بدفع هذا الدين من نقود العطلة المرتقبة، بل إنك قد تترك هذا الدين يتزايد مع وجود فائدة رغم ذلك، وهنا -إذ تلاحظ معي- فإنك مع بعض التأمل تجد أنك تتصرف بشكل غير عقلاني بالمرة، لكن ما يحدث هو أنك تصنع حسابات عقلية مختلفة للأشياء المختلفة، حساب للعطلة، للمدارس، للمصاريف اليومية، الأدوية، مع قوانين تمنع انتقال الأموال من حساب لآخر، يؤدي ذلك النمط غير العقلاني في بعض الأحيان إلى تكاليف زائدة عن الحاجة، في تلك النقطة دعنا نتأمل الفارق بين النقود السائلة، وبطاقات الماستركارد أو الفيزا.

     

سوف نفترض الآن أنك في أحد المحلات التجارية الخاصة بالأحذية، لوهلة توقفت أمام هذا الحذاء البديع هناك على الجانب الأيسر عند المرآة، إنه بالفعل لافت جدا للانتباه وقد أحببته، لكن المشكلة هي أن سعره غاية في الارتفاع مقارنة براتبك الشهري، لكن رغم ذلك نميل نحن البشر إلى شراء هذا الحذاء عبر بطاقات الائتمان، فرغم أنها نقودنا في كل الأحوال، وسوف يتسبب سعر هذا الحذاء في عجز بالميزانية الخاصة بنا، لكننا نميل إلى وضع النقود التي سوف ندفعها بعيدا في الزمن في حساب سهل الأخذ منه الآن.

    

يرتبط ما سبق بفكرة نعرفها جيدا عن الأرباح الحالية والمستقبلية، فنحن نود أن نحصل على 1000 جنيه اليوم بشكل أكبر من الحصول على 10000 جنيه آخر العام أو 100000 بعد عدة أعوام، نميل بشكل أكبر إلى الإنفاق على الأشياء قصيرة الأمد كالتدخين والمشروبات والحلوى أكثر من الخطط طويلة الأمد كالتعليم مثلا، فما هو أقرب يثير اهتمامنا وانتباهنا بشكل أكبر، في الاقتصاد الكلاسيكي يميل التحليل إلى حساب العامل الزمني بالفعل، لكنه لا يُدخل الحسابات العقلية في تحليلاته، بذلك يكون كل شيء الآن متساوي الأهمية، وكل شيء في المستقبل متساوي الأهمية كذلك.
  

   
وعلى الرغم من ذلك؛ يجد ريتشارد ثيلر مع رفيقه هيرش شيفرين (Hersh Shefrin) نظرية مختلفة(6) قليلا، فيقولان إنه على الرغم من أننا قد ننفق على الخطط قصيرة الأمد بشكل أكبر، لكن هناك فرصة لإيجاد حل لتلك المشكلة، فيقومان هنا بتقسيم النفس البشرية إلى نوعين متنافسين: نفس فاعلة (Doer-self) ونفس مخططة (Planner-self)، الأولى تهتم بالأهداف قصيرة الأمد، والثانية تهتم بالأهداف طويلة الأمد، وهنا يمكن لنظرية الحسابات العقلية أن تتدخل بدرجة ما للحد من الانسياق الدائم وراء الأهداف قصيرة الأمد بخلق حساب مختلف لأشياء طويلة الأمد فلا نأخذ منه، ويمكن كذلك للدولة، والمجتمع ككل، أن يتدخلا للحد من التطور في منحنى الأهداف قصيرة الأمد ودعم الأهداف طويلة الأمد عند المواطنين أو الشركات عبر قوانين معيّنة.

   

واحصل على الثالثة مجانا
في تلك المرحلة يمكن لنا التعمق قليلا في جوانب المحاسبة العقلية كالعادة مع لُعبة جديدة مثيرة جدا للاهتمام، سوف نفترض أنك تقف الآن في المركز التجاري، هناك بعيدا يوجد عرض على مجموعة من القمصان يقول إنك سوف تحصل على ثلاثة منها بسعر اثنين، ورغم أنك قد لا تكون في حاجه ماسة إليها الآن، ورغم أنك لن تشتريها إذا حدث وكُتب على السلعة سعرها مخفضا وليس كعرض، لكنك سوف تشتريها هذه المرة لأنها مقدمة في صورة (2 + 1 مجانا)، وذلك لأن هناك ما نسميه النقطة المرجعية(7) (Reference Point)، وهي الفكرة التي ارتكزت عليها من أجل اتخاذ قرارك المالي، وهي هنا ليست الثمن الذي سوف تدفعه بقدر ما هي أن تحصل على "أفضل صفقة"، هناك مثال آخر شهير يضربه لنا ريتشارد ثيلر.
   

لنفترض أنك تبحث عن هاتف نقّال لشرائه، تجد أن سعره في هذا المحل هو 1000 جنيه، وفي محل سابق هو 900 جنيه، هنا في معظم الحالات سوف تذهب إلى المحل السابق لشرائه بـ 900 جنيه، لكن إذا كان سعر الهاتف هو10000 جنيه، لكنك قد وجدته في محل سابق بـ 9900 جنيه، فأنت على الأغلب سوف تشتريه من هنا ولن تبذل الجهد للعودة إلى هناك، رغم أنها هي نفس مئة الجنيه، وما حدث هو ببساطة أنك لم ترتكز على تلك النقطة المرجعية الخاصة بالجمع والطرح، لكنك ارتكزت على نقطة مرجعية أخرى، وهي النسبة المئوية، 10% في الحالة الأولى تستحق أن نعود للمحل الآخر، لكن 1% فقط بالنسبة للحالة الثانية لا تستحق كل ذلك الجهد!

     

الحاجة إلى شيء ما ليست هي فقط المحرك لنا في اتخاذ قراراتنا المالية، بل إننا قد نضطر للامتناع عن مكافأة كبيرة، فقط لمعاقبة آخرين لأنهم ينتهكون القواعد العادلة للعبة

رويترز
      

مثال آخر شهير يحكي عن سائق سيارة أجرة يحاول تنظيم الوقت بين عائلته والعمل، فيقرر أن الوصول إلى مبلغ يومي ما، ليكن ثلاثمئة جنيه مثلا، يعني أن العمل انتهى وسوف نذهب إلى المنزل لقضاء بقية الوقت مع الأولاد، للوهلة الأولى تبدو خطة جيدة، لكن من وجهة نظر أخرى فإن ما يحدث هو أن سائق سيارة الأجرة يذهب إلى المنزل مبكرا جدا في الأيام التي يوجد بها عدد عملاء أكبر، وبالتالي أجر أعلى عن كل ساعة عمل، وكان من المفترض أن يستمر في العمل لكسب أكبر قدر ممكن من الأموال في أيام كتلك، الأعياد مثلا، بينما يذهب إلى المنزل متأخرا جدا في الأيام التي بها عدد عملاء أقل، وبالتالي أجر أقل عن كل ساعة، هنا تبدو الفكرة غير عقلانية من البداية!

   

دعنا الآن ننتقل إلى نقطة مرجعية غريبة(8) لم يكن لأحد أن يتصور وجودها في عالم المال والأعمال، بجانب عالم قراراتك المالية الخاصة بشراء سيّارة جديدة مثلا، وهي اعتبار الناس للعبة العادلة كجزء من تعاملاتهم المالية، حيث أثبتت تجارب ثيلر أننا في أثناء اتخاذ قراراتنا المالية نميل إلى وضع درجة كبيرة من الاهتمام حول مدى عدالة ما يحدث، فللوهلة الأولى تظن أنه بسبب ارتفاع الحاجة إلى المظلات أثناء المطر يمكن بسهولة للبائع أن يرفع السعر، لكن الأرقام هنا لا تتفق مع المتوقع، ذلك لأن الناس يظنون أن البائع يستغل حاجتهم، وبالتالي فهو غير عادل في قراره، ولذلك لن نشتري منه، رغم حاجتنا إلى المظلات.
     


      
ذلك أن الحاجة إلى شيء ما ليست هي فقط المحرك لنا في اتخاذ قراراتنا المالية، بل إننا قد نضطر لدفع مبلغ أكبر من المال، أو نضطر للامتناع عن مكافأة كبيرة أو ربح ما، فقط لمعاقبة آخرين لأنهم ينتهكون القواعد العادلة للعبة، بل ربما لا يحدث ذلك لأن تلك المشكلة تضرنا بشكل شخصي، ولكن ربما لأنها تضر آخرين لا علاقة لنا بهم، لكن النقطة المرجعية الخاصة بنا هنا لا تكون في المكسب والخسارة، ولكن فيما نرى أنه مُنصف!

     

هدية أمك الغالية
يرتبط بفكرة النقطة المرجعية تأثير آخر شهير مثير للانتباه ندعوه تأثير المنحة(9) (Endowment Effect)، لفهم ذلك دعنا نعود للتجارب، هناك مجموعتان من الأشخاص تم اختيارهم عشوائيا، الأولى سوف نعطيها أكوابا جميلة مزخرفة كهدية، ثم نخيّرهم إن كانوا يودون بيعها لأي من أفراد المجموعة الثانية، ذلك اختبار طبيعي، من المتوقع أن تكون نتيجته هي بيع نصف الأكواب تقريبا باتفاق كل من البائع والمشتري على سعر متقارب، لكن في الحقيقة فإن ما يحدث هو بيع عدد قليل جدا من الأكواب، وذلك لاختلاف السعر المطلوب في الكوب من البائع مقابل السعر المعروض من المشتري بشكل كبير جدا.
    

يعني تأثير المنحة أننا نميل إلى التأثر بشكل أكبر بالمشاعر السالبة من المشاعر الموجبة، فنقوم بتقدير ما نملك على أنه أغلى لأننا سوف نفقده، ونميل إلى تقدير ما نود أن نشتري على أنه أرخص، وتلك فكرة بديهية نعرفها، لكن ما لا ندركه هي أنها تتدخل لتحدد الكثير من قراراتنا المالية، فما نعتبره مكسبا أو خسارة لا يتحدد فقط بعمليات جمع وطرح منطقية محسومة مقدما، لكن نقاط مرجعية أخرى، كأهمية هذا الشيء بالنسبة لنا لأنه هدية أو له علاقة بتاريخ العائلة أو لأننا نحبه لأي سبب، يمنع عمليات تجارية كثيرة وربما كبيرة، ويصل ذلك إلى درجة الحد من تبادل السلع والخدمات بين الدول إلى مستوى أقل من المتوقع، مع صعوبة الفصل في النزاعات القانونية.

    

     

حسنا، هل ترى ذلك؟ ترتكز النظرية الاقتصادية الكلاسيكية -بشكل ضمني ربما- على قاعدة تقول إننا -نحن البشر- نختار الأفضل لمصلحتنا فقط (Every one for himself)، وإننا عقلانيون(10) في الطريقة التي نتخذ بها تلك القرارات، وإننا نتحكم في أنفسنا جيدا أثناء ذلك كله بدون وجود أية تحيزات في قناعتنا لأن مصالحنا في النهاية هي ما يقودنا، لكن في كل فقرة من هذا التقرير الذي يمثل جانبا رئيسا من إنجازات ريتشارد ثيلر وأسباب حصوله على نوبل للاقتصاد فإن كل النتائج على أرض الواقع تتعارض مع تلك الرؤية الكلاسيكية التي تتعامل مع الأفراد على أنهم وحدات منطقية تنظم عملها وتحسبه فقط بمنطق الربح والخسارة (1+1=2).

    

سوق غير عقلاني؟!
العالم، للأسف، أعقد من ذلك، من غير الواقعي أن نظن أن البشر هم وحدات حاسبة عقلانية بالكامل، ولذلك فإن قراراتنا المالية غالبا ما تكون ضمن نطاق رؤية ضيق له علاقة بما نعرفه وما يكوّن مشاعرنا، نحن البشر يمكن أن نلعب السيجة (X/O) ونحترفها بسهولة، لكن ليس الشطرنج(11)، إذا كنّا وحدات اقتصادية تتعامل منطقيا لاستطاع الجميع ربما لعب الشطرنج بنفس قدرته على احتراف السيجة، لكننا كبشر نختلف في المهارات والإمكانات الخاصة بكل منّا، ويؤثر ذلك في كل شيء خاص بنا، لكنه بشكل أكبر يخلق المحاسبة العقلية، لأنها هي طريقتنا لتبسيط قرارتنا المالية في حدود ما نُدرك، فنقوم بصياغتها على أساس نظام الحسابات متعددة الأهمية بالنسبة لنا لا على حساب المبلغ الكلي الكامل الذي يتطلب جهدا أكبر.
  

لقد أثبت كانيمان أن الناس يخطئون، لكن هيربرت سيمسون(12) مؤسس ما نسميه بالعقلانية المقيدة أو المحددة (Limited Rationality) قد أضاف ما هو أهم من ذلك، وهو أن تلك الأخطاء يمكن توقّعها، وتستخدمها الشركات وتعتمد على عدم عقلانيتهم فتدفعهم إلى شراء ثلاثة قمصان ودفع ثمن اثنين، لكن الأمر يتطور إلى أكثر من ذلك حينما تدفع مواطن إلى الاستدانة من أجل الحصول على منزل الأحلام الآن، فكما رأينا، يركز كل واحد منّا بالأساس على الربح الحالي مقابل ديون المستقبل، للوهلة الأولى يبدو ذلك طبيعيا، لكن حينما ندخل القواعد الجديدة للعبة السلوكية بداخل المعادلة الاقتصادية سوف نتوقع فورا أن ينتهي الأمر بكارثة بسبب أن المعايير ليست عقلانية بالشكل الكافي، وهو ما حدث بالفعل في أزمة 2008.

    

     

بالتالي فإن ما نسميه بعلم الاقتصاد السلوكي (Behavioral Economics) هو آلية لوصف وتحليل السوق وإعطاء نتائج تتفق بدرجة أكبر مع الواقع، حيث إن ما ينطبق على الأفراد من قوانين ريتشارد ثيلر التي عرضناها بالأعلى ينطبق أيضا على المؤسسات والحكومات، مما يجعل من علم الاقتصاد السلوكي كيانا مركزيا في علم الاقتصاد، يقول فيلفريدو باريتو الاقتصادي الإيطالي الأشهر قبل مئة عام إن(13) "أساسات الاقتصاد السياسي، وفي العموم كل العلوم الاجتماعية، هو في النهاية علم النفس، قد يأتي اليوم الذي نقرر فيه قوانين العلوم الاجتماعية على أساس مبادئ علم النفس".

   

أدى كل ذلك إلى تطوير ثيلر وآخرين ما نسميه بنظرية الدفعة(14 ، 15) (Nudge Theory)، وهي الفكرة القائلة بضرورة التدخل من قبل المجتمع أو الدولة من أجل دفع الذات المخططة للمواطنين على حساب الذات الفاعلة، بالتالي يتم تعزيز القرارات الاقتصادية بشكل إيجابي منعا للامتثال القسري للحوافز والدوافع النفسية التي تضمنتها شروحات ريتشارد ثيلر وغيره التي سوف تؤدي دائما إلى انهيار السوق، إن هذا التدخل وإن كان على نطاق نفساني لدفع الأفراد، لكنه يتناقض بشدة مع فكرة السوق العقلاني الحر بالكامل الذي إذا تركته سوف يتحرك كماكينة ضخمة مدفوعة فقط بحركة رؤوس الأموال وحسابات المكسب والخسارة.

   

نعم، نحن البشر كائنات غاية في التعقيد، قد نتخذ قرارات تبدو للوهلة الأولى غير عقلانية، بل وقاتلة لنا ولمستقبلنا المالي، لكن ما إن تتعرف إلى النقطة المرجعية التي نتخذها للوصول إلى قرارنا سوف يبدو كل شيء بصورة أكثر وضوحا، لسنا آلات حاسبة تتفاعل مع الواقع المحيط بتحليل آلي منطقي للبيانات، لكنّ أمورا أخرى تتدخل لتؤثر على قرارتنا، كالحب، الغضب، الرغبة في الانتقام، الغيرة، الميل نحو تطبيق لعبة عادلة، وربما الرحمة، جميعها تتدخل بآليات غاية في التعقد لتحريك عالم الأسواق المالية الضخم والمحموم، من هنا يبدأ عصر جديد للاقتصاد.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك