اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/14 الساعة 14:11 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/24 هـ

انضم إلينا
مصر والنيوليبرالية.. كيف أدى الظلم الطبقي لانفجار الثورة المصرية؟

مصر والنيوليبرالية.. كيف أدى الظلم الطبقي لانفجار الثورة المصرية؟

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
تبحث هذه المادة في السيرورات النيوليبراليّة في بلد كبير كمصر، انتهجَ نهج التحرير الاقتصاديّ منذ فترة مبكّرة من الثمانينيّات حتى وقتنا الحالي. والتقرير بدوره يقوم بإظهار هذه السيرورات عبر ثلاثة محاور: محور الخصخصة، ومحور اللامركزيّة والحدّ الأدنى من الرقابة والتدخل الحكوميّ، وأخيرا محور تفكيك دولة الرعاية الاجتماعيّة في مصر. كلّ ذلك -من منظور المقال- أدّى إلى انفجار طبقيّ، وجد تعبيره الأقصى في انتفاضة (يناير/كانون الثاني) ٢٠١١. إنّ التقرير يمثّل تقدمة في الاقتصاد السياسيّ للثورة المصريّة، إنْ صحّ التعبير.

 

نص التقرير
كانت مصر منذ فترة طويلة بلدا محبوبا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمنذ الثمانينيّات حظيت مصر في ظلّ الرقابة المحكمة للرئيس حسني مبارك بإشادة المانحين الغربيين باعتبارها قصّة ناجحة نيوليبراليّة صنّفها البنك الدولي بأنّها "أكبر مصلح في العالم" لمدة أربع سنوات متتالية. وقد وزعت الحكومة الأميركية وحدها ما يقرب من 114 مليار دولار أميركي[1] في المساعدات الاقتصاديّة والعسكريّة لمصر لأهميتها الجغرافية الإستراتيجية وتأثيرها الإقليميّ التي كان معظمها يعتمد على تنفيذ الإصلاحات النيوليبراليّة.

 

لكنّ مصر -من منظور ماركسيّ- تجسّد العديد من الآثار السلبيّة للإصلاح النيوليبراليّ على الديناميكيّات الطبقيّة التابعة. وغالبا ما تفترض السياسات النيوليبراليّة (بقصد) فهما غير كاف للاحتياجات الإنمائيّة الوطنيّة، وتلغي الأولويّة للمنهجيّة التشاركيّة، وتخفق في معالجة الأسس البنيويّة التي تخلق الاضطرابات داخل بلد نام. وعلى هذا النحو، نفذت النخبة المصرية في الفترة ما بين 1980 و2010 السياسات الاقتصاديّة النيوليبراليّة بنجاح مع الاحتفاظ بالهيمنة السياسّية من خلال استغلال المواطنين من الطبقة الوسطى والطبقة العاملة. ومكّن ذلك النخبة المصريّة من تنفيذ شكل من أشكال رأسماليّة المحاسيب (Crony Capitalism) من خلال توجيه موارد الدولة إلى أيدي قلّة على حساب الكثيرين، مما زاد من تفاقم التمايُز الطبقي داخل المجتمع.

  

أثناء الثورة المصرية كانت 5% من نخبة البلد تسيطر على 40٪ من الثروة، وكانت الحكومة تعجّ برجال الأعمال البارزين والأسر الثريّة التي تعهّدت بمراكمة الثروة، وبالسلطة السياسيّة الإرثيّة الجديدة(غيتي)

 

وقد قامت غالبيّة السكان الذين شاركوا في الثورة المصرية عام 2011 بذلك في ظلّ تهميش وحرمان كبيرين سعت بلدهم إلى مراكمته عن طريق نزع الملكية وبالإصلاحات التي فشلت في "التماسّ" مع الجماهير. استنادا إلى هذه التأكيدات يسعى هذا المقال إلى تتبع آثار إصلاح السياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة النيوليبراليّة المصريّة منذ الثمانينيات من خلال دراسة الأساس التاريخيّ لصرخة "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعيّة" التي سُمعت خلال ثورة 2011. وبذلك، سيوضح المقال ثلاثة عناصر مهمة في انتقال المجتمع إلى النيوليبراليّة، بما في ذلك (1) خصخصة الصناعة، و(2) تطبيق اللامركزية في الحكومة، و(3) تفكيك دولة الرعاية الاجتماعيّة[2]*. ومن خلال استكشاف الأسس النظريّة المختلفة للسياسات النيوليبراليّة فإن المقال سيبين كيف يمكن النظر إلى مطالب الجماهير المصريّة باعتبارها متضاربة مع النيوليبراليّة. ففي ظل هذه الملابسات يمكن للمرء أن يستخلص الشروط المثاليّة والديناميكيات الطبقيّة للثورة في مصر.

 

التحوّل النيوليبراليّ لمصر
لقد كان بزوغ النيوليبراليّة، بالأساس، يمثل تحوّلا أيديولوجيّا أوسع بعد ثلاثة عقود من "السنوات الذهبية" في ظل الاقتصاد الكينزيّ على مدار الجزء الأخير من القرن العشرين. وكان ذلك تخلّيا عن الدولة التنمويّة، وإعادة تأكيد على تحرير السوق الموجَّه باعتباره العنصر الوحيد الأكثر أهمية لتطوّر الدولة السليم. وفي حين يُنظر إلى الليبراليّة على أنها عفويّة ناجعة للسوق في ظل تطبيق القواعد الكونيّة (هايك، 1967)، فإن مصطلح النيوليبراليّة يمكن ربطه ربطا وثيقا بتعريف ديفيد هارفي، حيث:

 

"الليبراليّة أولا وقبل كلّ شيء هي نظريّة للممارسة الاقتصاديّة السياسيّة التي تقترح أن أفضل رفاه للإنسان يمكن تحقيقه بتحرير حريّات التنظيم الفردانيّة والمهارات داخل إطار مؤسساتيّ، والمتّسمة بحقوق الملكيّة الخاصة القويّة والأسواق الحرة والتجارة الحرة. ومن ثمّ، يكون دور الدولة هو خلق، والحفاظ على، إطار مؤسساتيّ مناسب لمثل هذه الممارسات... ولكن خارج هذه الممارسات على الدّولة ألّا تغامر". بهذا التعريف تشمل النيوليبراليّة مجالا أوسع من العناصر بما في ذلك إعادة تشكيل الديناميكيّات السياسيّة والاجتماعيّة داخل المجتمع. وتحقيقا لهذا الهدف، من أجل تنفيذ الجوانب الاقتصادية للنيوليبراليّة، فغالبا ما تكون إعادة توجيه الدّولة مطلوبة، حيث تعمل كمسهّل وتبقى منفصلة في الطريقة التي تحكم بها الدولة، وتدير بها السياسات والخدمات، وتتفاعل مع المواطنين.

 

قبل عام 1980 اتّبعت الحكومة المصريّة نهجا قوميّا تنمويا للغاية لبناء الدولة. اتبعت الفترة، التي غالبا ما تُسمَّى بـ"المَصْرَنَة"، عن كثب النظريّة الاقتصاديّة الكينزيّة، والتي أكدت الدّور الضروري للدولة في توفير المساواة في الوصول إلى برامج العمل والرعاية الاجتماعية بين المواطنين. وبهذا التأويل قام الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر بتأميم أجزاء كبيرة من الدولة، بما في ذلك الأراضي والصناعة، مع وضع برامج قوية للرعاية الاجتماعيّة. ولا يزال كثير من المصريين يؤمْثلون هذه الفترة، حيث سجلت البطالة والتضخم مستويات قياسية في ظل تصوّر عبد الناصر عن "العدالة الاجتماعيّة والتقدم والتنمية والكرامة". وقد اعتُرِفَ بالتقدم على الصعيد الدوليّ، وبدأ البنك الدولي بمقارنة النهج التنمويّ في مصر مع نجاح الأسواق الناشئة مثل كوريا الجنوبيّة.

  

عندما تولى مبارك السلطة كان على مصر ديون خارجية متزايدة؛ ففصل بين الطبقات، فقدّم صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الكليّة التي من شأنها إعادة هيكلة الاقتصاد المصريّ

رويترز
 

وبعد انتهاء رئاسة ناصر شرعت تتحوّل أولويات الدولة. لقد كان الهدف من انفتاح الرئيس أنور السادات هو تحديث التنمية وإزالة ما يفسّره على أنّه تقييد حكوميّ قمعيّ على النمو الاقتصاديّ. وعن طريق تبنّي نموذج فيبريّ للدّولة من خلال حلّ ملكيّة الدولة قلبَ انفتاح السادات برامج التأميم واسعة النطاق التي أنشئت في ظل نظام ناصر. وفي غضون ذلك بدأت الحكومة المصرية في تراكم واسع النطاق عن طريق نزع الملكية الذي أدّى جزئيا إلى الديون الخارجيّة الضخمة والفساد والفقر في جميع أنحاء البلاد. وبعد ذلك،  وكوسيلة يائسة للتغلب على الدَّيْن الخارجيّ والصدمة الماليّة، تولى الرئيس مبارك منصبه وقاد الدولة المصرية إلى رسْمنة تحالفها مع الولايات المتحدة، واعتمد العديد من السياسات النيوليبراليّة المبيَّنة في توافق واشنطن[3]. وسيكون ذلك بمنزلة بداية استقطاب الطبقات التي ستنمو على مدى السنوات الثلاثين المقبلة التي بلغت ذروتها في نهاية المطاف في الثورة المصرية عام 2011.

 

رغم أنه ليس من اختصاص هذا التقرير دراسة كامل السياسات النيوليبراليّة وآثارها على اتساع الفجوة الاجتماعيّة والطبقيّة داخل المجتمع المصريّ فإن الأقسام الثلاثة التالية سوف تفصّل جوانب تبنّي مصر للسياسات النيوليبراليّة بدءا من الثمانينيّات. على هذا النحو فإنّها ستعتمد على مختلف الجوانب الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة لإعادة توجيه الدولة، أي ما يعادل كل إصلاح بتوسيع الفجوة الطبقيّة، وكمساهمة في تشكّل مطالب عام 2011، أي "الخبز والحريّة والعدالة الاجتماعيّة".

 

الخَصْخَصة
نُفِّذَ أول وأشمل الإصلاحات المصريّة من خلال خصخصة المؤسسات العقاريّة المملوكة للدولة. وعندما تولى الرئيس مبارك السلطة في نهاية السبعينيّات كان على مصر ديون خارجية متزايدة، وتزايد في التفاوت داخليّا، وفصل بين الطبقات، واستمرار خيبة أمل المواطنين في دور الدولة. والحال أنّه في ظل هذه الظروف طرقَ مبارك والولايات المتحدة باب برنامج الإصلاح الاقتصاديّ والتكيّف الهيكليّ "إي آر إس أيه بي" (ERSAP). وفي إطار هذا البرنامج قدّم صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الكليّة التي من شأنها إعادة هيكلة الاقتصاد المصريّ. وشمل ذلك تفريغ أجزاء كبيرة من المؤسسات المملوكة للدولة نقدا من أجل تخفيض الديون الخارجيّة، وتحسين النمو الاقتصاديّ للأعمال التجاريّة الراكدة، وتحقيق استقرار اقتصاديّ.

 

وبتنفيذ تلك المبادرات تمّت خصخصة 118 من أكبر الشركات في الدولة لصالح المنافسة، بما في ذلك تلك الشركات المتعلقة بالكهرباء والمياه والصرف الصحيّ والريّ والرعاية الصحيّة والنقل والاتصالات والتعليم. وبحلول نهاية التسعينيّات تمّ الاعتراف ببرنامج الإصلاح الاقتصاديّ والتكيّف الهيكليّ باعتباره برنامجا نجاحا واسعَ النطاق في استعادة الرخاء الاقتصاديّ لمصر، حيث ذهبت أجزاء كبيرة من العائدات إلى وزارة الماليّة لتخفيض العجز في الموازنة. وعلى هذا النحو قامَ صندوق النقد الدوليّ بتصنيف تنفيذ مبادرات الخصخصة في مصر باعتبارها رابع مبادرات ناجحة عالميّا.

  

انخفضت فرص العمل بشكل ملحوظ، وتمّ نبذ العمال واستغلالهم بشكل متزايد، ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة نتيجة لاعتماد الصادرات فقد تنامى فصل الديناميكيّات الطبقيّة

غيتي
 

ومع ذلك، أدّت خصخصة شركات الدولة إلى تفريغ الموظفين والتكاليف العامة لجعل الشركات قادرة على المنافسة في السوق، وأُطلق سراح أكثر من نصف جميع موظفي الدولة بين عامي 1994 و2001. وقد مكّنت خصخصة الشركات الإدارةَ المُباركيّة من  جَمْعَتة (Socialize) الخسائر وخَصْخصة المكاسب، وتمّ في كثير من الأحيان من خلال الشراكات الخاصّة والعامّة التي تعاقدت مع أجزاء من الشركات وجُسِّدت بإزالة اللوائح والحواجز أمام الاستثمار. وما زالت هذه المبادرة تدفع أعدادا كبرى من العمال إلى القطاع غير الرسميّ، الأمر الذي تركهم خارج التنظيم التقليديّ والحماية من الدولة، ممّا أدّى إلى حرمانهم من الحقوق وتخفيض الأجور.
  
ومن منظور فوكويّ فقد كان من المفترض أن يتحوّل هؤلاء المواطنون إلى مشاركين عمّاليين مُمكَّنين من خلال الحاكميّة (Governmentality) وسلْب سُبل كسب العيش، بحيث يُنظَر إليهم "لا كعبء، وإنما كمصدر مُحتمل". بدلا من ذلك، فإنّ هؤلاء المواطنين الذين مُكّنوا حديثا، والذين كان من المتوقع أن يشرعوا ذاتيّا بالمشاركة في الاقتصاد المُخْصخص، "لم تكن لديهم القدرة على التمركز... نظرا للأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة المتدهورة".

 

وعلى هذا النحو تثبتُ خصخصة الصناعة التحوّلَ الأيديولوجيّ في الدولة من المساءلة أمام المواطنين إلى المساءلة أمام السّوق. ومكّنت زيادة الاستغلال واستخراج اليد العاملة من خلال الصناعة المحرَّرة من زيادة تكديس الثروة والفائض الذي أُعيد توجيهه ببساطة إلى أيدي النّخبة. وانخفضت فرص العمل بشكل ملحوظ، وتمّ نبذ العمال واستغلالهم بشكل متزايد، ومع ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة نتيجة لاعتماد الصادرات فقد تنامى فصل الديناميكيّات الطبقيّة. والحال أنّ المطالب التي سمعناها في 2011 بـ "الخبز" إنّما كانت نابعة من ظلّ هذه الظروف.

 

اللامركزيّة والحوكمة الرّشيدة
أثناء الثورة المصرية كانت 5% من نخبة البلد تسيطر على 40٪ من الثروة، وكانت الحكومة تعجّ -بصورة ملحوظة- برجال الأعمال البارزين والأسر الثريّة التي تعهّدت بمراكمة الثروة، وبالسلطة السياسيّة الإرثيّة الجديدة. وشكلت التسعينيّات الموجة الثانية من الخصخصة والإصلاح الاقتصاديّ مدفوعا ببرامج الحوكمة الرشيدة وإجماع ما بعد واشنطن الذي يهدف إلى التراجع عن مركزية الدّولة وتشجيع الحكومات على العمل بـ "القرب من الشّعب". بيد أنّه كان هناك غياب لإصلاح سياسيّ حقيقيّ وسط تعزيز السياسات الاقتصاديّة، واستمر الحزب السياسيّ نفسه في السيطرة على الحكومة من خلال إصلاحات صندوق النقد الدوليّ في مصر.
 
ههنا، وبتماسٍّ وثيق مع تأويل ديفيد هارفي للنيوليبراليّة، ستعمل الدولة كـ "ميسّر" من خلال لا مرْكزة المسؤوليّة الحكوميّة والإصلاح المؤسساتيّ المستهدَف. غير أنّه في كثير من الحالات، ورغم أن لا مركزيّة الدولة، سواء رأسيّا في الحكومات المحليّة، أو أفقيا في المنظمات غير الحكوميّة والشركات الخاصة والجهات الفاعلة غير الحكومية، فإنّ السّلطة السياسيّة الأساسيّة بقيت (عن قصد) من صلب هيمنة الدّولة المركزيّة.

  

لم يكن لدى الشعب المصريّ سبيل رسميّ لتقديم الآراء التي تتعلّق بالإصلاح الحكوميّ، وبالتالي نادى الجمهور المصري بـ"الحريّة" في ثورته

غيتي
 

إلى هذا الحد كثيرا ما تعرّض تبنّي الحوكمة الرّشيدة والأجندة الداعمة للديمقراطيّة للنّقد بسبب السّماح لنخبة رجال الأعمال والسياسيين بالاستفادة من الخصخصة والإصلاحات النيوليبراليّة التي جُسّدت في سلوك مراكمة الثروة وشرْعنة حكمهم (إبراهيم، 2011: 1349، 1350 ، هنيّة، 2011: 127). ومن ثمّ، وبإعادة توجيه المسؤوليّة الحكوميّة، أدّت الإصلاحات "النيوليبراليّة الشاملة" القائمة على الاقتصاد المؤسساتيّ الجديد إلى خلق "عجز ديمقراطيّ" في المجتمع المصريّ (سيندينغ ونيومان، 2006: 655). علاوة على ذلك كان البلد قد دخل في حالة الطوارئ منذ عام 1967، ممّا مكّن الدولة من العمل خارج نطاق سيادة القانون من خلال شكل من أشكال حالة الاستثناء لتقييد الشقاقات بين المواطنين، وتقييد حرية التجمّع، وتمكين المراقبة الحكوميّة (ويكيليكس، 2011). ورغم أنّ هذا المفهوم لم يكن جديدا في ظل النيوليبراليّة فإنّه مكّن الدولة من خلال الحاكميّة من "تدبير الأمور"، بحيث "سيقوم النّاس، تبعا لمصلحتهم الذاتيّة، بما ينبغي أن يقوموا به"، الأمر الذي يحدّ الحريّة إلى فضاء مقيّد ومحدّد سلفا (سكوت 1995: 202).

 

وعلى إثر ذلك اقتُصِرَت الديمقراطيّة بـ "التقنو-مؤسساتيّ"، غيرَ تاركة سوى النّزر القليل لعقد نقاش واندماج حقيقيين، مستبعدة أشكالا أخرى من التوجّه السياسيّ (تاغما، 2013: 380، 387). أضِف إلى ذلك هدفَ الفضاء السياسيّ المقيَّد الذي تمّ تطويره أثناء ذلك الوقت إلى "كبح جماح بلد هائج" دون فتح الباب لإصلاح سياسيّ مُعتبَر ودون إصلاح نظام الرقابة والتوازن الفاسد داخل الحكومة (عثمان، 2011: 186). وقد أدّى ذلك إلى خلْق "ديمقراطيّة منخفضة الكثافة"، أي تشجيع المشاركة الديمقراطيّة المحدودة وتعزيز الرعاية الاجتماعيّة فقط بالقدر اللازم لازدهار السياسات النيوليبراليّة، وتفشل في التشجيع على المشاركة السياسيّة الشعبيّة بطريقة هادفة (غيلز وروكامورا، 1992: 501). في ظل هذه الظروف لم يكن لدى الشعب المصريّ سبيل رسميّ لتقديم الآراء تتعلّق بالإصلاح الحكوميّ، وبالتالي نادى الجمهور المصري بـ"الحريّة".

 

تفكيك دولة الرعاية الاجتماعيّة
في ظلّ النيوليبراليّة تمّ التخلي عن فكرة دولة الرعاية الاجتماعيّة، وهي حجر الزاوية في السياسات التنمويّة التي شجعت الدولة على توزيع الحقوق الأساسيّة للمواطنين وإتاحتها بشكل متساو. وبهذه العقليّة، وبتراجع الدّولة وخصخصة أجزاء كبيرة من شركات الدولة، كشفَ برنامج الإصلاح السياسيّ والتكيّف الهيكليّ لصندوق النقد الدوليّ  عن اقتطاعات عميقة في الرعاية الاجتماعيّة والمعاشات التقاعديّة والإعانات (عثمان، 2011: 182). والحال أنّ هذا التحول إنّما يمثّل الانتقال الأيديولوجيّ الأوسع نطاقا في دور المواطن داخل الدّولة. ففي حين أنّ فكرة العدالة الاجتماعيّة في ظل الدولة التنموية تمثل التوزيع العادل والمتكافئ للسّلع الجماعية من قبل الحكومة المركزيّة، فإنّه كان من المتوقّع في ظل السياسات الاجتماعيّة النيوليبراليّة أن يتنافس الكائنُ الاقتصاديّ ذو المصلحة الذاتية للحصول على الموارد المحدودة، ممّا يحفّز النمو من خلال إشراك الفاعلين المهمّين مباشرة وحثّ إرادتهم المستقلة للبقاء أحياء.

   

دعا المواطنون من الطبقات الوسطى والعاملة إلى "الخبز والحريّة والعدالة الاجتماعيّة" باعتبارها هروبا من النّزعات الإقصائيّة للإصلاح السياسيّ النيوليبراليّ منذ الثمانينيّات (غيتي)

   

لقد طالبَ المواطنون في مصر، وسط ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وتضاؤل حماية الدولة والرّعاية الاجتماعيّة، وغياب الديمقراطيّة الليبراليّة، أقول طالب المواطنون المصريّون بإعادة التفاوض على العقد الاجتماعيّ مع الدولة خلال الثورة. وفي ظل إصلاحات اللامركزة والخْصخصة عانت الأقليّات والمرأة والطبقة العاملة في المجتمع معاناة كبيرة، مصابة بالطبيعة الاستخلاصيّة (Extractive) للنخبة السياسيّة في البلاد. وأدّى هذا العجز إلى زيادة اتحادات العمال في جميع أنحاء البلاد منذ السبعينيّات، حيث اعتُبرَت على أنها قوّة اجتماعيّة لمواجهة الطابع القمعي لنظام مبارك (هنيّة، 2013: 386).
 
إلى هذا الحد أصدرت النقابات بيانا حول مطالبها بتحقيق العدالة الاجتماعيّة بشكل أكبر بعد الثورة المصريّة. وشملت هذه المطالب على الحدّ الأدنى والأقصى للأجور، وعدم تجريم العمّال، والحق في تكوين اتحاد مستقلّ عن النقابات التي تديرها الدولةُ، ووضع حدّ للفساد، وتوسيع نطاق الرعاية الصحيّة والبرامج الاجتماعيّة، وتأمين السكن والتعليم والعلاج الطبيّ (ليبر، 2013). إنّ انعدام العدالة الاجتماعيّة لتوجزه قدرةُ الدولة المحدودة على تقديم الإعانات للفقراء عن طريق الإلغاء التدريجيّ للبرامج، ومن بين تلك الإعانات هي الإعانات المنصوص عليها التي غالبا ما تكون محدودة النطاق، وتُقيَّم كَميّا، وتخفق في الوصول إلى أفقر الفقراء (جلال، 2013). في ظلّ هذه الظروف طالب الشعب المصريّ بـ"العدالة الاجتماعيّة".

 

العواقب الثوريّة
من منظور ماركسيّ أدى تطبيق الأيديولوجيا الليبرالية والإصلاح النيوليبرالي إلى تفاقم الديناميكيّات الطبقيّة، وإلى ارتفاع اللامساواة الاقتصاديّة، وشجّع على الاستيلاء الدولتيّ. بهذا المعنى، كانت الدّولة المصريّة في ظل النيوليبراليّة قادرة على "تزويد المصريين بنموّ دون مساواة، وبتعليم دون إلهام، وبتوظيف دون أمان، وبخدمات صحيّة دون رعاية، وبتصويت دون أيّ تأثير حقيقيّ على العمليّة السياسيّة" (إبراهيم، 2011: 1347). علاوة على ذلك، مكّنت سيرورات الخصخصة في مصر بيروقراطيي النّخبة من تحويل الكفالة إلى القطاع الخاص دون "تقويض سلطة الدولة باعتبارها المصدر النهائيّ للإيجار" (بيرغ، 2012: 304).
 
على إثر ذلك فإنّ انحدار الطبقات الوسطى والطبقة العاملة من خلال أساليب إعادة توزيع الدخل فضَّلَ "أرباب العمل الرأسماليين المرتبطين بالنّظام" (قنديل، 2012: 197)، وللمرّة الأولى انضمّ أعضاء من الطبقة الوسطى والطبقة العاملة إلى الاحتجاج في وقت مبكر من عام 2011 (إبراهيم، 2011: 1348). فبحسب ديفيد هارفي إنّ ظهور الحركات المعادية للرأسماليّة قد ربط الطبقات الوسطى العاملة، وهي "التي شُكِّلَت جرّاء تحالف واسع من الساخطين والمُبعَدِين والمقصيين والمحرومين" (روكو، 2013: 424).

 

وأدّى التحوّل من الدولة التنمويّة إلى النيوليبراليّة إلى تفاقم اللامساواة الاجتماعيّة والفقر في جميع أنحاء البلاد. فقد احتجّ المواطنون على ارتفاع معدّلات التضخم والبطالة في وسط القطاعات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وزيادة انتهاكات حقوق الإنسان والقمع، وانخفاض فرص الحصول على خدمات الرعاية الأساسيّة في جميع أنحاء البلاد (إبراهيم، 2011: 1348). في ظلّ هذه الظروف ظهرت "حكاية مِصْران" (Two Egypts)، ممّا يسمح لمصر بالعمل تحت لافتة "سياسة العرض" بتوزيع رؤيتين للدّولة، والتي يُنظر إليها من جانب المجتمع الدوليّ كدولة مستقرّة ومزدهرة ومتقدمة ومن خلال التجارب العدوانيّة والقمعيّة للفقير (إبراهيم، 2011: 1350). والحال أنّ مبادرات التحرير الاقتصاديّ التي عززت إجمالي الناتج المحليّ ومعدلات النموّ إنّما تمّ التهليلُ والاحتفال بها من جانب المجتمع الدوليّ الذي افترضَ وجهة نظر فيبريّة ونزوليّة (Top-Down) بشأن التنمية. وفي الوقت نفسه تمّ إهمال مواطني الطبقات الوسطى العاملة من خلال غياب آليات المساءلة، وزيادة الفساد، واللامساواة في توزيع الخدمات (إبراهيم، 2011: 1348،1349).

  

أدّت المؤسسات الأساسيّة للإصلاح النيوليبراليّ إلى زيادة ديناميكيّات الطبقة التي غالبا ما يتم تجاهلها عند النظر في الإصلاح النيوليبراليّ

غيتي
 

وعليه، فإنّ الإصلاحات الاقتصاديّة والسياسيّة داخل مصر منذ الثمانينيّات قد أدت إلى ظهور طبقتين ساخطتين: الطبقة الوسطى التي غدت ساخطة بشكل متزايد على النظام وعلى تدهور الحقوق السياسيّة والمدنيّة في البلد، والطبقة العاملة التي تأثرت مباشرة بالإصلاح النيوليبراليّ من خلال طردها وسلبها (روكو، 2013: 435). على هذا النحو يمكن اعتبار ذروة السَّخط وتهميش الانقسامات الطبقيّة داخل البلد على صلة وثقى بتنفيذ مختلف الجوانب الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة للسياسات النيوليبراليّة على مدى السنوات الثلاثين الماضية (بوجيرت، 2013: 231). وأيضا على هذا النّحو أدّت الديناميكيّات على الوجهين التي أحاطت بالمصريْن إلى الترابط بين "الفقر والثروة والتراكم والتجريد والهيمنة والقمع"، الأمر الذي بلغَ أوجه في الثورة المصريّة عام 2011 (بوجيرت، 2013: 231). وفي ظل هذه الظروف دعا المواطنون من الطبقات الوسطى والعاملة إلى "الخبز والحريّة والعدالة الاجتماعيّة" باعتبارها هروبا من النّزعات الإقصائيّة للإصلاح السياسيّ النيوليبراليّ منذ الثمانينيّات.

 

خاتمة
عند اختبار تطبيق السياسات النيوليبراليّة في مصر يمكن للمرء أن يرى بوضوح الطبيعة الاحتجازيّة (Retentive) لعقلية النظم العالميّة الأساسية. ومع استمرار الطبقة الأساسية في تنفيذ السياسات الاستغلاليّة اقتصاديا من خلال استخراج الموارد، فقد احتفظ بيروقراطيّو النخبة باحتكارهم السياسيّ والاقتصاديّ من خلال سلوك تكديس الثروة. وأدّت المؤسسات الأساسيّة للإصلاح النيوليبراليّ -أي الخصخصة، واللامركزة، والحوكمة الرشيدة، وتفكيك دولة الرفاه- إلى زيادة ديناميكيّات الطبقة التي غالبا ما يتم تجاهلها عند النظر في الإصلاح النيوليبراليّ من منظور فيبريّ مُغرْبَن.

 

وعند النّظر إليها على نطاق أوسع فإنّ آثار الإصلاح النيوليبراليّ وميله إلى إيجاد أشكال "غير متكافئة، ومهجّنة مؤسّساتيّا، وغير مستقرّة" من الحوكمة قد فاقمت من التوترات الطبقيّة عبر توزيع فاشل للثروة يمكن النّظر إليها في كافّة أرجاء العالم (بيك وآخرون، 2012: 268). ويمكن رؤية ظروف مماثلة في بلدان أخرى، حيث يعاني الكثيرون من الإقصاء الاقتصاديّ وتفاقم الديناميكيّات الطبقيّة نتيجة لتطبيق السياسات النيوليبراليّة بعد الحرب الباردة، ممّا أدى إلى التعبير العالميّ عن السخط النيوليبراليّ وأهمية البدائل النيوليبراليّة (بوغيرت، 2013: 232؛ بيك وآخرون، 2012: 283-286).

______________________________________________

 

مترجم عن: (إي - آي آر)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار