اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/31 الساعة 21:15 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/11 هـ

انضم إلينا
"العملة المظلمة".. لماذا ينبغي عليك عدم الاستثمار في "البتكوين"؟

"العملة المظلمة".. لماذا ينبغي عليك عدم الاستثمار في "البتكوين"؟

آدم المخزنجي

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض

في (يوليو/تموز) عام 2010 كان حي "شيبويا"، أحد أهم مراكز أعمال العاصمة اليابانية طوكيو، على موعد مع ميلاد شركة "ماونت جوكس"، كيان سيصبح بعد فترة قليلة أحد أكبر منصات تبادل وتحويل العملة الرقمية "البتكوين" حول العالم. وبحلول عام 2013 أصبحت حصة "ماونت جوكس" أكثر من 70% من إجمالي عمليات تداول البتكوين عالميا(1)، وفي ذلك العام أيضا، وتحديدا في (نوفمبر/تشرين الثاني)، شهدت أسعار العملة صعودا قياسيا وصل إلى 1100 دولار لكل بِتكوين في سابقة لم تحدث من قبل.

 
في السابع من (فبراير/شباط) من العام التالي 2014 أوقفت "ماونت" بشكل مفاجئ جميع عمليات سحب البِتكوين(2) الإلكترونية، كان الأمر غير مفهوم حتى عرف الجميع السبب بعدها بثلاثة أيام فقط، عندما أعلنت الشركة بمؤتمر صحافي عن حدوث عملية قرصنة لبرنامج العملة(3). وعلى الفور اكتسب المتعاملون بالعملة مخاوف تلقائية جراء توقف عمليات السحب، وقرر البعض منهم الاحتجاج أمام مبنى "ماونت" في شيبويا، ما دفع الشركة إلى نقل مكاتبها إلى مكان آخر في نفس الحي بسبب ما أسمته بـ "مخاوف أمنية"(4)، في تسلسل زمني من سيئ إلى أسوأ.

 
في الثالث والعشرين من نفس الشهر استقال الرئيس التنفيذي للشركة، وفي اليوم التالي مباشرة وقع كابوس الكل الأول، إذ علّقت "ماونت" جميع عمليات التداول، وفقد العملاء الاتصال بموقعها ليعود بعدها بصفحة فارغة، ولتعلن الشركة فيما بعد سرقة نحو 750 ألف بتكوين من عملائها، وحوالي 100 ألف بتكوين من رصيد الشركة نفسها، ليشكّل ذلك العدد 7% من جميع البتكوين الموجودة في العالم، أي حوالي 30.5 مليون دولار من إجمالي 473 مليون دولار وقتها.

 
ألقت الشركة باللوم على القرصنة الإلكترونية، وبدأت عملية بحث موسعة عن البتكوين المفقودة بلا نتيجة تذكر(5)، ليفقد البتكوين في شهرين فقط 38% من قيمته المالية. على إثر ذلك أعلنت الشركة إفلاسها، وسط أكبر عملية اختراق وسرقة للعملة الافتراضية منذ نشأتها عام 2009، ومن ثم ضياع ملايين الدولارات من العملاء بين عشية وضحاها، ليصل سعرها بنهاية عام 2014 إلى 300 دولار للوحدة، في هبوط تعدّى 50% من قيمتها السابقة خلال بضعة أشهر فقط(6).

  

شبه البتكوين بشكل ما شخصا مزاجيا، متقلب للغاية ولا يمكن توقع مساره بصورة تتجاوز أي أصول استثمارية أو مالية أخرى في العالم

رويترز
 

رغم جاذبية البتكوين للمستثمرين والمتعاملين من شتى أنحاء العالم، وفتحها آفاقا جديدة للحالمين باستبدال العملة التقليدية بالافتراضية ومن ثم التحرر من سلطة البنوك المركزية، وهيمنة العملات الرئيسة كالدولار واليورو، وجني مكاسب ضخمة من التعامل بها، فإن للأمر وجها مغايرا يستحق أن يُروى، يجعل البتكوين من أخطر ما يمكن الاستثمار فيه من الأصول والتعامل معه في تلك الفترة.
 

العالم المظلم

يشبه البتكوين بشكل ما شخصا مزاجيا، متقلب للغاية ولا يمكن توقع مساره بصورة تتجاوز أي أصول استثمارية أو مالية أخرى في العالم، بما في ذلك أسواق العقارات والنفط الأكثر تغيرا عالميا. فعلى سبيل المثال، قفزت العملة إلى 1200 دولار للوحدة في (نوفمبر/تشرين الثاني) عام 2013، قبل أن تهبط إلى 600 دولار/وحدة في غضون ثلاثة الأشهر التالية مباشرة، ثم ارتفعت من جديد إلى 1200 دولار، قبل أن تهبط هذه المرة إلى 300 دولار قبل نهاية عام 2014، في منحنى لا يحوي مسارا متوسطا لها. وفي الثامن من (سبتمبر/أيلول) من عامنا الحالي 2017 تجاوز البتكوين مستوى 4600 دولار/وحدة، ليهبط من جديد بعد أسبوع واحد فقط إلى 3500 دولار تقريبا(7)، بنسبة هبوط 23%، ولأن العملة حرة بلا نظام مصرفي خلفها، أو بنك مركزي يدعمها وقت هبوط قيمتها، نجد أن منحدراتها ممهدة للغاية دون وجود حائل. 
 

يختصر "كامبل هارفي"، أستاذ الماليات بجامعة "ديوك" بالولايات المتحدة، ذلك التقلب العاتي بقوله: "البتكوين مسار مضاربات بحت، ينبغي أن تكون مستعدا لتفقد كل شيء"(8)، مشيرا إلى أن التقلب مثلا يحدث في سوق الأسهم أيضا، ولكن البتكوين أكثر تقلبا من أي نوع آخر من الأصول. ورغم أن نسبة شارب "The Sharpe Ratio"، وهي مقياس يستخدمه المستثمرون لقياس ومقارنة مخاطر الاستثمار بالعوائد النموذجية له، تبيّن أن العملات الافتراضية بشكل عام لديها نسبة مرتفعة أفضل من أي فئة أصول أخرى، بما في ذلك السندات والأسهم الأميركية، لكن هارفي يحتجّ بقِصر عُمْر البتكوين للوصول إلى حكم دقيق عليه، مشيرا إلى أنه بفرض صحة احتساب نسبة شارب، فلا يزال للعملة تاريخ قصير جدا لحساب النسبة عليه، أما بالنسبة للأسهم والسندات فـ "لدينا 100 عام من البيانات" كما قال، بينما ظهر البتكوين للعالم عام 2009 فقط. رأي يعضده "ديفيد يرماك" أستاذ الماليات بجامعة "نيويورك"، مضيفا احتمالية الخسارة المرتفعة لبناء حسابات تقود الأشخاص إلى اندفاع غير مخطط للاستثمار فيه بناء على ارتفاع أسعاره بتلك المستويات القياسية.

 

 
يُعد البتكوين عُملة شبكات الإنترنت المظلم أو العميق "Dark Web" الأساسية، ولذلك يُعد الاستثمار فيه أحد أوجه المخاطرة كون قيمته مبنية في شقها الأكبر على عالم الصفقات غير المشروعة المحاربة رسميا من غالبية الدول، فهو العملة المفضلة لتجار المخدرات والسلاح والبشر والأعضاء البشرية وعالم القتلة المأجورين.

 
في قسم كلية دراسات الحرب بـ "كينجز كولدج" اللندنية، قسم دراسات الحرب الأشهر عالميا، أجرى البروفيسور "دانيال مور" وزميله "توماس ريد" بحثا استكشافيا لأعماق "تور"، متصفح التخفي الأبرز في العالم، ليجدا أن مواقع الإنترنت المظلمة في غالبيتها تفضّل البتكوين لإجراء المعاملات المظلمة(9)، وجاء في الدراسة أن العديد من المواقع المدروسة قدمت خدمات لغسيل الأموال من خلال البتكوين، وأن العملة يقينا هي الأكثر شيوعا في جميع المعاملات الخفية لشبكة "تور"(10)، وهو أحد الأمور المرصودة عن طريق بعض أجهزة الأمن الأميركية أثناء صعود ظاهرة لُعبة "Silk Road"، ذائعة الصيت أثناء الأعوام الماضية، حيث رُجّح استخدام اللعبة، المحتوية على نظام مالي كامل لشراء أدواتها وشخصياتها والترقي فيها، في عمليات غسيل أموال عالمية قدرت بـ 1.2 مليار دولار.

 

الاختراق

تمثل الهجمات السيبرانية تهديد البتكوين الوجودي الأول، إن جاز القول، صحبة غيره من العملات الافتراضية الأقل شهرة وتداولا، لذا وبطبيعة الحال لم تكن هجمات "ماونت جوكس" الأولى من نوعها أو الأخيرة، وإنما أتت ضمن سلسلة من هجمات لم تتوقف منذ ظهور البتكوين إلى وقتنا الحالي، مخلفة خسائر كبرى لا يمكن استرجاعها، عكس السرقات المعتادة مهما تضخمت، لعدم وجود آلية لاسترداد البتكوينز المسروقة، وهي خسائر لا تتوقف على المبالغ المفقودة فقط كمعظم السرقات وإنما تتعداها للتأثير المباشر على قيمة العملة، ومن ثم امتداد الخسارة للجميع تقريبا.

  

 
هناك شبه اتفاق عام أنه لا سبيل حالي لوقف الهجمات الإلكترونية ومن ثم السرقات السنوية، وهو أمر يرسخه "تايلر مور"، الأستاذ المساعد للأمن السيبراني بكلية "تاندي" لعلوم الحاسوب التابعة لجامعة "تلسا" بولاية أوكلاهوما، مشبّها الاختراقات الإلكترونية المتتالية بمستذئب "لا وجود لرصاصة فضية لردعه" حد تعبيره، مضيفا في حديثه لـ "رويترز" أنه على الأرجح لا وجود لتكنولوجيا أو عملة مشفرة أو آلية مالية إلكترونية آمنة تماما من الاختراقات الإلكترونية(13).
 
وبرغم بداهة المنطق التقليدي بأنه لا وجود لشيء بلا مخاطر عموما فإن دراسة "مور" الأخيرة الممولة بالكامل من قبل وكالة الأمن القومي الأميركية "NSA"، والصادرة أواخر العام الماضي 2016، بمشاركة "نيكولاس كريستين" البروفيسور المشارك بجامعة "كارينجي ميلتون"، وطالب الدكتوراه "جوناس زوردي" بنفس الجامعة أيضا، أظهرت بتحليل البيانات أنه منذ نشأة البتكوين عام 2009 وحتى (مارس/آذار) عام 2015 فإن 33% من جميع تبادلات البتكوين التشغيلية في تلك الفترة تعرضت للاختراق والسرقة الإلكترونيين(14).

 
برغم ذلك فإن الهجمات الإلكترونية لا تقتصر على البتكوين، وإنما تمتد إلى تبادلات الأسهم المالية أيضا، وهو أمر رصده إحصاء دقيق عام 2013 شمل 46 عملية تبادل أسهم إلكترونية، وقامت به المنظمة الدولية للجان الأوراق المالية "IOSC" والاتحاد الدولي للتبادلات "WFE"، ليُعلن أن أكثر من نصف هذا العدد شهد هجمات سيبرانية ناجحة وفاشلة.

 
أما فقد المفتاح الخاص بحافظة البتكوين فيأتي في المركز الثاني على رأس قائمة مخاطر التعامل مع العملة بعد الهجمات السيبرانية، وهو أمر يحدث بشكل مستمر لتعقيد وعشوائية مفتاح الحافظة غالبا، من ثم يكون معرضا أكثر للفقد، أو سرقة أو عطب الهاتف المحمول أو الحاسوب الحاويين له، ما يعني بالضرورة سرقة ما في الحافظة لعدم وجود آليات سلامة مفعلة.
 

في 2016 قامت الشرطة المصرية بالقبض على أحد الأشخاص بتهمة "المتاجرة في البتكوين"، وهو مجرد مثال على غموض الأوضاع القانونية للعملة وعدم استقرارها

رويترز
 

لا تقتصر المخاطر على الاختراق أو الفقد فقط، وإنما تقف إجراءات تنظيمية تتخذها بعض الحكومات كأحد أكبر العوائق غير المتوقعة المسببة لفقد رصيد العملة كاملا، فالموقف العام لأغلب دول العالم من العملة غير محدد بوضوح، وهناك عدد لا بأس به منها يحظر التعامل بالعملات الافتراضية ويفرض عقوبات صارمة، وهناك دول لا توجد بها قوانين صريحة تجرم التعامل بالعملة، بيد أن أجهزتها التنفيذية تبادر بملاحقة المتعاملين بها وتقديمهم للقضاء مباشرة.

 
في (يونيو/حزيران) للعام الماضي 2016 قامت الشرطة المصرية بالقبض على أحد الأشخاص بتهمة "المتاجرة في البتكوين"، بعد استدراجه ونصب كمين له عن طريق الاتفاق معه هاتفيا على شراء عدد من البتكوينز بقيمة 14 ألف دولار تقريبا، كما أعلنت وزارة الداخلية المصرية على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"(15)، وهو مجرد مثال على غموض الأوضاع القانونية للعملة وعدم استقرارها وتغيرها حسبما ترى الأنظمة غالبا، ففي حال تغاضي أي دولة عن تعامل أفرادها بالعملة قد تقرر فجأة أن امتلاك البتكوين غير قانوني، ومن ثم يجد المالك/المستثمر نفسه مخالفا للقانون بشكل مباشر.

 
لم تحسم الكثير من الاقتصادات الكبرى أمرها بعد تجاه تداول العملة والتعامل بها، وإذا ما قرر أحد تلك الاقتصادات حظر التعامل والاحتفاظ بها سيشكّل ذلك مباشرة ضربة لأسواق العملة حول العالم، ما يعني انخفاض قيمة البتكوين بشكل حاد ومباشر.

  

في منتصف (سبتمبر/أيلول) الماضي قامت الصين بحظر جميع العملات الافتراضية وعلى رأسها مبادلات البتكوين المحلية(16)، ما شكل هزة عنيفة لمجتمع العملات الرقمية العالمي، لا سيما وأن الصين هي مقر أكبر مجموعة مستخرجي بتكوين، وهم المسؤولون رأسا عن تعدين العملة واستخراجها من مناجمها الرقمية، وتقدر بعض التقارير أن حصة الصين من إجماليهم تصل إلى 71%، لذا كان انخفاض قيمة العملة بديهيا ومباشرا، وهبطت إلى ما دون أربعة آلاف دولار بعد وصولها إلى ما يقرب من خمسة آلاف دولار قبلها(17).

 
ينافس البتكوين أيضا العملات المحلية للدول، ويمثّل خطرا حقيقيا على الإيرادات العامة لأي دولة، حيث لا يخضع لأي ضريبة، ما يعني احتمالا غالبا بعدم سماح الكثير من الدول بالتعامل به على حساب تقليل أحد أهم مصادر إيراداتها العامة "الضرائب"، ما يعني على الأرجح أن الصين هي أولى قائمة المتحركين لا أكثر.

 

أشباح الماضي

لا يتعرض البتكوين للأخطار الخارجية فقط، وإنما يتعرض لخطر المنافسة الداخلية من قبل العملات الرقمية الأخرى، فيحتمل تمكّن إحدى العملات المنافسة من التغلب على البتكوين لتصبح هي الخيار الاستثماري الرائد، ما يجعل الأول جزءا من الماضي، ما يعني بالضرورة انسحاق أرصدة المتعاملين به في شتى أنحاء العالم.

رغم مرور ثماني سنوات على ظهور البتكوين فإن العملة لا تزال تواجه صعوبات جمة في تأدية الوظيفة التقليدية لها كوسيط تبادلي، وانخفض قبوله كشكل من أشكال الدفع بين كبار المتعاملين بشكل لافت

رويترز
 

لا يمكن استبعاد الاحتمال المطروق حاليا كونه موجودا بالفعل وممثلا في "الإيثير"، المنافس الأول والأقرب للبتكوين، فعندما نجد عملة تقدم معاملات أسرع، ولا يخترق نظامها دوريا مقارنة بالبتكوين، وتمتلك آلية استرجاع لوحداتها المسروقة أو المفقودة بطريقة ما، فإن هذا كله يعني إمكانية تغوّلها على حصة البتكوين في السوق العالمي، ومن ثم انهيار أسعاره ليعود كما بدأ عام 2009، وهو ما يتوفر في "الإيثير" بشكل ما، فضلا عن وجود 800 عملة رقمية على الأقل مسجلة حاليا عالميا.


رغم مرور ثماني سنوات على ظهور البتكوين فإن العملة لا تزال تواجه صعوبات جمة في تأدية الوظيفة التقليدية لها كوسيط تبادلي، وانخفض قبوله كشكل من أشكال الدفع بين كبار المتعاملين بشكل لافت. ففي مذكرة بحثية، صدرت في (يوليو/تموز) من عامنا الحالي من قِبل مجموعة من محللي العملاق المصرفي "مورغان ستانلي"، ذُكر أنه من بين أكبر 500 تاجر على الإنترنت انخفض عدد مَن يقبلون البتكوين من خمسة فقط العام الماضي إلى ثلاثة تجار هذا العام(19).


يُلقي باحثو "مورغان ستانلي" مسؤولية استخدام البتكوين من قِبل عدد قليل جدا من الزبائن والتجار على ارتفاع رسوم المعاملة الواحدة، وإلى بطء المعاملات، فمن المنطقي أنه لا يمكن الانتظار لمدة قد تصل إلى 40 دقيقة من أجل دفع ثمن القهوة مثلا.

 
يبدو إذن وعلى الأرجح أن الاستثمار في البتكوين حاليا هو نوع من أنواع المضاربة الصريحة، غير مأمونة العواقب، وتُلزم صاحبها أن يستعد لاحتمالية فقد كل شيء في أية لحظة لأي سبب ممكن، مهما بدت العملة براقة ومغرية بأرباح سريعة مطردة الارتفاع.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار