اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/7 الساعة 13:56 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/17 هـ

انضم إلينا
جذور اللامساواة.. كيف شكل التوزيع الظالم للثروة عالما عنيفا؟

جذور اللامساواة.. كيف شكل التوزيع الظالم للثروة عالما عنيفا؟

كريم محمد

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
هذا التقرير المترجم عن موقع "إم سي تي إنترشونال" يقدّم مراجعة شيّقة جدا لكتاب مهمّ صدر عن جامعة برنستون تحت عنوان "المساواتيّ العظيم: العنف وتاريخ اللامساواة من العصور الحجريّة حتى القرن الحادي والعشرين".

   

نص التقرير

دمّرتِ الحرب العالميّة الثانية البنى التحتيّة الاقتصاديّة لألمانيا واليابان. وأتت بمصانعهما أرضا، وجعلت من ساحات السّكك الحديديّة لهما أنقاضا، وحطمت موانئهما. ولكن في العقود التي أعقبت ذلك، حدثَ شيءٌ محير: حيث نمت اقتصادات ألمانيا واليابان بشكل أسرع من اقتصادات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. فلمَ تفوّقَ المهزومُ على المظفّرِ بالنصرِ؟

 

في كتابه "صعود الأمم وانحدارها" عام 1982، أجابَ الاقتصاديُّ مانكور أولسون على هذا السؤال محاججا بأنّه بدلا من إعاقة اقتصادات قوى المحور، فإن الهزيمة الكارثية استفادت منها فعلا، عن طريق فتح المجال للمنافسة والابتكار. وكما لاحظَ، دمّرت الحرب، في كلٍّ من ألمانيا واليابان، جماعات المصالح الخاصّة، بما في ذلك الكارتلات الاقتصاديّة والنقابات العُماليّة والجمعيّات المهنيّة. ومضت النقابات الحزبيّة الألمانيّة والتكتلات اليابانيّة التي تسيطر عليها الأسرة إلى حتفها؛ كما سائقو الشاحنات الأميركيون، وجمعيّة المهندسين في المملكة المتحدة، والاتحاد الفرنسيّ لصناعات البناء.


وبعد جيلٍ من الحرب، لم يعد سوى ربع الاتحادات المهنيّة في ألمانيا الغربيّة إلى عهد ما قبل الحرب، بينما عاد نصفٌ كاملٌ من اتحادات المملكة المتحدة. والحال أنّه كان لنتائج أولسون آثارٌ مُقلقة: ففي البلدان المستقرة سياسيّا، تعوق التحالفات الضيّقة للوبيّات رجال الأعمال النموّ الاقتصاديّ من خلال سياسات المصلحة الذاتيّة، ووحدها هزيمةٌ عسكريّة أو ثورة مريعة يمكنها أن تتغلّب على أوجه القصور المترتبة عليها.

 

 مانكور أولسون (مواقع التواصل)


في فترة كتابة أولسون، كان عددٌ قليل من الاقتصاديين يهتمّون باللامساواة الاقتصاديّة في البلدان المتقدمة؛ إذ كانت البطالة وتباطؤ الاستثمار هي المشاكل آنذاك. وبقدر ما ركّز الخبراء على اللامساواة داخل البلدان، فإنّهم قاموا بذلك فيما يتعلق بالمُصنّعين المتأخرين، حيث أبرزت الهجرةُ من القرى الفقيرة إلى المدن الأكثر ثراءً أوجه التفاوت في الدخل. ومع ذلك، حتى هنالك كانت اللامساواة تُعتبَر أحد الآثار الجانبيّة المؤقتة للتنميّة؛ حيث حاجج الاقتصاديّ سيمون كوزنتس أنها تبددت مع التحديث.

 

والحال أنّه لو كان أولسون قد أخذ اللامساواة بعين الاعتبار، لربما كان قد لاحظ أنّ الحرب العالميّة الثانية كان لها عواقب اقتصاديّة غريبة أخرى. أولا، أدى التدمير إلى خفض اللامساواة -ليس فقط في البلدان المهزومة، بل أيضا في البلدان المظفّرة بالنّصر، بل وحتى في البلدان المحايدة. ثانيا، أثبتت هذه التخفيضات أنّها مؤقتة. ففي سبعينيّات القرن الماضي، بدأت الاقتصادات المتقدمة تصبح أقل مساواتيّا، الأمر الذي يتحدّى فرضية كوزنتس الشهيرة.

 

تقع هذه الألغاز تقع في قلب كتاب "المساواتيّ العظيم" (The Great Leveler)، وهو كتابٌ جديدٌ مثير للإعجاب كتبه المؤرّخ والتر شيديل. حيث يقترح شيديل أنّه منذ أن مهّد البحث عن الطعام الطريقَ للزراعة، فإنّ اللامساواة المرتفعة والمتنامية كانت هي القاعدة في البلدان المستقرّة سياسيّا والفاعلة اقتصاديّا. والشيء الوحيد الذي قلّل منها، كما يحاججُ شيديل، كان نوعا من الصدمة العنيفة -صراع كبير مثل الحرب العالمية الثانيّة أو ثورة، أو انهيار الدولة، أو وباء. فبعد كلّ صدمة من هذا القبيل، "تتقلّص الفجوة بين الذين يملكون والذين لم يملكوا، وأحيانا بصورة كبيرة". وللأسف، كان التأثير على المدى القصير مستمرّا بثباتٍ، وبدأت استعادة الاستقرار في حقبةٍ جديدة من اللامساواة المتزايدة.

 

يجدُ كتاب "المساواتيّ العظيم" مثالا بعد مثال على فترات من اللامساواة المتصاعدة تتخللها أحداث كارثيّة سحقت فجأةً توزيع الدخل والثروة  (مواقع التواصل)


واليوم، تقلّص خطر الصدمات العنيفة تقلُّصا كبيرا. لقد أنتجَ الردع النوويّ حربا عظمى لا يمكن تصورها، وأدّى تراجع الشيوعية إلى جعل الثورات التي تستحوذ على الثروات أمرا غير مرجح، وقد جنّبت المؤسسات الحكومية القويّة خطر انهيار الدولة في العالم المتقدم، وحال الطبّ الحديث بين وقوع الوباء. ومع ذلك، قد يكون الترحيب بهذه التغييرات، كما يقول شيديل، قد يطرحُ "شكوكا جديّة حول جدوى التسوية المستقبليّة". وبالفعل، فهو يتوقع أن تستمرّ اللامساواة الاقتصاديّة في الارتفاع في المستقبل المنظور.

 

يجب على كتاب "المساواتيّ العظيم" أن يطلق أجراس إنذار عالية الصوت. ومحقّ شيديل في دعوته لنخب العالم لإيجاد سبل لتحقيق تكافؤ الفرص، والقيام بذلك قبل السيارات بدون سائق، ومخازن الآليّ، والتقدم التكنولوجي الآخر التي تعقد المهمة. ويشير التاريخ الدامي الذي يرويه إلى أنّ الحد من اللامساواة سيكون صعبا، حتى في أفضل الظروف. لكنّه يبالغ أيضا في دعواهُ؛ فهناك أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأنّ المجتمعات تستطيع الإصلاح دونما كوارث مريعة.

 

مسيرةُ اللامساواة

مجتازا العصور والحضارات، يجدُ كتاب "المساواتيّ العظيم" مثالا بعد مثال على فترات من اللامساواة المتصاعدة تتخللها أحداث كارثيّة سحقت فجأةً توزيع الدخل والثروة. إن جمع من الأدلة مثير جدا. إذ يتتبع شيديل توزيع الثروة بين 6000 قبل الميلاد و4000 قبل الميلاد من خلال مؤشرات الرفاه الفيزيقيّ، مثل ارتفاع الهيكل العظميّ وحدوث آفات الأسنان؛ وعلامات الاستهلاك الواضح، مثل الدفن الفخم؛ والأدلة على التسلسل الهرميّ الراسخ، مثل المعابد.

ويقدّر اللامساواة في الإمبراطوريّة الرومانيّة من خلال النظر في أصول كبار المسؤولين والأسر المؤثّرة، كما ورد في التعدادات. ويقيس اللامساواة العثمانيّة من خلال التحول إلى سجلات المستوطنات العقاريّة والمصادرة الرسميّة. أمّا بالنسبة إلى الصين ما قبل الحديثة، فإنّ التقلبات مع مرور الوقت في عدد نقوشات الأضرحة، التي يقدر الأثرياء وحدهم على القيام بها، وهي كنيابة عن الكثافات المتنقلة للثروة. ولا شكّ في أنّ المختصين في عصور ومناطق معينة سيواجهون بعض افتراضات شيديل واستدلالاته وتصوّراته. ولكن ما من قارئ حصيف سيفشل في القناعة بأنّ اللامساواة قد تضاءلت وخبت عبر الزمكان.


يسعى شيديل أيضا إلى تفسير مُسبِّبات اللامساواة. لقد أجاب توماس بيكيتي، في كتابه الأكثر مبيعا "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، على هذا السؤال محاججا بأنّ معدل العائد على الاستثمار يتجاوز عموما معدّل النموّ الاقتصاديّ؛ ممّا يجعل الرأسماليين أكثر ثراءً من أي أشخاص آخرين. يقبل شيديل بهذه الآليّة، لكنّه يضيف آليّات أخرى. ولعلّ أبسط آليّة منها تنطوي على الضراوة والافتراس. فحتّى وقت قريب، كان السبيل الوحيد لأن تصبحَ ثريّا هو أن تفترس ثمار عمل الآخرين. فقد استولى الماكرون على السلطة، ومن ثَمّ تراكمت الثروة من خلال الضرائب ومصادرة الأراضي والاستعباد والغزو. واحتكروا أيضا القطاعات الاقتصاديّة المربحة، لصالح أنفسهم وذويهم وأصدقائهم إلى حدٍّ كبير. إذ تتطلّب ممارسة كلّ هذه السلطة -والإبقاء عليها- الحفاظَ على قدرة عسكريّة قادرة على سحْق المُتحدِّين، الأمر الذي كان، بحدّ ذاته، بمثابة أداة لمزيد من الافتراس والضراوة. ففي روما القديمة، يكتبُ شيديل، "تمتّعَ القادةُ بسلطةٍ كاملة على غنيمة الحرب، وكان لهم قرار كيفيّة تقسيمها بين جنودهم وضبّاطهم ومساعديهم الذين تمّ استمدادهم من طبقة النخبة وخزانة الدولة ومن أنفسهم".

 

في العالم الحديث أيضا، تحافظ الدول السّلطويّة بزمرتها الحاكمة على السلطة السياسيّة، وتكتسب ثرواتٍ هائلةً عن طريق العنف؛ ولتنظروا إلى الصّين ومصر وروسيا والمملكة العربيّة السعوديّة. ولمّا كانت هذه الدّول تختلف عن الدّول ما قبل الحديثة، فهي تتقاسم السّلطة مع الشركات الخاصّة العملاقة. فلم يكن لدى الصّين ما قبل الحديثة نظيرٌ لشركة التجارة الإلكترونيّة "علي بابا"، كما لم يكن لدى مصر ما قبل الحديثة أيّ شيء يعادل بنك الإسكندريّة، وهو أحد أكبر المؤسسات الماليّة في البلاد. يشملُ ملّاك هذه الشركات على البليونيريين الذين أصبحوا أثرياء دونما اعتمادٍ على العنف (أو، على أقلّ تقدير، دون الاعتماد على العنف مباشرةً، لأنهم قد يدعمونه بشكل غير مباشر عن طريق دفع الضرائب إلى الدول القمعيّة). غير أنّ شيديل يحدّ من الدور الذي تلعبه الشركاتُ الخاصّة في خلق اللامساواة واستدامتها في النّظم السّلطويّة الحديثة، وهو خطأ يقوده إلى سبك تنبؤات متشائمة بلا مبرّر بشأن المستقبل.

 

تلعب الشركات العملاقة أدوارا ضخمة أيضا في الديمقراطيّات المتقدمة. ففي هذه البلدان، يُرغَم الجيشُ والشّرطة من جانب مؤسّسات شتّى، ويجب على السياسيين أن يحافظوا على الدعم الشعبيّ للبقاء في السلطة. لكنّ الشيء الوحيد هو أن يكون للمواطنين الحقّ في إزالة إدارة فاسدة وتنصيب أخرى تمكّنهم من ممارسة هذا الحقّ. إنّ للنظام الضريبيّ الأميركيّ الكثيرَ من الثغرات التي تعود بالنّفع على 0.1% الثريين من الأميركيين، ولكنّ الـ 99.9% الآخرين، من خلال الخيارات المتاحة لهم في صناديق الاقتراع، سمحوا فعليّا لهذه الامتيازات بالاستمرار. ويشير شيديل، معترفا بهذه الغرابة، إلى أنّ الناخبين يتصرفون ضد مصالحهم الخاصّة بسبب سلطة النُّخب. وبالتالي، فإنّ اللامساواة تستمرّ في الارتفاع -حتى، والحال كذلك، عندما تخفِّض صدمةٌ ما من حدّتها.

 

اللامساواة متقطّعةً

لعبت عمليات التعبئة المجتمعيّة الجماعيّة التي اقتضتها الحربُ دورا حاسما. فحوالي ربع السكان الذكور في اليابان خدموا في الجيش أثناء النّزاع

مواقع التواصل
 

حدّت الحربُ العالميّة الثانية من اللامساواة أساسا عن طريق طمس الأصول التي ترجعُ إلى الأغنياء بصورة لا متكافئة، مثل المصانع والمكاتب. وكما يلاحظ شيديل، فقد تمّ القضاء على ربع رأس المال الماديّ اليابانيّ خلال الحرب، بما في ذلك أربعة أخماس جميع سفنها التجاريّة، وما يصل إلى نصف مصانعها الكيماويّة. وعلى الرّغم من أن فرنسا كانت من الجانب المظفّر بالنصر، فقد تبخّر ثلثا رأس مالها. وأدت الحرب أيضا إلى انخفاض الأصول الماليّة مثل الأسهم والسندات، كما خفضت قيمة الممتلكات المؤجّرة المتبقية في كل مكان تقريبا. وفي البلدان المنتصرة والمهزومة على حدٍّ سواء، خسرَ الأغنياء حصّة من ثروتهم أكبر من بقيّة السكان.

 

بيد أنّ هذا ليس مجرّد دمار يقلّل من اللامساواة؛ فالضرائب المُستفحلة، التي فرضتها الحكومات على تمويل المجهود الحربيّ، ساعدت أيضا في ذلك. مثلا، في الولايات المتحدة، بلغَ معدّل ضريبة الدّخل الأعلى 94% خلال الحرب، وارتفعت نسبة الضريبة على العقارات إلى 77%. وعلى إثْر ذلك، انخفض صافي الدخل لأعلى من 1% من الكسبة بنسبة الربع، حتى مع ارتفاع الأجور المنخفضة.

 

كما لعبت عمليات التعبئة المجتمعيّة الجماعيّة التي اقتضتها الحربُ دورا حاسما. فحوالي ربع السكان الذكور في اليابان خدموا في الجيش أثناء النّزاع، ورغم أن الحصة كانت أقل في معظم البلدان الأخرى، فلم يكن عدد الرجال المجنّدين صغيرا بالمقاييس التاريخيّة. خلال الحرب وبعدها، شكّل قدامى المحاربين وأُسرُهم دوائر سابقة التنظيم شعرت بأنّ لها الحق في المشاركة في الثروة التي نشأت عن طريق إعادة الإعمار. وفي الولايات المتحدة، لم تضع المحكمة العليا نهاية الانتخابات التمهيديّة للحزب الأبيض وحده إلّا في عام 1944، ولا شكّ في أنّ ذلك عائد جزئيّا بسبب تحوّل الرأي العامّ ضد ّاستبعاد الأميركيين الأفارقة الذين شاركوا في تضحيات زمن الحرب. وتبنّت فرنسا وإيطاليا واليابان حقّ الاقتراع بين عاميْ 1944 و1946. كما حفّز الجهد الحربيّ على تشكيل النقابات التي ضاءلتْ من اللامساواة المتزايدة من خلال منح العمال القدرة على المساومة الجماعيّة والضغط على الحكومات لتبني سياسات مؤيّدة للعمّال. وبالتالي، ساهمت التعبئةُ الجماهيريّة لأغراض العنف الجماعيّ في تحقيق تسوية اقتصاديّة واسعة النطاق.

 

الثورات الشيوعيّة التي هزّت روسيا في عام 1917  أحداثا دمويّة للغاية. وفي غضون سنوات قليلة، ألغى الثوّار الملكيّة الخاصة للأراضي، وقاموا بتأميم جميع الأعمال تقريبا (مواقع التواصل الإجتماعي)


بهذا المنطق، فمن غير المرجّح أن يكون للحروب الحديثة التي يقوم بها الجنود المحترفون تأثيرٌ مماثل. انظروا إلى الحروب في أفغانستان والعراق: فعلى الرغم من أن بعض المحاربين الأميركيين القدامى في هذه الصراعات قد عانوا من الإرهاق، إلا أنهم شكّلوا دائرة صغيرة جدا لكسب اهتمام مؤدًّى ببراعة، وعدد قليل من الأميركيين يشعرون بأنهم مضطرون لدعم تحويلات كبيرة من الثروة للمواطنين الذين تجنّدوا طوعا.

 

إنّ الثورات، يشرح كتاب المساواتيّ العظيم، تؤدّي دورها بشكل كبير مثل الحروب عندما يتعلق الأمر بإعادة التوزيع: فهي تكافئ فرص الوصول إلى الموارد فقط بقدر انطوائها على العنف. لقد كانت الثورات الشيوعيّة التي هزّت روسيا في عام 1917 والصين بدايةً من عام 1945 أحداثا دمويّة للغاية. وفي غضون سنوات قليلة، ألغى الثوّار الملكيّة الخاصة للأراضي، وقاموا بتأميم جميع الأعمال تقريبا، ودمروا النخبة بعمليات الترحيل الجماعيّة والسجن والإعدام.

وأيضا مثلها كلّ هذه الثروة المهدَّمة جوهريا. ولا يمكن أن يقال الشيء نفسه عن الثورات الدمويّة التي كانت لها آثارٌ اقتصاديّة أقلّ بكثير. فمثلا، على الرغم من أنّ الثورة المكسيكيّة، والتي بدأت في عام 1910، أدّت إلى إعادة تخصيص بعض الأراضي، إلّا أنّ تلك السيرورة انتُشرت على مدى ستة عقود، وكانت الأراضي الموزَّعة عموما سيئة الجودة. وكان الثوار غير عنيفين للغاية لتدمير النخبة، والتي سرعان ما نظمت نفسها من جديد وتمكنت من إبطاء الإصلاحات التي عقبت ذلك. ومن ثمّ يستنتجُ شيديل أنّه في غياب العنف الجماعيّ الذي يتركّز في فترة قصيرة من الزمن، فإنّه من المستحيل إعادة توزيع الثروة بصورة مجدية أو تحقيق تكافؤ الفرص الاقتصادية بشكل كبير.

  

وبالفعل، يُشكّك شيديل في وجود مسارات تدريجيّة وتوافقيّة وسلمية لإيجاد مساواة أعظم. بإمكان المرء أن يتصوّر أنّ التعليم يقلّل من اللامساواة من خلال منح الفقراء فرصة لتجاوز وضع والديهم. غير أنّ شيديل يشير إلى أنّه في الاقتصادات ما بعد الصناعيّة، تخدم مدارس النخبة أطفال الآباء ذوي الامتيازات بصورة غير متكافئة، إذ إنّ التزاوج المتلائق (Assortative Mating) -أي ميل الناس إلى الزّواج من أقرانهم الاجتماعيين والاقتصاديين- يزيد من اللامساواة الناجمة على إثره. وبالمثل، يمكن للمرء أن يتوقع الأزمات الماليّة لتكون بمثابة كابحةً أخرى على تركيز الثروة، لأّنها عادة ما تصيب الأغنياء بفحشٍ. لكنّ هذه الأزمات تميل إلى أن يكون لها تأثير مؤقت فقط على ثروة النّخبة. فقد كان انهيار سوق الأسهم عام 1929، والذي دمّر دائما ثروات ضخمة لا تُعدّ ولا تحصى، استثناءً عن القاعدة. وكانت أزمة عام 2008 -التي استردّ معظم المستثمرين الأثرياء عافيتهم منها في غضون سنوات قليلة- أكثر نماذجيّة بكثيرٍ.

 

إن السياسيين الشعبويين اليوم -سواء من اليمين أو من اليسار- يشيطنون جماعاتٍ معيّنة، مما يصرف الانتباه عن المنابع الحقيقيّة للامساواة الاقتصاديّة

الجزيرة
 

يحاج شيديل بأنّ السيرورة الديمقراطيّة لا يمكن الاعتماد عليها للحدّ من اللامساواة. وحتّى في البلدان التي تتمتّع بانتخاباتٌ حرّة ونزيهة، فإنّ تشكيل تحالفات عمليّة تدعم إعادة التوزيع لأمرٌ نادرُ الحدوث. فالواقع أنّ الفقراء يفشلون عموما في الالتفاف حول القادة الذين ينتهجون سياساتٍ مساواتيّة. والحال أنّ شيديل لا يدخل في الكثير من التفاصيل حول السّبب، ولكن المشكلة هي إلى حد كبير مشكلة التنسيق (coordination). فوفقًا لنظرية الفعل الجماعيّ (التي أكسبها أولسون شعبيّة): كلّما كان الائتلاف أكبر، كلّما كان التنظيمُ أصعب. وهذا يعني أنّه بالاعتبار للأرقام وحدها، فإنّ 50% سيكون لديهم دائما صعوبة في التعبئة حول هدف مشترك بصورة أكبر ممّا لو كانت التعبئة لـ0.1%. ولا يقتصر الأمر على أنّ الحوافز للتقدّم تكون أكبر في المجموعات الكبيرة؛ بل، أضف إلى ذلك، الأولويات داخلها يمكن أن تكون أكثر تنوعا. حيث يتفق معظم الأميركيين على الحاجة إلى إصلاح التعليم، ولكنّ الغالبيّة لا يتفقون على التفاصيل.

 

تكمنُ عقبة أخرى أمام الإصلاح في الجهود الرامية إلى إعاقة التعبئة والحشد. ففي جميع أنحاء العالم، عززت النُّخب الأيديولوجيّات التي تركز اهتمام الفقراء على المحاور غير الاقتصاديّة، مثل الثقافة والإثنيّة والدّين. وتنشرُ أيضا نظريّات المؤامرة التي تعزو اللامساواة المزمنة إلى الأشرار، الحقيقيين منهم أو المتخيلين. إنّ السياسيين الشعبويين اليوم -سواء من اليمين أو من اليسار- يشيطنون جماعاتٍ معيّنة، مما يصرف الانتباه عن المنابع الحقيقيّة للامساواة الاقتصاديّة. أما بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والفرنسيّة ماري لوبان، فتلك المنابع هي المهاجرون؛ أمّا بالنسبة لسيناتور الولايات المتحدة بيرني ساندرز والفرنسيّ جان لوك ميلينشون، فهي الشركات. حتى النّخب التي تنكر الشعبويّة تصرف الانتباه عن المشاكل الحقيقيّة. فمثلا، يناصر العديد من الأكاديميين الأميركيين التمييز الإيجابيّ، والذي يميل إلى تفضيل أغنى الأقليّات، كما إنّها ليس لها تأثير حقيقيّ في اللامساواة. نظرا إلى كلّ هذه الحواجز التي تعترض سبيل الإصلاح، فإن تشاؤم شيديل يمكن أن يبدو قائما على أسس سليمة.

 

المساواة في السّلام؟

لكنّ سرديّة شيديل نفسه تقدّم أيضا سببا للأمل: فكما يقرّ كتاب المساواتيّ العظيم، وجدت بعض البلدان طرقا للحدّ من اللامساواة دون كارثةٍ. ففي خمسينيات القرن الماضي، يشير شيديل، قامت كوريا الجنوبيّة بإعادة توزيع الأراضي من أجل تهدئة فلّاحيها وتثبيطهم عن التحالف مع كوريا الشماليّة الشيوعيّة. وخلال الفترة نفسها، قامت تايوان، والتي تخشى غزو الصين القاريّة، بإصلاحات مماثلة لتعزيز الدعم المحليّ. وبالتالي، تمكّن كلٌّ من هذين المكانين من تعزيز المساواة سلْميّا، وذلك من أجل منع العنف الذي كان يمكن أن يكون أكثر تكلفةً بالنسبة إلى النّخب. ويشرح شيديل هذه الحالات من خلال الإشارة إلى أنّ الحرب العالمية الثانيّة والحرب الكوريّة مكنتا الجماهير، وقلّلتا من النّخب. لكنّه يلاحظ أيضا أن حكّام بلاد ما بين النهرين من 2400 قبل الميلاد إلى 1600 قبل الميلاد خفّفوا، مرارا وتكرارا، الديون لمواجهة التزعزع المحتمل. وعلى الرغم من أن عمليات إعادة التعيين هذه لم تساهم في تصحيح المصادر البنيويّة للامساواة، إلّا أنّها تمكنت من الإبقاء على اللامساواة الاقتصاديّة داخل حدود.

 


كان شيديل قد ذكرَ أيضا حالة مفيدة للإمبراطوريّة العثمانيّة. فمنذ القرن الرابع عشر فصاعدا، صادر السلاطين العثمانيّون بانتظام رعاياهم، بمن فيهم التجار والجنود ومسؤولي الدولة. وفي ذروة الإمبراطوريّة، أي في القرن السادس عشر، كان إلغاء هذا الامتياز أمرا لا يمكن تصوره. ولكن ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر، أدّى الارتفاع الاقتصاديّ والتكنولوجيّ والعسكريّ لأوروبا إلى أن تُقلق السلطنة من أن إبقاء هذا الامتياز من شأنه أن يعوق النموّ الاقتصاديّ، ويشجع الانفصالَ، ويهيّئ الساحة للاحتلال الأجنبيّ. وبالتالي، في عام 1839، سّلم السلطان عبد المجيد سلْميّا هذا الامتياز، بالإضافة إلى العديد من النّخب العثمانيّة التي تمتعت بها لعدة قرون. وبعد بضع سنوات، قام بإصلاح النظام القضائيّ، منشئا محاكمَ علمانيّة متاحة للناس من جميع الأديان كبديل للمحاكم الإسلاميّة، التي ساهمت، بسبب التمييز ضدّ العامّة وغير المسلمين، في تعزيز اللامساواة زمنا طويلا.

 

في كافّة هذه الحالات، اختارَ المستفيدون من الامتيازات الراسخة، معترفين بالتهديد الوجوديّ الذي يلوح في الأفق، أقول اختاروا أن يقوموا بإصلاحات. إنّ الموجة الشعبويّة اليوم لا تشكّل بعدُ تهديدا خطيرا لحظوظ الأغنياء. ولكن إذا ما تشيّأت تكهّنات شيديل بالتنامي الأبديّ للامساواة، فإنّ ذلك قد يتغيّر. ويمكن أن يأتي هذا الزناد، مثلا، من استيلاء الداعون الراديكاليّون لإعادة التوزيع في بعض بلدان مجموعة السبعة. في تلك المرحلة، قد تشكّل النخب تحالفات سياسيّة لمتابعة الإصلاحات من أعلى إلى أسفل والتي تعتبر الآن غير واقعيّة على نحو يائسٍ. وفي أوقات السلم والاستقرار، كما اعترف أولسون في كتابه صعود الأمم وانحدارها، تشكّل النُّخب تحالفات لخدمة الذات لزيادة ثروتهم. وفي مواجهة احتمال فقدان كلّ شيء، فإنها قد تفعل الشيء نفسه لتفادي إعادة توزيع أكثر راديكاليّةً.

 

الخبر السارّ هو أن اللامساواة العالميّة قد انخفضت بشكل كبير منذ الحرب العالميّة الثانية، حتى مع تزايد الدخل وتركز الثروة داخل البلدان الكبرى

وكما هو الحال مع أيّ عمل جماعيّ، يمكن لعمليّة الانتفاع أن تقع في مضائق. فقد يختار بعض الأفراد فائقي الثراء السماح لنخب أخرى بتحمّل الأعباء التي ينطوي عليها الحدُّ من اللامساواة، مثل تمويل تحالف جديد بين الحزبين، وإذا كان هناك عدد كاف من المنتفعين، فإن الجهد العام سيفشل. ومع ذلك، فإنّ طبيعة تزايد اللامساواة من شأنها أن تقلّل من مثبطات التعاون: فكلّما زاد تركيز الثروة على الصفوة، كلما قلّ عدد الأشخاص الذين يجب أن ينظموا لتشكيل حركة ملتزمة بتقليل اللامساواة. هناك، في الولايات المتحدة اليوم، ما يزيد قليلا على 100 من عشرة بليونيريين -فالأشخاص الذين لديهم صافي قيمة ١١؛ وإذا شكّل نصفهم فقط كتلةً سياسيّة هادفة إلى رفع الضرائب العقاريّة لتحقيق المساواة في الفرص التعليميّة، فإن الجهد من المرجّح أن يجذب الانتباه.


وثمّة سبب آخر للتقليل من التشاؤم، وإنّه ليتعلق بالسمات النسبيّة لأنواع مختلفة من اللامساواة. إذ يركّز كتاب المساواتيّ العظيم على اللامساواة داخل الدول، دون أن يولي اهتماما يذكر للامساواة فيما بين الدول. ولكن هذه الأخيرة أصبحت ذات صلة متزايدة بالسعادة البشريّة. ومثلما أنّ النقل الجماعيّ يجعل الفوارق الوطنيّة مهمة بالنسبة إلى الأشخاص الذين كان إطارهم المرجعيّ مقتصرا، في السابق، على مجتمعاتهم المحليّة، فإن الإنترنت يزيد من أهمية الفوارق الدوليّة. الأمر الذي يعني الكثير للصينيين اليوم وللمصريين والمكسيكيين أكثر ممّا عنى لأجدادهم بأنهم كانوا عموما أفقر من الأميركيين. فالتقنيات التي تتيح للناس في العالم النامي قدرا أكبر من التواصل مع الناس في العالم المتقدّم -من الدردشة المرئية إلى الجامعات عبر الإنترنت- تَعِدُ بأن تكون هذه الاختلافات العالميّة أكثر أهميّة، مما يقلّل من أهمية اللامساواة الوطنيّة التي يركّز عليها شيديل.

 

أخيرا، إنّ الخبر السارّ هو أن اللامساواة العالميّة قد انخفضت بشكل كبير منذ الحرب العالميّة الثانية، حتى مع تزايد الدخل وتركز الثروة داخل البلدان الكبرى. ومع تنامي البلدان المتخلّفة اقتصاديّا بوتيرة أسرع من البلدان المتقدمة في النموّ -الأمر الذي يرجع، إلى حد كبير، إلى تراجع الحواجز التجاريّة في العالم المتقدم النموّ-، رُدمت الفجوات بين الناس في مختلف البلدان. فقد كان، في أواخر عام 1975، نصف سكان الكوكب يعيشون تحت خط الفقر الحالي البالغ 1.90 دولار في اليوم، وهو ما يعتبره البنك الدوليّ فقرا مدقعا. وانخفضت هذه النسبة الآن إلى 10%. إذ تصدّر الآن البلدان التي دخلت المراحل الأولى للتصنيع قبل بضعة عقود فقط، من الهند وماليزيا إلى شيلي والمكسيك، سلع التكنولوجيا الفائقة. إنّ هذه التحولات الضخمة والسريعة التي تحققت في حقبة سلميّة ملحوظة إنّما توفر أملا لمَن أنهوا كتاب المساواتيّ العظيم مصحوبين بيأس عظيم. 

________________________________________________
 
مترجمٌ عن: (إم سي تي)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار